Skip to content
الزيدية في : الجيل والديلم
أئمة أهل البيت (ع) في منطقة : الجيل والديلم
الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش عليه السلام

هو: أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .

أحساب وافرة ووجوه ناضرة، وآباء أخيار أفاضل أبرار، يستشفى بيمن بركتهم من عوارض الأسقام، ويستدفع بهم طوارق الليالي والأيام، ولم لا!! وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((عند ذكر الصالحين تنزل البركة)) فإذا كان هذا في الصالحين عموماً فكيف بسفن النجاة، وماء الحياة من عترة النبي الأواه، ولله القائل:

قوم بهم وبجدهم ……نرجو النجاةَ مع النجاحِ
وصلوا السيوف بخطوهم …… فإذا الممنع كالمباح
جبريل     خادم     جدهم …… أولاد حيَّ على الفلاح

وأمه عليه السلام: حبيب أم ولد مجلوبة من خراسان، ولد بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

صفته (ع)

قال السيد أبو طالب عليه السلام: كان عليه السلام طويل القامة، يضرب إلى الأدمة، به طرش من ضربة أصابت أذنه بحادثة اتفقت عليه بنيسابور أو بناحية جرجان فقد اختلفت الرواية، فقيل: إنه خرج إلى نيسابور في أيام المعروف بمحمد بن عبد الله السجستاني طامعاً في أن يتمكن بها من الدعاء إلى نفسه، فتوفر عليه السجستاني وأكرمه. وشرع في الدعوة سراً، وأجابه مع كثير من قواده وغيرهم.

وذكر بعض من صنف أخباره أن ذلك في ناحية جرجان لما وردها السجستاني وانحاز عنها الحسن بن زيد، أحوج عليه السلام إلى الإقامة هناك، فسعى به بعض من كان وقف على أمره، فأخذه واعتقله وضربه بالسياط ضرباً عظيماً، ووقع سوط في أذنيه؛ فأصابه منه طرش، واستقصى عليه في أن يعترف بما كان منه، ويعرفه أسامي أصحابه فثبت على الإنكار، ثم أفرج عنه.

وقيل: إن محمد بن زيد كاتبه في معناه، والتمس منه تخلية سبيله فعاد إلى جرجان.

وقيل: إنه تخلص بخروج السجستاني من جرجان وهذا قول من ذكر أن النكبة اتفقت عليه بناحية جرجان، وكان السجستاني حين ضربه حبسه في بيت الشراب، وفيه زقاق فيها خمر؛ لأنه علم أنه يشتد عليه مقاربة موضع فيه خمر، وكان الناصر عليه السلام يقول: قويت برائحة تلك الخمور، فقيل له: أيها الإمام؛ لو أكرهت على شربها ما الذي كنت تصنع؟ فقال: كنت أنتفع بذلك ويكون الوزر على المكره! وهذا من مليح نوادره ومزاحه الذي لا يجاوز الحق.

ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)

كان عليه السلام جامعاً لخصال الكمال، فائزاً بمحاسن الخلال، قد تسنم ذروة الشرف العلية، وخيم في عوالي رتب المجد السنية، وفيه ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه بعض علمائنا رحمهم الله تعالى أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله أنس عن علامات الساعة؟ قال: ((من علاماتها خروج الشيخ الأصم من ولد أخي مع قوم شعورهم كشعور النساء بأيديهم المزاريق)) وهذه كانت صفته عليه السلام وصفة أصحابه.

وفيه ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته أنه قال: يخرج من نحو الديلم من جبال طبرستان فتى صبيح الوجه يسمى باسم فرخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأكبر، يعني الحسن بن علي ’.

وفي الخبر لما أغرق الله تعالى الأرض لم يصب جبال الديلم الغرق، فسألت الملآئكة عليهم السلام ربها عن ذلك؟ فقال: (إنه يخرج فيها رجل من ولد النبي الأمي).

وكان عليه السلام قد نشأ على طريقة سلفه الأكرمين سلام الله عليهم أجمعين، جامعاً بين العلم والعمل، وبرز في فنون العلم حتى كان في كل واحد منها سابقاً لا يجارى، وفاضلاً لا يبارى.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وكان له عليه السلام مجلس للنظر، ومجلس لإملاء الحديث، وكان يركب إلى طرف البلد، ويضرب بالصولجان للرياضة، فإذا ركب اجتمع فقهاء البلد وأهل العلم كلهم إلى المصلى وجلسوا فيه، فإذا فرغ من ذلك عدل إليهم عليه السلام وجلس وأملى الحديث، وكان يحضر جنائز الأشراف وكبار الفقهاء بنفسه.

