ومن أقوى ما تستدل به الزيدية أن الاعتماد على العقل أصل في معرفة الشرع نفسه.
فلو قيل: لا وثوق بحكم العقل، ولا طريق له إلى معرفة الحسن والقبح، لزم أن نسأل: كيف نعرف صدق النبي من كذب المتنبي؟
إننا لا يمكن أن نعرف أن هذا الشخص رسول الله إلا بعد النظر في دعواه ومعجزته، ولا يمكن إثبات دلالة المعجزة على صدق الرسول إلا بالعقل.
فبالعقل نعرف أن الله تعالى لا يؤيد الكاذب فيما يدعيه من النبوة بما يجري مجرى المعجزة؛ لأن ذلك يؤدي إلى التلبيس على المكلفين وإبطال الغرض من إرسال الرسل.
ولو جاز على الله تعالى الكذب، وجاز أن يظهر المعجزة على يد الكاذب، لما أمكن التمييز بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب، ولا بين الحق والباطل، ولا بين التوحيد والشرك، ولا بين الشرع الصحيح والدعوى الباطلة.
فكيف يقال بعد ذلك: لا وثوق بحكم العقل مطلقًا، مع أن معرفة صدق الرسول نفسه متوقفة على مقدمات عقلية؟
خامسًا: القول بأن الأمر هو الذي يجعل الفعل حسنًا يؤدي إلى محذور عظيم
قال المخالفون: إن الفعل لا يكون حسنًا لذاته، ولا قبيحًا لذاته، وإنما الحسن ما أمر الله تعالى به، والقبيح ما نهى الله تعالى عنه.
فأجابت الزيدية بأن هذا القول يلزم منه أن الكذب لا يكون قبيحًا في نفسه، وأن الظلم لا يكون قبيحًا في نفسه، بل لو أمر الله تعالى بهما لصارا حسنَين بمجرد الأمر.
ويلزم على ذلك أنه لو أخبر الله تعالى بخبر ثم جاز عليه الكذب فيه، لم يبق طريق قطعي للثقة بخبره، ولا للتمييز بين صدقه وكذبه.
وكذلك لو جاز أن يؤيد الله تعالى الكاذب بالمعجزة، لما أمكن معرفة النبي الصادق من المتنبي الكاذب، وفي ذلك إبطال للنبوات والشرائع.
ولهذا كان تنزيه الله تعالى عن الكذب والظلم من الأمور التي يعضدها العقل؛ لأن العقل يدرك استحالة أن يكون الكذب والظلم حسنًا في حق الله تعالى.
سادسًا: هل معنى إثبات الحسن والقبح أن العقل يستغني عن الشرع؟
لا تقول الزيدية إن العقل يستغني عن الشرع في جميع الأحكام.
فالشرع يأتي بما لا يستقل العقل بتفاصيله، ويبين العبادات، والمقادير، والحدود، والأحكام التفصيلية، ويبين ما قد يخفى وجه حسنه أو قبحه على كثير من الناس.
وإنما الكلام في أصل إدراك العقل للحسن والقبح.
فالشرع لا يأتي ليجعل العدل حسنًا بعد أن كان لا حسن فيه، ولا ليجعل الظلم قبيحًا بعد أن كان لا قبح فيه، وإنما يأتي مؤكدًا لما يدركه العقل، ومبينًا ومفصلًا لما قد لا يستقل العقل بإدراك تفاصيله.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90].
فسمى العدل والإحسان معروفًا في مواضع أخرى، وسمى الفحشاء والمنكر والبغي منكرًا، مما يدل على أن هذه المعاني معروفة في أصلها، وأن الأمر والنهي الشرعيين جاءا مؤكدين لها.
سابعًا: القرآن نفسه يدل على اعتبار العقل والفطرة
استدلت الزيدية أيضًا بقوله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8].
فالله سبحانه أخبر أنه ألهم النفس فجورها وتقواها، أي جعل فيها قدرة على التمييز والإدراك، ومن ذلك معرفة ما يوافق الحق والخير وما يخالفه.
وقال تعالى:
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10].
وقال سبحانه:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3].
وقال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: 7].
وهذه النصوص تؤكد أن في الإنسان إدراكًا وفطرة وتمييزًا بين الهدى والضلال، والتقوى والفجور، والإيمان والكفر.
كما أن القرآن كثيرًا ما يدعو الإنسان إلى استعمال عقله ونظره وتفكره، قال تعالى:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾،
وقال:
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾،
وقال:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190-191].
وقال تعالى:
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17].
فلو لم يكن للعقل قدرة على الإدراك والاستدلال لما كان لهذا الخطاب معنى.
ثامنًا: القرآن يبين أن المعروف والمنكر ليسا من إنشاء الأمر والنهي فقط
قال تعالى في وصف مهمة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
فسماه معروفًا ومنكرًا قبل تعلق الأمر والنهي بهما في نفس العبارة؛ فالمعروف هو ما تعرف العقول السليمة حسنه، والمنكر هو ما تنكره وتستقبحه.
وكذلك قوله تعالى:
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: 19-22].
وقوله تعالى:
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ … وَلَا الْمُسِيءُ﴾.
