فوائد قرآنية حول معاني وأحكام كلمة ( إن شاء الله)

قوله تعالى :{وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ٧٠}[البقرة]،
في ذلك:
١ - أن على المؤمن إذا وعد غيره بفعل أمر مستقبل أو أخبر أنه سيفعل أمراً في المستقبل سواء أكان طاعة أو مباحاً، دينياً أو دنيوياً - أن يقيِّد ذلك الخبر بكلمة «إن شاء الله».
٢ - أن أفعال العباد مربوطة بمشيئة الله، بمعنى أن الله تعالى هو الذي أعطى عباده القوى والقُدَر والتمكن؛ فإن شاء سلبهم قواهم وقُدَرَهم فتتعذر منهم حينئذ الأفعال، وإن شاء حال بينهم وبين فعل ما يريدون، وإن شاء صرف عزائمهم عن فعل ما كانوا عزموا عليه.
٣ - وليكن على علم منك أن الله تعالى لا يحول بين المكلفين وبين فعل طاعته، ولا يصرف نياتهم عن فعلها، كيف والله تعالى يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦}[الذاريات].
١ - وفي الآية: أن القائل في خبره عن المستقبل: «إن شاء الله» مُعَانٌ بدليل أن أهل هذه المقالة اهتدوا إلى فعل ما أمروا به.
٢ - أن على المؤمن أن يستعين في جميع أموره بالله تعالى، ويسأله الإعانة والتوفيق والتسديد، ويعتمد عليه في استنجاح أموره كلها الدينية والدنيوية.
٣ - وقد يؤخذ من ذلك أن المتكلم الواحد عن نفسه وعن جماعته الحاضرين معه عند التكلم من غير أن ينكروا عليه ما تكلم به يقوم كلامه مقام كلام جميع الحاضرين سواء أكان الكلام لهم أم عليهم.
فإن أساء المتكلم في كلامه حكم عليهم بالإساءة جميعاً، وإن أحسن حكم بالإحسان لهم جميعاً.
ويلحق بذلك ما إذا فعل أحدهم فعلاً بحضرة جماعته من غير أن يصدر منهم عليه إنكار فإنه يلحق الجميع حكم ذلك الفعل، فإن كان ذلك الفعل قبيحاً نسب إليهم جميعاً فعل القبيح، وإن كان حسناً نسب إليهم حسن ذلك الفعل.
٤ - وإذا كانت العلة في نسبة الفعل إلى الجميع هي الرضا بالفعل فإن الذي يستنكر الفعل المفعول بحضرته لا يلحقه حكمه، ويسلم من تبعاته.
٥ - إذا لم يستطع الحاضر أن ينكر ما فُعِل بحضرته من قول أو فعل فيكفيه الإنكار بقلبه، وهكذا جاء في السنة، ثم عليه أن يتحول.
٦ - ونظراً إلى العلة فإن من رضي بفعلٍ صدر في غير حضرته فإنه يعتبر شريكاً لفاعله، فإن كان طاعة لله أشرك في ثوابه، وإن كان معصية لله أشرك في عقابه، فمن رضي فعل علي عليه السلام في حروبه أشرك في حكمه، ومن رضي فعل معاوية في حروبه أشرك في حكمها.
٧ - وهكذا العكس، فمن كره فعل علي عليه السلام كان شريكاً مع الكارهين لفعله في عهده كأهل الجمل وأهل صفين، ومن كره أفعال معاوية كان شريكاً مع الكارهين في عهده كعلي عليه السلام وعمار والأشتر والحسنين وابن عباس وبقية أهل بدر وغيرهم ممن كره صنيع معاوية وحزبه.
٨ - كما يؤخذ من الآية أنه ينبغي ذكر «إن شاء الله» ذكراً صريحاً، وقد يغني ذكرها بالقلب دون اللسان إلا أن الذكر باللسان أحسن لما فيه من التذكير بالله، وللآية.
٩ - ذكرت هذه الكلمة «إن شاء الله» في مواضع من القرآن منها في قول إسماعيل عليه السلام لأبيه: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ١٠٢}[الصافات]، وفي قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ}[الفتح: ٢٧]، وفي قول موسى عليه السلام: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ٦٩}[الكهف]، وقد قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ٢٣ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}[الكهف].
١٠ - تعتبر هذه الكلمة «إن شاء الله» كلمة استثناء فمن قال: والله لا دخلت بيتك إن شاء الله؛ فإنه إذا دخله بعد ذلك لا يلزمه حكم اليمين.
١١ - وعلى هذا فينبغي للمؤمن أن يقول: «إن شاء الله» - بعد كل يمين ليسلم من تبعات اليمين.
١٢ - كلمة «إن شاء الله» إذا دخلت في العقود أفسدتها وأبطلتها، وهكذا إذا دخلت في الإنشاءات كالوقف والنذر والطلاق والوصية، و ... إلخ.
١٣ - كلمة «إن شاء الله» لها معنيان:
١ - عرفي وهو كما ذكرنا: كلمة استثناء، فحكمها حكم «إلَّا»
٢ - معنى لغوي، وهو أن تكون قيداً لما دخلت عليه، بمعنى أن ما دخلت عليه يكون مشروطاً بحصول مشيئة الله، فإن حصلت مشيئة الله حصل ذلك الأمر، وإن لم تحصل مشيئة الله لم يحصل ذلك الأمر.
إذا عرفت ذلك فمن قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله - لم تطلق على المعنى الأول، وأما على المعنى الثاني فيلزم النظر في مشيئة الله هل يشاء الله طلاقها أم لم يشأ طلاقها؟
وتعرف مشيئة الله تعالى بالنظر في معاملة الزوج لزوجته، فإن كان يعاملها بالمعروف ويحسن إليها ويعاشرها معاشرة حسنة - لم تطلق؛ لأن الله تعالى لا يشاء تطليق من كانت كذلك.
وإن كان الزوج يظلمها، ولا يعاملها بالمعروف - طلقت؛ لأن الله تعالى لا يشاء ظلمها، ويشاء خلاصها من الظلم، كما قال سبحانه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}[البقرة: ٢٢٩].
١٤ - تدل القصة التي وردت هذه الكلمة فيها «إن شاء الله» على أن الله تعالى قد يكلف عباده بتكاليف خفية تحتاج إلى بحث وتفتيش وتحرٍ؛ لمصالح يعلمها الله، وذلك مثل التكليف الذي كلف الله تعالى به بني إسرائيل على عهد موسى عليه السلام حين أمرهم بذبح بقرة، ومثل ما كلف الله تعالى به العلماء المجتهدين من هذه الأمة بالاجتهاد والاستنباط للأحكام الشرعية الفرعية التي لم يرد فيها حكم منصوص عليه من الشارع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
📚 زبر من الفوائد القرآنية
للسيد العلامة الحجة / #محمد_بن_عبدالله_عوض_المؤيدي حفظه الله
🔖 #فوائد_قرآنية | #الزيدية #إن_شاء_الله #العروة_الوثقى_الزيدية