وحكي أنه عليه السلام حضر لمعزى بعض الأشراف، فلما سمع البكاء من داره قال: هذا الميت الذي يبكى عليه مات حتف أنفه على فراشه وبين أهله وعشيرته، وإنما الأسف على أولئك النفوس الطاهرة التي قتلت تحت أديم السماء، وفرق بين الأجساد والرؤوس وعلى الذين قتلوا في الحبوس، وفي القيود والكبول. وخطب في هذا المعنى خطبة حسنة، وقال: آهـ آهـ في النفس حزازات لم يشفها قتلى بورود.. يعني: الخراسانية الذين قتلوا في ذلك المكان حين هزمهم.

وكان القاضي أبو عبد الله الوليدي يلزم مجلسه ويعلق جميع ما يسمعه، مما يتصل بالعلم والأدب ويتعلق بضرب من الفائدة فجمع كتاباً سماه ألفاظ الناصر.

وله عليه السلام تصانيف مفيدة في أنواع العلم، منها: كتاب البساط، وكتاب في التفسير احتج فيه بألف بيت من الشعر، وله كتاب الحجج الواضحة بالدلائل الراجحة في الإمامة على طريقة الزيدية، وفيه دلائل حسنة على إمامة أمير المؤمنين، وله كتاب الأمالي في الأخبار ضمنه من فضائل العترة % كثيراً، وعدة كتبه أربعة عشر كتاباً وكل ذلك معروف مشهور.

وله عليه السلام فقه واسع، وفي فقهه كتاب الحاصر لفقه الناصر للسيد المؤيد بالله قدس الله روحه، وكتاب الناظم للسيد أبي طالب عليه السلام، وكتاب الموجز للشيخ أبي القاسم البستي رحمه الله، وكتاب الإبانة في فقهه مشروح بأربعة كتب مجلدة كبار للشيخ العالم أبي جعفر محمد بن يعقوب الهوسمي @، وجميع أهل الجيل من الزيدية كلهم على مذهبه عليه السلام في الفروع.

وكان عليه السلام جامعاً لفنون العلم من أصول الدين وفروعه ومعقوله ومسموعه، رواية للآثار، عارفاً بالأخبار، ضارباً في علم الأدب بأقوى سبب.

وكان عليه السلام قد قرأ من كتب الله عز وجل ستة عشر كتاباً، منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وباقيها من الصحف.

وكان عليه السلام يقول: حفظت من كتب الله عز وجل ثلاثة عشر كتاباً، فما انتفعت منها كانتفاعي بكتابين، أحدهما: الفرقان لما فيه من التسلية لنبيئنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما كابده السلف الصالحون من الأنبياء المتقدمين والرسل الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، والثاني: كتاب دانيال النبي عليه السلام؛ لما فيه أن الشيخ الأصم يخرج في بلد يقال لها: ديلمان، ويكابد من أصحابه وأعدائه جميعاً ما لا يقادر قدره ولكن عاقبته محمودة. وهذا يشهد بشرفه عليه السلام العظيم وفضله الجسيم، حيث ذكره الله تعالى في كتاب دانيال صلى الله عليه وعلى سائر أنبيائه، ويحق له عليه السلام أن يكون كذلك، فإنه انتشر على يديه من الإسلام في تلك الجهات ما شهرته تغني عن ذكره، وقد قيل: إن الذي أسلم على يديه مائتا ألف، وقيل: ألف ألف نسمة.

