Skip to content
الزيدية في : بلاد الحرمين
أئمة أهل البيت (ع) في منطقة : بلاد الحرمين
الامام المهدي محمد بن عبدالله النفس الزكية عليه السلام

هو: أبو عبدالله، وقيل: أبو القاسم محمد بن عبدالله الكامل بن الحسن الرضى بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، وكان أبوه عبدالله يسمى: الكامل، كان يقال: مَنْ أجمل الناس؟ من أفضل الناس؟ من كذا؟ من كذا؟ فيقال: عبدالله بن الحسن فُسمِّي الكامل لذلك.

وروي أنه صلى الفجر بوضوء المغرب والعشاء الآخرة ستين سنة، فإذا كان آخر الليل سجد سجدة يقول فيها: سبحانك لم أعبدك حق عبادتك، غير أني لم أشرك بك شيئًا.
وأما الحسن الرضى فقد كان من أفاضل العترة عليهم السلام، وكان قد قام للجهاد في سبيل الله، وجرت بينه وبين الحجاج وقعات كثيرة كان في أكثرها له الظفر عليه السلام على ما تقدم ذكره.
وأما الحسن السبط فهو سيد شباب أهل الجنة.
وأما أمير المؤمنين عليه السلام فناهيك به شرفًا وفضلاً وهو سيد العرب كما تقدم.
أولئك قومٌ بارك الله فيهم  …. فما صاعهم من مجدهم بطفيف
ولله القائل:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم … دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه

وكان عليه السلام يسمَّى المهدي، ويسمى صريح قري ش؛ لأنه لم يكن في أبائه من أمه أم ولد إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك جداته من قبل أمه، وكان يسمى: النفس الزكية؛ لورود الأثر أن النفس الزكية يقتل فيسيل دمه إلى أحجار الزيت، وقد كان كذلك عليه السلام.
وأمه: هند بنت أبي عبيدة بن عبدالله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وحملت به أمه عليه السلام أربع سنين، قال السيد أبو طالب عليه السلام: وولد في سنة مائة في بعض الروايات، قال وروي غير ذلك)

صفته (ع)

كان عليه السلام آدم شديد الأدْمَة، قد خالطه الشيب في عارضيه، وكانت له شامة في كتفه تشبه شامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذكره السيد أبو طالب عليه السلام وفيه يقول الشاعر:

إن الذي تروي الرواة لبينٌ ... إذا ما ابن عبدالله فيهم تجردا

له خاتم لم يعطه الله غيره ... وفيه علامات من البر والهدى

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وكان شجاعًا فارسًا خطيبًا بارعًا في الخطبة على تمتمة كانت تعتريه إذا تكلم، فإذا عرضت له ضرب بيده صدره فينفتح لسانه، وهو أول من ظهر من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخوطب بأمير المؤمنين، وبعده محمد بن جعفر بن محمد عليهم السلام.

ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)

كان عليه السلام غزير العلم، وافر الفهم، قد سمع من أبائه عليهم السلام الحديث، وسمع من نافع وابن طاووس، وله كتاب ((السير)) المشهور، قال السيد أبو طالب عليه السلام: وسمعت جماعة من فقهاء أصحاب أبي حنيفة وغيرهم يقولون: إن محمد بن الحسن نقل أكثر مسائل السير من هذا الكتاب، وفيه من غرائب الفقه ما يدل على علو منزلته، ويكشف عن عالي مرتبته.
وروى الشيخ أبو الفرج: في مقاتل الطالبية بأسانيده عن عيسى بن زيد عليهما السلام، قال: لو أنزل الله سبحانه على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أنه باعث نبيا بعده لكان ذلك النبي محمد بن عبدالله بن الحسن.
فهذا كلام عيسى بن زيد عليهما السلام وهو من أقمار الهدى، وممن لا يتمارى في فضله، ولا يشك في شدة ورعه ونبله، وهو الذي يُعرف بمؤتم الأشبال، وذلك أنه عليه السلام لما انصرف من وقعة باخمرا، وقد شهدها مع إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام؛ خرجت لبوةٌ مع أشبالها فعرضت في الطريق وجعلت تحمل على الناس، فنزل عيسى بن زيد عليهما السلام، فأخذ سيفه وترسه ثم برز إليها فقتلها، فقال له مولى له: أيتمت أشبالها يا سيدي، قال: فضحك وقال نعم أنا مؤتم الأشبال، قال: فلزمه هذا الاسم، فكان بعد ذلك إذا أراد أصحابه أن يذكروه كنوا عنه، فقالوا: قال مؤتم الأشبال كذا، وفعل مؤتم الأشبال كذا، فيخفى أمره وذلك؛ لأنه عليه السلام لحقه من المحنة بالاستتار من أعداء الله المارقين ما عظمت عليه بسببه البلوى.
وقد روى الشيخ أبو الفرج في مقاتل الطالبية عن محمد بن منصور المرادي قال: قال يحيى بن الحسين بن زيد: قلت لأبي: يا أبه، إني أشتهي أن أرى عمي عيسى، فإنه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدة، وقال: إن هذا أمرٌ يثقل عليه، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهة للقائك إياه فتزعجه، فلم أزل به أداريه وألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك، فجهزني إلى الكوفة، ثم قال لي: إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي، فإذا دللت عليها فاقصده في السكة الفلانية، وسترى في وسط السكة دارًا لها باب صفته كذا وكذا، فاعرفه واجلس بعيدا منه في أول السكة، فإنه سيقبل عليك أول المغرب كهل طوَال مصفر مستور الوجه، قد أثر السجود في جبهته، عليه جبة صوف يستقي الماء على جمل، وقد انصرف يسوق الجمل، لا يضع قدمًا ولا يرفعها إلا ذكر الله عز وجل ودموعه تنحدر، فقم فسلم عليه وعانقه، فإنه سيذعر منك، فعرِّفه بنفسك، وانتسب له، فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلاً، ويسألك عنا جميعًا، ويخبرك بشأنه ولا تضجر من جلوسك معه، فلا تطل، ودعه فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك، فإنك إن عدت إليه توارى منك واستوحش وانتقل من موضعه، وعليه في ذلك مشقة.
فقلت له: أفعل كلما أمرتني به، ثم جهزني إلى الكوفة وودعته وخرجت، ولما وردت الكوفة قصدت سكة بني حي بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي، فلما غربت الشمس إذا أنا به يسوق الجمل، وهو كما وصف لي أبي، لا يرفع قدمًا ولا يضعها إلا وحرَّك شفتيه بذكر الله، ودموعه ترقرق من عينيه، وتذرف أحيانًا، فقمت فعانقته، فذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت: يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك، فضمني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه، فأناخ جَمَله وجلس معي، وجعل يسألني عن أهله رجلاً رجلاً، وامرأة امرأة، وصبيًّا صبيًّا، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء، فأصرف مما اكتسبته أجرة الجمل إلى صاحبه، وأتقوت بباقيه، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء، فأخرج إلى البريَّة -يعني بظهر الكوفة فألقط ما يرمي الناس به من البقول وأتقوته، وقد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته، فهي لا تعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت مني بنتًا، فنشأت وبلغت وهي أيضًا لا تعرفني ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوج ابنتك بابن فلان السقاء لرجل من جيراننا يستقي الماء فإنه أيسر منها وقد خطبها، وألحت عليَّ، فلم أقدر على إخبارها أن ذلك غير جائز، ولا هو بكفء لها فيشيع خبري، فجعلت تلح عليَّ فلم أزل استكفي الله أمرها، حتى ماتت بعد أيام، فما أجدني آسَى على شيء من الدنيا اساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ثم أقسم عليَّ أن أنصرف فودعني، فلما كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي انتظرته فيه لأره فلم أره، وكان آخر عهدي به.
هذا ما حكاه الشيخ أبو الفرج، وإنما حكينا من قصة عيسى بن زيد عليهما السلام ذلك؛ لأنه تمهيد لما قاله في محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام؛ ليعرف المنصف أنه إذا قال فيه ما حكيناه على علمه وفضله وورعه وثقته كان صادقًا في قيله فتظهر الحال وتنجلي في محمد بن عبدالله عليهما السلام وإن كان ظاهرًا جليًّا؛ غير أن ذلك زيادة في اليقين.
وروى الشيخ أبو الفرج: أيضًا بإسناده إلى حيث انتهى قال: سمعت عبدالله بن حفص العامري يقول في حديث حدث به عن محمد: حدثني من لم تر عيني والله ممن خلق الله خيرا منه ولا أراه أبدًا، محمد بن عبدالله عليهما السلام، فقال له ابنه: إنما أفلتَّ من يد أبي جعفر أمس في ضرب عنقك، وهذا ابنه فقال: يا بني هذا والله أمر لا يبالي أبوك لو ضربت عليه عنقه.
وروينا بالإسناد الموثوق به عن عمير بن الفضل الخثعمي قال: رأيت أبا جعفر الذي لقب من بعد بالمنصور يومًا، وذلك في زمان بني أمية، وقد خرج محمد بن عبدالله من دار أبيه وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود، فلما خرج وثب أبو جعفر فأخذ بركابه حتى ركب، ثم سوى عليه ثيابه على السرج، ومضى محمد فقلت له - وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمدًا: مَن هذا الذي عظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه وسويت عليه ثيابه؟ فقال: أو ما تعرفه؟ قلت: لا، قال: هذا محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن، مهدينا أهل البيت.
وانظر إلى أبي جعفر الملقب بالمنصور في صنيعه لمحمد بن عبدالله عليهما السلام وإقراره بفضله وما انتهى إليه حاله بعد ذلك من سفك دمه في حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي حَرَّم فيه عَضْدَ شجره؛ فكيف ببعض من أبعاضه فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وروينا عن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام: أنه سئل عن أخيه محمد عليه السلام أهو المهدي الذي يذكر؟ فقال: المهدي عِدَةٌ من الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم وَعَده أن يجعل من أهله مهديًّا لم يسمه بعينه ولم يوقِّت زمانه، وقد قام أخي بفريضته عليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أراد الله أن يجعله المهدي الذي يذكر فهو فضل الله يمن به على من يشاء من عباده، وإلا فلم يترك أخي فريضة الله عليه لانتظار ميعاد لم يؤمر بانتظاره.
وروينا عن أبي خالد الواسطي قال: لقيت محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام قبل ظهوره بمدين فقلت: يا سيدي، متى يكون هذا الأمر؟ فقال لي: وما يسرك منه يا أبا خالد؟ فقلت: يا سيدي، وكيف لا أسر بأمر يخزي الله به أعداءه، وينصر به أولياءه؛ فقال: يا أبا خالد أنا خارج وأنا والله مقتول، والله ما يسرني أن الدنيا بأسرها لي عوض عن جهادهم، يا أبا خالد إن امرءا مؤمنا لا يصبح حزينا ويمسى حزينًا مما يعاين من أعمالهم إنه لمغبون مفتون.
قال: قلت: يا سيدي والله إن المؤمن لكذلك، ولكن كيف بنا ونحن مقهورون مستضعفون خائفون لا نستطيع لهم تغييرًا فقال: يا أبا خالد إذا كنتم كذلك فلا تكونوا لهم جمعا وانفذوا من أرضهم.
وروى الشيخ أبو الفرج: بإسناده عن سعيد بن عقبة قال: كنَّا مع عبدالله ابن الحسن بسويقة وبين يديه صخرة، فقام محمد يعالجها ليرفعها، فأقّلها حتى بلغ ركبتيه، فنهاه أبوه فانتهى، فلما دخل عبدالله عاد إليها فاستقلها حتى طلع بها على منكبيه ثم ألقاها فحزرت ألف رطل.
قال وحدثنا: موسى بن عبدالله عن أبيه عن سعيد بن عقبة بهذا، قال أبو زيد: ووقف موسى على الصخرة بسويقَه، وذكر لي أنه ورجل من أصحابه عالجها وهي على حرفها فكان جهدهما أنهما حركاها.
وله عليه السلام:
متى نرى للعدل نورًا وقد ... أسلمني ظلمٌ إلى ظلم
أمنية طال عذابي بها ... كأنني فيها أخو حُلْمِ
وخطب عليه السلام على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: والله لقد أحيا زيد بن علي ما دثر من سنن المرسلين، وأقام عمود الدين إذ اعوج، ولن ننحو إلا أثره، ولن نقتبس إلا من نوره، وزيدٌ إمام الأئمة، وأولى من دعا إلى الله بعد الحسين بن علي عليهما السلام.

