الخميس ٦ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ الموافق 23 أبريل 2026 م
العودة للأرشيف

علم أصول الفقه علم اقتضاه القرآن

رقم الفتوى: 23835
تاريخ النشر: 2026/04/22
المشاهدات: 27

هل القرآن يقتضي تعلم أصول الفقه؟ وهل ذكر أحد من أهل البيت عليهم السلام أصول الفقه ؟

علم أصول الفقه علم اقتضاه القرآن، وذلك لأن فيه:
١ - أحكام عامة مثل: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: ١٦٨] فيعم ما على الأرض من حيوان ونبات.٢ - أحكام خاصة استثنائية مثل النهي عن أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل، والنهي عن شرب الخمر، و .. إلخ، فهذه أحكام خاصة استثناها الله تعالى مما كان أحله في قوله: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ}.
٣ - أحكام مجملة مثل: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، فإن المخاطبين لم يفهموا ما هو المراد بالصلاة، ولا الزكاة حتى بين ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
٤ - أحكام مبينة مثل ما في آية المواريث.
٥ - أحكام تستفاد من صريح اللفظ مثل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: ٣].
٦ - أحكام تستفاد من مفهوم اللفظ لا من صريحه، وبعضها من حقيقته، وبعضها من مجازه.
٧ - أحكام مطلقة، وأحكام مقيدة.
٨ - أحكام واجبة، وأحكام مندوبة، وأحكام محرمة، وأحكام مكروهة، وأحكام مباحة، وأحكام عزيمة، وأحكام رخصة، و ... إلخ.
٩ - أحكام منسوخة، وأحكام ناسخة.
١٠ - ألفاظ محكمة، وأخرى متشابهة.
١١ - ظواهر ومفاهيم يتوهم فيها التعارض، تحتاج إلى نظر وترجيح.
١٢ - يوجد في القرآن والسنة ألفاظ بعضها يطلق على معنيين في لغة العرب وقد يكونان مختلفين، ومثل هذا يسمى المشترك اللفظي، وبعضها يطلق على معنى واحد لا غير وهذا يسمى النص، وبعضها يطلق على واحد في الأغلب وقد يطلق على غيره في حالات، وهذا يسمى الظاهر.
١٣ - فيه أوامر بعضها يفيد الوجوب، وبعضها الندب، وبعضها يفيد الإباحة، وبعضها للتهديد، وفيه نواهٍ بعضها للتحريم، وبعضها للكراهة، وبعضها للتهديد، وفيه استفهامات بعضها يفيد الإنكار، وإذا كان كذلك فالمستفهَم عنه محرم، وبعضها للتقرير أي طلب الإقرار، وبعضها لطلب الفهم، و .... إلخ.١٤ - وهناك حوادث جديدة لا يوجد في الكتاب والسنة تحديد الحكم، وإنما يحدد فيها الحكم بالقياس على ما يشبهها، فاحتاج العلماء إلى بيان القياس الذي ترتب عليه الأحكام الشرعية.
نعم، هذا بالنظر إلى واحد من العلوم التي اشتمل عليها القرآن وهو علم الفقه، فلا يتأتى ولا يصح لمن يريد أخذ الأحكام الفقهية من القرآن والسنة إلا بعد أن يكون ذا بصيرة وقدم راسخة في معرفة كيفية الاستنباط، وهو ما نسميه بأصول الفقه.
أما الذي يحاول أخذ الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة من غير معرفته بعلم الاستنباط فإنه يحاول ما لا يتأتى ولا يمكن، وما مثله إلا كمثل الذي يحاول الكتابة بغير قلم، أو الطيران بغير جناح.
وقد تكلم أمير المؤمنين عليه السلام عن هذا العلم -أعني علم الاستنباط (علم أصول الفقه) - في نهج البلاغة، وذكر فيه جميع أبوابه تقريباً، وذلك في أول خطب النهج، وفي كلام له يبين فيه طرق رواية الحديث؛ فذكر عليه السلام في هذين الكلامين أكثر أبواب أصول الفقه.
وذكر الإمام زيد بن علي عليه السلام بعض أبواب أصول الفقه في بعض رسائله التي في الكتاب الذي جمع رسائله وكتبه، وهو مطبوع.
وفي الحقيقة علم أصول الفقه هو جزء من علوم اللغة العربية، وإنما أفرده العلماء لشدة الحاجة إليه في علم الاستنباط.
وسنضرب مثالاً من القرآن يظهر فيه صحة ما ذكرنا سابقاً فنقول:
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: ٢٩]: يستدل العلماء بهذه الآية على حل جميع ما خلقه الله تعالى في الأرض من أعيان الأشياء ومنافعها، على سبيل الاستغراق والعموم.ونحن إذا أردنا معرفة ذلك من الآية فلا بد لنا أن نكون على علم كامل ومعرفة تامة راسخة بمفردات هذه الآية، وبمعرفة تركيبها، فالذي يعرف أساليب كلام العرب وتراكيب لغتهم يعرف من هذه الآية: أن الله تعالى ذكر الناس في هذه الآية بجليل نعمه وكثرتها وسعتها، وتمنن عليهم بذلك، وأنه هو وحده الذي أعطاهم ذلك، لا الأصنام التي يعبدونها.
هذا هو المعنى الذي يفيده هذا التركيب، ويفهمه كل من كان من أهل اللسان العربي في زمان الوحي، فاحتجنا نحن إلى أن نعرف اللغة لنفهم هذا المعنى.
والمستنبط للأحكام بعد معرفته باللغة يستنبط معنى آخر غير ما فهمه أهل اللغة بذكائه وحسن نظره، فيقول في فكره: كل ما على الأرض من منافع وأعيان حلال غير حرام؛ لأن الله تعالى امتن على عباده بخلق ذلك لهم، وهو تعالى لا يمتن بخلق الحرام. هذا هو أول نظر المستنبط.
واستفاد المستنبط استغراق ما على الأرض من لفظة «ما»، فقد ذكر أئمة اللغة العربية أنها تفيد العموم والاستغراق للعقلاء وغير العقلاء، ثم من لفظة «جميعاً» التي تؤكد الاستغراق المفهوم من لفظة «ما».

أنواع الدلالة
- دلالة النص.
- دلالة الظاهر.
- دلالة المفهوم وهي متنوعة.
- دلالة الإيماء، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإشارة.
- وفيه الحقيقة والمجاز والكناية بأنواعها.
- وفيه الألفاظ المترادفة، والألفاظ المشتركة.
- وفيه عمومات مخصوصة وعمومات لم تخص، وفيه العام الذي يراد به الخاص.
- وفي القرآن أيضاً:· أحكام شرعية معلَّلَة.
· وأحكام شرعية غير معلَّلة.
· وفيه التنبيه إلى استعمال القياس واعتماده في استنباط الأحكام الشرعية.
· وفيه الدليل على أن القرآن العظيم هو أول الأدلة وأعظمها وأقواها، وأن سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم القولية والفعلية دليل يجب اتباعه.
· وفيه تصنيف المؤمنين إلى صنفين:
١ - العلماء.
٢ - غير العلماء.
وأن وظيفة العلماء هي العمل بما علموه، ووظيفة غيرهم سؤال العلماء واستفتاؤهم.
- وتشير آيات القرآن الكريم إلى أن الأدلة الدالة على الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: قطعية وظنية، وأن الأحكام الشرعية تنقسم تبعاً لذلك إلى قسمين: قطعية وظنية.
- وأن لكل من القسمين أحكاماً تخصه.
- وفيه ما يشير إلى أن الأحكام الظنية تتفاوت في القوة والضعف.
- وفيه ما يشير أيضاً إلى أن اتباع الراجح أولى من اتباع المرجوح.
- وأن الخطأ في الأحكام الظنية بعد الاستقصاء في البحث والتحري معفو عنه.
- وقد تحدثت آيات القرآن أنه كان في أصحاب رسول الله ÷ علماء وغير علماء: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ... } [المجادلة: ١١]، وقال سبحانه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: ٧]، وقال سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ... } [آل عمران: ١٨].- والعلم ينقسم إلى فطري واكتسابي، فالعلم الفطري لا يحتاج إلى تجشم طلبه واكتسابه، والعلم الاكتسابي لا يحصل إلا بطلب وتعلم، وقد بعث الله تعالى الأنبياء والرسل إلى الناس ليعلموهم هذا العلم الاكتسابي قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٢}[الجمعة].
في هذه الآية أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الناس لعدة أمور:
١ - يتلو عليهم آياته.
٢ - ويزكيهم.
٣ - ويعلمهم الكتاب والحكمة.
فالأمر الأول هو تلاوة القرآن على الناس.
والأمر الثاني هو تطهيرهم من دنس الشرك والقبائح ومعاصي الله تعالى عموماً والسمو بهم بطاعة الله.
في نهج البلاغة في وصفه عليه السلام للقرآن الحكيم: (مبيناً حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصه وعامه، وعبره وأمثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه، مفسِّراً -أي النبي- مجمله، ومبيناً غوامضه، بين مأخوذ ميثاق علمه، وموسع على العباد في جهله، وبين مثبت في الكتاب فرضه، ومعلوم في السنة نسخه، وواجب في السنة أخذه، ومرخص في الكتاب تركه، وبين واجب بوقته وزائل في مستقبله، ومباين بين محارمه ... إلخ).

من كتاب القياس من مجموع الهادي عليه السلام
«فإذا علم العالم ذلك، وأتى على معرفته، وعرف مجمله ومحكمه، وفروعه ومتشابهه .. إلى قوله: أو بقياس يصح من السنة .. إلى قوله: قد حكم به المجمل المؤصل، وبينه الفرع المفصل ...
إلى قوله: فيكون العالم في علمه واستخراجه لما يحتاج إليه من حكمه منكتاب الله وسنته على قدر ما يكون من صفاء ذهنه وجودة تمييزه واستحكام عقله وإنصاف قلبه وجودة تمكن علم الأصول في قلبه وثبات علم الكتاب والسنة في صدره ...
إلى قوله: فإذا كملت معرفة العالم بأصول العلم وصحت معرفته بفهم غامض الشرائع المفهوم، فكان لعلمه به واستدراكه لغامضه وجودة دراسته وإحاطته بباطنه وظاهره قاهراً بحول الله وقدرته لما يرد عليه من متشابهه، عارفاً بما يحتاج إليه من قياس، مطلعاً بتمييز فروعه، بصيراً بتفريع أموره.
إلى قوله: فكلما ورد عليه فرع من الفروع رده إلى أصله، وكلما ورد عليه شيء من متشابهه بينه بالرد إلى محكمه ..
إلى قوله: فمثله كمثل أهل الصناعات من الأبنية والصباغات، فإذا كان منهم صانع محكم لعمله محيط بأصل صناعته، عارف بابتدائها وانتهائها عالم بتأليفها وإحكامها ... إلخ.
إلى أن قال عليه السلام : ثم اعلم أيها السائل أن الحق لا يؤخذ إلا من أحد ثلاثة وجوه: كتاب ناطق، أو إجماع من الأمة فيما نقلته عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من السنة التي جاء بها عن الله، وأمر بينته وصححته العقول».
وعلى الجملة فكتاب القياس للإمام الهادي عليه السلام يدل على أن هناك علماً يتوقف عليه استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة لا يتأتى الاستنباط إلا به.
وقد بين عليه السلام في هذا الكتاب الكثير من أبواب أصول الفقه؛ فذكر مصادر التشريع التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
- وذكر شروط قبول الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكر فيها عرضه على كتاب الله.
- وذكر فيه شروط صحة القياس.

[من كلام للإمام زيد عليه السلام في أصول الفقه]
من كلام للإمام زيد عليه السلام في خطبة له عليه السلام في أصحابه قبل بدء القتال: (والله ما قمت فيكم حتى عرفت التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ).
ومن كلام له في صفة الإمام: (لا ينبغي لأحد منا أن يدعو إلى هذا الأمر حتى يعلم التنزيل والتأويل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وعلم الحلال والحرام، والسنة الناسخة ما كان قبلها، وما يحدث كيف يرده إلى ما قد كان لمثل ما فيه وله).
بيان:
١ - التنزيل مثل: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٩]، فتنزيل هذه الآية يفيد أن أموال المسلمين محرمة لا يحل لأحد أن يأخذ مال أحد إلا ما يؤخذ عن طريق البيع والشراء.
وسمي ذلك تنزيلاً لأنه معنى مفهوم من ظاهر الكلام لا يحتاج فهمه ومعرفة معناه إلى تفهم وعناء.
٢ - التأويل: في الآية المتقدمة:
١ - أنه يثبت للمشتري خيار الرؤية، فإنه إذا اشترى سلعة لم يرها فله الخيار إذا رآها، فإن رضيها بعد الرؤية وإلا ردها للبائع.
٢ - خيار فقد الصفة؛ فإن كان المبيع على الصفة التي وصفت له فذاك، وإلا ثبت له الرد على المشتري.
٣ - يثبت للمشتري خيار تعذر تسليم المبيع، كأن يكون المبيع غائباً فهو بالخيار إن شاء أخذه وانتظر عودته، وإن شاء رده على المشتري.
٤ - ومثل ذلك خيار تعذر تسليم الثمن، وهو للبائع.
٥ - وخيار الغرر، كأن يشتري الرجل شاة مصراة.
٦ - وخيار الخيانة في بيع المرابحة.٧ - وللمشتري الخيار لجهله قدر الثمن أو المبيع.
٨ - وخيار الشرط.
٩ - وخيار العيب.
ومن تأويل هذه الآية:
- أنه لا بد من تلافظ بين البائع والمشتري؛ لأن التراضي أمر قلبي لا بد من لفظ يدل عليه من الطرفين.
- وأنه يشترط أن تكون السلعة المباعة معلومة محددة؛ لأنه لا يتصور أن يرضى المشتري أن يدفع الثمن في شيء مجهول.
- وأنه يشترط أن يكون الثمن معلوماً.
- وأنه لا يصح بيع من أكره على البيع وهكذا الشراء.
· وبما أن القرآن الكريم خطاب للعقلاء بدليل: {وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ ١٩٧}[البقرة]:
- فإنه لا يصح بيع الصبي والمجنون ولا شراؤهما.
- وأن بيع المرأة وشراءها جائز.
- وأنه يبطل خيار المشتري إذا اطلع على العيب في السلعة، ثم دفع الثمن أو استعملها أو طلب الشفعة بها، أو عالج العيب وأصلحه أو نحو ذلك مما يدل عرفاً أو عادة أو عقلاً على رضاه.
- ومن تأويلها أن طلب المكاسب عن طريق التجارة شرع مشروع في الإسلام.
- ومن تأويل الآية أنه يجوز معاملة المسلمين بعضهم لبعض بالبيع والشراء ونحوهما من غير سؤال وبحث عن ملكية البائع للمبيع وملكية المشتري للثمن.
- ويتفرع على ذلك أن ثبوت اليد على الشيء دليل على الملك يستفاد ذلك من الإضافة {أَمْوَالَكُمْ}.
- ويتفرع على ذلك أن على الحاكم أن يحكم باستحقاق ذي اليد على ما تحت يده، إلا إذا عارض الثبوت دليل أقوى منه.- وبما أن القرآن الحكيم قد علَّل التبادل بين البائع والمشتري بالتراضي بينهما فإنه يؤخذ من الآية: أنه يجوز أخذ الهبة والصدقة والهدية والعطية و ... إلخ إذا طابت بذلك نفس الواهب والمهدي والمعطي.
- ومن تأويل الآية أنه يحرم أكل ما أخذ بوجه الحياء من غير طيبة نفس صاحبه.
- ومن تأويلها أنه لا يجوز للوالي أن يسعر على البائع ويمنعه من الزيادة عليه، ثم يكرهه على البيع بذلك السعر، وذلك لعدم رضاه وطيبة نفسه.
- وعلى ضوء هذه الآية تنزيلها وتأويلها فإذا أراد الوالي التسعير فليوفر للتجار والباعة السلع المطلوب تسعيرها، ويتفق هو وإياهم على أن يبيعها منهم بسعر محدد، ويبيعوها هم على المواطنين بسعر محدد.
إذا عرفت ذلك- فاعلم أن علم تأويل القرآن لا يتأتى إلا لمن رسخ قدمه في علم الأصول، وكان مع ذلك ذا ذكاءٍ وفطنة، وذا تقوى وتوفيق، وقد قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: ٧].
- وأول من وضع هذا العلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ففي كتاب نهج البلاغة: (إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقا ًوكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، وحفظاً ووهماً .... ) وفي آخر كلامه هذا عليه السلام بيان أقسام الناس: (وحفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب عنه، وعرف الخاص والعام فوضع كل شيء موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه ... إلخ).
فمن هنا يمكننا أن نعرف أنه كان في صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كان ذا قدم راسخ في علم التأويل والاستنباط، إلا أن علم الاستنباط لم يدون في عصرهم ولا في عصر التابعين، وكانوا يعتمدون على الحفظ.
- وقد أدرك علماء المسلمين أهمية هذا العلم فدونوه في عصر التدوين.
- وأهمية هذا العلم ليست لذاته وإنما هو وسيلة إلى استخراج فقه القرآن وشرائع الحلال والحرام.- ولا يختلف هذا العلم باختلاف مؤلفيه؛ إذ هو في أغلبه قواعد لغوية مثل: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والنص والظاهر والمؤول، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز ... إلخ.
- وخلاف علماء المسلمين في هذا العلم قليل، ومحل الخلاف فيه هو في مسائل معدودة:
١ - حجية إجماع أهل البيت.
٢ - حجية قول الصحابي وعدالة الصحابة.
٣ - حجية قول علي عليه السلام.
٤ - حجية إجماع الأمة.
٥ - حجية العقل.
٦ - المصالح المرسلة.
٧ - القياس في الأسباب والمقادير.
وهناك خلافات قليلة في فروع هذا العلم لا يترتب عليها فساد.
- وعلماء الأصول متفقون على أن القرآن الكريم أول الأدلة، وأن السنة في المنزلة الثانية، وإن اختلفوا بعد ذلك في المأخوذ به من المرويات الآحادية.