أجابت الزيدية:
بأن صفات الله تعالى ليست معاني زائدة على ذاته، ولا أعراضًا قائمة بها، وإنما هو سبحانه عالم بذاته، وقادر بذاته، وحيٌّ بذاته، وسميعٌ بذاته، وبصيرٌ بذاته، لا بعلم زائد، ولا بقدرة زائدة، ولا بحياة زائدة، ولا بسمع ولا بصر زائدين، وذلك تنزيهًا لله تعالى عن مشابهة المخلوقات.
وبيان ذلك: أن الصفة في المخلوقات هي معنى قائم بالجسم؛ فالقيام والقعود معنيان يحلان في الجسم، فإذا حلَّ أحدهما به صح وصفه بأنه قائم أو قاعد، وكذلك العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، كلها معانٍ تقوم بالمخلوق، فإذا قامت به صح وصفه بأنه عالم، أو قادر، أو حي، أو سميع، أو بصير.
ومن المعلوم أن هذه المعاني غير الذوات التي تقوم بها؛ فالإنسان شيء، وعلمه شيء آخر، وقدرته شيء آخر، وحياته شيء آخر، ولذلك قد يعلم ثم ينسى، ويقدر ثم يعجز، ويقوم ثم يقعد، فتزول عنه بعض هذه الصفات مع بقاء ذاته، فدلَّ ذلك على أن الصفة في المخلوق غير الذات.
فإذا عُرف هذا، ظهر أن إثبات صفات لله تعالى على هذا المعنى يقتضي أن تكون معاني قائمة بذاته، والمعاني لا تقوم إلا بالأجسام، فيلزم أن يكون الله جسمًا، وهذا باطل؛ لأن الجسم محدث، لما لا ينفك عنه من دلائل الحدوث، كالتركيب، والحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق، وسائر الأعراض الحادثة، والله سبحانه وتعالى قديم أزلي، منزه عن الجسمية والحدوث.
ولهذا قالت الزيدية: صفات الله هي ذاته، أي ليس هناك معانٍ زائدة قائمة به، بل هو سبحانه عالم لأنه الله، وقادر لأنه الله، وحي لأنه الله، وسميع لأنه الله، وبصير لأنه الله، لا بآلة، ولا بعلة، ولا بسبب، ولا بمعنى زائد على ذاته.
ولا يراد بقولهم: قادر بذاته أن الذات آلة للقدرة، وإنما المراد نفي مشابهته للمخلوق؛ لأن المخلوق إنما يكون قادرًا بقدرة، وعالمًا بعلم، وسميعًا بآلة السمع، وبصيرًا بآلة البصر، أما الله سبحانه فهو متصف بهذه الصفات لذاته، لا بمعانٍ حادثة أو قديمة زائدة عليها، وعند هذه المعرفة ينقطع علم المخلوق بالله قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.
أما قول بعض المتكلمين: إن صفات الله أمور زائدة على ذاته، لا هي الله ولا غيره، ولا شيء ولا لا شيء، فإن الزيدية ترده؛ لأن هذا وصف يجمع بين النقيضين، وتأباه بدائه العقول، إذ كيف يعقل وجود شيء لا يوصف بأنه هو، ولا غيره، ولا بأنه شيء، ولا لا شيء؟! ولذلك قيل: إن هذا القول يكفي في إبطاله مجرد حكايته.
وسبب وقوعهم في ذلك أنهم جعلوا ذات الله تعالى داخلة في جنس تشترك فيه سائر الذوات، ثم قالوا: لا بد لكل ذات من أمر زائد يميزها عن غيرها، كما يميز الفصل المنطقي أفراد النوع بعضها عن بعض. فجعلوا ذات الله سبحانه فردًا من أفراد جنس مشترك، ثم احتاجوا إلى إثبات أمر زائد يخصصها، وهذا الأصل باطل؛ لأن الله سبحانه ليس داخلاً تحت جنس، ولا يشبه شيئًا من خلقه، فلا يحتاج إلى فصل يميزه عن غيره، إذ قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
وقال فريق آخر: إن صفات الله معانٍ قديمة قائمة بذاته، ليست هي ذاته ولا غيرها، ولا بعضها هو البعض الآخر ولا غيره. وهذا القول عند الزيدية لا يختلف في حقيقته عن القول الأول؛ لأن كلا الفريقين أثبت أمور زائدة على الذات أو معاني قديمة قائمة بالذات، وإنما افترقا في التعبير؛ فأصحاب القول الأول امتنعوا عن وصف تلك الصفات بأنها موجودة أو قديمة أو محدثة أو محدثة ؛ فرارًا مما يلزمهم من تعدد القدماء، أو حدوثه لحدوث صفاته وأصحاب القول الثاني صرحوا بأنها معانٍ قديمة قائمة بذاته.
غير أن هذا الاختلاف لفظي في الجملة؛ لأن الفريقين ينتهيان إلى إثبات أمور لا يعقل حقيقتها، ثم ينفيان عنها لوازم الوجود بقولهم: ليست هي الله ولا غيره، أو لا بعضها هو البعض الآخر ولا غيره، فآل قولهم إلى التناقض، ولم يثبتوا في الحقيقة شيئًا يمكن تصوره أو تعقله.
ولهذا قررت الزيدية أن الله سبحانه واحد في ذاته وصفاته، وأن صفاته ليست أشياء زائدة على ذاته، بل هي عين ذاته، تنزيهًا له عن التركيب، والتعدد، والحلول، ومشابهة المخلوقات، وتحقيقًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