ذكر بيعته ونبذ من سيرته (ع)

كان ظهوره عليه السلام بالمدينة بعد أن أقام مستترًا مدة طويلة، واشتد الطلب عليه من أبي جعفر الملقب بالمنصور فلم يقف له على خبر، وكتب كتاب الدعوة إلى الناس وأمر بإذاعته، وهو هذا على اختصار:

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإن الله جل ثناؤه جعل في كل زمان خيرة، وجعل من كل خيرة منتجبًا، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فلم تزل الخيرة من خلقه تناسخ أحوالاً بعد أحوال، حتى كان منها صفوة الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد المرسلين وخاتم النبيين، اختصه بكرامته، وأخرجه من خير خلقه قرنا فقرنا، وحالا بعد حال، محفوظًا مُجَنَّبًا سوء الولادات، متسقًا بأكرم الآباء والأمهات، فلو أن أحدنا في مثل منزلته، وعند الله في مثل حاله؛ لاصطفاه ولأخرجه من مخرجه تبارك وتعالى، ولكن نظر إليه برحمته، واختاره لرسالته، واستحفظه مكنون حكمته، وأرسله بشيرًا ونذيرًا، وقائدًا إليه وسراجًا منيرًا، ثم قبضه الله إليه حميدًا صلى الله عليه وآله وسلم، فخلّف كتابه الذي كان به هدى واهتدى، وأمر بالعمل بما فيه، وقد نجم الجور، وخولف الكتاب الذي به هدى واهتدى، وأميتت السنة، وأحييت البدعة، ونحن ندعوكم أيها الناس إلى الحكم بكتاب الله وإلى العمل بما فيه، وإلى إنكار المنكر، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونستعينكم على ما أمر به في كتابه من المعاونة على البر والتقوى.

واعلموا أيها الناس أنكم غير مصيبي الرشد بخلافكم لذريته صلى الله عليه وآله وسلم، ووضع الأمر في غير محله، فغارت أُجُدُكم بعد جُمَاحها، وتفرقت جماعتكم بعد اتساقها، وشركتم الظالمين في أوزارها لترككم التغيير على أمرائها، ودفع الحق من الأمر إلى أوليائه، فلا سهمنا أُوفيناه، ولا تراثنا أعطيناه، وما زال يولد مولودنا في الخوف، وينشأ ناشئنا في القهر والغلبة، ويموت ميتنا بالذل والقتل، بمنزلة بني إسرائيل يُذبح أبناؤهم ويُستحيى نساؤهم، ويولد مولودهم في المخافة، وينشأ ناشئهم في العبودية، وإنما فخرت قريش على سائر الأحياء بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودانت العجم للعرب بادعائها لحقنا بأبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ثم مُنِعْنَا حقه، وَدُفِعْنا عن مقامه، أما والله لو رجوا التمكين في البلاد، والظهور على الأديان، وتناول الملك بخلاف إظهار التوحيد، وبخلاف الدعوة إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإذعان منهم بالقرآن، لاتخذوا أساطير مختلفة بأهوائهم، ولعبدوا الأوثان بآرائهم، ولاتخذوا من أنفسهم زعيمًا، فاتقوا الله عباد الله، وأجيبوا إلى الحق، وكونوا عليه أعوانا لمن دعاكم إليه، ولا تأخذوا بسنة بني إسرائيل إذ كذّبوا أنبياءهم، وقتلوا ذريتهم، على أنها سنة لسنة ترتكبونها، وعروة بعد عروة تنكثونها، وقد قال الله جل ثناؤه في كتابه: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق: 19] فاعرفوا فضل ما هداكم به، وتمسكوا بوثائقه، واعتصموا بعروته، من قبل هرج الأهواء، واختلاف الأحزاب، وتنكب الصواب، فإن كتابي حجة على من بلغه، ورحمة على من قبله، والسلام.

وكتب عليه السلام كتابًا إلى خواص أصحابه، وأمر بقراءته عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإن الله جل ثناؤه بعظمته ألزم نفسه علم الغيوب عن خلقه؛ لعلمه أنها لا تصلح إلا له، ثم أنشأ خلقه بلا عون، ودبَّر أمره بلا ظهير، ابتدأ ما أنشأ على غير مثال من معبود كان قبله، ثم اختار لتفضيله بعلمه من ملائكته ورسله من ائتمنه على أسرار غيوبه، لم يلاحظه في الملكوت عين ناظرة، ولا يدٌ لامسة، متفرد بما دبر، ذلكم الله رب العالمين إلى أن أخرج محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من خير نسل ذوي العزم من الرسل، تناسخه دوارج الأصلاب، إلى مطهرات الأرحام، حتى استخرجه خير جنين، وأصحبه خير قرين، أرسله بنور الضياء إلى أهل الظلم والكفر، قد نسكوا وذبحوا للأصنام، واستقسموا بالأزلام، مترددين في حيرة الضلالة، كلما ازدادوا في عبادتهم جهلا ازدادوا من الله بها بعدا، حتى تصرمت عنهم مدة البلاء بقيام محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيهم يدعوهم إلى النجاة، ويضمن لهم الظفر في الدنيا، وحسن المثوبة في الآخرة، ويخبرهم عن القرون الماضية، كيف نجا من نجا منهم بالاستجابة لرسلهم، وكيف بعث العذاب على من تولى منهم وأمثالهم، وانظر إلى آثارهم وديارهم خاوية على عروشها كيف تركوها وما فيها، فقال: يا قوم احذروا مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود، فأبوا إلا التكذيب بالتوحيد، واستعظموا أن يجعلوا الآلهة إلها واحدا، فلما أمر أن يجاهد بمن أطاعه من عصاه، كبر عليه مجاهدة الكثير من المشركين بالقليل من المسلمين، ضمن الله له عاقبة الأمر والظفر، وشدَّ له أزره وأعانه بابن عمه وابن صنو أبيه، وشريكه في نسبه، ومؤنسه في وحدته، من الشجرة المباركة، استجاب له على ضراعة من سنّه، حتى سيط الإسلام بلحمه ودمه، لم يخشع بين يدي آلهتهم وَعُزَّاهم، إذ هي تدعى وغيره خاشع لها، عاكف عليها هي له منسك، إلى أن اشتد على الضرع الصغير على التوحيد عظمه، وعظمت في اتخاذ الخير هممه إليه يستريح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسراره، فكان هو عليه السلام الصديق الأكبر، والفارس المشهر، سابق العرب إلى الغاية، ليس أمامه فيها إلا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المرسل، بالكتاب المنزل، يصلي بصلاته، ويتلو معه آياته، تفتح لعملهما أبواب السموات السبع، تهوى جبهته مع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إلى القبلة المجهولة عند قومه، ليست إصبع يمدها متوسلاً إلى الله جل ثناؤه غير إصبعه، ولا ظهر يحنو لله في طاعته قبل ظهره، إن ساماهم بشرفه في أوليته سبق عليهم بفارع غصون مجده، وعواطف شرف من قام عنه من أمهاته، ثم نشأ في حجر من نشأ، يؤدبه بالكتاب، إذ غيره يباكر عبادة اللات والعزى، شهد له القلم الجاري بعلمه في حال الفردانية، إذ هو يسارق الصلوات أهله، إذ لا قلم جار، ولا شهيد على مطيع ولا عاص غيره، يكاثف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواطنه، ويستريح إليه بأسراره، ويستعديه بهممه، إذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المستوحش من جماعتهم، والخائف على دمه منهم، أين زال النبي صلى الله عليه وآله وسلم زال معه، وإن غال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر وقاه بنفسه، فمن يساويه وهذه حاله صلوات الله عليه؟، والحال هذه حال القوم في كفرهم بربهم، وإنكارهم رسوله، واختيارهم عبادة أوثانهم، وعلي بن أبي طالب عليه السلام يعظِّم ما صغَّروا، ويكرم ما أهانوا، حتى دخل من دخل في دين الله رغبة ورهبة، فلما طال على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكذيب قومه إياه استشار عليًّا صلوات الله عليه فقال: ما ترى؟ قال: يا رسول الله: ها سيفي، وكان بالضرب به دونه جوادًا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لم أؤمر بالسيف فنم على فراشي، وق بنفسك نفسي حتى أخرج فإني قد أُمرت بذلك، فنام على فراشه ووقاه بنفسه باذلاً لمهجته، واثقًا بأن الله تعالى غير خاذله، ومن يدعي الفضل له عليه: إما راصد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو معين عليه، أو جالس عنه، همُّهم في ذبائح الغنم على الأصنام، والإستقسام بالأزلام، وأقلام الملائكة عليهم السلام تصعد بعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما استقرت به الدار، وحل في الأنصار، أمره الله جل ثناؤه أن يشهر سيف التوحيد، وضمن له التأييد، فجاءت حال المنابذة، وتدانت الزحوف، أيده الله جل ثناؤه بعلي بن أبي طالب عليه السلام، فقام إليهم وله خطرات بسيفه ذي الفقار، فسألوه عن النسبة، فانتهى إلى محل اليفاع الذي لا لأحد عنهم مرغب، وأوجل الله قلوبهم من مخافته حتى اجتنبوا ناحيته، فما زالت تلك المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى سمته رجال قريش، وحتى تشاغلت نساؤهم بالمآتم، فكم من باكية أو داعية، أو موتور قد احتشى غلته بفقدانه أباه أو أخاه أو عمه أو خاله أو حميمه، يخوض مهاول الغمرات بين أسنة الرماح، لا يثنيه عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنوة حداثة، ولا ظنٌّ بمهجته، حتى استولى على الفضل في الجهاد في سبيل الله، وكان أحب الأعمال إلى الله، وزرعَ إبليس عدو الله بغضه في قلوبهم، فلاحظوه بالنظر الشزر، وكسروا دونه حواجبهم، وراسوا بالقول فيه، والطعن عليه، فلم يزده الله بقولهم فيه إلا ارتفاعًا كما نالوا منه، نزل القرآن بجميل الثناء عليه في آي كثير من كتاب الله، قد غمهم مكانه في المصاحف، ومن قبل ما أثبته الله جل ثناؤه في وحي الزبور: أنه وصي الأوصياء، وأول من فتح بعمله أبواب السماء.

فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أولاهم بمقامه، ليس لأحد مثله في نصرته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخ ليس لهم مثله له جناحان يطير بهما في الجنة، وعمٌّ له سيد الشهداء في جميع الأمم، وابنان هما سيدا شباب أهل الجنة، وله سيدة نساء العالمين، ثم قبض. ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ أهله في جهازه إلى ربه، واختلفوا فيمن يلي الأمر من بعده، فقالت الأنصار: نحن الذين آوينا ونصرنا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر وهو بباب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر جهازهم له والصلاة عليه، فقال له: إنك لغافل عما أسست الأنصار وأجمعوا عليه من الصفقة على يد سعد بن عبادة، ثم تناول يده عمر فجذبه فأقامه حتى انتهى إلى سعد، وقد عكفوا عليه وازدحموا حوله، وتكلم أبو بكر فقال: يا معشر الأنصار، أنتم الجيران والإخوان، وقد سمعتم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن هذا الأمر لا يصلح إلا في قريش))، وقد علمت العرب أني أوسطها دارًا، وأصبحها وجها، وأبسطها لسانا، وأن العرب لا تستقيم إلا علينا، فقال عمر: هات يدك يا أبا بكر أبايعك، فمد يده أبو بكر فضرب عليها بشير بن سعد، ثم ثلث أبو عبيدة بن الجراح، ثم تتابعت الأنصار، فبلغ ذلك عليًّا عليه السلام فشغله المصاب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن القول لهم في ذلك، واغتنموا تشاغله برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنظر علي عليه السلام لدين الله قبل نَظَره لنفسه فوجد حقه لا ينال إلا بالسيف المشهور، وتذكر ما هُم به من حديث عهد بجاهلية؛ فكره أن يضرب بعضهم ببعض فيكون في ذلك ترك الألفة، فأوصى بها أبو بكر إلى عمر من غير شورى، فقام بها عمر وعمل على الولاية بغير عمل صاحبه، ليس بها عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تأول من كتاب الله إلا رأي توخاه هو فيه مفارق لرأي صاحبه، جعلها بين ستة نفر، وضع عليهم أمناء

أمَرَهم إن اختلفوا أن يقتلوا الأقل من الفئتين، فصغّروا ما عظم الله وصاروا ولاة السوء، سُدت عليهم أبواب التوبة، واشتملت عليهم النار بما فيها والله جل ثناؤه بالمرصاد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ثم انتشرت دعوته عليه السلام، فلما بلغت إلى أهل الفضل والدين تلقوها بالقبول والإجابة لمعرفتهم بفضله وزهده وعلمه، وانتشرت في الآفاق، وظهرت بخراسان، وبايعه الجمهور من أهلها، واضطرب أهل خراسان على أبي الدوانيق اضطرابا شديدا، حتى همّوا بطرد ولاته ودعاته، فقتل محمد بن عبدالله بن عمرو ابن عثمان، وأمه: فاطمة بنت الحسين، وأمر برأسه مع عدة من الناس يحلفون لأهل خراسان أن هذا رأس محمد بن عبدالله بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسكتوا بعد أن كانوا هموا بخلع أبي الدوانيق، وصار أبو جعفر شديد الشغل به؛ لما يعرف من شهامته وفضله وعلمه، وجرت بينه عليه السلام وبين أبي جعفر الدوانيقي مكاتبات كان ابتداؤها من أبي جعفر، كتب إليه أولاً من عبدالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبدالله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ .... الآية} [المائدة: 33].

