أولاده عليه السلام:
قال السيد أبو طالب عليه السلام عبدالله الأشتر قتل (بكابل) وله عقب، وعلي أخذ (بمصر) فمات في حبس محمد بن أبي جعفر الملقب بالمهدي، والحسن قتل (بفخ) ولم يذكر الطالبيون غير هؤلاء، وذكر غيرهم حسينا.
وأجمعوا أنه وَلَد ابنتين: فاطمة، وزينب درجتا، وأمهم جميعًا: أم سلمة بنت محمد بن الحسن الثاني بن الحسن بن علي عليهم السلام.
وروينا عن بعضهم أنه عليه السلام كان في بعض الجبال وقد اشتد به الطلب، ومعه ولد صغير من أم ولد فسقط الولد فمات فأنشأ عليه السلام يقول:
منخرق الخفين يشكو الوجا ... تنكبه أطراف مروٍ حداد
شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
قد كان في الموت له راحةٌ ... والموت حتمٌ في رقاب العباد
عمَّاله عليه السلام:
أنفذ قبل ظهوره إبراهيم بن عبدالله عليهما السلام على خلافة البصرة، وولى قضاء المدينة عبدالعزيز بن المطلب المخزومي، وكان على أبواب العطاء عبدالله بن جعفر بن عبدالرحمن بن المسور بن مخرمة، وعلى شرطته عبدالحميد ابن جعفر، ثم وجهه في وجْهٍ، فولاّها عمرو بن محمد بن خالد بن الزبير ذكره السيد أبو طالب.
ذكر مقتله ومبلغ عمره وموضع قبره عليه السلام:
لما اشتهر أمره عليه السلام في المدينة وغيرها، جهز أبو جعفر إليه الجنود يقودهم عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس في أربعة آلاف رجل وقال: إنك سترد على حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيران قبره فإن قتل محمد أو أخذ أسيرًا فلا تقتل أحدًا وارفع السيف، فإن طلب محمد الأمان فأعطه، وإن فاتك فاستمل عليه أهل المدينة، فاقتل من ظفرت به منهم، فلما بلغ محمدًا مسيره خندق على المدينة خندقًا على أفواه السكك، فقاتلهم عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام، ومحمد جالسٌ على المصلى ثم جاء هو فباشرهم القتال بنفسه، فلما اقتتلوا ساعة انهزم أصحاب محمد وتفرقوا عنه، فلما رأى ذلك رجع إلى دار مروان فصلى الظهر واغتسل وتحنط، وذكر الشيخ أبو الفرج أن القتال كان يوم الاثنين للنصف من شهر رمضان.
وروى بإسناده عن أبي الحجاج قال: رأيت محمدا وإن أشبه ما خلق الله به لَمَا ذُكِرَ من حمزة بن عبدالمطلب يهذُّ الناس بسيفه ما يقاربه أحد إلا قتله، لا والله ما يليق شيئا، حتى رماه إنسان كأني أنظر إليه أحمر أزرق بسهم، ودهمتنا الخيل فوقف إلى ناحية جدار وتحاماه الناس.
وروى أنه قتل يوم ذاك اثني عشر رجلاً من جنود الظالمين، ثم كان انهزام عسكره عليه السلام على ما رواه الإمام المنصور بالله عليه السلام بحيلة امرأة عباسية كانت في المدينة، وذاك أنها أمرت خادمًا بقناع أسود رفعه في منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمرت خدامًا لها آخرين صاحوا في العسكر: الهزيمة الهزيمة، إن المسودة قد جاءوا من خلفكم فدخلوا المدينة، فالتفت الناس فأبصروا الراية السوداء على المنارة فلم يشكوا في ذلك، فانهزم الناس وبقي وحده عليه السلام يقاتل حتى عرض له رجل فضربه على ذقنه فسقطت لحيته على صدره فرفعها بيده وشدَّها، ثم رمي بنشابة في صدره، فحملوا عليه من كل جانب فقتل، وكان الذي تولى الإجهاز عليه حميد بن قحطبة، وفي بعض أخباره عليه السلام أنه لما حمي الوطيس خرج في قباء طاق وهو يقول:
قاتل فما بك إن حبست بدومة ... في ظل غرفتها إذا لم تخلد
إنَّ امرءًا يرضى بأهون سعيه ... قصرت مروءته إذا لم يزدد
وروى أبو الفرج بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن حسن قال: لما كان اليوم الذي قتل فيه محمد قال لأخته: إني في هذا اليوم على قتال هؤلاء فإن زالت الشمس ومطرت السماء فإني مقتول، وإن زالت الشمس ولم تمطر السماء وهبت الريح فإني أظفر بالقوم، فإن زالت الشمس فأجِّجي التنانير وهيِّئي هذه الكتب، فإن زالت الشمس ومطرت السماء، فاطرحي هذه الكتب في التنانير، فإن قدرتم على بدني فخذوه، ولن تقدروا على رأسي، فأتوا به ظلة بني نُبَيْهٍ على مقدار أربعة أذرع أو خمسة، فاحفروا لي حفرةً فادفنوني فيها، فلما مطرت السماء فعلوا ما أمرهم به، وقالوا: آيةُ قتل النفس الزكية أن يسيل الدم حتى يدخل بيت عاتكة قال: فكانوا يعجبون كيف يسيل الدم حتى يدخل بيت عاتكة، فكان يومًا مطيرًا، فسال الدم حتى دخل بيت عاتكة، قال: وأخذ جسده فحفروا له حفيرة فوقعوا على صخرة، فدلوا الحبال فأخرجوها فإذا فيها مكتوب، هذا قبر الحسن بن علي بن أبي طالب، فقالت زينب: رحم الله أخي كان والله أعلم حيث أوصى أن يدفن في هذا الموضع!!.
وقد ورد الأثر في النفس الزكية: ((أنه يقتل فيسيل دمه إلى أحجار الزيت، لقاتله ثلث عذاب أهل جهنم))، رواه الإمام المنصور بالله عليه السلام.
وروى أبو الفرج بإسناده: أن زينب بنت عبدالله، وفاطمة بنت محمد بن عبدالله بعثتا إلى عيسى: إنكم قد قتلتم هذا الرجل وقضيتم منه حوائجكم فلو أذنتم لنا لواريناه.
فأرسل إليهما: أما ما ذكرتما يا بِنْتَي عمي أني نلت منه، فو الله ما أمرت ولا علمت فوارياه راشدتين، فبعثتا إليه فاحتمل، فقيل: إنه حُشِيَ في مقطع عنقه عديلة من قطن.
وروى بإسناده عن أم سلمة بنت محمد بن طلحة قالت: سمعت زينب بنت عبدالله تقول: كان أخي رجل آدم، فلما أدخل وجدته قد تغير لونه وحال حتى رأيت بقية من لحيته فعرفتها، فأمرت بفراش فجعل تحته، وقد أقام في مصرعه يومه وليلته وإلى غد، فسال دمه حتى استنقع تحت الفراش فأمرت بفراش ثان، فسال دمه حتى وقع بالأرض، فحولت تحته فراشًا ثالثًا فسال دمه وخلص من فوقها جميعًا.
وحُمِل رأسه إلى أبي جعفر مع ابن أبي الكرام الجعفري، وكان قتله بعد العصر يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، ذكره أبو الفرج من سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: سنة ست، وقيل: إنه قتل عن اثنتين وخمسين سنة.
قال السيد أبو طالب عليه السلام وقد ذكر ذلك: وهذا كله مخالف لما ذكرناه من تأريخ مولده ويجب أن يكون أحدهما غير صحيح والله أعلم بالحقيقة.
وكانت مدة قيامه عليه السلام بالأمر وانتصابه: شهرين تزيد أيامًا.
ولما قتل عليه السلام ودخل الجند الظالم لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف حميد ابن قحطبة على الباب ولم يدخل، فقال له بعضهم: ما رأيت أعجب من أمرك يا حميد يضرب الناس آباط الإبل لزيارة قبر رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتصل إلى باب مسجده ثم لا تزوره! فقال: والله إني لأستحيي منه، الآن قتلت ولده ثم أدخل لزيارته، فقال عيسى بن موسى: اسكت.
ولإبراهيم بن عبدالله يرثي أخاه النفس الزكية عليهما السلام:
سأبكيك بالبيض الرقاق والقنى ... فإنَّ بها ما يدرك الطالب الوِترَا
وإنا أناسٌ لا تفيض دموعُنا ... على هالك منَّا وإن قصم الظَّهرا
ولست كمن يبكي أخاه بعبرة ... يعصِّرها من جَفْن مقلته عصرا
ولكنني أشفي فؤادي بغارة ... تلهِّب في قطري كتائبها الجمرا
وقال غالب بن عثمان الهمداني من آل ذي المشعار:
يا دار هيَّجت البكاء فأعولي ... حييت منزلة دثرت ودارا
بالجِزْع من كنفي سويقة أصبحت ... كالبرد بعد بني النبي قفارا
الحاملين إذا الحمالة أعجزت ... والأكرمين أرومة ونجارا
والممطرين إذا المحول تتابعت ... دررًا تداولها المحول غزارا
والذائدين إذا المخافة أبرزت ... سوق الكواعب يبتدرن حضارا
وثبت نتيلة وثبة بعلوجها ... كانت على سلفي نتيلة عارا
فتثلمت ساداتها وتنهكت ... حرمًا محصنَّة الحدود كبارا
ولغت دماء بني النبي فأصبحت ... خضبت بها الأشداق والأظفارا
لا تسقني بيديك إن لم أنبعث ... لبني نتيلة جحفلاً جرارا
لِجبًا يضيق به الفضاء عرمرمًا ... يغشي الدَّكادك قسطلاً مدرارا
فيه بنيَّات الصريح ولاحق ... قبٌّ تغادر في الخليف مهارا
يخرجن من حلل الغبار عوابسًا ... يورين في خضب الأماعز نارا
فننال في سلفي نتيلة ثأرنا ... فيما ننال وندرك الأوتارا
وقال أبو الحجاج الجهني:
بكَر النِعيُّ بخير من وطئ الحصى ... ذي المكرمات وذي الندا والسؤدد
بالخاشع البرِّ الذي من هاشم ... أمسى قتيلاً في بقيع الغرقد
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... إذ قام مُجْتهدًا بدين محمد
وقال عبدالله بن مصعب:
سالت دموعك ضَلَّةً قد هجت ... ترحًا ووجدًا يبعث الأحزانا
هلاَّ على المهدي وابني مُصْعبٍ ... أذريت دمعك ساكبًا تَهْتَانا
والله ما ولد الحواضِنُ مثلهم ... أمضى وأرفع مَحْتِدًا ومكانا
وأشدَّ ناهضة وأقول للتي ... تبغي مصادر عدلها العدوانا
رزءٌ لعمرك لو يصاب بمثله ... ميطان صدّع رزءُه ميطانا
ولبعضهم:
رحم الله شبابًا ... قُتِلوا يوم الثنيه
قاتلوا عنه بنيًّا ... تٍ وأحساب نقيه
فرَّ عنه الناس طُرًّا ... غير خيل أسديَّه
قتل الرحمن عيسى ... قاتل النفس الزكيَّة