الأربعاء ٢٧ شوال ١٤٤٧ هـ الموافق 15 أبريل 2026 م
العودة للأئمة

الامام المهدي محمد بن عبدالله النفس الزكية عليه السلام

الجمعة 16 جمادى الأولى 1447هـ 7-11-2025م
المنطقة: بلاد الحرمين
73 مشاهدة

هو: أبو عبدالله، وقيل: أبو القاسم محمد بن عبدالله الكامل بن الحسن الرضى بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، وكان أبوه عبدالله يسمى: الكامل، كان يقال: مَنْ أجمل الناس؟ من أفضل الناس؟ من كذا؟ من كذا؟ فيقال: عبدالله بن الحسن فُسمِّي الكامل لذلك.

وروي أنه صلى الفجر بوضوء المغرب والعشاء الآخرة ستين سنة، فإذا كان آخر الليل سجد سجدة يقول فيها: سبحانك لم أعبدك حق عبادتك، غير أني لم أشرك بك شيئًا.
وأما الحسن الرضى فقد كان من أفاضل العترة عليهم السلام، وكان قد قام للجهاد في سبيل الله، وجرت بينه وبين الحجاج وقعات كثيرة كان في أكثرها له الظفر عليه السلام على ما تقدم ذكره.
وأما الحسن السبط فهو سيد شباب أهل الجنة.
وأما أمير المؤمنين عليه السلام فناهيك به شرفًا وفضلاً وهو سيد العرب كما تقدم.
أولئك قومٌ بارك الله فيهم  …. فما صاعهم من مجدهم بطفيف
ولله القائل:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم … دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه

وكان عليه السلام يسمَّى المهدي، ويسمى صريح قري ش؛ لأنه لم يكن في أبائه من أمه أم ولد إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك جداته من قبل أمه، وكان يسمى: النفس الزكية؛ لورود الأثر أن النفس الزكية يقتل فيسيل دمه إلى أحجار الزيت، وقد كان كذلك عليه السلام.
وأمه: هند بنت أبي عبيدة بن عبدالله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وحملت به أمه عليه السلام أربع سنين، قال السيد أبو طالب عليه السلام: وولد في سنة مائة في بعض الروايات، قال وروي غير ذلك)

صفته (ع)

كان عليه السلام آدم شديد الأدْمَة، قد خالطه الشيب في عارضيه، وكانت له شامة في كتفه تشبه شامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذكره السيد أبو طالب عليه السلام وفيه يقول الشاعر:

إن الذي تروي الرواة لبينٌ ... إذا ما ابن عبدالله فيهم تجردا

له خاتم لم يعطه الله غيره ... وفيه علامات من البر والهدى

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وكان شجاعًا فارسًا خطيبًا بارعًا في الخطبة على تمتمة كانت تعتريه إذا تكلم، فإذا عرضت له ضرب بيده صدره فينفتح لسانه، وهو أول من ظهر من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخوطب بأمير المؤمنين، وبعده محمد بن جعفر بن محمد عليهم السلام.

طرف من أحواله ومناقبه (ع)

كان عليه السلام غزير العلم، وافر الفهم، قد سمع من أبائه عليهم السلام الحديث، وسمع من نافع وابن طاووس، وله كتاب ((السير)) المشهور، قال السيد أبو طالب عليه السلام: وسمعت جماعة من فقهاء أصحاب أبي حنيفة وغيرهم يقولون: إن محمد بن الحسن نقل أكثر مسائل السير من هذا الكتاب، وفيه من غرائب الفقه ما يدل على علو منزلته، ويكشف عن عالي مرتبته.
وروى الشيخ أبو الفرج: في مقاتل الطالبية بأسانيده عن عيسى بن زيد عليهما السلام، قال: لو أنزل الله سبحانه على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أنه باعث نبيا بعده لكان ذلك النبي محمد بن عبدالله بن الحسن.
فهذا كلام عيسى بن زيد عليهما السلام وهو من أقمار الهدى، وممن لا يتمارى في فضله، ولا يشك في شدة ورعه ونبله، وهو الذي يُعرف بمؤتم الأشبال، وذلك أنه عليه السلام لما انصرف من وقعة باخمرا، وقد شهدها مع إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام؛ خرجت لبوةٌ مع أشبالها فعرضت في الطريق وجعلت تحمل على الناس، فنزل عيسى بن زيد عليهما السلام، فأخذ سيفه وترسه ثم برز إليها فقتلها، فقال له مولى له: أيتمت أشبالها يا سيدي، قال: فضحك وقال نعم أنا مؤتم الأشبال، قال: فلزمه هذا الاسم، فكان بعد ذلك إذا أراد أصحابه أن يذكروه كنوا عنه، فقالوا: قال مؤتم الأشبال كذا، وفعل مؤتم الأشبال كذا، فيخفى أمره وذلك؛ لأنه عليه السلام لحقه من المحنة بالاستتار من أعداء الله المارقين ما عظمت عليه بسببه البلوى.
وقد روى الشيخ أبو الفرج في مقاتل الطالبية عن محمد بن منصور المرادي قال: قال يحيى بن الحسين بن زيد: قلت لأبي: يا أبه، إني أشتهي أن أرى عمي عيسى، فإنه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدة، وقال: إن هذا أمرٌ يثقل عليه، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهة للقائك إياه فتزعجه، فلم أزل به أداريه وألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك، فجهزني إلى الكوفة، ثم قال لي: إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي، فإذا دللت عليها فاقصده في السكة الفلانية، وسترى في وسط السكة دارًا لها باب صفته كذا وكذا، فاعرفه واجلس بعيدا منه في أول السكة، فإنه سيقبل عليك أول المغرب كهل طوَال مصفر مستور الوجه، قد أثر السجود في جبهته، عليه جبة صوف يستقي الماء على جمل، وقد انصرف يسوق الجمل، لا يضع قدمًا ولا يرفعها إلا ذكر الله عز وجل ودموعه تنحدر، فقم فسلم عليه وعانقه، فإنه سيذعر منك، فعرِّفه بنفسك، وانتسب له، فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلاً، ويسألك عنا جميعًا، ويخبرك بشأنه ولا تضجر من جلوسك معه، فلا تطل، ودعه فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك، فإنك إن عدت إليه توارى منك واستوحش وانتقل من موضعه، وعليه في ذلك مشقة.
فقلت له: أفعل كلما أمرتني به، ثم جهزني إلى الكوفة وودعته وخرجت، ولما وردت الكوفة قصدت سكة بني حي بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي، فلما غربت الشمس إذا أنا به يسوق الجمل، وهو كما وصف لي أبي، لا يرفع قدمًا ولا يضعها إلا وحرَّك شفتيه بذكر الله، ودموعه ترقرق من عينيه، وتذرف أحيانًا، فقمت فعانقته، فذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت: يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك، فضمني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه، فأناخ جَمَله وجلس معي، وجعل يسألني عن أهله رجلاً رجلاً، وامرأة امرأة، وصبيًّا صبيًّا، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء، فأصرف مما اكتسبته أجرة الجمل إلى صاحبه، وأتقوت بباقيه، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء، فأخرج إلى البريَّة -يعني بظهر الكوفة فألقط ما يرمي الناس به من البقول وأتقوته، وقد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته، فهي لا تعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت مني بنتًا، فنشأت وبلغت وهي أيضًا لا تعرفني ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوج ابنتك بابن فلان السقاء لرجل من جيراننا يستقي الماء فإنه أيسر منها وقد خطبها، وألحت عليَّ، فلم أقدر على إخبارها أن ذلك غير جائز، ولا هو بكفء لها فيشيع خبري، فجعلت تلح عليَّ فلم أزل استكفي الله أمرها، حتى ماتت بعد أيام، فما أجدني آسَى على شيء من الدنيا اساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ثم أقسم عليَّ أن أنصرف فودعني، فلما كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي انتظرته فيه لأره فلم أره، وكان آخر عهدي به.
هذا ما حكاه الشيخ أبو الفرج، وإنما حكينا من قصة عيسى بن زيد عليهما السلام ذلك؛ لأنه تمهيد لما قاله في محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام؛ ليعرف المنصف أنه إذا قال فيه ما حكيناه على علمه وفضله وورعه وثقته كان صادقًا في قيله فتظهر الحال وتنجلي في محمد بن عبدالله عليهما السلام وإن كان ظاهرًا جليًّا؛ غير أن ذلك زيادة في اليقين.
وروى الشيخ أبو الفرج: أيضًا بإسناده إلى حيث انتهى قال: سمعت عبدالله بن حفص العامري يقول في حديث حدث به عن محمد: حدثني من لم تر عيني والله ممن خلق الله خيرا منه ولا أراه أبدًا، محمد بن عبدالله عليهما السلام، فقال له ابنه: إنما أفلتَّ من يد أبي جعفر أمس في ضرب عنقك، وهذا ابنه فقال: يا بني هذا والله أمر لا يبالي أبوك لو ضربت عليه عنقه.
وروينا بالإسناد الموثوق به عن عمير بن الفضل الخثعمي قال: رأيت أبا جعفر الذي لقب من بعد بالمنصور يومًا، وذلك في زمان بني أمية، وقد خرج محمد بن عبدالله من دار أبيه وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود، فلما خرج وثب أبو جعفر فأخذ بركابه حتى ركب، ثم سوى عليه ثيابه على السرج، ومضى محمد فقلت له - وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمدًا: مَن هذا الذي عظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه وسويت عليه ثيابه؟ فقال: أو ما تعرفه؟ قلت: لا، قال: هذا محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن، مهدينا أهل البيت.
وانظر إلى أبي جعفر الملقب بالمنصور في صنيعه لمحمد بن عبدالله عليهما السلام وإقراره بفضله وما انتهى إليه حاله بعد ذلك من سفك دمه في حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي حَرَّم فيه عَضْدَ شجره؛ فكيف ببعض من أبعاضه فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وروينا عن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام: أنه سئل عن أخيه محمد عليه السلام أهو المهدي الذي يذكر؟ فقال: المهدي عِدَةٌ من الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم وَعَده أن يجعل من أهله مهديًّا لم يسمه بعينه ولم يوقِّت زمانه، وقد قام أخي بفريضته عليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أراد الله أن يجعله المهدي الذي يذكر فهو فضل الله يمن به على من يشاء من عباده، وإلا فلم يترك أخي فريضة الله عليه لانتظار ميعاد لم يؤمر بانتظاره.
وروينا عن أبي خالد الواسطي قال: لقيت محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام قبل ظهوره بمدين فقلت: يا سيدي، متى يكون هذا الأمر؟ فقال لي: وما يسرك منه يا أبا خالد؟ فقلت: يا سيدي، وكيف لا أسر بأمر يخزي الله به أعداءه، وينصر به أولياءه؛ فقال: يا أبا خالد أنا خارج وأنا والله مقتول، والله ما يسرني أن الدنيا بأسرها لي عوض عن جهادهم، يا أبا خالد إن امرءا مؤمنا لا يصبح حزينا ويمسى حزينًا مما يعاين من أعمالهم إنه لمغبون مفتون.
قال: قلت: يا سيدي والله إن المؤمن لكذلك، ولكن كيف بنا ونحن مقهورون مستضعفون خائفون لا نستطيع لهم تغييرًا فقال: يا أبا خالد إذا كنتم كذلك فلا تكونوا لهم جمعا وانفذوا من أرضهم.
وروى الشيخ أبو الفرج: بإسناده عن سعيد بن عقبة قال: كنَّا مع عبدالله ابن الحسن بسويقة وبين يديه صخرة، فقام محمد يعالجها ليرفعها، فأقّلها حتى بلغ ركبتيه، فنهاه أبوه فانتهى، فلما دخل عبدالله عاد إليها فاستقلها حتى طلع بها على منكبيه ثم ألقاها فحزرت ألف رطل.
قال وحدثنا: موسى بن عبدالله عن أبيه عن سعيد بن عقبة بهذا، قال أبو زيد: ووقف موسى على الصخرة بسويقَه، وذكر لي أنه ورجل من أصحابه عالجها وهي على حرفها فكان جهدهما أنهما حركاها.
وله عليه السلام:
متى نرى للعدل نورًا وقد ... أسلمني ظلمٌ إلى ظلم
أمنية طال عذابي بها ... كأنني فيها أخو حُلْمِ
وخطب عليه السلام على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: والله لقد أحيا زيد بن علي ما دثر من سنن المرسلين، وأقام عمود الدين إذ اعوج، ولن ننحو إلا أثره، ولن نقتبس إلا من نوره، وزيدٌ إمام الأئمة، وأولى من دعا إلى الله بعد الحسين بن علي عليهما السلام.