ولك عهد الله وميثاقه، وذمته وذمة رسول الله إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أني أؤمنك وجميع ولدك وإخوانك وأهل بيتك على دمائهم وأموالهم، وأستودعكم ما أصبتم من دم وأموال، وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج، وأنزلك من البلاد بحيث شئت، وأخلي من في محبسي من أهل بيتك، وأؤمن كل من آواك أو بايعك ودخل في شيء من أمرك ثم لا أتبع أحدًا منهم بشيء كان منهم أبدًا، وإن أحببت أن توثق لنفسك فوجه إلي من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق وما تثق به وتطمئن إليه إن شاء الله، والسلام.

فكتب إليه النفس الزكية: من عبدالله محمد بن عبدالله أمير المؤمنين إلى عبدالله بن محمد {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله تعالى: {مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 1 - 6].

وأنا أعرض عليك من الأمان ما عرضت علي، وأنت تعلم أن الحق حقنا، وأنكم ادعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم بشيعتنا، وأن أبانا عليًّا كان الإمام فكيف ورثتم ولايته دون ولده؟ ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرف أبينا، وأنا لسنا من أبناء الطلقاء، ولا العتقاء، ولا اللعناء، ولا الطرداء، وأنه لا يمت أحد من بني هاشم بمثل ما نمت به من القرابة والسابقة والفضل، فإنا بنو أم رسول الله عليه السلام في الجاهلية، وفي الإسلام بنو ابنته دونكم، وأن الله اختارنا واختار لنا، فولدنا من النبيين أفضلهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن السلف أولهم إسلامًا علي بن أبي طالب عليه السلام، ومن الأزواج أفضلهن خديجة أول من صلى القبلة- رحمة الله عليها، ومن البنات فاطمة سيدة نساء العالمين- رحمة الله عليها، ومن المولودين في الإسلام الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن هاشما ولد عليًّا مرتين، وأن عبدالمطلب ولده مرتين، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولدني مرتين وإني من أوسط هاشم نسبًا، وأصرحهم أمًّا وأبًا، وأنه لم يعرف في سجحم، ولم يتنازع فيَّ أمهات الأولاد، وما زال الله تعالى يختار لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام، حتى اختار لي في الثأر، فأنا ابن أرفع الناس درجةً في الجنة، وأنا ابن أهون الناس عذابًا، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير أهل الجنة والنار، ولك إن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك ودمك وعلى كل أمر أحدثته إلا حدًّا من حدود الله، أو حقًّا لمسلم أو معاهد، وقد علمت ما يلزمك في ذلك ومن ذلك، وأنا أولى بالأمر منك، وأوفى بالعهد والعقد؛ لأنك تعطيني من عهدك ما أعطيته رجالاً من قبلي، فأي أمانك تعطيني: أمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبدالله بن علي؟ أم أمان أبي مسلم؟ والسلام.

فأجابه أبو جعفر: من عبدالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبدالله أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، فجلُّ فخرك بقرابة النساء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء؛ لأن الله تعالى جعل العم أبًا، وبدأ به على الولد الأدنى، ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن لكانت آمنة أقربهن رحمًا، وأعظمهن حقًّا، وأول من يدخل الجنة غدًا، ولكن اختار الله لخلقه على قدر علمه الماضي منهم، فأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وولادتها فإن الله لم يرزق من ولدها ذكرًا ولا أنثى الإسلام، ولو كان أحد من ولدها رزق الإسلام بالقرابة لكان عبدالله بن عبد المطلب أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، ولكن الأمر إلى الله يختار لدينه من يشاء، قال الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] ولقد بعث الله نبيه محمدا وله عمومة أربعة، وأنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] فدعاهم فأنذرهم، فأجابه اثنان: أحدهما أبي، وأبى اثنان: أحدهما أبوك، فقطع الله ولايتهما، ولم يجعل بينه وبينهما إلاًّ ولا ذمة ولا ميراثًا، وزعمت أنك ابن أخف أهل النار عذابًا، وابن خير الأشرار، وليس في الكفر بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا قليل، ولا في الشر خيار، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفخر بالشر، وسترد فتعلم {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] وأما ما فخرت به من أن فاطمة أم علي، وأن هاشما ولده مرتين، وأن عبدالمطلب ولده مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يلده هاشم إلا مرة، ولا عبدالمطلب إلا مرة، وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسبا، وأصرحهم أما وأبا إلى آخر ما ذكره.

فأجابه محمد بن عبدالله عليه السلام بهذه الرسالة وهي التي يقال لها: الدامغة.

قال مؤلف كتاب المصابيح: وهو الذي روينا منه هذه الكتب وما قبلها من كتبه عليه السلام بعد سماعنا له، وأنا أريد أن أختصر منها، فإني لو أثبته على الوجه لطال الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} إلى قوله تعالى: {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه: 98 - 101].

أما بعد: فإنك ذكرت أن فخري بالنساء، فرأيت أن أوضِّح من أمرهن ما جهلته، ومن حق العم لأب وأم خلاف ما وهمته، أو ليس قرابتهن أقرب القرابة؟، أوليس قد ذكر الله الأمهات، والأخوات، والبنات، ولم يجعل بينهن وبين الآباء والقرابة فرقًا؟ فقال: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 7]، وقال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ... الآية} [النساء: 127] فقد ذكر الأمهات والأخوات والبنات، ولم يذكر العم، ثم فرض على عباده البر بالنساء والرِّجال إذ قال: {اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14] وقوله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} [الأحقاف: 15] ثم ذكر فضل الأم على الأب فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15] وكذلك في ثواب ما عنده إذ يقول: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... }، إلى قوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] وقال تعالى: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ... } [النور: 61] إلى قوله تعالى: {أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُم} وقال: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] وإنما كانت خالته، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الخالة والدة، والخال والد يرث ماله ويفك عانيه)).

وأما قولك: لو كان الله اختار لهن لكانت آمنة أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقربهن رحمًا، فهل أنبأتك أن الله اختار لهن أو لأحد من خلقه ذكرًا أو أنثى على قرابته فتحتجَّ عليَّ به؟ ما اختار الله أحدًا من خلقه، ولا اختار له إلا على السابقة والطاعة، وكانت هذه حالة أبي علي بن أبي طالب عليه السلام، وأمي فاطمة بنت محمد، لم تكفر بالله قط؛ ولذلك قال لإبراهيم عليه السلام: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] إلى آخره، وأما فاطمة بنت عمرو أم أبي طالب وعبدالله والزبير وولادتها إياي، فكيف أنكرت ذلك وأنت تحتج بالعصبة والعمومة ولم يجعل الله للعباس من قرابة العمومة شيئا لم يجعله لأبي طالب.

وأما قولك: إنكم حزتم بأبيكم وراثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دوننا فأخبرني أي الميراث حازه العباس لكم دوننا؟ الخلافة دون المال! أو المال دون الخلافة! أو الخلافة والمال معًا، فإن قلت: الخلافة دون المال! فيجب على القياس أن تقسم الخلافة على قسم المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين، فالولد أحق بها من العم، والأخ أولى من العم، فإن جاز ذلك فلم ورثتها دون عمومتك، وهم أولى بالكبر منك ومن أخيك، ولم ورثت أخاك دون ولده إلى كلام طويل.

وذكر في آخر هذا الجواب: ولست أراه يسعني إلا مجاهدتك، فإن موعدك الساعة والساعة أدهى وأمرّ، وأنا على بصيرة من أمري، وماض على ما مضى عليه سلفي وأشياعهم الذين ذكرهم الله تعالى، فقال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] إلى آخره، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.

ولما عقدت البيعة له في أعناق أهل الفضل، وانتشر ذكره في الآفاق، اضطر عليه السلام إلى الخروج قبل أوانه، وكان سبب ذلك أن أبا جعفر لما حبس أباه عبدالله بن الحسن وإخوته عليهم السلام، وشدَّد عليهم بسبب محمد بن عبدالله، وأمر بضرب موسى بن عبدالله فضرب ستمائة سوط، ثم أمره أبو جعفر بزعمه ليكون له عينًا، فتقدم موسى بن عبدالله عليهما السلام على أنه يكون عينًا له على محمد بن عبدالله عليهما السلام، فأقام مدة بالمدينة حتى أمر واليها إلى أبي جعفر: إنك بعثت موسى ليكون لك عينًا على محمد بن عبدالله وإنه عين لهم علينا، فأمر أبو جعفر بإحضار موسى إليه فلما خرجوا بموسى بن عبدالله عليه السلام خشي محمد بن عبدالله عليهما السلام القتل على أخيه فشهر نفسه في الحال.

وكان ظهوره عليه السلام: لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، وروي في غرة رجب، وخرج وعليه قلنسوة صفراء وعمامة فوقها متوشحا سيفا، وانضاف إليه في تلك الحال مائتان وخمسون رجلاً، فتقدم حتى وقف على سجن المدينة وأرسل من فيه، ودخل المسجد قبل الفجر فخطب الناس، وقال في خطبته بعد حمد الله والثناء عليه:

 

أما بعد: يا أهل المدينة فإني والله ما خرجت فيكم وبين أظهركم لأتعزز بكم، وَلَغيرُكم كان أعزّ لي منكم ولكني حبوتكم بنفسي، مع أنه لم يبق مصر من الأمصار يعبد الله فيه إلا وقد أُخذَت لي فيه البيعة، وما بقي أحد من شرق ولا غرب إلا وقد أتتني بيعته، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الأمر لأبناء المهاجرين والأنصار، مع ما قد علمتم من سوء مذهب هذا الطاغية الذي قد بلغ في عتوِّه وطغيانه أن اتخذ لنفسه بيتًا وبوّبه بالذهب - يعني: أبا الدوانيق، ثم بالغ في ذمِّه، ولما حضرت الصلاة صلى وبايعه الناس طوعا إلا شرذمة، وهرب رباح بن عثمان المري عامل أبي جعفر على المدينة وصعد سطح دار مروان، وأمر بهدم الدرجة، فصعد إليه من أخذه من هناك، فسأله عن موسى عليه السلام، فقال: قد أنفذته إلى أبي جعفر، فبعث جماعة من الفرسان خلفه حتى ردوه، ثم خرج عليه السلام إلى مكة فبويع هناك، ووجّه أخاه إبراهيم عليه السلام إلى البصرة، وعاد من مكة إلى المدينة، وكان شعاره: أحدٌ أحدٌ.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وروي عن حسين بن زيد بن علي عليهم السلام، قال: شهد مع محمد بن عبدالله من ولد الحسين أربعة: أنا وأخي عيسى وموسى وعبدالله ابنا جعفر بن محمد الباقر.

وروى أن أوَّل قتيل من المسودة اشترك في قتله بين يديه عليه السلام موسى وعبدالله ابنا جعفر بن محمد عليه السلام، وكانا حاضرين معه في جميع جهاده، حتى قُتل وأعطياه بيعتهما مختارَين متقربَين إلى الله تبارك وتعالى بذلك، واستأذنه أبو عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام؛ لسنِّه وضعفه في الرجوع إلى منزله بعد أن خرج معه فأذن له، وكانت رايته مع الأفطس الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وخرج معه المنذر بن محمد بن المنذر ابن عبدالله بن الزبير، وابن أبي ذؤيب، وابن عجلان، وخرج معه مصعب بن عبدالله بن الزبير، وابنه عبدالله بن مصعب، وأبو بكر بن أبي سبرة - الفقيه الذي يروي عنه الواقدي، وقد كان عمرو بن عبيد ونفر من أعيان المتكلمين من معتزلة البصرة اختبروه ووقفوا على غزارة علمه ودعائه إلى القول بالعدل فبايعوه، ومن الناس من أنكر أن يكون عمرو بايعه.

والصحيح هو الأول، ذكره السيد أبو طالب عليه السلام.

واستفتي مالك بن أنس في بيعته، فأمر الناس بذلك، فقيل: إن في أعناقنا بيعة أبي جعفر، فقال: إنكم بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين.

وذكر الشيخ أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني في تسمية من خرج مع النفس الزكية عليه السلام من الفقهاء: عبدالواحد بن أبي عون، ومحمد بن عجلان، وعبدالله بن عامر الأسلمي، وعبدالعزيز بن محمد الدراوردي، وإسحاق بن إبراهيم بن دينار، وعبدالحميد بن جعفر، وعبدالله بن عطاء مولى ابن سباع، وبنوه وهم: إبراهيم، وإسحاق، وربيعة، وجبير، وعبدالله، وعطاء، ويعقوب، وعثمان، وعبدالعزيز، بنو عبدالله.

