محمد، وله العقب من أولاده جماعة بالمغرب، أمه: خديجة بنت إبراهيم ابن محمد بن طلحة.
وعيسى مئناث، وإبراهيم دَرَج، وعبدالله دَرَج، وصالح دَرَج، وقُريبة. ذكره السيد أبو طالب عليه السلام.
ذكر مقتله عليه السلام والسبب فيه:
روى الشيخ أبو الفرج رحمه الله في مقاتل الطالبية [274] في أخبار يحيى بن عبدالله عليه السلام أن نفرًا من أهل الحجاز تحالفوا على السِّعاية بيحيى والشهادة عليه، وأنه يدعو إلى نفسه، وأن أمانه منتقض، فوافق ذلك ما كان في نفس الرشيد، وهم: عبدالله بن مصعب الزبيري، وأبو البختري وهب بن وهب، ورجل من بني زهرة، ورجل من بني مخزوم، وافوا الرشيد بذلك، واحتالوا إلى أن أمكنهم ذكره له، فأشخصه الرشيد إليه وحبسه عند مسرور الكبير في سرداب، فكان في أكثر الأيام يدعوه فيناظره.
وروى أيضًا بإسناده [374] أنه دعا يحيى عليه السلام يومًا فجعل يذكر له ما رفع إليه في أمره، وهو يخرج كتبًا كانت في يده حججًا فيقرأها الرشيد وأطراف الكتب في يد يحيى، فتمثل بعض من حضر:
أنى أُتيحَ له حِرباء تنضبه ... لا يرسل الساقَ إلا ممسكًا ساقا
فغضب الرشيد من ذلك وقال للمتمثل: أتؤيده وتنصره؟ قال: لا والله، ولكني شبهته في مناظرته واحتجاجه بقول هذا الشاعر، ثم أقبل عليه قال: دعني مِنْ هذا يا يحيى، أيُّنا أحسن وجهًا أنا أو أنت؟ قال: بل أنت يا أمير المؤمنين إنك لأنصع لونًا وأحسن وجهًا، قال: فأينا أسخى أنا أو أنت؟ قال: وما هذا يا أمير المؤمنين مما تسألني عنه؟ أنت تجبى لك خزائن الأرض وكنوزها، وأنا أمحل معاشي من سنة إلى سنة. فأينا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: قد أجبتك عن خصلتين فاعفني من هذه، قال: لا والله، قال: بلى فاعفني، فحلف بالطلاق والعتاق أن لا يعفيه.
فقال: يا أمير المؤمنين، لو عاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطب إليك ابنتك أكنت تزوجُه؟ قال: إي والله، قال: فلو عاش فخطب إليَّ أكان يحل لي أن أزوجه؟ قال: لا، قال: فهذا جواب ما سألت.
فغضب الرشيد وقام من مجلسه، وخرج الفضل بن الربيع وهو يقول: والله لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملكه، قالوا: ثم رده إلى محبسه في يومه ذلك.
ثم دعا به وجمع بينه وبين عبدالله بن مصعب الزبيري؛ ليناظره فيما رفع إليه فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد، وقال: نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته، فقال له يحيى عليه السلام يا أمير المؤمنين: أتصدق هذا علي وتستنصحه وهو ابن عبدالله بن الزبير الذي أدخل أباك وولده الشعب وأضرم عليهم بالنار حتى تَخَلَّصَهُ أبو عبدالله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب منه، وهو الذي بقي أربعين جمعة لا يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته حتى التاث عليه الناس، فقال: إن له أهلَ بيت سوء، إذا ذكرته اشرأبت نفوسهم إليه وفرحوا بذلك، فلا أحب أن أُقرَّ أعينهم بذكره، وهو الذي فعل بعبدالله بن عباس ما لا خفاء به عليك، حتى لقد ذبحت له يومًا بقرة فوجدت كبدها قد تفتتت، فقال له ابنه علي بن عبدالله: يا أبه ما ترى كبد هذه البقرة؟ قال: يا بني هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه: يا بني الحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبدالله بن الزبير، ووالله إن عداوة هذا لنا جميعًا بمنزلة سواء لكنه قَوِيَ عليَّ بك وضعف عنك، فتقرب بي إليك ليظفر منك فِيَّ بما يريد؛ إذ لم يقدر على مثله منك، وما ينبغي لك أن تسوِّغه ذلك فيَّ، فإن معاوية بن أبي سفيان وهو أبعد نسبًا منك إلينا ذَكَرَ يوما الحسن بن علي فَسَفَّهَهُ فساعده عبدالله بن الزبير على ذلك فزجره معاوية، فقال: إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين، فقال: إن الحسن لحمي آكُلُهُ ولا أُوكِلُهُ، فقال عبدالله ابن مصعب: إن عبدالله بن الزبير طلب أمرًا فَأَدْرَكَهُ، وإن الحسن باع الخلافة بالدراهم، أتقول هذا في عبدالله بن الزبير وهو ابن صفية بنت عبدالمطلب؟ فقال يحيى: يا أمير المؤمنين ما أنصفنا إذ يفخر علينا بامرأة من نسائنا وامرأة منا، هلاَّ فخر بهذا على قومه من التوبيات والأسامات والحميدات، فقال عبدالله بن مصعب: ما تَدَعُونَ بَغْيَكُمْ علينا وتوثبكم في سلطاننا؟ فرفع يحيى عليه السلام رأسه إليه ولم يكن يكلمه قبل ذلك إنما كان يخاطب الرشيد بجوابه لكلام عبدالله، فقال له: أتَوَثَّبْنَا في سلطانكم؟ ومن أنتم أصلحك الله؟ عَرِّفْنِي فلستُ أعرفكم، فرفع الرشيد رأسه إلى السقف يجيله فيه ليستر ما عراه من الضحك، ثم غلبه الضحك ساعة وخجل ابن مصعب، ثم التفت يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، ومع هذا فهو الخارج مع أخي على أبيك والقائل له:
إن الحمامةَ يوم الشعب من دثَن ... هاجت فؤاد محبٍّ دائم الحزَنِ
إنَّا لنأمل أن ترتَد أُلفتنا ... بعد التدابر والبغضاء والإحَنِ
حتى يثابَ على الإحسان محسننا ... ويأمنَ الخائف المأخوذ بالدِّمَنِ
وتنقضي دولةٌ أحكام قادتها ... فينا كأحكام قوم عابدي وثَنِ
فطال ما قدْ بَرَوا بالجور أعظمنا ... بَرْي الصَنَاعِ قداح النبع بالسّفَنِ
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني حَسَنِ
لاعزَّ ركنا نزار عند سطوتها ... إن أسلمتك ولا رُكنا ذوي يَمَنِ
ألستَ أكرمَها عودًا إذا نسبوا ... يومًا وأطهرَهم ثوبًا من الدَّرَنِ
وأعظمَ الناسِ عند الناس منزلةً ... وأبعدَ الناس من عيب ومن وَهَنِ
قال فتغير وجه الرشيد عند سماع هذا الشعر، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو وبأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له، فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين ما قال هذا الشعر غيره، وما حلفت كاذبًا ولا صادقًا بالله قبل هذا، وإن الله إذا مجده العبد في يمينه بقوله الرحمن الرحيم الطالب الغالب استحيى أن يعاقبه فدعني أحلِّفْهُ بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبًا إلا عوجل، قال: حلفه، قال: قل برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلدت الحول والقوة من دون الله استكبارًا على الله واستغناء عنه، واستعلاء عليه إن كنتُ قلتُ هذا الشعر، فامتنع عبدالله من الحلف بذلك، فغضب الرشيد وقال: للفضل ابن الربيع: يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقًا؟ هذا طليساني عليّ، وهذه ثيابي لو حلّفني أنها لي لحلفت، فرفس الفضلُ عبدالله بن مصعب برجله وصاح به: احلف ويحك -وكان له هوى- فحلف باليمين ووجهه متغير وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه، ثم قال: يا ابن مصعب قطعتَ والله عمرك، والله لا تفلح بعدها، فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع ومات من اليوم الثالث، فحضر الفضل جنازته ومشى معها ومشى الناس معه، فلما جاءوا به إلى القبر ووضعوه في لحده، وجُعِلَ اللَّبِنُ فوقه انخسف القبر فهوى به حتى غاب عن أعين الناس فلم يروا قرار القبر وخرجت منه غبرةٌ عظيمة فصاح الفضل: التراب التراب، فجعل يطرح التراب وهو يهوي، ودعا بأحمال شوك فطرحها فهوت فأمر حينئذ بالقبر فسقف بخشب وأصلحه وانصرف منكسرًا.
وكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل: رأيتَ يا عباسي ما أسرع ما أديل يحيى من ابن مصعب.
وفيه يقول أبو فراس الحارث بن سعيد:
يا جاهدًا في مساويهم لتكتمها ... غَدْرُ الرشيد ليحيى كيف ينكتمُ
ذاق الزبيري غِب الحنث وانكشفت ... عن ابن فاطمة الأقوال والتهمُ
قال السيد أبو طالب عليه السلام [الإفادة: 81]: وكان يحيى عليه السلام إذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة سجد سجدة إلى قرب السحر ثم يقوم فيصلي وكان هارون يطلع عليه من قصره فقال ليلة ليحيى بن خالد وهو عنده: انظر هل ترى في ذلك الصحن شيئًا؟ وأشار إلى الموضع الذي كان يسجد فيه، فقام ونظر وقال: أرى بياضًا، ثم قال له: قرب طلوع الفجر انظر هل ترى ذلك البياض؟ فنظر، فقال: لست أراه.
فقال: ذلك يحيى بن عبدالله إذا فرغ من صلاة العتمة سجد سجدة يبقى فيها إلى آخر الليل، قال يحيى: فقلت في نفسي انظر ويلك أن لا تكون المبتلى به، ثم سلمه إلى يحيى بن خالد.
قال الشيخ أبو الفرج: ثم جمع الرشيد الفقهاء وفيهم محمد بن الحسن صاحب أبي يوسف القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو البختري وهب بن وهب، فجمعوا في مجلس، فخرج إليهم مسرور الكبير بالأمان، فبدأ محمد بن الحسن فنظر فيه فقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة في نقضه، وكان يحيى قد عرضه بالمدينة على مالك وابن الدراوردي وغيرهم فعرَّفوه أنه مؤكد لا علة به، فصاح عليه مسرور وقال: هاته، فدفعه إلى الحسن بن زياد، فقال: بصوت ضعيف هو أمان.
وروى غير الشيخ أبو الفرج من علمائنا رحمهم الله تعالى: أن محمد بن الحسن قال: فمن نقضه فعليه لعنة الله، فسمعه الرشيد فأخذ الدواة فرماه بها فشجَّه، فانصرف إلى منزله وهو يبكي فقال له صاحبه: أتبكي من شجة في سبيل الله؟ قال: لا والله ولكني أخاف أن أكون قصّرت في أمر يحيى فأكون قد شركت في دمه.
رجعنا إلى رواية الشيخ أبو الفرج قال رحمه الله: واستلبَه أبو البَخْتري وهب بن وهب فقال: هذا باطل منتقض، قد شق العصا، وسفك الدم، فاقتله ودمه في عنقي فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره، فقال له: اذهب فقل له: خزِّقه إن كان باطلا بيدك، فجاءه مسرور، فقال له ذلك، فقال: شقه يا أبا هاشم، فقال له مسرور: بل شقه إن كان منتقضًا، فأخذ سكينًا فجعل يشقه ويده ترعد حتى صيره سيورًا، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده وهو فرح وهو يقول له: يا مبارك يا مبارك، وَوَهَبَ لأبي البَخْتري ألف ألف وخمسمائة ألف درهم، وولاه قضاء القضاة، وصرف الآخرين، ومنع محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة، وأجمع على إنفاذ ما أراده في يحيى عليه السلام.
وقد اختُلف في قتله كيف كان، فروى بإسناده عن رجل كان مع يحيى في المطبق قال: كنت قريبًا منه، وكان في أضيق البيوت وأظلمها، فبينما نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال وقد مضت من الليل هجعة فإذا هارون قد أقبل على برذون له، ثم وقف فقال: أين هذا؟ يعني يحيى بن عبدالله، قالوا: في هذا البيت، قال عليَّ به، فأدنى إليه فجعل هارون يكلمه بشيء لم أفهمه، فقال: خذوه، فأخذه فضربه مائة عصى، ويحيى يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: بقرابتي منك، فيقول: ما بيني وبينك قرابة.