وروى الشيخ أبو القاسم البستي: أنه أسلم على يديه في يوم واحد أربعة عشر ألف نسمة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: ((يا علي؛ لئن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس))، فاستقر الإسلام ببركته في تلك الديار، وطمست رسوم الكفر والضلال، وكان أكثر تلك النواحي لا يعرف فيها اسم الله، بل هي باقية على الشرك والجاهلية المجوسية. وأتاها عليه السلام وملكها جستان متزوج بجدته فرحض الله ببركته تلك الأدران، ولبست تلك الأراضي ثياب الإيمان، وصارت مستقرّاً للحق ومأوى للأئمة السابقين %، وكان ذلك بحميد سعيه وحسن دعائه عليه السلام فقد كان في نهاية الرفق واللين، حتى عظم تأثيره في الدعاء إلى الله تعالى، وقد شهد لذلك ما رويناه عنه عليه السلام أنه قال في بعض مقاماته وقد دخل آمل وازدحم عليه طبقات الرعية في مجلسه، فقال: أيها الناس؛ إني دخلت بلاد الديلم وهم مشركون يعبدون الشجر والحجر ولا يعرفون خالقاً، ولا يدينون ديناً، فلم أزل أدعوهم إلى الإسلام وأتلطف في العطف بهم حتى دخلوا فيه أرسالاً، وأقبلوا إلي إقبالاً، وظهر لهم الحق وعرفوا التوحيد والعدل، فهدى الله بي منهم زهاء مائتي ألف رجل وامرأة، فهم الآن يتكلمون في التوحيد والعدل مستبصرين، ويناظرون عليهما مجتهدين، ويدعون إليهما محتسبين، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون حدود الصلوات المكتوبات والفرائض المفروضات، وفيهم من لو وجد ألف دينار ملقى على الطريق لم يأخذ ذلك لنفسه، وينصبه على رأس مزراقه ينشده ويعرفه، ثم قاموا بنصرتي وناصبوا آباءهم وأبناءهم وأكابرهم للحرب في هواي واتباع أمري في نصرة الحق وأهله، لا يولي أحد منهم من عدوه ولا يعرف غير الإقدام، فلو لقيت منهم ألف جريح لم تر مجروحاً في قفاه وظهره، وإنما جراحاتهم في وجوههم وأقدامهم، يرون الفرار من الزحف إذا كانوا معي كفراً، والقتل شهادة وغنماً.

ثم قال عليه السلام في آخر خطبته: وأنتم أيضاً معاشر الرعية، فليس عليكم دوني حجاب، ولا على بابي بواب، ولا على رأسي خلق من الزبانية، ولا أحد من أعوان الظلمة، كبيركم أخي وشابكم ولدي، لا آنس إلا بأهل العلم منكم، ولا أستريح إلا إلى مفاوضتكم، فسلوني عن أمر دينكم وما يعنيكم من العلم وتفسير القرآن، فإنا نحن تراجمته وأولى الخلق به، وهو الذي قرن بنا وقرنا به، فقال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) والله ولي توفيقكم لرشدكم، وحسبي الله وحده وعليه توكلت وإليه أنيب.

ومن كلامه عليه السلام وقد كتب إلى بعضهم: ولقد بلغك - أعزك الله ما أدعو وأهدي إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إحياء لما أميت من كتاب الله تعالى، ودفن من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد أن محضت آي التنزيل عارفاً بها، منها تفصيل وتوصيل، ومحكم ومتشابه، ووعد ووعيد، وقصص وأمثال، آخذا باللغة العربية التي بمعرفتها يكون الكمال، مستنبطاً للسنة من معادنها، مستخرجاً للمتكمنات من مكامنها، منيراً لما ادلهم من ظلمها، معلنا لما كتم من مستورها.

وكان عليه السلام في أرفع منزلة من منازل الحلم، فروى مصنف كتاب المسفر: أنه نادى غلاماً له يسمى: حسينا ثلاث مرات فلم يجبه، فلما أطال عليه، قال مجيبا: مزة، أي لا تعش، فقال عليه السلام: مسكين أضجرناه. ونظير ذلك ما روي عن علي بن الحسين عليه السلام أنه دعا غلاماً مراراً فلم يجبه، فلما خرج وجده قاعداً على الباب، فقال: ما منعك أن تجيبني فقال: أمنتك، قال: فخر ساجداً لله يحمد الله تعالى ويشكره، وقال: الحمد لله الذي أمن عباده من شري. ثم قال: اذهب فأنت حر لوجه الله.

وكان عليه السلام خشنا زاهداً ورعاً عابداً مقبلاً بالليل والنهار على طاعة الله وعبادته، وكان ذلك دأبه عليه السلام حتى توفاه الله إلى رضوانه وشريف جنانه.

ومن شعره عليه السلام قوله:
واهًا لنفسـي من خِياري واها...كَلَّفْتُهَا الصَّبرَ على بلواها
وسَوغَ مرِّ الحق مُذْ صِبَاهَا ...... ولا أرى إعطاءها هواها
أريد تبليغاً بها علياها .... في هذه الدنيا وفي أخراها

بِكُلِّ ما أعلَم يُرْضِي الله

وروي أنه عليه السلام قال: ليس لي شبر أرض ولا يكون إن شاء الله، ومهما رأيتموني أقتني ذلك، فاعلموا أني قد خنتكم فيما دعوتكم إليه.