أولاده ووفاته (ع)

أولاده عليه السلام:

قال السيد أبو طالب عليه السلام عبدالله الأشتر قتل (بكابل) وله عقب، وعلي أخذ (بمصر) فمات في حبس محمد بن أبي جعفر الملقب بالمهدي، والحسن قتل (بفخ) ولم يذكر الطالبيون غير هؤلاء، وذكر غيرهم حسينا.

وأجمعوا أنه وَلَد ابنتين: فاطمة، وزينب درجتا، وأمهم جميعًا: أم سلمة بنت محمد بن الحسن الثاني بن الحسن بن علي عليهم السلام.

وروينا عن بعضهم أنه عليه السلام كان في بعض الجبال وقد اشتد به الطلب، ومعه ولد صغير من أم ولد فسقط الولد فمات فأنشأ عليه السلام يقول:

منخرق الخفين يشكو الوجا ... تنكبه أطراف مروٍ حداد

شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحةٌ ... والموت حتمٌ في رقاب العباد

عمَّاله عليه السلام:

أنفذ قبل ظهوره إبراهيم بن عبدالله عليهما السلام على خلافة البصرة، وولى قضاء المدينة عبدالعزيز بن المطلب المخزومي، وكان على أبواب العطاء عبدالله بن جعفر بن عبدالرحمن بن المسور بن مخرمة، وعلى شرطته عبدالحميد ابن جعفر، ثم وجهه في وجْهٍ، فولاّها عمرو بن محمد بن خالد بن الزبير ذكره السيد أبو طالب.

ذكر مقتله ومبلغ عمره وموضع قبره عليه السلام:

لما اشتهر أمره عليه السلام في المدينة وغيرها، جهز أبو جعفر إليه الجنود يقودهم عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس في أربعة آلاف رجل وقال: إنك سترد على حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيران قبره فإن قتل محمد أو أخذ أسيرًا فلا تقتل أحدًا وارفع السيف، فإن طلب محمد الأمان فأعطه، وإن فاتك فاستمل عليه أهل المدينة، فاقتل من ظفرت به منهم، فلما بلغ محمدًا مسيره خندق على المدينة خندقًا على أفواه السكك، فقاتلهم عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام، ومحمد جالسٌ على المصلى ثم جاء هو فباشرهم القتال بنفسه، فلما اقتتلوا ساعة انهزم أصحاب محمد وتفرقوا عنه، فلما رأى ذلك رجع إلى دار مروان فصلى الظهر واغتسل وتحنط، وذكر الشيخ أبو الفرج أن القتال كان يوم الاثنين للنصف من شهر رمضان.

وروى بإسناده عن أبي الحجاج قال: رأيت محمدا وإن أشبه ما خلق الله به لَمَا ذُكِرَ من حمزة بن عبدالمطلب يهذُّ الناس بسيفه ما يقاربه أحد إلا قتله، لا والله ما يليق شيئا، حتى رماه إنسان كأني أنظر إليه أحمر أزرق بسهم، ودهمتنا الخيل فوقف إلى ناحية جدار وتحاماه الناس.