ثم حُمل فردَّ إلى موضعه، فقال: كم أجريتم عليه؟ فقالوا: أربعة أرغفة، وثمانية أرطال ماء، قال اجعلوه على النصف من ذلك، ثم خرج فمكثنا ليالي، ثم سمعنا وقعًا فإذا نحن به حتى دخل فوقف موقفه، فقال عليَّ به، فأُخرج ففعل به مثل فعله ذلك، وضربه مائة عصى أخرى، ويحيى يناشده الله، فقال: كم أجريتم عليه؟ فقالوا: رغيفين وأربعة أرطال ماء، قال اجعلوه على النصف. ثم خرج وعاد الثالثة وقد مرض يحيى عليه السلام وثقل، فلما دخل قال: عليَّ به، قالوا: هو عليل مدنف لما به، قال: كم أجريتم عليه؟ قالوا: رغيفًا ورطلين، قال فاجعلوه على النصف، ثم خرج، فلم يلبث يحيى أن مات فأخرج للناس ودفن.
وقال ابن عمار في روايته وإبراهيم بن رباح أنه بنى عليه أسطوانة بالرافقة وهو حي.
وذكر غيره من علمائنا أنه كان للرشيد بركة فيها أسود يرمي فيها من سخط عليه فتنشط لحمه، فجوَّعها ثم رمى بيحيى عليه السلام إليها فتلقته وبصبصت له وما ضرته وأطلع منهن.
وذكر الشيخ أبو الفرج بإسناده عن عبدالرحمن بن عبدالله بن عمر بن حفص العمري قال: دعينا لمناظرة يحيى بحضرة الرشيد، فجعل يقول له: يا يحيى اتق الله وعرِّفني أصحابك السبعين لئلا ينتقض أمانك، وأقبل علينا فقال: إنَّ هذا لم يسمِّ أصحابه فكلما أردت أخذ إنسانًا يبلغني عنه شيء أكرهه ذكر أنه ممن أمنته، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين أنا رجل من السبعين فما الذي نفعني من الأمان؟ أفتريد أن أدفع إليك قومًا تقتلهم معي؟ لا يحل لي هذا.
قال: ثم خرجنا ذلك اليوم ودعانَا يوما آخر فرأيته أصفر الوجه متغير اللون، فجعل الرشيد يكلمه فلا يجيبه، فقال: ألا ترون إليه لا يجيبني، فأخرج للرشيد لسانه وقد صار أسود مثل الحممة يرينا أنه لا يقدر على الكلام، فتغيّظ الرشيد وقال: إنه يريكم أني سقيته السم، ووالله لو رأيت عليه القتل لضربت عنقه صبرًا، قال: ثم خرجنا من عنده فلما صرنا في وسط الدار فخرَّ على وجهه لآخر ما به.
وروي أنه عليه السلام دفع إلى يحيى بن خالد ورقة ثم أمره بأن يسلِّمها إلى هارون بعد وفاته، وحرَّج عليه ألا يسلمها إلا بعد ذلك فدفعها إلى هارون ففتحتها فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم يا هارون المستعدي قد تقدم، والخصم على الأثر، والحاكم لا يحتاج إلى بينة، فقال هارون: ما منعك أن تدفعها إلي في حياته، قال: إنه حرَّج عليَّ في ذلك.
ولبعضهم يرثي يحيى عليه السلام:
يا بقعةً مات بها سيدٌ ... ما مثلُهُ في الأرض من سيد
مات السدى من بعده والندى ... وسُمِّيَ الموت به معتدي
لا زال غيث الله يا قبره ... عليك منه رائحٌ المغتدي
فكم حياء حزت من وجهه ... وكم ندى يحيى به المجتدي
كان لنا غيثًا به نرتوي ... وكان كالنجم به نهتدي
فإن رمانا الدهرُ عن قوسه ... وخاننا في منتهى السؤدد
فعن قريب نبتغي ثأره ... بالحسني الثائر المهتدي
إنَّ ابن عبدالله يحيى ثوى ... والمجدُ والسؤددُ في مُلْحدِ رجلًا.