وروى بإسناده عن بعضهم أن أبا جعفر كان يقول: العجب لعبدالله بن عطاء إنه بالأمس على بساطي ثم يضربني بعشرة أسياف، ثم تَغَيَّبَ عبدالله بن عطاء حتى مات في إمارة جعفر بن سليمان الأول فخرج به بنوه ليدفنوه، فأخبر جعفر ابن سليمان، فأمر به فأنزل من نعشه ثم صلب، وعبدالله بن عطا من ثقات أهل الحديث، قد روى عن أبي جعفر محمد بن علي وعن عبدالله بن بريدة وغيرهما من وجوه التابعين.

وروى عنه الثقات مثل: مالك بن أنس ونظرائه، وعبدالله بن عامر الذي ذكرناه هو: الأسلمي القاري ويكنى أبا عامر وهو ثقة روى عنه وكيع وأبو نعيم وعبيدالله بن موسى وأبو ضمرة، وروى هو عن الزهري ونافع، ووثقه يحيى بن معين ورووه في الحديث، وإياه يعني: إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بقوله:

أبو عامر فيها رئيسٌ كأنها ... كراديس تغشى حجرة المتكبر

قال: وخرج إبراهيم بن هرم مع محمد في محفة، وقال: ما فيَّ قتال ولكن أحببت أن تتأسّى بي الناس، وخرج معه من المنظورين المعروفين بالزهد والعلم والعمل مطر الورّاق رحمة الله عليه، ولما قتل إبراهيم عليه السلام أسر مطر رحمه الله وقدم على المنصور وقال له: يا مطر، أنت القائل: إن في قلبي لحر لا يطفئه إلا بردُ عدل أو حرُّ سنان، قال: أنا القائل ذلك، فقال أبو جعفر: لأذيقنك اليوم حرَّ سنان يشيب منه رأسك، قال مطر: إذًا لأصبرن صبرًا يذل الله فيه سلطانك، فأمر بقطع يديه فمدوا يديه فقبضهما، فقال: يا مطر هذا خلاف ما وعدت، فقال: كلا ولكن لا أعينك على معصيتك، فقطعوا يديه فما قطب، ثم قتل رحمة الله عليه.

ذكر أولاده ووفاته (ع)

أولاده عليه السلام:

قال السيد أبو طالب عليه السلام عبدالله الأشتر قتل (بكابل) وله عقب، وعلي أخذ (بمصر) فمات في حبس محمد بن أبي جعفر الملقب بالمهدي، والحسن قتل (بفخ) ولم يذكر الطالبيون غير هؤلاء، وذكر غيرهم حسينا.

وأجمعوا أنه وَلَد ابنتين: فاطمة، وزينب درجتا، وأمهم جميعًا: أم سلمة بنت محمد بن الحسن الثاني بن الحسن بن علي عليهم السلام.

وروينا عن بعضهم أنه عليه السلام كان في بعض الجبال وقد اشتد به الطلب، ومعه ولد صغير من أم ولد فسقط الولد فمات فأنشأ عليه السلام يقول:

منخرق الخفين يشكو الوجا ... تنكبه أطراف مروٍ حداد

شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحةٌ ... والموت حتمٌ في رقاب العباد

عمَّاله عليه السلام:

أنفذ قبل ظهوره إبراهيم بن عبدالله عليهما السلام على خلافة البصرة، وولى قضاء المدينة عبدالعزيز بن المطلب المخزومي، وكان على أبواب العطاء عبدالله بن جعفر بن عبدالرحمن بن المسور بن مخرمة، وعلى شرطته عبدالحميد ابن جعفر، ثم وجهه في وجْهٍ، فولاّها عمرو بن محمد بن خالد بن الزبير ذكره السيد أبو طالب.

ذكر مقتله ومبلغ عمره وموضع قبره عليه السلام:

لما اشتهر أمره عليه السلام في المدينة وغيرها، جهز أبو جعفر إليه الجنود يقودهم عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس في أربعة آلاف رجل وقال: إنك سترد على حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيران قبره فإن قتل محمد أو أخذ أسيرًا فلا تقتل أحدًا وارفع السيف، فإن طلب محمد الأمان فأعطه، وإن فاتك فاستمل عليه أهل المدينة، فاقتل من ظفرت به منهم، فلما بلغ محمدًا مسيره خندق على المدينة خندقًا على أفواه السكك، فقاتلهم عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام، ومحمد جالسٌ على المصلى ثم جاء هو فباشرهم القتال بنفسه، فلما اقتتلوا ساعة انهزم أصحاب محمد وتفرقوا عنه، فلما رأى ذلك رجع إلى دار مروان فصلى الظهر واغتسل وتحنط، وذكر الشيخ أبو الفرج أن القتال كان يوم الاثنين للنصف من شهر رمضان.

وروى بإسناده عن أبي الحجاج قال: رأيت محمدا وإن أشبه ما خلق الله به لَمَا ذُكِرَ من حمزة بن عبدالمطلب يهذُّ الناس بسيفه ما يقاربه أحد إلا قتله، لا والله ما يليق شيئا، حتى رماه إنسان كأني أنظر إليه أحمر أزرق بسهم، ودهمتنا الخيل فوقف إلى ناحية جدار وتحاماه الناس.

وروى أنه قتل يوم ذاك اثني عشر رجلاً من جنود الظالمين، ثم كان انهزام عسكره عليه السلام على ما رواه الإمام المنصور بالله عليه السلام بحيلة امرأة عباسية كانت في المدينة، وذاك أنها أمرت خادمًا بقناع أسود رفعه في منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمرت خدامًا لها آخرين صاحوا في العسكر: الهزيمة الهزيمة، إن المسودة قد جاءوا من خلفكم فدخلوا المدينة، فالتفت الناس فأبصروا الراية السوداء على المنارة فلم يشكوا في ذلك، فانهزم الناس وبقي وحده عليه السلام يقاتل حتى عرض له رجل فضربه على ذقنه فسقطت لحيته على صدره فرفعها بيده وشدَّها، ثم رمي بنشابة في صدره، فحملوا عليه من كل جانب فقتل، وكان الذي تولى الإجهاز عليه حميد بن قحطبة، وفي بعض أخباره عليه السلام أنه لما حمي الوطيس خرج في قباء طاق وهو يقول:

قاتل فما بك إن حبست بدومة ... في ظل غرفتها إذا لم تخلد

إنَّ امرءًا يرضى بأهون سعيه ... قصرت مروءته إذا لم يزدد

وروى أبو الفرج بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن حسن قال: لما كان اليوم الذي قتل فيه محمد قال لأخته: إني في هذا اليوم على قتال هؤلاء فإن زالت الشمس ومطرت السماء فإني مقتول، وإن زالت الشمس ولم تمطر السماء وهبت الريح فإني أظفر بالقوم، فإن زالت الشمس فأجِّجي التنانير وهيِّئي هذه الكتب، فإن زالت الشمس ومطرت السماء، فاطرحي هذه الكتب في التنانير، فإن قدرتم على بدني فخذوه، ولن تقدروا على رأسي، فأتوا به ظلة بني نُبَيْهٍ على مقدار أربعة أذرع أو خمسة، فاحفروا لي حفرةً فادفنوني فيها، فلما مطرت السماء فعلوا ما أمرهم به، وقالوا: آيةُ قتل النفس الزكية أن يسيل الدم حتى يدخل بيت عاتكة قال: فكانوا يعجبون كيف يسيل الدم حتى يدخل بيت عاتكة، فكان يومًا مطيرًا، فسال الدم حتى دخل بيت عاتكة، قال: وأخذ جسده فحفروا له حفيرة فوقعوا على صخرة، فدلوا الحبال فأخرجوها فإذا فيها مكتوب، هذا قبر الحسن بن علي بن أبي طالب، فقالت زينب: رحم الله أخي كان والله أعلم حيث أوصى أن يدفن في هذا الموضع!!.

وقد ورد الأثر في النفس الزكية: ((أنه يقتل فيسيل دمه إلى أحجار الزيت، لقاتله ثلث عذاب أهل جهنم))، رواه الإمام المنصور بالله عليه السلام.

وروى أبو الفرج بإسناده: أن زينب بنت عبدالله، وفاطمة بنت محمد بن عبدالله بعثتا إلى عيسى: إنكم قد قتلتم هذا الرجل وقضيتم منه حوائجكم فلو أذنتم لنا لواريناه.

فأرسل إليهما: أما ما ذكرتما يا بِنْتَي عمي أني نلت منه، فو الله ما أمرت ولا علمت فوارياه راشدتين، فبعثتا إليه فاحتمل، فقيل: إنه حُشِيَ في مقطع عنقه عديلة من قطن.

وروى بإسناده عن أم سلمة بنت محمد بن طلحة قالت: سمعت زينب بنت عبدالله تقول: كان أخي رجل آدم، فلما أدخل وجدته قد تغير لونه وحال حتى رأيت بقية من لحيته فعرفتها، فأمرت بفراش فجعل تحته، وقد أقام في مصرعه يومه وليلته وإلى غد، فسال دمه حتى استنقع تحت الفراش فأمرت بفراش ثان، فسال دمه حتى وقع بالأرض، فحولت تحته فراشًا ثالثًا فسال دمه وخلص من فوقها جميعًا.

وحُمِل رأسه إلى أبي جعفر مع ابن أبي الكرام الجعفري، وكان قتله بعد العصر يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، ذكره أبو الفرج من سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: سنة ست، وقيل: إنه قتل عن اثنتين وخمسين سنة.

قال السيد أبو طالب عليه السلام وقد ذكر ذلك: وهذا كله مخالف لما ذكرناه من تأريخ مولده ويجب أن يكون أحدهما غير صحيح والله أعلم بالحقيقة.

وكانت مدة قيامه عليه السلام بالأمر وانتصابه: شهرين تزيد أيامًا.

ولما قتل عليه السلام ودخل الجند الظالم لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف حميد ابن قحطبة على الباب ولم يدخل، فقال له بعضهم: ما رأيت أعجب من أمرك يا حميد يضرب الناس آباط الإبل لزيارة قبر رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتصل إلى باب مسجده ثم لا تزوره! فقال: والله إني لأستحيي منه، الآن قتلت ولده ثم أدخل لزيارته، فقال عيسى بن موسى: اسكت.

ولإبراهيم بن عبدالله يرثي أخاه النفس الزكية عليهما السلام:

سأبكيك بالبيض الرقاق والقنى ... فإنَّ بها ما يدرك الطالب الوِترَا

وإنا أناسٌ لا تفيض دموعُنا ... على هالك منَّا وإن قصم الظَّهرا

ولست كمن يبكي أخاه بعبرة ... يعصِّرها من جَفْن مقلته عصرا

ولكنني أشفي فؤادي بغارة ... تلهِّب في قطري كتائبها الجمرا

وقال غالب بن عثمان الهمداني من آل ذي المشعار:

يا دار هيَّجت البكاء فأعولي ... حييت منزلة دثرت ودارا

بالجِزْع من كنفي سويقة أصبحت ... كالبرد بعد بني النبي قفارا

الحاملين إذا الحمالة أعجزت ... والأكرمين أرومة ونجارا

والممطرين إذا المحول تتابعت ... دررًا تداولها المحول غزارا

والذائدين إذا المخافة أبرزت ... سوق الكواعب يبتدرن حضارا

وثبت نتيلة وثبة بعلوجها ... كانت على سلفي نتيلة عارا

فتثلمت ساداتها وتنهكت ... حرمًا محصنَّة الحدود كبارا

ولغت دماء بني النبي فأصبحت ... خضبت بها الأشداق والأظفارا

لا تسقني بيديك إن لم أنبعث ... لبني نتيلة جحفلاً جرارا

لِجبًا يضيق به الفضاء عرمرمًا ... يغشي الدَّكادك قسطلاً مدرارا

فيه بنيَّات الصريح ولاحق ... قبٌّ تغادر في الخليف مهارا

يخرجن من حلل الغبار عوابسًا ... يورين في خضب الأماعز نارا

فننال في سلفي نتيلة ثأرنا ... فيما ننال وندرك الأوتارا

وقال أبو الحجاج الجهني:

بكَر النِعيُّ بخير من وطئ الحصى ... ذي المكرمات وذي الندا والسؤدد

بالخاشع البرِّ الذي من هاشم ... أمسى قتيلاً في بقيع الغرقد

ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... إذ قام مُجْتهدًا بدين محمد

وقال عبدالله بن مصعب:

سالت دموعك ضَلَّةً قد هجت ... ترحًا ووجدًا يبعث الأحزانا

هلاَّ على المهدي وابني مُصْعبٍ ... أذريت دمعك ساكبًا تَهْتَانا

والله ما ولد الحواضِنُ مثلهم ... أمضى وأرفع مَحْتِدًا ومكانا

وأشدَّ ناهضة وأقول للتي ... تبغي مصادر عدلها العدوانا

رزءٌ لعمرك لو يصاب بمثله ... ميطان صدّع رزءُه ميطانا

ولبعضهم:

رحم الله شبابًا ... قُتِلوا يوم الثنيه

قاتلوا عنه بنيًّا ... تٍ وأحساب نقيه

فرَّ عنه الناس طُرًّا ... غير خيل أسديَّه

قتل الرحمن عيسى ... قاتل النفس الزكيَّة

قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة

هو: أبو عبدالله، وقيل: أبو القاسم محمد بن عبدالله الكامل بن الحسن الرضى بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، وكان أبوه عبدالله يسمى: الكامل، كان يقال: مَنْ أجمل الناس؟ من أفضل الناس؟ من كذا؟ من كذا؟ فيقال: عبدالله بن الحسن فُسمِّي الكامل لذلك.

وروي أنه صلى الفجر بوضوء المغرب والعشاء الآخرة ستين سنة، فإذا كان آخر الليل سجد سجدة يقول فيها: سبحانك لم أعبدك حق عبادتك، غير أني لم أشرك بك شيئًا.
وأما الحسن الرضى فقد كان من أفاضل العترة عليهم السلام، وكان قد قام للجهاد في سبيل الله، وجرت بينه وبين الحجاج وقعات كثيرة كان في أكثرها له الظفر عليه السلام على ما تقدم ذكره.
وأما الحسن السبط فهو سيد شباب أهل الجنة.
وأما أمير المؤمنين عليه السلام فناهيك به شرفًا وفضلاً وهو سيد العرب كما تقدم.
أولئك قومٌ بارك الله فيهم  …. فما صاعهم من مجدهم بطفيف
ولله القائل:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم … دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه

وكان عليه السلام يسمَّى المهدي، ويسمى صريح قري ش؛ لأنه لم يكن في أبائه من أمه أم ولد إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك جداته من قبل أمه، وكان يسمى: النفس الزكية؛ لورود الأثر أن النفس الزكية يقتل فيسيل دمه إلى أحجار الزيت، وقد كان كذلك عليه السلام.
وأمه: هند بنت أبي عبيدة بن عبدالله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وحملت به أمه عليه السلام أربع سنين، قال السيد أبو طالب عليه السلام: وولد في سنة مائة في بعض الروايات، قال وروي غير ذلك)

صفته (ع)

كان عليه السلام آدم شديد الأدْمَة، قد خالطه الشيب في عارضيه، وكانت له شامة في كتفه تشبه شامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذكره السيد أبو طالب عليه السلام وفيه يقول الشاعر:

إن الذي تروي الرواة لبينٌ ... إذا ما ابن عبدالله فيهم تجردا

له خاتم لم يعطه الله غيره ... وفيه علامات من البر والهدى

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وكان شجاعًا فارسًا خطيبًا بارعًا في الخطبة على تمتمة كانت تعتريه إذا تكلم، فإذا عرضت له ضرب بيده صدره فينفتح لسانه، وهو أول من ظهر من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخوطب بأمير المؤمنين، وبعده محمد بن جعفر بن محمد عليهم السلام.

ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)

كان عليه السلام غزير العلم، وافر الفهم، قد سمع من أبائه عليهم السلام الحديث، وسمع من نافع وابن طاووس، وله كتاب ((السير)) المشهور، قال السيد أبو طالب عليه السلام: وسمعت جماعة من فقهاء أصحاب أبي حنيفة وغيرهم يقولون: إن محمد بن الحسن نقل أكثر مسائل السير من هذا الكتاب، وفيه من غرائب الفقه ما يدل على علو منزلته، ويكشف عن عالي مرتبته.
وروى الشيخ أبو الفرج: في مقاتل الطالبية بأسانيده عن عيسى بن زيد عليهما السلام، قال: لو أنزل الله سبحانه على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أنه باعث نبيا بعده لكان ذلك النبي محمد بن عبدالله بن الحسن.
فهذا كلام عيسى بن زيد عليهما السلام وهو من أقمار الهدى، وممن لا يتمارى في فضله، ولا يشك في شدة ورعه ونبله، وهو الذي يُعرف بمؤتم الأشبال، وذلك أنه عليه السلام لما انصرف من وقعة باخمرا، وقد شهدها مع إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام؛ خرجت لبوةٌ مع أشبالها فعرضت في الطريق وجعلت تحمل على الناس، فنزل عيسى بن زيد عليهما السلام، فأخذ سيفه وترسه ثم برز إليها فقتلها، فقال له مولى له: أيتمت أشبالها يا سيدي، قال: فضحك وقال نعم أنا مؤتم الأشبال، قال: فلزمه هذا الاسم، فكان بعد ذلك إذا أراد أصحابه أن يذكروه كنوا عنه، فقالوا: قال مؤتم الأشبال كذا، وفعل مؤتم الأشبال كذا، فيخفى أمره وذلك؛ لأنه عليه السلام لحقه من المحنة بالاستتار من أعداء الله المارقين ما عظمت عليه بسببه البلوى.
وقد روى الشيخ أبو الفرج في مقاتل الطالبية عن محمد بن منصور المرادي قال: قال يحيى بن الحسين بن زيد: قلت لأبي: يا أبه، إني أشتهي أن أرى عمي عيسى، فإنه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدة، وقال: إن هذا أمرٌ يثقل عليه، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهة للقائك إياه فتزعجه، فلم أزل به أداريه وألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك، فجهزني إلى الكوفة، ثم قال لي: إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي، فإذا دللت عليها فاقصده في السكة الفلانية، وسترى في وسط السكة دارًا لها باب صفته كذا وكذا، فاعرفه واجلس بعيدا منه في أول السكة، فإنه سيقبل عليك أول المغرب كهل طوَال مصفر مستور الوجه، قد أثر السجود في جبهته، عليه جبة صوف يستقي الماء على جمل، وقد انصرف يسوق الجمل، لا يضع قدمًا ولا يرفعها إلا ذكر الله عز وجل ودموعه تنحدر، فقم فسلم عليه وعانقه، فإنه سيذعر منك، فعرِّفه بنفسك، وانتسب له، فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلاً، ويسألك عنا جميعًا، ويخبرك بشأنه ولا تضجر من جلوسك معه، فلا تطل، ودعه فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك، فإنك إن عدت إليه توارى منك واستوحش وانتقل من موضعه، وعليه في ذلك مشقة.
فقلت له: أفعل كلما أمرتني به، ثم جهزني إلى الكوفة وودعته وخرجت، ولما وردت الكوفة قصدت سكة بني حي بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي، فلما غربت الشمس إذا أنا به يسوق الجمل، وهو كما وصف لي أبي، لا يرفع قدمًا ولا يضعها إلا وحرَّك شفتيه بذكر الله، ودموعه ترقرق من عينيه، وتذرف أحيانًا، فقمت فعانقته، فذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت: يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك، فضمني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه، فأناخ جَمَله وجلس معي، وجعل يسألني عن أهله رجلاً رجلاً، وامرأة امرأة، وصبيًّا صبيًّا، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء، فأصرف مما اكتسبته أجرة الجمل إلى صاحبه، وأتقوت بباقيه، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء، فأخرج إلى البريَّة -يعني بظهر الكوفة فألقط ما يرمي الناس به من البقول وأتقوته، وقد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته، فهي لا تعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت مني بنتًا، فنشأت وبلغت وهي أيضًا لا تعرفني ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوج ابنتك بابن فلان السقاء لرجل من جيراننا يستقي الماء فإنه أيسر منها وقد خطبها، وألحت عليَّ، فلم أقدر على إخبارها أن ذلك غير جائز، ولا هو بكفء لها فيشيع خبري، فجعلت تلح عليَّ فلم أزل استكفي الله أمرها، حتى ماتت بعد أيام، فما أجدني آسَى على شيء من الدنيا اساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ثم أقسم عليَّ أن أنصرف فودعني، فلما كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي انتظرته فيه لأره فلم أره، وكان آخر عهدي به.
هذا ما حكاه الشيخ أبو الفرج، وإنما حكينا من قصة عيسى بن زيد عليهما السلام ذلك؛ لأنه تمهيد لما قاله في محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام؛ ليعرف المنصف أنه إذا قال فيه ما حكيناه على علمه وفضله وورعه وثقته كان صادقًا في قيله فتظهر الحال وتنجلي في محمد بن عبدالله عليهما السلام وإن كان ظاهرًا جليًّا؛ غير أن ذلك زيادة في اليقين.
وروى الشيخ أبو الفرج: أيضًا بإسناده إلى حيث انتهى قال: سمعت عبدالله بن حفص العامري يقول في حديث حدث به عن محمد: حدثني من لم تر عيني والله ممن خلق الله خيرا منه ولا أراه أبدًا، محمد بن عبدالله عليهما السلام، فقال له ابنه: إنما أفلتَّ من يد أبي جعفر أمس في ضرب عنقك، وهذا ابنه فقال: يا بني هذا والله أمر لا يبالي أبوك لو ضربت عليه عنقه.
وروينا بالإسناد الموثوق به عن عمير بن الفضل الخثعمي قال: رأيت أبا جعفر الذي لقب من بعد بالمنصور يومًا، وذلك في زمان بني أمية، وقد خرج محمد بن عبدالله من دار أبيه وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود، فلما خرج وثب أبو جعفر فأخذ بركابه حتى ركب، ثم سوى عليه ثيابه على السرج، ومضى محمد فقلت له - وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمدًا: مَن هذا الذي عظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه وسويت عليه ثيابه؟ فقال: أو ما تعرفه؟ قلت: لا، قال: هذا محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن، مهدينا أهل البيت.
وانظر إلى أبي جعفر الملقب بالمنصور في صنيعه لمحمد بن عبدالله عليهما السلام وإقراره بفضله وما انتهى إليه حاله بعد ذلك من سفك دمه في حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي حَرَّم فيه عَضْدَ شجره؛ فكيف ببعض من أبعاضه فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وروينا عن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام: أنه سئل عن أخيه محمد عليه السلام أهو المهدي الذي يذكر؟ فقال: المهدي عِدَةٌ من الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم وَعَده أن يجعل من أهله مهديًّا لم يسمه بعينه ولم يوقِّت زمانه، وقد قام أخي بفريضته عليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أراد الله أن يجعله المهدي الذي يذكر فهو فضل الله يمن به على من يشاء من عباده، وإلا فلم يترك أخي فريضة الله عليه لانتظار ميعاد لم يؤمر بانتظاره.
وروينا عن أبي خالد الواسطي قال: لقيت محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام قبل ظهوره بمدين فقلت: يا سيدي، متى يكون هذا الأمر؟ فقال لي: وما يسرك منه يا أبا خالد؟ فقلت: يا سيدي، وكيف لا أسر بأمر يخزي الله به أعداءه، وينصر به أولياءه؛ فقال: يا أبا خالد أنا خارج وأنا والله مقتول، والله ما يسرني أن الدنيا بأسرها لي عوض عن جهادهم، يا أبا خالد إن امرءا مؤمنا لا يصبح حزينا ويمسى حزينًا مما يعاين من أعمالهم إنه لمغبون مفتون.
قال: قلت: يا سيدي والله إن المؤمن لكذلك، ولكن كيف بنا ونحن مقهورون مستضعفون خائفون لا نستطيع لهم تغييرًا فقال: يا أبا خالد إذا كنتم كذلك فلا تكونوا لهم جمعا وانفذوا من أرضهم.
وروى الشيخ أبو الفرج: بإسناده عن سعيد بن عقبة قال: كنَّا مع عبدالله ابن الحسن بسويقة وبين يديه صخرة، فقام محمد يعالجها ليرفعها، فأقّلها حتى بلغ ركبتيه، فنهاه أبوه فانتهى، فلما دخل عبدالله عاد إليها فاستقلها حتى طلع بها على منكبيه ثم ألقاها فحزرت ألف رطل.
قال وحدثنا: موسى بن عبدالله عن أبيه عن سعيد بن عقبة بهذا، قال أبو زيد: ووقف موسى على الصخرة بسويقَه، وذكر لي أنه ورجل من أصحابه عالجها وهي على حرفها فكان جهدهما أنهما حركاها.
وله عليه السلام:
متى نرى للعدل نورًا وقد ... أسلمني ظلمٌ إلى ظلم
أمنية طال عذابي بها ... كأنني فيها أخو حُلْمِ
وخطب عليه السلام على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: والله لقد أحيا زيد بن علي ما دثر من سنن المرسلين، وأقام عمود الدين إذ اعوج، ولن ننحو إلا أثره، ولن نقتبس إلا من نوره، وزيدٌ إمام الأئمة، وأولى من دعا إلى الله بعد الحسين بن علي عليهما السلام.