وروى أنه قتل يوم ذاك اثني عشر رجلاً من جنود الظالمين، ثم كان انهزام عسكره عليه السلام على ما رواه الإمام المنصور بالله عليه السلام بحيلة امرأة عباسية كانت في المدينة، وذاك أنها أمرت خادمًا بقناع أسود رفعه في منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمرت خدامًا لها آخرين صاحوا في العسكر: الهزيمة الهزيمة، إن المسودة قد جاءوا من خلفكم فدخلوا المدينة، فالتفت الناس فأبصروا الراية السوداء على المنارة فلم يشكوا في ذلك، فانهزم الناس وبقي وحده عليه السلام يقاتل حتى عرض له رجل فضربه على ذقنه فسقطت لحيته على صدره فرفعها بيده وشدَّها، ثم رمي بنشابة في صدره، فحملوا عليه من كل جانب فقتل، وكان الذي تولى الإجهاز عليه حميد بن قحطبة، وفي بعض أخباره عليه السلام أنه لما حمي الوطيس خرج في قباء طاق وهو يقول:

قاتل فما بك إن حبست بدومة ... في ظل غرفتها إذا لم تخلد

إنَّ امرءًا يرضى بأهون سعيه ... قصرت مروءته إذا لم يزدد

وروى أبو الفرج بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن حسن قال: لما كان اليوم الذي قتل فيه محمد قال لأخته: إني في هذا اليوم على قتال هؤلاء فإن زالت الشمس ومطرت السماء فإني مقتول، وإن زالت الشمس ولم تمطر السماء وهبت الريح فإني أظفر بالقوم، فإن زالت الشمس فأجِّجي التنانير وهيِّئي هذه الكتب، فإن زالت الشمس ومطرت السماء، فاطرحي هذه الكتب في التنانير، فإن قدرتم على بدني فخذوه، ولن تقدروا على رأسي، فأتوا به ظلة بني نُبَيْهٍ على مقدار أربعة أذرع أو خمسة، فاحفروا لي حفرةً فادفنوني فيها، فلما مطرت السماء فعلوا ما أمرهم به، وقالوا: آيةُ قتل النفس الزكية أن يسيل الدم حتى يدخل بيت عاتكة قال: فكانوا يعجبون كيف يسيل الدم حتى يدخل بيت عاتكة، فكان يومًا مطيرًا، فسال الدم حتى دخل بيت عاتكة، قال: وأخذ جسده فحفروا له حفيرة فوقعوا على صخرة، فدلوا الحبال فأخرجوها فإذا فيها مكتوب، هذا قبر الحسن بن علي بن أبي طالب، فقالت زينب: رحم الله أخي كان والله أعلم حيث أوصى أن يدفن في هذا الموضع!!.

وقد ورد الأثر في النفس الزكية: ((أنه يقتل فيسيل دمه إلى أحجار الزيت، لقاتله ثلث عذاب أهل جهنم))، رواه الإمام المنصور بالله عليه السلام.

وروى أبو الفرج بإسناده: أن زينب بنت عبدالله، وفاطمة بنت محمد بن عبدالله بعثتا إلى عيسى: إنكم قد قتلتم هذا الرجل وقضيتم منه حوائجكم فلو أذنتم لنا لواريناه.

فأرسل إليهما: أما ما ذكرتما يا بِنْتَي عمي أني نلت منه، فو الله ما أمرت ولا علمت فوارياه راشدتين، فبعثتا إليه فاحتمل، فقيل: إنه حُشِيَ في مقطع عنقه عديلة من قطن.

وروى بإسناده عن أم سلمة بنت محمد بن طلحة قالت: سمعت زينب بنت عبدالله تقول: كان أخي رجل آدم، فلما أدخل وجدته قد تغير لونه وحال حتى رأيت بقية من لحيته فعرفتها، فأمرت بفراش فجعل تحته، وقد أقام في مصرعه يومه وليلته وإلى غد، فسال دمه حتى استنقع تحت الفراش فأمرت بفراش ثان، فسال دمه حتى وقع بالأرض، فحولت تحته فراشًا ثالثًا فسال دمه وخلص من فوقها جميعًا.

