أجابت الزيدية بأن قوله تعالى:
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
إنما يدل على المشيئة المتعلقة بالهداية إلى تعاليم الإسلام وأحكامه والاستقامة عليها، كما يدل عليه سياق الآية؛ إذ قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
فالمعنى أن مشيئة الناس في الوصول إلى الهداية، ومعرفة أحكام الشريعة والاستقامة عليها، متوقفة على مشيئة الله تعالى من جهة إرسال الرسل وإنزال الكتب وتعليم الناس أحكام الدين؛ لأن هذه الأحكام والتعاليم أمور غيبية ربانية لا يمكن للناس أن يعرفوها من عند أنفسهم، بل تتوقف معرفتها على أن يشاء الله تعالى إبلاغها إليهم بواسطة الرسل والكتب.
فمهما حاول الناس الوصول إلى تفاصيل الهداية وأحكام الشريعة والاستقامة عليها من غير وحي، فلن يستطيعوا الإحاطة بما شرعه الله تعالى، حتى يشاء الله إرسال الرسل وإنزال الكتب لهدايتهم وتعليمهم.
وقد شاء الله تعالى ذلك، فأرسل الرسل، وكان آخرهم خاتمهم صلوات الله عليهم جميعًا ورحمته وبركاته، الذي بعثه الله وأُوحى إليه بالقرآن،
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2)} [الجمعة].
أما أفعال العباد الاختيارية من ظلم وقتل وزنا ومنكرات وفواحش، وكذلك الأكل والشرب والقيام والقعود وسائر التصرفات الاختيارية، فلا دخل لهذه المشيئة فيها؛ لأن فعل العبد لهذه الأمور لا يتوقف على إرسال الرسل وإنزال الكتب، بل يستطيع العبد فعلها واختيارها بنفسه.
والدليل على ذلك أن الله تعالى أضاف مشيئة الفعل إلى العبد نفسه، فقال:
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
فقد أضاف الله تعالى مشيئة الإيمان والكفر إلى العباد أنفسهم، مما يدل على أن للعبد مشيئة واختيارًا في فعله، وليس مجبورًا عليه.
كما أن الله تعالى يشاء من عباده الإيمان والطاعة والاستقامة، ولا يشاء منهم الكفر والمعاصي والقبائح؛ قال تعالى:
﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾،
وقال سبحانه:
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
فلو كان الله تعالى يشاء أفعال العباد جميعها على وجه الحتم والإيجاد، فيشاء منهم الظلم والقتل والزنا والكذب والمنكرات والفواحش كما يشاء منهم الإيمان والطاعة، للزم نسبة إرادة القبائح إلى الله تعالى، وذلك قبيح لا يليق بجلاله، ونقص يجب تنزيه الله سبحانه وتعالى عنه.
وعليه، فلا يصح جعل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ دليلًا على أن الله تعالى يشاء جميع أفعال العباد، طاعاتها ومعاصيها، وإنما يحمل على ما دل عليه سياق الآية، وهو مشيئة العباد للاستقامة والهداية التي تتوقف معرفتها على مشيئة الله تعالى في إرسال الرسل وإنزال الكتب وتعليم عباده ما شرعه لهم.
أما أفعال العباد الاختيارية، فمشيئتهم فيها ثابتة لهم، يفعلونها باختيارهم، وليست متوقفة على مشيئة الله كمشيئة الهداية والله تعالى لا يشاء منهم المعاصي ولا يحبها ولا يرضاها.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