ذكر بيعته ونبذ من سيرته (ع)

كان ظهوره عليه السلام بالمدينة بعد أن أقام مستترًا مدة طويلة، واشتد الطلب عليه من أبي جعفر الملقب بالمنصور فلم يقف له على خبر، وكتب كتاب الدعوة إلى الناس وأمر بإذاعته، وهو هذا على اختصار:

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإن الله جل ثناؤه جعل في كل زمان خيرة، وجعل من كل خيرة منتجبًا، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فلم تزل الخيرة من خلقه تناسخ أحوالاً بعد أحوال، حتى كان منها صفوة الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد المرسلين وخاتم النبيين، اختصه بكرامته، وأخرجه من خير خلقه قرنا فقرنا، وحالا بعد حال، محفوظًا مُجَنَّبًا سوء الولادات، متسقًا بأكرم الآباء والأمهات، فلو أن أحدنا في مثل منزلته، وعند الله في مثل حاله؛ لاصطفاه ولأخرجه من مخرجه تبارك وتعالى، ولكن نظر إليه برحمته، واختاره لرسالته، واستحفظه مكنون حكمته، وأرسله بشيرًا ونذيرًا، وقائدًا إليه وسراجًا منيرًا، ثم قبضه الله إليه حميدًا صلى الله عليه وآله وسلم، فخلّف كتابه الذي كان به هدى واهتدى، وأمر بالعمل بما فيه، وقد نجم الجور، وخولف الكتاب الذي به هدى واهتدى، وأميتت السنة، وأحييت البدعة، ونحن ندعوكم أيها الناس إلى الحكم بكتاب الله وإلى العمل بما فيه، وإلى إنكار المنكر، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونستعينكم على ما أمر به في كتابه من المعاونة على البر والتقوى.

واعلموا أيها الناس أنكم غير مصيبي الرشد بخلافكم لذريته صلى الله عليه وآله وسلم، ووضع الأمر في غير محله، فغارت أُجُدُكم بعد جُمَاحها، وتفرقت جماعتكم بعد اتساقها، وشركتم الظالمين في أوزارها لترككم التغيير على أمرائها، ودفع الحق من الأمر إلى أوليائه، فلا سهمنا أُوفيناه، ولا تراثنا أعطيناه، وما زال يولد مولودنا في الخوف، وينشأ ناشئنا في القهر والغلبة، ويموت ميتنا بالذل والقتل، بمنزلة بني إسرائيل يُذبح أبناؤهم ويُستحيى نساؤهم، ويولد مولودهم في المخافة، وينشأ ناشئهم في العبودية، وإنما فخرت قريش على سائر الأحياء بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودانت العجم للعرب بادعائها لحقنا بأبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ثم مُنِعْنَا حقه، وَدُفِعْنا عن مقامه، أما والله لو رجوا التمكين في البلاد، والظهور على الأديان، وتناول الملك بخلاف إظهار التوحيد، وبخلاف الدعوة إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإذعان منهم بالقرآن، لاتخذوا أساطير مختلفة بأهوائهم، ولعبدوا الأوثان بآرائهم، ولاتخذوا من أنفسهم زعيمًا، فاتقوا الله عباد الله، وأجيبوا إلى الحق، وكونوا عليه أعوانا لمن دعاكم إليه، ولا تأخذوا بسنة بني إسرائيل إذ كذّبوا أنبياءهم، وقتلوا ذريتهم، على أنها سنة لسنة ترتكبونها، وعروة بعد عروة تنكثونها، وقد قال الله جل ثناؤه في كتابه: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق: 19] فاعرفوا فضل ما هداكم به، وتمسكوا بوثائقه، واعتصموا بعروته، من قبل هرج الأهواء، واختلاف الأحزاب، وتنكب الصواب، فإن كتابي حجة على من بلغه، ورحمة على من قبله، والسلام.

وكتب عليه السلام كتابًا إلى خواص أصحابه، وأمر بقراءته عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإن الله جل ثناؤه بعظمته ألزم نفسه علم الغيوب عن خلقه؛ لعلمه أنها لا تصلح إلا له، ثم أنشأ خلقه بلا عون، ودبَّر أمره بلا ظهير، ابتدأ ما أنشأ على غير مثال من معبود كان قبله، ثم اختار لتفضيله بعلمه من ملائكته ورسله من ائتمنه على أسرار غيوبه، لم يلاحظه في الملكوت عين ناظرة، ولا يدٌ لامسة، متفرد بما دبر، ذلكم الله رب العالمين إلى أن أخرج محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من خير نسل ذوي العزم من الرسل، تناسخه دوارج الأصلاب، إلى مطهرات الأرحام، حتى استخرجه خير جنين، وأصحبه خير قرين، أرسله بنور الضياء إلى أهل الظلم والكفر، قد نسكوا وذبحوا للأصنام، واستقسموا بالأزلام، مترددين في حيرة الضلالة، كلما ازدادوا في عبادتهم جهلا ازدادوا من الله بها بعدا، حتى تصرمت عنهم مدة البلاء بقيام محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيهم يدعوهم إلى النجاة، ويضمن لهم الظفر في الدنيا، وحسن المثوبة في الآخرة، ويخبرهم عن القرون الماضية، كيف نجا من نجا منهم بالاستجابة لرسلهم، وكيف بعث العذاب على من تولى منهم وأمثالهم، وانظر إلى آثارهم وديارهم خاوية على عروشها كيف تركوها وما فيها، فقال: يا قوم احذروا مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود، فأبوا إلا التكذيب بالتوحيد، واستعظموا أن يجعلوا الآلهة إلها واحدا، فلما أمر أن يجاهد بمن أطاعه من عصاه، كبر عليه مجاهدة الكثير من المشركين بالقليل من المسلمين، ضمن الله له عاقبة الأمر والظفر، وشدَّ له أزره وأعانه بابن عمه وابن صنو أبيه، وشريكه في نسبه، ومؤنسه في وحدته، من الشجرة المباركة، استجاب له على ضراعة من سنّه، حتى سيط الإسلام بلحمه ودمه، لم يخشع بين يدي آلهتهم وَعُزَّاهم، إذ هي تدعى وغيره خاشع لها، عاكف عليها هي له منسك، إلى أن اشتد على الضرع الصغير على التوحيد عظمه، وعظمت في اتخاذ الخير هممه إليه يستريح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسراره، فكان هو عليه السلام الصديق الأكبر، والفارس المشهر، سابق العرب إلى الغاية، ليس أمامه فيها إلا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المرسل، بالكتاب المنزل، يصلي بصلاته، ويتلو معه آياته، تفتح لعملهما أبواب السموات السبع، تهوى جبهته مع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إلى القبلة المجهولة عند قومه، ليست إصبع يمدها متوسلاً إلى الله جل ثناؤه غير إصبعه، ولا ظهر يحنو لله في طاعته قبل ظهره، إن ساماهم بشرفه في أوليته سبق عليهم بفارع غصون مجده، وعواطف شرف من قام عنه من أمهاته، ثم نشأ في حجر من نشأ، يؤدبه بالكتاب، إذ غيره يباكر عبادة اللات والعزى، شهد له القلم الجاري بعلمه في حال الفردانية، إذ هو يسارق الصلوات أهله، إذ لا قلم جار، ولا شهيد على مطيع ولا عاص غيره، يكاثف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواطنه، ويستريح إليه بأسراره، ويستعديه بهممه، إذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المستوحش من جماعتهم، والخائف على دمه منهم، أين زال النبي صلى الله عليه وآله وسلم زال معه، وإن غال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر وقاه بنفسه، فمن يساويه وهذه حاله صلوات الله عليه؟، والحال هذه حال القوم في كفرهم بربهم، وإنكارهم رسوله، واختيارهم عبادة أوثانهم، وعلي بن أبي طالب عليه السلام يعظِّم ما صغَّروا، ويكرم ما أهانوا، حتى دخل من دخل في دين الله رغبة ورهبة، فلما طال على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكذيب قومه إياه استشار عليًّا صلوات الله عليه فقال: ما ترى؟ قال: يا رسول الله: ها سيفي، وكان بالضرب به دونه جوادًا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لم أؤمر بالسيف فنم على فراشي، وق بنفسك نفسي حتى أخرج فإني قد أُمرت بذلك، فنام على فراشه ووقاه بنفسه باذلاً لمهجته، واثقًا بأن الله تعالى غير خاذله، ومن يدعي الفضل له عليه: إما راصد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو معين عليه، أو جالس عنه، همُّهم في ذبائح الغنم على الأصنام، والإستقسام بالأزلام، وأقلام الملائكة عليهم السلام تصعد بعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما استقرت به الدار، وحل في الأنصار، أمره الله جل ثناؤه أن يشهر سيف التوحيد، وضمن له التأييد، فجاءت حال المنابذة، وتدانت الزحوف، أيده الله جل ثناؤه بعلي بن أبي طالب عليه السلام، فقام إليهم وله خطرات بسيفه ذي الفقار، فسألوه عن النسبة، فانتهى إلى محل اليفاع الذي لا لأحد عنهم مرغب، وأوجل الله قلوبهم من مخافته حتى اجتنبوا ناحيته، فما زالت تلك المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى سمته رجال قريش، وحتى تشاغلت نساؤهم بالمآتم، فكم من باكية أو داعية، أو موتور قد احتشى غلته بفقدانه أباه أو أخاه أو عمه أو خاله أو حميمه، يخوض مهاول الغمرات بين أسنة الرماح، لا يثنيه عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنوة حداثة، ولا ظنٌّ بمهجته، حتى استولى على الفضل في الجهاد في سبيل الله، وكان أحب الأعمال إلى الله، وزرعَ إبليس عدو الله بغضه في قلوبهم، فلاحظوه بالنظر الشزر، وكسروا دونه حواجبهم، وراسوا بالقول فيه، والطعن عليه، فلم يزده الله بقولهم فيه إلا ارتفاعًا كما نالوا منه، نزل القرآن بجميل الثناء عليه في آي كثير من كتاب الله، قد غمهم مكانه في المصاحف، ومن قبل ما أثبته الله جل ثناؤه في وحي الزبور: أنه وصي الأوصياء، وأول من فتح بعمله أبواب السماء.

فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أولاهم بمقامه، ليس لأحد مثله في نصرته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخ ليس لهم مثله له جناحان يطير بهما في الجنة، وعمٌّ له سيد الشهداء في جميع الأمم، وابنان هما سيدا شباب أهل الجنة، وله سيدة نساء العالمين، ثم قبض. ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ أهله في جهازه إلى ربه، واختلفوا فيمن يلي الأمر من بعده، فقالت الأنصار: نحن الذين آوينا ونصرنا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر وهو بباب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر جهازهم له والصلاة عليه، فقال له: إنك لغافل عما أسست الأنصار وأجمعوا عليه من الصفقة على يد سعد بن عبادة، ثم تناول يده عمر فجذبه فأقامه حتى انتهى إلى سعد، وقد عكفوا عليه وازدحموا حوله، وتكلم أبو بكر فقال: يا معشر الأنصار، أنتم الجيران والإخوان، وقد سمعتم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن هذا الأمر لا يصلح إلا في قريش))، وقد علمت العرب أني أوسطها دارًا، وأصبحها وجها، وأبسطها لسانا، وأن العرب لا تستقيم إلا علينا، فقال عمر: هات يدك يا أبا بكر أبايعك، فمد يده أبو بكر فضرب عليها بشير بن سعد، ثم ثلث أبو عبيدة بن الجراح، ثم تتابعت الأنصار، فبلغ ذلك عليًّا عليه السلام فشغله المصاب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن القول لهم في ذلك، واغتنموا تشاغله برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنظر علي عليه السلام لدين الله قبل نَظَره لنفسه فوجد حقه لا ينال إلا بالسيف المشهور، وتذكر ما هُم به من حديث عهد بجاهلية؛ فكره أن يضرب بعضهم ببعض فيكون في ذلك ترك الألفة، فأوصى بها أبو بكر إلى عمر من غير شورى، فقام بها عمر وعمل على الولاية بغير عمل صاحبه، ليس بها عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تأول من كتاب الله إلا رأي توخاه هو فيه مفارق لرأي صاحبه، جعلها بين ستة نفر، وضع عليهم أمناء

أمَرَهم إن اختلفوا أن يقتلوا الأقل من الفئتين، فصغّروا ما عظم الله وصاروا ولاة السوء، سُدت عليهم أبواب التوبة، واشتملت عليهم النار بما فيها والله جل ثناؤه بالمرصاد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ثم انتشرت دعوته عليه السلام، فلما بلغت إلى أهل الفضل والدين تلقوها بالقبول والإجابة لمعرفتهم بفضله وزهده وعلمه، وانتشرت في الآفاق، وظهرت بخراسان، وبايعه الجمهور من أهلها، واضطرب أهل خراسان على أبي الدوانيق اضطرابا شديدا، حتى همّوا بطرد ولاته ودعاته، فقتل محمد بن عبدالله بن عمرو ابن عثمان، وأمه: فاطمة بنت الحسين، وأمر برأسه مع عدة من الناس يحلفون لأهل خراسان أن هذا رأس محمد بن عبدالله بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسكتوا بعد أن كانوا هموا بخلع أبي الدوانيق، وصار أبو جعفر شديد الشغل به؛ لما يعرف من شهامته وفضله وعلمه، وجرت بينه عليه السلام وبين أبي جعفر الدوانيقي مكاتبات كان ابتداؤها من أبي جعفر، كتب إليه أولاً من عبدالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبدالله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ .... الآية} [المائدة: 33].