وحُمِل رأسه إلى أبي جعفر مع ابن أبي الكرام الجعفري، وكان قتله بعد العصر يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، ذكره أبو الفرج من سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: سنة ست، وقيل: إنه قتل عن اثنتين وخمسين سنة.

قال السيد أبو طالب عليه السلام وقد ذكر ذلك: وهذا كله مخالف لما ذكرناه من تأريخ مولده ويجب أن يكون أحدهما غير صحيح والله أعلم بالحقيقة.

وكانت مدة قيامه عليه السلام بالأمر وانتصابه: شهرين تزيد أيامًا.

ولما قتل عليه السلام ودخل الجند الظالم لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف حميد ابن قحطبة على الباب ولم يدخل، فقال له بعضهم: ما رأيت أعجب من أمرك يا حميد يضرب الناس آباط الإبل لزيارة قبر رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتصل إلى باب مسجده ثم لا تزوره! فقال: والله إني لأستحيي منه، الآن قتلت ولده ثم أدخل لزيارته، فقال عيسى بن موسى: اسكت.

ولإبراهيم بن عبدالله يرثي أخاه النفس الزكية عليهما السلام:

سأبكيك بالبيض الرقاق والقنى ... فإنَّ بها ما يدرك الطالب الوِترَا

وإنا أناسٌ لا تفيض دموعُنا ... على هالك منَّا وإن قصم الظَّهرا

ولست كمن يبكي أخاه بعبرة ... يعصِّرها من جَفْن مقلته عصرا

ولكنني أشفي فؤادي بغارة ... تلهِّب في قطري كتائبها الجمرا

وقال غالب بن عثمان الهمداني من آل ذي المشعار:

يا دار هيَّجت البكاء فأعولي ... حييت منزلة دثرت ودارا

بالجِزْع من كنفي سويقة أصبحت ... كالبرد بعد بني النبي قفارا

الحاملين إذا الحمالة أعجزت ... والأكرمين أرومة ونجارا

والممطرين إذا المحول تتابعت ... دررًا تداولها المحول غزارا

والذائدين إذا المخافة أبرزت ... سوق الكواعب يبتدرن حضارا

وثبت نتيلة وثبة بعلوجها ... كانت على سلفي نتيلة عارا

فتثلمت ساداتها وتنهكت ... حرمًا محصنَّة الحدود كبارا

ولغت دماء بني النبي فأصبحت ... خضبت بها الأشداق والأظفارا

لا تسقني بيديك إن لم أنبعث ... لبني نتيلة جحفلاً جرارا

لِجبًا يضيق به الفضاء عرمرمًا ... يغشي الدَّكادك قسطلاً مدرارا

فيه بنيَّات الصريح ولاحق ... قبٌّ تغادر في الخليف مهارا

يخرجن من حلل الغبار عوابسًا ... يورين في خضب الأماعز نارا

فننال في سلفي نتيلة ثأرنا ... فيما ننال وندرك الأوتارا

وقال أبو الحجاج الجهني:

بكَر النِعيُّ بخير من وطئ الحصى ... ذي المكرمات وذي الندا والسؤدد

بالخاشع البرِّ الذي من هاشم ... أمسى قتيلاً في بقيع الغرقد

ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... إذ قام مُجْتهدًا بدين محمد

وقال عبدالله بن مصعب:

سالت دموعك ضَلَّةً قد هجت ... ترحًا ووجدًا يبعث الأحزانا

هلاَّ على المهدي وابني مُصْعبٍ ... أذريت دمعك ساكبًا تَهْتَانا

والله ما ولد الحواضِنُ مثلهم ... أمضى وأرفع مَحْتِدًا ومكانا

وأشدَّ ناهضة وأقول للتي ... تبغي مصادر عدلها العدوانا

رزءٌ لعمرك لو يصاب بمثله ... ميطان صدّع رزءُه ميطانا

ولبعضهم:

رحم الله شبابًا ... قُتِلوا يوم الثنيه

قاتلوا عنه بنيًّا ... تٍ وأحساب نقيه

فرَّ عنه الناس طُرًّا ... غير خيل أسديَّه

قتل الرحمن عيسى ... قاتل النفس الزكيَّة