الجمعة ٢ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ الموافق 14 أغسطس 2026 م
العودة للمنشورات العامة

كيف أجابت الزيدية على من قال: إن الإدراك بمعنى اللحوق، فلا ينفي الرؤية في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؟

tg 1785510628 file 65

أجابت الزيدية عن ذلك من وجوه:

أولًا: أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103]، فنفى أن تدركه الأبصار نفيًا عامًا مطلقًا، ولم يقيده بزمان، ولا مكان، ولا حال، فدل ذلك على امتناع رؤيته بالأبصار مطلقًا.

ثانيًا: أن قولهم: إن الإدراك بمعنى اللحوق، فلا يدل على نفي الرؤية، غير صحيح في هذا الموضع؛ لأن الإدراك إذا أضيف إلى البصر في لغة العرب لم يكن إلا بمعنى الرؤية والإبصار. فإذا قيل: أدركه بصري، فالمعنى: رأيته، وهذا هو الذي عليه أئمة اللغة، وتشهد له كتب اللغة والقواميس.

ثالثًا: أن لفظ الإدراك له معانٍ متعددة بحسب السياق؛ فقد يأتي بمعنى اللحوق، كقولهم: أدركت زيدًا، أي: لحقته، ويأتي بمعنى البلوغ، كقولهم: أدرك الغلام، أي: بلغ، ويأتي بمعنى النضج، كقولهم: أدركت الثمرة، أي: نضجت. أما إذا اقترن الإدراك بالبصر، فلا يفيد إلا معنى الرؤية البصرية، ولا يحتمل غيرها. فكان تفسير الإدراك في هذه الآية باللحوق تفسيرًا فاسدًا، لمخالفته لسان العرب.

رابعًا: أن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ورد في سياق المدح والثناء على الله سبحانه وتعالى، ولا يكون المدح إلا بما هو صفة كمال مختصة بالله تعالى. ولا يتم هذا المدح إلا إذا كان نفي إدراك الأبصار له نفيًا ذاتيًّا مطلقًا؛ لأن نفي ما هو مستحيل في حقه سبحانه هو الذي يليق بجلاله. أما لو كانت رؤيته ممكنة في نفسها، وإنما امتنعت في الدنيا لعارض، ثم جازت في الآخرة، لما صح التمدح بذلك؛ إذ لا مزية في نفي أمرٍ يجوز وقوعه بعد زوال المانع.

ويؤيد ذلك أن هذه الآية جاءت في معرض صفات الكمال التي يختص الله تعالى بها، فلو كانت رؤيته جائزة في الآخرة، لما كانت هذه الصفة خاصة به، بل قد يشارك في عدم الرؤية كثير من المخلوقات المحجوبة عن الأبصار، كالمخفية في أعماق الأرض أو المستورة في أقطار السماوات، وقد قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضِ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾.

فلا يكون هذا الوصف مدحًا إلا إذا كان معناه أن الله سبحانه مفارق لجميع المخلوقات مفارقةً ذاتيةً يستحيل معها أن تراه الأبصار أو تدركه العيون، لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولو قيل: إنه لا يُرى الآن، ولكنه يجوز أن يُرى بعد ذلك، لم يصح التمدح بنفي إدراك الأبصار له؛ لأن المدح إنما يكون بنفي ما هو ممتنع في ذاته، لا بما يمتنع لعارض ثم يجوز زواله.

خامسًا: فثبت أن معنى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ هو نفي رؤية الله تعالى بالأبصار، وتنزيهه عن أن يكون من جنس ما تُدركه العيون؛ لأن الرؤية لا تكون إلا للأجسام أو لما يقوم بها، والله سبحانه منزه عن الجسمية ومشابهة المخلوقات، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فكانت هذه الآية، كسائر آيات التنزيه، دالةً على كمال تنزهه سبحانه عن مشابهة خلقه، واستحالة رؤيته بالأبصار.