الأربعاء ١٥ صفر ١٤٤٨ هـ الموافق 29 يوليو 2026 م
العودة للمنشورات العامة

كيف أجابت الزيدية على من زعم أن الله تعالى يُرى يوم القيامة محتجًّا بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؟

tg 1783957289 file 37

أجابت الزيدية بأن المراد بالآية ليس رؤية الله تعالى بالأبصار، وإنما المراد: انتظار رحمة الله وثوابه، أو التطلع إلى ما أعده الله لأوليائه من النعيم، وذلك من وجوه:

أولًا: أن الله سبحانه وتعالى ليس بجسم ولا عرض، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، والرؤية البصرية لا تتعلق إلا بالأجسام أو بما يقوم بها من الأعراض، فحمل الآية على رؤية العين يستلزم التجسيم، وهو باطل.

ثانيًا: أن الله تعالى نفى إدراك الأبصار له على سبيل المدح، فقال سبحانه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، وقال لموسى عليه السلام: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾. فهذه النصوص المحكمة أصلٌ يُرد إليه كل ما اشتبه من المتشابه، ولا يجوز أن يُضرب القرآن بعضه ببعض.

ثالثًا: استدل بعضهم بأن اقتران لفظ النظر بحرف الجر (إلى) لا يكون إلا بمعنى رؤية العين، وأجابت الزيدية بأن هذا غير صحيح؛ لأن القرآن استعمل النظر إلى في غير الرؤية البصرية.

فقال تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وليس المراد أنه لا يراهم؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما المراد: لا يرحمهم ولا يرضى عنهم.

وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، وليس المقصود مجرد نظر العين؛ لأن العرب كانوا يرون الإبل بأبصارهم، وإنما المراد التفكر، والاعتبار، والتدبر.

فدل ذلك على أن اقتران النظر بحرف (إلى) لا يوجب حمله على الرؤية البصرية.

رابعًا: أن لفظ النظر في لغة العرب يأتي أيضًا بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَا يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، أي: منتظرة، وقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، أي: انتظرونا، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾، أي: أمهلنا وانتظرنا.

بل إن كثيرًا مما ورد في القرآن من لفظ النظر ومشتقاته جاء بمعنى الانتظار، وقد روي من شعر حسان قوله:

«وجوهٌ يومَ بدرٍ ناظراتٌ
إلى الرحمن يأتي بالخلاص»

وعليه يكون معنى قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: منتظرة لثواب ربها، أو ناظرة إلى رحمته وإحسانه. ويؤيد ذلك أيضًا أسلوب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فيكون التقدير: إلى ثواب ربها أو إلى رحمة ربها ناظرة، وهو أسلوب معروف في القرآن الكريم ولسان العرب.

خامسًا: أن المسلمين قد اتفقوا على أصول محكمة، منها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وأن الله تعالى لا شبيه له ولا مثيل.

فلما اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وجب رد هذا المختلف فيه إلى تلك الأصول المحكمة؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

فالتفسير الذي يحمل الآية على رؤية العين يلزم منه إثبات الجسمية؛ لأن الرؤية لا تكون إلا لجسم، وقولهم: “يُرى بلا كيف” لا يدفع هذا الإلزام؛ إذ الرؤية تستلزم جهةً، ومقابلةً، وكيفيةً، ونفي الكيف مع إثبات الرؤية جمعٌ بين النقيضين، ويلزم منه القول بالمحال.

أما تفسير الآية بانتظار الثواب، أو النظر إلى رحمة الله، فلا يلزم منه شيء من ذلك، ولا يخرج عن لغة العرب، ولا عن استعمال القرآن، بل هو الموافق للمحكمات، ولصريح العقل، ولسان العرب.

سادسًا: ويؤيد هذا التفسير سياق الآيات؛ فإن الله تعالى قال بعدها: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ۝ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾، فقابل بين الوجوه الناضرة والوجوه الباسرة، كما قابل بين انتظار أهل السعادة للثواب، وتوقع أهل الشقاء للعذاب، وهو من تمام البلاغة وحسن التقابل في الآيات.