أجيب عليهم:
بأن الواجب إثبات ما أثبت الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، ومع ذلك فيجب أن ننفي عن الله تعالى ما نفاه عن نفسه؛ فإنه تعالى قد نفى عن نفسه أي مشابهة أو مماثلة بينه وبين مخلوقاته، فقال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقال سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4]، وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وقال: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110].
ونحن إذا أثبتنا لله تعالى صفة الحلول في الأمكنة، والصعود، والهبوط، وصفة العينين، والأذنين، والشفتين، والأسنان، واللسان، واللهوات، والضحك، والكلام، واليدين، والقدمين، والجنب، وأنه على صورة آدم طوله ستون ذراعًا، نكون بذلك قد ساوينا بينه وبين خلقه، وشابهنا بينهما، وكنا حينئذٍ قد ألحقنا بالباري صفات النقص، ووسمناه بها، وكان مقتضى قولنا وفحواه أن الله تعالى محدث مخلوق، وذلك حين وصفناه بالصفات التي يستدل بها على إبداع الصنعة، وإتقان التركيب والتقدير.
توضيح ذلك: هو أن يقال: إن للنملة عينين تختص بهما وتليقان بها، ولها أذنان تسمع بهما تليقان بها، ولها يدان ورجلان تليقان بها.
ثم يقال: إن للجمل عينين، وأذنين، ويدين، ورجلين تليق به وتختص به.
ونحن إذا قلنا هذا القول فإننا قد شابهنا بين النملة والجمل في صفات محددة، وذلك في أن لكل من النملة والجمل آلة بصر، وآلة سمع، وآلة مشي، ولا شك أنهما من هذه الناحية متشابهان ومتساويان، لا فرق بينهما في ذلك، أعني في أن لهذا آلة سمع، وآلة بصر، ولهذا آلة سمع، وآلة بصر… إلخ.
فإن قالوا: لا مشابهة بينهما؛ لأن عين النملة صغيرة، وكذلك أذنها، ويداها، ورجلاها، كل ذلك صغير في مقداره، وعين الجمل، وأذنه، ويداه، ورجلاه، كل ذلك كبير وعظيم.
فيجاب: بأن المشابهة بينهما إنما هي في أن كل واحد منهما له آلة سمع، وآلة بصر، وآلة مشي، ووجود المفارقات بينهما من جهة الكبر والصغر، والشكل، والهيئة، لا يعني أنه لا تشابه بينهما من تلك الجهة التي ذكرنا، ولا شك عند العقلاء أن المشابهة بين الشيئين تصح من وجه دون وجه، ويفترقان من وجه دون وجه.
وبناءً على ذلك، فقولهم: إن لله تعالى يدين تليقان به وتختصان به، يحتم المشابهة بينه تعالى وبين خلقه، وأن وجود فوارق أخرى لا يرفع هذا التشابه المخصوص.
لذا فإن قولهم بأن لله تعالى يدين، وقدمين، وعينين، وأذنين، ليس من صفات الكمال، بل الواقع أن ذلك من صفات النقص التي لا تكون إلا للمحدثات الضعيفة؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى آلات القبض، والبسط، والمشي، والإدراك. أما الله تعالى فإنه غني عن الحاجة إلى الآلات؛ لأنه تعالى غني بذاته عن كل شيء، فهو يسمع ويبصر من غير آلة للسمع والبصر، ويخلق ويصنع من غير آلة، ولا يدين يحركهما ويسكنهما: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].
وأيضًا، إن جميع المخلوقات تشترك في وصف الجسمية؛ فكل جسم له حدود، وهيئة، وشكل، ولون، ومقدار، وأبعاد، وكل ذلك مقدر بتقدير مقدِّر. وإنما تختلف الأجسام في الكبر والصغر، والقوة والضعف، مع اشتراكها جميعًا في أصل الجسمية. فإذا أثبتنا لله تعالى الأعضاء، والجوارح، والآلات، والجهات، فقد أثبتنا له الجسمية ضرورة؛ لأن هذه هي خصائص الجسم، فيلزم أن يكون مماثلًا لسائر الأجسام في أصل الجسمية، وإن ادُّعي اختلاف الكيفية. وهذا هو عين التشبيه الذي نفاه الله تعالى بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
فسبحان من تنزه عن الجسمية، والحدود، والجهات، والأعضاء، والجوارح، وعن كل ما هو من خصائص المخلوقات، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