ولك عهد الله وميثاقه، وذمته وذمة رسول الله إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أني أؤمنك وجميع ولدك وإخوانك وأهل بيتك على دمائهم وأموالهم، وأستودعكم ما أصبتم من دم وأموال، وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج، وأنزلك من البلاد بحيث شئت، وأخلي من في محبسي من أهل بيتك، وأؤمن كل من آواك أو بايعك ودخل في شيء من أمرك ثم لا أتبع أحدًا منهم بشيء كان منهم أبدًا، وإن أحببت أن توثق لنفسك فوجه إلي من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق وما تثق به وتطمئن إليه إن شاء الله، والسلام.

فكتب إليه النفس الزكية: من عبدالله محمد بن عبدالله أمير المؤمنين إلى عبدالله بن محمد {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله تعالى: {مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 1 - 6].

وأنا أعرض عليك من الأمان ما عرضت علي، وأنت تعلم أن الحق حقنا، وأنكم ادعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم بشيعتنا، وأن أبانا عليًّا كان الإمام فكيف ورثتم ولايته دون ولده؟ ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرف أبينا، وأنا لسنا من أبناء الطلقاء، ولا العتقاء، ولا اللعناء، ولا الطرداء، وأنه لا يمت أحد من بني هاشم بمثل ما نمت به من القرابة والسابقة والفضل، فإنا بنو أم رسول الله عليه السلام في الجاهلية، وفي الإسلام بنو ابنته دونكم، وأن الله اختارنا واختار لنا، فولدنا من النبيين أفضلهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن السلف أولهم إسلامًا علي بن أبي طالب عليه السلام، ومن الأزواج أفضلهن خديجة أول من صلى القبلة- رحمة الله عليها، ومن البنات فاطمة سيدة نساء العالمين- رحمة الله عليها، ومن المولودين في الإسلام الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن هاشما ولد عليًّا مرتين، وأن عبدالمطلب ولده مرتين، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولدني مرتين وإني من أوسط هاشم نسبًا، وأصرحهم أمًّا وأبًا، وأنه لم يعرف في سجحم، ولم يتنازع فيَّ أمهات الأولاد، وما زال الله تعالى يختار لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام، حتى اختار لي في الثأر، فأنا ابن أرفع الناس درجةً في الجنة، وأنا ابن أهون الناس عذابًا، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير أهل الجنة والنار، ولك إن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك ودمك وعلى كل أمر أحدثته إلا حدًّا من حدود الله، أو حقًّا لمسلم أو معاهد، وقد علمت ما يلزمك في ذلك ومن ذلك، وأنا أولى بالأمر منك، وأوفى بالعهد والعقد؛ لأنك تعطيني من عهدك ما أعطيته رجالاً من قبلي، فأي أمانك تعطيني: أمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبدالله بن علي؟ أم أمان أبي مسلم؟ والسلام.

فأجابه أبو جعفر: من عبدالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبدالله أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، فجلُّ فخرك بقرابة النساء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء؛ لأن الله تعالى جعل العم أبًا، وبدأ به على الولد الأدنى، ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن لكانت آمنة أقربهن رحمًا، وأعظمهن حقًّا، وأول من يدخل الجنة غدًا، ولكن اختار الله لخلقه على قدر علمه الماضي منهم، فأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وولادتها فإن الله لم يرزق من ولدها ذكرًا ولا أنثى الإسلام، ولو كان أحد من ولدها رزق الإسلام بالقرابة لكان عبدالله بن عبد المطلب أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، ولكن الأمر إلى الله يختار لدينه من يشاء، قال الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] ولقد بعث الله نبيه محمدا وله عمومة أربعة، وأنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] فدعاهم فأنذرهم، فأجابه اثنان: أحدهما أبي، وأبى اثنان: أحدهما أبوك، فقطع الله ولايتهما، ولم يجعل بينه وبينهما إلاًّ ولا ذمة ولا ميراثًا، وزعمت أنك ابن أخف أهل النار عذابًا، وابن خير الأشرار، وليس في الكفر بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا قليل، ولا في الشر خيار، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفخر بالشر، وسترد فتعلم {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] وأما ما فخرت به من أن فاطمة أم علي، وأن هاشما ولده مرتين، وأن عبدالمطلب ولده مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يلده هاشم إلا مرة، ولا عبدالمطلب إلا مرة، وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسبا، وأصرحهم أما وأبا إلى آخر ما ذكره.

فأجابه محمد بن عبدالله عليه السلام بهذه الرسالة وهي التي يقال لها: الدامغة.

قال مؤلف كتاب المصابيح: وهو الذي روينا منه هذه الكتب وما قبلها من كتبه عليه السلام بعد سماعنا له، وأنا أريد أن أختصر منها، فإني لو أثبته على الوجه لطال الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} إلى قوله تعالى: {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه: 98 - 101].

أما بعد: فإنك ذكرت أن فخري بالنساء، فرأيت أن أوضِّح من أمرهن ما جهلته، ومن حق العم لأب وأم خلاف ما وهمته، أو ليس قرابتهن أقرب القرابة؟، أوليس قد ذكر الله الأمهات، والأخوات، والبنات، ولم يجعل بينهن وبين الآباء والقرابة فرقًا؟ فقال: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 7]، وقال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ... الآية} [النساء: 127] فقد ذكر الأمهات والأخوات والبنات، ولم يذكر العم، ثم فرض على عباده البر بالنساء والرِّجال إذ قال: {اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14] وقوله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} [الأحقاف: 15] ثم ذكر فضل الأم على الأب فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15] وكذلك في ثواب ما عنده إذ يقول: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... }، إلى قوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] وقال تعالى: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ... } [النور: 61] إلى قوله تعالى: {أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُم} وقال: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] وإنما كانت خالته، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الخالة والدة، والخال والد يرث ماله ويفك عانيه)).

وأما قولك: لو كان الله اختار لهن لكانت آمنة أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقربهن رحمًا، فهل أنبأتك أن الله اختار لهن أو لأحد من خلقه ذكرًا أو أنثى على قرابته فتحتجَّ عليَّ به؟ ما اختار الله أحدًا من خلقه، ولا اختار له إلا على السابقة والطاعة، وكانت هذه حالة أبي علي بن أبي طالب عليه السلام، وأمي فاطمة بنت محمد، لم تكفر بالله قط؛ ولذلك قال لإبراهيم عليه السلام: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] إلى آخره، وأما فاطمة بنت عمرو أم أبي طالب وعبدالله والزبير وولادتها إياي، فكيف أنكرت ذلك وأنت تحتج بالعصبة والعمومة ولم يجعل الله للعباس من قرابة العمومة شيئا لم يجعله لأبي طالب.

وأما قولك: إنكم حزتم بأبيكم وراثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دوننا فأخبرني أي الميراث حازه العباس لكم دوننا؟ الخلافة دون المال! أو المال دون الخلافة! أو الخلافة والمال معًا، فإن قلت: الخلافة دون المال! فيجب على القياس أن تقسم الخلافة على قسم المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين، فالولد أحق بها من العم، والأخ أولى من العم، فإن جاز ذلك فلم ورثتها دون عمومتك، وهم أولى بالكبر منك ومن أخيك، ولم ورثت أخاك دون ولده إلى كلام طويل.

وذكر في آخر هذا الجواب: ولست أراه يسعني إلا مجاهدتك، فإن موعدك الساعة والساعة أدهى وأمرّ، وأنا على بصيرة من أمري، وماض على ما مضى عليه سلفي وأشياعهم الذين ذكرهم الله تعالى، فقال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] إلى آخره، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.

ولما عقدت البيعة له في أعناق أهل الفضل، وانتشر ذكره في الآفاق، اضطر عليه السلام إلى الخروج قبل أوانه، وكان سبب ذلك أن أبا جعفر لما حبس أباه عبدالله بن الحسن وإخوته عليهم السلام، وشدَّد عليهم بسبب محمد بن عبدالله، وأمر بضرب موسى بن عبدالله فضرب ستمائة سوط، ثم أمره أبو جعفر بزعمه ليكون له عينًا، فتقدم موسى بن عبدالله عليهما السلام على أنه يكون عينًا له على محمد بن عبدالله عليهما السلام، فأقام مدة بالمدينة حتى أمر واليها إلى أبي جعفر: إنك بعثت موسى ليكون لك عينًا على محمد بن عبدالله وإنه عين لهم علينا، فأمر أبو جعفر بإحضار موسى إليه فلما خرجوا بموسى بن عبدالله عليه السلام خشي محمد بن عبدالله عليهما السلام القتل على أخيه فشهر نفسه في الحال.

وكان ظهوره عليه السلام: لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، وروي في غرة رجب، وخرج وعليه قلنسوة صفراء وعمامة فوقها متوشحا سيفا، وانضاف إليه في تلك الحال مائتان وخمسون رجلاً، فتقدم حتى وقف على سجن المدينة وأرسل من فيه، ودخل المسجد قبل الفجر فخطب الناس، وقال في خطبته بعد حمد الله والثناء عليه:

 

أما بعد: يا أهل المدينة فإني والله ما خرجت فيكم وبين أظهركم لأتعزز بكم، وَلَغيرُكم كان أعزّ لي منكم ولكني حبوتكم بنفسي، مع أنه لم يبق مصر من الأمصار يعبد الله فيه إلا وقد أُخذَت لي فيه البيعة، وما بقي أحد من شرق ولا غرب إلا وقد أتتني بيعته، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الأمر لأبناء المهاجرين والأنصار، مع ما قد علمتم من سوء مذهب هذا الطاغية الذي قد بلغ في عتوِّه وطغيانه أن اتخذ لنفسه بيتًا وبوّبه بالذهب - يعني: أبا الدوانيق، ثم بالغ في ذمِّه، ولما حضرت الصلاة صلى وبايعه الناس طوعا إلا شرذمة، وهرب رباح بن عثمان المري عامل أبي جعفر على المدينة وصعد سطح دار مروان، وأمر بهدم الدرجة، فصعد إليه من أخذه من هناك، فسأله عن موسى عليه السلام، فقال: قد أنفذته إلى أبي جعفر، فبعث جماعة من الفرسان خلفه حتى ردوه، ثم خرج عليه السلام إلى مكة فبويع هناك، ووجّه أخاه إبراهيم عليه السلام إلى البصرة، وعاد من مكة إلى المدينة، وكان شعاره: أحدٌ أحدٌ.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وروي عن حسين بن زيد بن علي عليهم السلام، قال: شهد مع محمد بن عبدالله من ولد الحسين أربعة: أنا وأخي عيسى وموسى وعبدالله ابنا جعفر بن محمد الباقر.

وروى أن أوَّل قتيل من المسودة اشترك في قتله بين يديه عليه السلام موسى وعبدالله ابنا جعفر بن محمد عليه السلام، وكانا حاضرين معه في جميع جهاده، حتى قُتل وأعطياه بيعتهما مختارَين متقربَين إلى الله تبارك وتعالى بذلك، واستأذنه أبو عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام؛ لسنِّه وضعفه في الرجوع إلى منزله بعد أن خرج معه فأذن له، وكانت رايته مع الأفطس الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وخرج معه المنذر بن محمد بن المنذر ابن عبدالله بن الزبير، وابن أبي ذؤيب، وابن عجلان، وخرج معه مصعب بن عبدالله بن الزبير، وابنه عبدالله بن مصعب، وأبو بكر بن أبي سبرة - الفقيه الذي يروي عنه الواقدي، وقد كان عمرو بن عبيد ونفر من أعيان المتكلمين من معتزلة البصرة اختبروه ووقفوا على غزارة علمه ودعائه إلى القول بالعدل فبايعوه، ومن الناس من أنكر أن يكون عمرو بايعه.

والصحيح هو الأول، ذكره السيد أبو طالب عليه السلام.

واستفتي مالك بن أنس في بيعته، فأمر الناس بذلك، فقيل: إن في أعناقنا بيعة أبي جعفر، فقال: إنكم بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين.

وذكر الشيخ أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني في تسمية من خرج مع النفس الزكية عليه السلام من الفقهاء: عبدالواحد بن أبي عون، ومحمد بن عجلان، وعبدالله بن عامر الأسلمي، وعبدالعزيز بن محمد الدراوردي، وإسحاق بن إبراهيم بن دينار، وعبدالحميد بن جعفر، وعبدالله بن عطاء مولى ابن سباع، وبنوه وهم: إبراهيم، وإسحاق، وربيعة، وجبير، وعبدالله، وعطاء، ويعقوب، وعثمان، وعبدالعزيز، بنو عبدالله.

وروى بإسناده عن بعضهم أن أبا جعفر كان يقول: العجب لعبدالله بن عطاء إنه بالأمس على بساطي ثم يضربني بعشرة أسياف، ثم تَغَيَّبَ عبدالله بن عطاء حتى مات في إمارة جعفر بن سليمان الأول فخرج به بنوه ليدفنوه، فأخبر جعفر ابن سليمان، فأمر به فأنزل من نعشه ثم صلب، وعبدالله بن عطا من ثقات أهل الحديث، قد روى عن أبي جعفر محمد بن علي وعن عبدالله بن بريدة وغيرهما من وجوه التابعين.

