الأحد ٩ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ الموافق 20 سبتمبر 2026 م
العودة للأرشيف

اختلاف القضاة الذي ذمه أمير المؤمنين عليه السلام

رقم الفتوى: 25390
تاريخ النشر: 2026/09/15
المشاهدات: 2

عن انتقاد أمير المؤمنين علي عليه السلام للولاة حيث يحكم القضاة في قضية معينة بأحكام مختلفة فيصوبهم الوالي جميعاً، وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد. فقال السائل: أليس هذا استنكاراً لقول: إن كل مجتهد مصيب؟

وكان الجواب: أن أمير المؤمنين استنكر على القضاة أن يقضي كل واحد منهم في القضية برأيه المجرد الذي لا يستند إلى ما يدل عليه من الكتاب والسنة، واستنكر على الوالي حيث صوبهم جميعاً مع اختلاف أقضياتهم في قضية واحدة.واستنكار علي عليه السلام هذا استنكار في محله، وواقع على أهله، فالقضاة ليسوا بأهل للقضاء لجهلهم به، والوالي ليس بأحسن منهم في هذا الباب، فهو يشاركهم في الجهل وعدم المعرفة بفصل الخطاب؛ إذ لو كان القضاة وواليهم من أهل العلم بالقضاء لتراجعوا في القضية واستعرضوا مستندات كل قاض، وراجعهم الوالي في ذلك حتى يتبين الراجح من المستندات، ويتضح للجميع الصواب، ولكن لما لم يكن الوالي والقضاة من أهل العلم بالقضاء لم يستنكر الوالي عليهم، ولم يستنكر بعضهم على بعض.
أما أهل العلم والتحقيق فإنه يستنكر بعضهم على بعض في المسائل التي يختلفون فيها في قديم الدهر وحديثه، ويتراجعون فيها، ويستعرضون المستندات من الكتاب والسنة والقياس، وما يلحق بذلك من أوجه الترجيح.
وحينئذ فاستنكار علي عليه السلام ليس فيه ما يخالف القول بأن كل مجتهد مصيب.
- ويؤيد ما ذكرنا من أن المراد بكلام الإمام علي عليه السلام هو استنكار ما عليه القضاة وواليهم من الجهل بالقضاء- ما روي في سيرة عمر بن الخطاب من الخطأ في أقضياته التي كان يصدرها عن رأيه المجرد التي لا يستند فيها إلى دليل شرعي، وكان الصحابة يراجعونه في الكثير من أقضياته، ويذكرون له الدليل فيتراجع، وكان علي عليه السلام يراجعه أيضاً، ويذكر له الدليل فيتراجع، وقد راجعته امرأة في قضية فتراجع، وقال: (كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت)، ومن أقواله المشهورة في هذا الباب: (لولا علي لهلك عمر)، ولم يكن عثمان بأحسن من عمر في العلم بالقضاء.
فإن في ذلك دليلاً على ما ذكرنا من أن استنكار علي عليه السلام لم يكن إلا لما ذكرنا من جهل الوالي والقضاة.
- أما أبوبكر فلم تطل أيام ولايته إلا أنه لم يكن أحسن من الرجلين في العلم بالقضاء، ودليل ذلك ما روي في سيرة أبي بكر من قوله في الكلالة، وفي ميراث الجد، وفي غير ذلك.وعلى الجملة فالثلاثة لم يكونوا من أهل العلم بالقضاء، وقد كان بعضهم يقول في الاعتراف بجهله: شغلني عن اكتساب العلم الصفق بالأسواق، هذا معنى الرواية ، ويعني بذلك أن طلبه للربح في البيع والشراء في أسواق المدينة شغله عن مجالسة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاستماع إلى كلامه، ففاته العلم والحكمة التي كان النبي ÷ يلقنها جلساءه وأصحابه.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله