وللتوضيح أكثر، نبين إرادة الله الحتمية، وهي أفعاله، وإرادته التكليفية من عباده، وهي غير حتمية.
أولًا: إرادة الله الحتمية: أفعاله، كخلق البشر والحيوانات والنبات، والفيضانات والزلازل، والمطر والبرق والرعد، وأشكال الناس وألوانهم، والموت والحياة، والمرض والصحة، إلخ، هي من خلقه، وهي قضاؤه وقدره وإرادته ومشيئته، وهي حتمية لا راد لها؛ فإذا أراد الله شيئًا فعله ووقع لا محالة، وإذا لم يرد شيئًا فلن يحصل.
ثانيًا: إرادة الله التكليفية التخيرية من عباده غير الحتمية: أفعال العباد، كالانتهاء عن الزنا واللواط والظلم والفواحش والمنكرات والكفر، إلخ، وكالإتيان بالصلاة والصيام وصلة الأرحام والتوحيد والإيمان، إلخ، ليست من خلق الله، ولا تدخل ضمن إرادته الحتمية التي لا راد لها.
ويريد الله من عباده فعل الطاعات، ولا يريد منهم فعل المعاصي، وإرادة الله هذه من عباده ليست حتمية؛ قد تتحقق وقد لا تتحقق؛ لأن الله شاء في تكليفهم أن يكونوا مختارين في أفعالهم لا مجبورين، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
فما فعل العباد من الطاعات والقربات، فالله تعالى يريد ذلك ويشاؤه ويحبه ويرضاه، وما فعلوه من المعاصي والمنكرات، فهو لا يريده ولا يشاؤه ولا يحبه ولا يرضاه.
فمن أطاع الله استحق الثواب والجزاء بالحسنى باستحقاق، ومن عصاه استحق العقاب والجزاء بدخول النار باستحقاق، قال تعالى:
﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا عَمِلَتْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
وعليه، فقول المجبرة: «لو فعل العباد شيئًا لا يريده الله لكان عاجزًا» لا يصح؛ لأنهم خلطوا بين إرادة الله الحتمية التي لا تتخلف، وبين إرادته التكليفية التخيرية التي قد تتحقق وقد لا تتحقق. فالله تعالى لم يرد من عباده أن يطيعوه على أي حال طوعًا أو كرهًا، وإنما شاء أن يكونوا مختارين؛ ولذلك قد يطيعون وقد يعصون، دون أن يلزم من وقوع المعصية عجزٌ في الله تعالى أو مغلوبية.
فلا يلزم من وقوع المعصية من العبد عجز الباري سبحانه؛ لأن العجز إنما يكون عندما يريد القاهر قسر أحدٍ على أمر فيعجز عن إجباره. والله تعالى لم يرد إجبار العباد على الطاعة قسراً، بل أراد اختبارهم بالحرية والاختيار. ولو أراد سبحانه إجبارهم جميعاً لم يعجزه شيء، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99]. أي لو أراد منهم الإيمان كرها بالقهر والإجبار لفعل
فالله تعالى قادر على الجبر والإكراه، لكنه لا يريد الجبر والإكراه؛ لأن ذلك مخالف للحكمة من تكليف المكلفين، وهي أن يكونوا مختارين في أفعالهم وتصرفاتهم، قال تعالى : ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.لكي يكون الجزاء بالاستحقاق. ولو كانوا مجبورين لبطل التكليف، وكان الجزاء على غير استحقاق.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.