وروى عنه الثقات مثل: مالك بن أنس ونظرائه، وعبدالله بن عامر الذي ذكرناه هو: الأسلمي القاري ويكنى أبا عامر وهو ثقة روى عنه وكيع وأبو نعيم وعبيدالله بن موسى وأبو ضمرة، وروى هو عن الزهري ونافع، ووثقه يحيى بن معين ورووه في الحديث، وإياه يعني: إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بقوله:

أبو عامر فيها رئيسٌ كأنها ... كراديس تغشى حجرة المتكبر

قال: وخرج إبراهيم بن هرم مع محمد في محفة، وقال: ما فيَّ قتال ولكن أحببت أن تتأسّى بي الناس، وخرج معه من المنظورين المعروفين بالزهد والعلم والعمل مطر الورّاق رحمة الله عليه، ولما قتل إبراهيم عليه السلام أسر مطر رحمه الله وقدم على المنصور وقال له: يا مطر، أنت القائل: إن في قلبي لحر لا يطفئه إلا بردُ عدل أو حرُّ سنان، قال: أنا القائل ذلك، فقال أبو جعفر: لأذيقنك اليوم حرَّ سنان يشيب منه رأسك، قال مطر: إذًا لأصبرن صبرًا يذل الله فيه سلطانك، فأمر بقطع يديه فمدوا يديه فقبضهما، فقال: يا مطر هذا خلاف ما وعدت، فقال: كلا ولكن لا أعينك على معصيتك، فقطعوا يديه فما قطب، ثم قتل رحمة الله عليه.

ذكر أولاده ووفاته (ع)

أولاده عليه السلام:

قال السيد أبو طالب عليه السلام عبدالله الأشتر قتل (بكابل) وله عقب، وعلي أخذ (بمصر) فمات في حبس محمد بن أبي جعفر الملقب بالمهدي، والحسن قتل (بفخ) ولم يذكر الطالبيون غير هؤلاء، وذكر غيرهم حسينا.

وأجمعوا أنه وَلَد ابنتين: فاطمة، وزينب درجتا، وأمهم جميعًا: أم سلمة بنت محمد بن الحسن الثاني بن الحسن بن علي عليهم السلام.

وروينا عن بعضهم أنه عليه السلام كان في بعض الجبال وقد اشتد به الطلب، ومعه ولد صغير من أم ولد فسقط الولد فمات فأنشأ عليه السلام يقول:

منخرق الخفين يشكو الوجا ... تنكبه أطراف مروٍ حداد

شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحةٌ ... والموت حتمٌ في رقاب العباد

عمَّاله عليه السلام:

أنفذ قبل ظهوره إبراهيم بن عبدالله عليهما السلام على خلافة البصرة، وولى قضاء المدينة عبدالعزيز بن المطلب المخزومي، وكان على أبواب العطاء عبدالله بن جعفر بن عبدالرحمن بن المسور بن مخرمة، وعلى شرطته عبدالحميد ابن جعفر، ثم وجهه في وجْهٍ، فولاّها عمرو بن محمد بن خالد بن الزبير ذكره السيد أبو طالب.

ذكر مقتله ومبلغ عمره وموضع قبره عليه السلام:

لما اشتهر أمره عليه السلام في المدينة وغيرها، جهز أبو جعفر إليه الجنود يقودهم عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس في أربعة آلاف رجل وقال: إنك سترد على حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيران قبره فإن قتل محمد أو أخذ أسيرًا فلا تقتل أحدًا وارفع السيف، فإن طلب محمد الأمان فأعطه، وإن فاتك فاستمل عليه أهل المدينة، فاقتل من ظفرت به منهم، فلما بلغ محمدًا مسيره خندق على المدينة خندقًا على أفواه السكك، فقاتلهم عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام، ومحمد جالسٌ على المصلى ثم جاء هو فباشرهم القتال بنفسه، فلما اقتتلوا ساعة انهزم أصحاب محمد وتفرقوا عنه، فلما رأى ذلك رجع إلى دار مروان فصلى الظهر واغتسل وتحنط، وذكر الشيخ أبو الفرج أن القتال كان يوم الاثنين للنصف من شهر رمضان.

وروى بإسناده عن أبي الحجاج قال: رأيت محمدا وإن أشبه ما خلق الله به لَمَا ذُكِرَ من حمزة بن عبدالمطلب يهذُّ الناس بسيفه ما يقاربه أحد إلا قتله، لا والله ما يليق شيئا، حتى رماه إنسان كأني أنظر إليه أحمر أزرق بسهم، ودهمتنا الخيل فوقف إلى ناحية جدار وتحاماه الناس.

وروى أنه قتل يوم ذاك اثني عشر رجلاً من جنود الظالمين، ثم كان انهزام عسكره عليه السلام على ما رواه الإمام المنصور بالله عليه السلام بحيلة امرأة عباسية كانت في المدينة، وذاك أنها أمرت خادمًا بقناع أسود رفعه في منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمرت خدامًا لها آخرين صاحوا في العسكر: الهزيمة الهزيمة، إن المسودة قد جاءوا من خلفكم فدخلوا المدينة، فالتفت الناس فأبصروا الراية السوداء على المنارة فلم يشكوا في ذلك، فانهزم الناس وبقي وحده عليه السلام يقاتل حتى عرض له رجل فضربه على ذقنه فسقطت لحيته على صدره فرفعها بيده وشدَّها، ثم رمي بنشابة في صدره، فحملوا عليه من كل جانب فقتل، وكان الذي تولى الإجهاز عليه حميد بن قحطبة، وفي بعض أخباره عليه السلام أنه لما حمي الوطيس خرج في قباء طاق وهو يقول:

قاتل فما بك إن حبست بدومة ... في ظل غرفتها إذا لم تخلد

إنَّ امرءًا يرضى بأهون سعيه ... قصرت مروءته إذا لم يزدد

وروى أبو الفرج بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن حسن قال: لما كان اليوم الذي قتل فيه محمد قال لأخته: إني في هذا اليوم على قتال هؤلاء فإن زالت الشمس ومطرت السماء فإني مقتول، وإن زالت الشمس ولم تمطر السماء وهبت الريح فإني أظفر بالقوم، فإن زالت الشمس فأجِّجي التنانير وهيِّئي هذه الكتب، فإن زالت الشمس ومطرت السماء، فاطرحي هذه الكتب في التنانير، فإن قدرتم على بدني فخذوه، ولن تقدروا على رأسي، فأتوا به ظلة بني نُبَيْهٍ على مقدار أربعة أذرع أو خمسة، فاحفروا لي حفرةً فادفنوني فيها، فلما مطرت السماء فعلوا ما أمرهم به، وقالوا: آيةُ قتل النفس الزكية أن يسيل الدم حتى يدخل بيت عاتكة قال: فكانوا يعجبون كيف يسيل الدم حتى يدخل بيت عاتكة، فكان يومًا مطيرًا، فسال الدم حتى دخل بيت عاتكة، قال: وأخذ جسده فحفروا له حفيرة فوقعوا على صخرة، فدلوا الحبال فأخرجوها فإذا فيها مكتوب، هذا قبر الحسن بن علي بن أبي طالب، فقالت زينب: رحم الله أخي كان والله أعلم حيث أوصى أن يدفن في هذا الموضع!!.

وقد ورد الأثر في النفس الزكية: ((أنه يقتل فيسيل دمه إلى أحجار الزيت، لقاتله ثلث عذاب أهل جهنم))، رواه الإمام المنصور بالله عليه السلام.

وروى أبو الفرج بإسناده: أن زينب بنت عبدالله، وفاطمة بنت محمد بن عبدالله بعثتا إلى عيسى: إنكم قد قتلتم هذا الرجل وقضيتم منه حوائجكم فلو أذنتم لنا لواريناه.

فأرسل إليهما: أما ما ذكرتما يا بِنْتَي عمي أني نلت منه، فو الله ما أمرت ولا علمت فوارياه راشدتين، فبعثتا إليه فاحتمل، فقيل: إنه حُشِيَ في مقطع عنقه عديلة من قطن.

وروى بإسناده عن أم سلمة بنت محمد بن طلحة قالت: سمعت زينب بنت عبدالله تقول: كان أخي رجل آدم، فلما أدخل وجدته قد تغير لونه وحال حتى رأيت بقية من لحيته فعرفتها، فأمرت بفراش فجعل تحته، وقد أقام في مصرعه يومه وليلته وإلى غد، فسال دمه حتى استنقع تحت الفراش فأمرت بفراش ثان، فسال دمه حتى وقع بالأرض، فحولت تحته فراشًا ثالثًا فسال دمه وخلص من فوقها جميعًا.

وحُمِل رأسه إلى أبي جعفر مع ابن أبي الكرام الجعفري، وكان قتله بعد العصر يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، ذكره أبو الفرج من سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: سنة ست، وقيل: إنه قتل عن اثنتين وخمسين سنة.

قال السيد أبو طالب عليه السلام وقد ذكر ذلك: وهذا كله مخالف لما ذكرناه من تأريخ مولده ويجب أن يكون أحدهما غير صحيح والله أعلم بالحقيقة.

وكانت مدة قيامه عليه السلام بالأمر وانتصابه: شهرين تزيد أيامًا.

ولما قتل عليه السلام ودخل الجند الظالم لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف حميد ابن قحطبة على الباب ولم يدخل، فقال له بعضهم: ما رأيت أعجب من أمرك يا حميد يضرب الناس آباط الإبل لزيارة قبر رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتصل إلى باب مسجده ثم لا تزوره! فقال: والله إني لأستحيي منه، الآن قتلت ولده ثم أدخل لزيارته، فقال عيسى بن موسى: اسكت.

ولإبراهيم بن عبدالله يرثي أخاه النفس الزكية عليهما السلام:

سأبكيك بالبيض الرقاق والقنى ... فإنَّ بها ما يدرك الطالب الوِترَا

وإنا أناسٌ لا تفيض دموعُنا ... على هالك منَّا وإن قصم الظَّهرا

ولست كمن يبكي أخاه بعبرة ... يعصِّرها من جَفْن مقلته عصرا

ولكنني أشفي فؤادي بغارة ... تلهِّب في قطري كتائبها الجمرا

وقال غالب بن عثمان الهمداني من آل ذي المشعار:

يا دار هيَّجت البكاء فأعولي ... حييت منزلة دثرت ودارا

بالجِزْع من كنفي سويقة أصبحت ... كالبرد بعد بني النبي قفارا

الحاملين إذا الحمالة أعجزت ... والأكرمين أرومة ونجارا

والممطرين إذا المحول تتابعت ... دررًا تداولها المحول غزارا

والذائدين إذا المخافة أبرزت ... سوق الكواعب يبتدرن حضارا

وثبت نتيلة وثبة بعلوجها ... كانت على سلفي نتيلة عارا

فتثلمت ساداتها وتنهكت ... حرمًا محصنَّة الحدود كبارا

ولغت دماء بني النبي فأصبحت ... خضبت بها الأشداق والأظفارا

لا تسقني بيديك إن لم أنبعث ... لبني نتيلة جحفلاً جرارا

لِجبًا يضيق به الفضاء عرمرمًا ... يغشي الدَّكادك قسطلاً مدرارا

فيه بنيَّات الصريح ولاحق ... قبٌّ تغادر في الخليف مهارا

يخرجن من حلل الغبار عوابسًا ... يورين في خضب الأماعز نارا

فننال في سلفي نتيلة ثأرنا ... فيما ننال وندرك الأوتارا

وقال أبو الحجاج الجهني:

بكَر النِعيُّ بخير من وطئ الحصى ... ذي المكرمات وذي الندا والسؤدد

بالخاشع البرِّ الذي من هاشم ... أمسى قتيلاً في بقيع الغرقد

ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... إذ قام مُجْتهدًا بدين محمد

وقال عبدالله بن مصعب:

سالت دموعك ضَلَّةً قد هجت ... ترحًا ووجدًا يبعث الأحزانا

هلاَّ على المهدي وابني مُصْعبٍ ... أذريت دمعك ساكبًا تَهْتَانا

والله ما ولد الحواضِنُ مثلهم ... أمضى وأرفع مَحْتِدًا ومكانا

وأشدَّ ناهضة وأقول للتي ... تبغي مصادر عدلها العدوانا

رزءٌ لعمرك لو يصاب بمثله ... ميطان صدّع رزءُه ميطانا

ولبعضهم:

رحم الله شبابًا ... قُتِلوا يوم الثنيه

قاتلوا عنه بنيًّا ... تٍ وأحساب نقيه

فرَّ عنه الناس طُرًّا ... غير خيل أسديَّه

قتل الرحمن عيسى ... قاتل النفس الزكيَّة

قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة