السبت ١٩ محرم ١٤٤٨ هـ الموافق 4 يوليو 2026 م
العودة للمنشورات العامة

كيف فسرت الزيدية الآيات المتشابهة التي ظاهرها يوهم التشبيه، نحو الآيات التي ذُكر فيها اليد، واليدان، والعين، والجنب… إلخ؟

tg 1783104362 file 11

فسرت الزيدية الآيات المتشابهة التي ظاهرها يوهم التشبيه بمعانٍ عربية صحيحة، تتوافق مع الآيات المحكمات، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وبما يتوافق مع قداسة الله تعالى وعظمته، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات.

1- اليد واليدان:

قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، فالمعنى المراد: أن قوة الله تعالى فوق قوتهم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47]، أي: بقوة. واليد في لغة العرب تأتي بمعنى القوة، ومنه قولهم: ليس لي به يدان، أي: ليس لي به قوة ولا طاقة.

وأما قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، فقد أراد سبحانه بذلك الرد على اليهود حين اتهموا ربهم بالبخل والإمساك، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]. فعبر سبحانه وتعالى ببسط اليدين عن كثرة الإنفاق والإعطاء، وهذا الأسلوب شائع في لغة العرب كثير الاستعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29].

ويزيد ذلك وضوحًا أن الله تعالى تمدح ببسط اليدين، ولو كان المراد بهما بسط اليدين على الحقيقة لما كان ذلك مدحًا.

وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، أراد سبحانه وتعالى توبيخ إبليس على تركه السجود، وتكبره عن السجود لآدم، وما كان ينبغي له ذلك، كيف والله سبحانه وتعالى هو الذي خلق آدم وصنعه بنفسه؟ فعبر تعالى بذكر اليدين ليبين لإبليس كرامة آدم عند الله، واستحقاقه للسجود.

2- العين والسمع والبصر:

قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39]، وقال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: 14]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.

ويستدل المجسمة بهذه الآيات، وما أشبهها، على أن لله تعالى عينين، وأن له سمعًا وبصرًا يليقان بجلاله.

وأجيب عليهم بأن ذكر العين في ذلك يراد به الحفظ والرعاية، ولا يصح تفسيره بالعين المبصرة؛ لأن موسى عليه السلام لم يُربَّ فوق عين الله، ولم تجر سفينة نوح في أعين الله، ولا يظن بعاقل أن يقول بذلك.

وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، فالمعنى أن الله سبحانه يسمع جميع الأصوات ويعلمها، ويرى جميع المرئيات ويعلمها، من غير أن يكون له آلة سمع، ولا آلة بصر، ولا يجوز قياسه على المخلوق الضعيف الذي لا يسمع ولا يبصر إلا بواسطة آلات السمع والبصر.

3- اليمين والقبضة:

قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67]، أي: إن قدرة الله تعالى محيطة بالسماوات وما فيها.

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: 67]، فهو عبارة عن إحاطة قدرة الله تعالى بالأرض والسماوات، وليس هناك قبضة ولا يمين على الحقيقة، وإنما هو تعبير بليغ يصور استيلاء قدرة الله تعالى على السماوات والأرض تصويرًا محسوسًا؛ ليقرب المعنى إلى الأفهام، ويبين كمال قدرته واستيلائه.

4- الجنب:

قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56]، فالمراد: في طاعة الله تعالى.

ودليل ذلك أن التفريط من المفرطين لا يكون إلا بالإخلال بطاعة الله تعالى.

وبعد، فإن الجنب بمعناه الحقيقي من صفات المخلوق الضعيف، والله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].