ففي هذه الآيات تنبيه إلى عدم استواء المتضادات في الحكم والمعنى، وهو مما يدركه العقل.
تاسعًا: حكم العقل سابق في الفطرة على ورود الشرائع
تقول الزيدية: إن الناس قبل بعثة الأنبياء كانوا يمدحون الصادق والأمين، ويذمون الكاذب والخائن والغادر، ويذمون الظلم والعدوان.
وقد بقي في أخبار الأمم وأشعار الجاهلية وآثار الملوك من ذلك الشيء الكثير، مما يدل على أن معرفة هذه المعاني ليست ناشئة كلها عن الشرائع السماوية.
بل إن المجتمعات التي لا تؤمن بدين سماوي ما زالت تضع القوانين لمحاربة الظلم والعدوان والجريمة، وتمجد العدل والسلام والإحسان، مما يؤكد أن أصل هذه الأحكام مركوز في الفطرة والعقل.
عاشرًا: الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
احتج المخالفون بقوله تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].
وقالوا: لو كانت القبائح معلومة بالعقل لاستحق فاعلها العقاب قبل بعثة الرسل، فلما نفى الله تعالى التعذيب قبل إرسال الرسل دل ذلك على أن القبح لا يعرف إلا بالشرع.
وأجابت الزيدية بأن الآية لا تدل على نفي الحسن والقبح العقليين؛ لأن إدراك القبح شيء، واستحقاق العقاب، ثم وقوع العقاب شيء آخر.
فالآية تدل على أن الله تعالى لا يعذب العباد قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنذارهم، وليس فيها أن الفعل الذي أدرك العقل قبحه يصير حسنًا قبل الرسالة.
فقد يكون الإنسان عالمًا بقبح الظلم والكذب والعدوان بعقله، ثم لا يعاقبه الله تعالى حتى تقوم عليه الحجة الشرعية.
ويعلم أن الظلم والقتل والعدوان ونحوها من القبائح العقلية، لكن قد يكون غافلًا عن استحقاق العقوبة عليها؛ فيعلم قبح الفعل، لكنه لا يعتقد أن هناك من سيحاسبه ويعاقبه عليه.
ولتقريب ذلك: لو أن شخصًا قتل إنسانًا في مكان خفي، فهو يعلم في قرارة نفسه أن القتل ظلم وقبيح، ويعلم أنه يستحق القصاص، لكنه يظن أن أحدًا لن يطلع على جريمته، فإن جهله باطلاع من سيعاقبه لا يغيّر من قبح فعله ولا من استحقاقه للعقوبة.
وهكذا كان حال من يرتكب القبائح العقلية قبل بعثة الرسل: كانوا يدركون قبح أفعالهم، لكن الغفلة قد تحول بينهم وبين إدراك استحقاق العذاب عليها، فجاءت الرسل مبشرة ومنذرة، توقظهم من غفلتهم، وتبين لهم ما يترتب على أفعالهم من ثواب وعقاب، حتى تقوم عليهم الحجة كاملة.
كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ فإرسال الرسل لإتمام الحجة ورفع المعاذير، وليس معنى ذلك أن القبيح لم يكن قبيحًا، أو أن فاعله لم يكن مستحقًّا للعقوبة من حيث الأصل.
بل لو أن الله عذبهم قبل إرسال الرسل لتعذروا وقالوا
كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾.
ومن البعيد أن يقال إن الظلم والبغي والعدوان وعبادة الأصنام والكذب كانت حسنة قبل بعثة الرسل، ثم أصبحت قبيحة بمجرد نزول الشرائع؛ فإن العقول السليمة تنفر من هذه الأفعال في الجملة قبل الشرائع وبعدها.
فمذهب الزيدية في الحسن والقبح العقليين يقوم على أن العقل السليم يدرك في الجملة حسن العدل والصدق والإحسان، وقبح الظلم والكذب والعدوان ونحو ذلك، ويدرك استحقاق فاعل الحسن للمدح، وفاعل القبيح للذم والعقوبة من حيث الأصل. وليس ذلك مجرد عادة أو اصطلاح، بل هو من مقتضيات العقل والفطرة.
وأما القول بأن الحسن والقبح لا يثبتان إلا بالشرع، فيلزم منه أن يكون الظلم والكذب قبيحين لمجرد النهي عنهما، وأنهما لو أُمر بهما لم يكن في ذاتهما قبح؛ وهذا يفضي إلى إشكال في أصل تنزيه الله تعالى، وإلى إضعاف الطريق العقلي الذي به تُعرف النبوة ويُميَّز النبي الصادق من المتنبي الكاذب.
ومن هنا كان اعتماد الزيدية على العقل في باب العدل والحسن والقبح وسائر الأصول العقلية أصلا من أصولهم الدينية؛ فالشرع لا ينقض حكم العقل الصحيح، والعقل لا يغني عن الشرع، بل يتكاملان في الوصول إلى الحق.
وعليه، لا يلزم من إثبات الحسن والقبح العقليين تقديم العقل على الشرع؛ فالعقل السليم والشرع الصحيح متوافقان، ولا يمكن أن يعارض الشرع دليلًا عقليًا قطعيًا، كما لا يمكن أن يكون الدليل العقلي القطعي مخالفًا لشرع صحيح ثابت.