وروي عنه عليه السلام أن بعض عماله ممن رضيه من عمال آل طاهر حمل إليه ذكر أقاليم الأموال المستخرجة من كل واد، فامتنع من أخذها وأمر بإخراجها من البيت، فقال له الرافع: كان آل طاهر عدولاً، والناس بذلك راضون فما عليك في أخذها؟ ومبلغها في غير هذه الرواية ستمائة ألف درهم، فقال: أنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ابن طاهر.

ومن كلامه عليه السلام: أيها الناس اتقوا الله، وكونوا قوامين بالقسط كما أمركم الله، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وجاهدوا - رحمكم الله - في الله حق جهاده، وعادوا الآباء والأبناء والإخوان في الله، فإن هذه الدار دار قلعة، ودار بلغة، ونحن سفر والدار التي خلقنا لها أمامنا، وكأن قد بلغنا إليها ووردناها، فتزودوا من العمل الصالح فإن طريق الجنة خشن، وبالاجتهاد يبلغ إليها، إني لا أغر نفسي ولا أخدعها بالأماني، ولا أطمع أن أنال الجنة بغير عمل، ولا أشك في أن من أساء وظلم منا ضوعف له العذاب، وإنا ولد الرجل الذي دل على الهدى، وأشار إلى أبواب الخير، وشرع هذه الشرائع، وسن هذه السنن والأحكام، فنحن أولى الخلق باتباعه واقتفاء أثره واحتذاء أمثاله والاقتداء به.

وقال عليه السلام:

أرتني أهوال المعاد بصيرتي..... وتصديق وعد الغيب رأي عيان
فأيقنتُ أني بالذي قد كسبته..... مَدين فقلبي دائم الخفقانِ
وأن وعيدَ الله حقٌّ ووعده ..... فمن موبق أو فائز بجنان
فأعلنتُ بالتوحيد والعدل قائلا .... وأظهرت  أحكام   الهدى  ببيان

وكان عليه السلام في الشجاعة وثبات القلب، بحيث لا تهوله الجنود، ولا يروعه العسكر المحشود، يخوض الغمرات ويصرع الكماة ويحطم الوشيج، ويثلم الصفائح، وكم له من مقام هائل فاز فيه بالشرف الطائل، وكان يرد بين الصفين متقلداً مصحفه وسيفه ويقول: قال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي))، ثم يقول: فهذا كتاب الله، وأنا عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أجاب إلى هذا، وإلا فهذا.

ومن شعره عليه السلام:

شيخٌ شَرَى مُهجَتَهُ بالجنه .... واستَنَّ ما كانَ أبوهُ سَنَّه
ولم يزل عِلْمُ الكتابِ فَنَّه .... يُجَاهِدُ الكفارَ والأَظِنَّه

بالمشرفيات وبالأسنه

وقال عليه السلام:

فخشيت أن ألقى الإلهَ وما .... أبليت في أعدائه عُذري
أو أن أموت على الفراش ضنى .... موت النساء أجنُّ في القبر
وعلمت أني لا أزاد بما .... آتي وينقصُ من مدى عمري
فشـريت للرحمن محتسباً .... نفساً لديّ عظيمة القدر
أجري إلى غايات كل علاً .... مثلي إلى أمثالها يجري
لأنال رضوان الإله وما ..... فيه الشفاء لغلة الصدر
في فتية باعوا نفوسهم .... لله بالباقي من الأجر
صبروا على عفر الخدود وما .... لاقوا من البأساء والضـر
يا رب فاحشـر أعظمي ودمي .... من بطن أم فراغل غثر
أو   ثعلب   أو  جوف   ثعلبة ..... أو قصب ذئب أو معا نسـر

وقال عليه السلام متوجعاً لمصائب العترة عليهم السلام:

وبي لأحوال بني المصطفى
عاداهم الخلق فذوا نُسْكهم
في كل أرضٍ منهم طاهرٌ
وميت في الحبس ذو حسـرة
وهالكٌ يُنْدَبُ في أهله
لم ينقموا منهم سوى أنهم
دعوا  إلى   الله   فنجواهم
هَمٌّ له شَفٌّ وتبريحُ
بالهم مغبوق ومصبوحُ
له دمٌ في الناس مسفوحُ
وموثق بالقيد مذبوحُ
أفلت منه وهو مجروح
السادة الطهر المراجيح
في الليل تقديس وتسبيح

وكان عليه السلام معظماً قبل قيامه عند عيون العترة عليهم السلام وأفاضل العلماء رضي الله عنهم لما يعرفونه من سعة علمه وغزارة فهمه، فقد كانت عيون العلماء من أهل كل فن يفضله كل واحد منهم في فنه.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: ورد طبرستان أيام الداعي الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وبقي عنده إلى أن توفي، وولي أخوه محمد بن زيد رضي الله عنهما، وأقام معه، وكانا معظمين له عارفين بفضله وعلمه، ولم يكن يتلبس لهما بعمل ولا يلي من جهتهما شيئاً، وربما كانا يفوضان إليه تفرقة مال العلوية فيهم فيفعل ذلك.

قال عليه السلام: وكان محمد بن زيد يتهمه بأنه منطو على طلب الأمر والدعاء إلى نفسه، مستشعراً للفزع منه لمعرفته بفضله وعلمه، إلا أنه لا يعدل به عن طريقة الإكرام والاحتشام.

وروينا عن الشيخ أبي القاسم البلخي قال: كنا في مجلس الداعي محمد بن زيد بجرجان، وأبو مسلم بن بحر حاضر، وكنا جميعاً ممن يذب عن الناصر الحسن بن علي في تكذيب من ينسب إليه طلبه الأمر، فدخل والتفت إلى أبي مسلم وقال يا أبا مسلم من القائل:

وفتيان صدق كالأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تغشى غياهبُه
لأمر عليهم أن يتم صُدُوره .... وليس عليهم أن تَتِمَّ عواقبُه

قال: فعلم أبو مسلم أنه قد أخطأ في إنشاد ذلك؛ لأنه يستدل به على أنه معتقد للخروج، وإظهار الدعوة، فأطرق كالخجل، وعلمت أنا مثل ما علمه فأطرقت، ففطن الناصر لخطأه فخجل وأطرق ساعة وانصرف.

فلما انصرف التفت الداعي محمد بن زيد إلى أبي مسلم، فقال: يا أبا مسلم، ما الذي أنشده أبو محمد؟ فقال: أنشد أطال الله بقاء الداعي:

إذا نحن أُبْنا سالمين بأنفس
فأنفسنا خير الغنيمة اَنَّها
كرام رَجَت أمرًا فخاب رجآؤُها
تؤوب وفيها مآؤها وحيآؤُها

فقال الداعي محمد بن زيد: أو غير ذلك، إنه يتنسم رائحة الخلافة من جبينه.

وكانت مناقبه عليه السلام الشاهدة بفضله جمة كثيرة. من ذلك ما أخبرني من أثق به من الإخوان كثرهم الله عز وعلا وهو الفقيه الفاضل حمزة بن محمود الجيلاني أيده الله يرويه عن الفقيه نظام الدين أبي الفضل بن فيروز شاه الجيلي @: أنه عليه السلام قصد ذات يوم من الأيام إلى بعض المساجد، وكان منفرداً من الأصحاب، ولم يكن معه شيء من السلاح، فرآه بعض أعدائه فطمع فيه، فعمده فلم يجد عليه السلام شيئا يدافع به عن نفسه، فعمد إلى صخرة صماء فسخرها الله له فقبض منها شيئاً، ورمى به في وجه عدوه وبقيت آثار يده عليه السلام وأصابعه يزار ذلك ويتبرك به.
وأخبرني أنه شاهد ذلك، وقد قصده في صحبة من ذكره من العلماء رضي الله عنهم
وأخبرني من أثق به أيضاً وهو الفقيه الفاضل الحسن بن علي بن الحسن الديلمي البخاري رحمه الله، أن رجلاً كان يحترب في الطرقات، وكان معه كلب قد عوده أنه إذا شاهد من يطمع فيه أرسله فيعمد الكلب إلى موضع العورة من الرجل، ثم يأتي صاحبه وقد كفاه المؤنة فيأخذ ماله، فأقبل الناصر عليه السلام ذات يوم منفرداً، وقعد على غيضه يأكل شيئا من الطعام، فأرسل الرجل كلبه عليه - على جاري العادة فلما وصل الناصر عليه السلام قعد بالقرب منه ولم يتعرض له، ورمى له بشيء من الطعام، وأقبل الرجل فدعا الناصر عليه السلام الله عز وجل أن يسلط عليه الكلب، فسلط عليه فقتله بما جرت العادة بأن يقتل به الناس، وانصرف الكلب مع الناصر عليه السلام وأقام مدة.

وكان ربما يحضر في شيء من الحروب فيؤثر في أعدائه، حتى كان في بعض الأيام، وعمل رجل مأدبة للناصر عليه السلام، فتقدم والكلب خلفه، فلما استقر الطعام بين يدي الناصر عليه السلام نبح الكلب نباحاً عظيماً بخلاف العادة وهم بالطلوع فمنعوه من ذلك، وكانوا قد طلعوا إلى الموضع بسلم، فأمرهم الناصر عليه السلام بأن يخلوا بين الكلب وبين الطلوع، فطلع ووقف بين يدي الناصر عليه السلام وأكل شيئا من الطعام قبل أكل الناصر عليه السلام فمات من حينه، وكان الطعام مسموماً فسلم الناصر عليه السلام وأصحابه.

وأخبرني رحمه الله أيضا: أن الناصر عليه السلام وقف ذات يوم بالقرب من ماء وفيه ضفادع كثيرة وحيات، فخرجت منها ضفدع فقصدتها حية، فدخلت الضفدع خلف الناصر عليه السلام كالمستجيرة به، فدعا الله عز وجل أن يسلط الضفدع على الحية، فاستجاب دعاءه، وعادت الضفدع على الحية فقتلتها.

وحكى لي هذه الحكاية الفقيه الفاضل حمزة بن محمود الجيلاني أيده الله، وقال: وأظن أيضاً أن الفقيه الحسن رحمه الله قال لي: إن ذلك مستمر إلى الآن في ذلك الموضع أن الضفادع تقتل الحيات. وهذه مناقب شريفة تقضي بأنه عليه السلام ذو فضل كثير وحظ وافر عند الله جل وعلا.

ذكر أولاده ووفاته (ع)

أولاده عليه السلام:

أبو الحسن علي الأديب الشاعر، أمه: أم علي بنت عمه. وأبو القاسم جعفر، وأبو الحسين أحمد أمهما: نقش، وكانت نقش هذه جارية أهدتها امرأة جستان إلى الناصر للحق رضي الله عنه، وأم الحسن وهي فاطمة، وأم محمد، ومباركة، وأم إبراهيم، وميمونة. ذكره السيد أبو طالب عليه السلام.

ذكر قيامه، ونبذ من سيرته، ومدة ولايته، وموضع حفرته عليه السلام

كان عليه السلام مع محمد بن زيد إلى أن قتل محمد بن زيد رحمه الله بجرجان، وقد كان حضر معه الوقعة، فانهزم في جملة المنهزمين، وامتد إلى الري على طريق الدامغان وحصل بها في دار محمد بن الحسن بن محمد بن جعفر الحسيني واتصل بجستان ملك الديلم خبره، وكانت بينهما مودة من أيام محمد بن زيد رحمه الله، وكاتبه وسأله الخروج إليه ليبايعه، ووعده بأنه يتوب ويقلع عن المعاصي ولا يخالفه في شيء، فامتنع أولاً، وكاتبه بأنه لا يثق بوعده وليس يأمن أن لا يفي بما يعد به، فجعله على ثقة من ذلك بأيمان بذلها له، فخرج إليه ومعه أولاده: ابنه الأكبر أبو الحسن علي الأديب الشاعر، وأبو القاسم وأبو الحسين، فأكرمه إلا أنه أخلف ما بذل له على لسانه من ترك المعاصي وتقديم أمره في الخروج، وكان يدافعه ويمنيه، وطال مقامه إلى أن تهيأ له الخروج من عنده، فخرج إلى سهل الديلم وعرض الإسلام على من بقي منهم على الكفر، ثم خرج إلى جيلان، وابتدأ يعرض الإسلام على الجيل الذين هم على جانب الديلم من طرف الوادي المعروف (بأسفنذروا) وهم كفار، فأسلموا كلهم على يديه وطهروا، وذلك في سنة سبع وثمانين بعد ظهور الهادي باليمن لسبع سنين، وأقام على هذه الجملة بالجيل والديلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأزال الرسوم الجائرة التي وضعها (آل وهسوذان) على الديلم، واستنقذهم مما كانوا فيه من الضيم في الأنفس والأولاد والأموال، ووقعت له حروب مرة بعد أخرى مع جستان، فكانت الدائرة على جستان، وزال سلطان جستان عن سهل الديلم جملة وانحسم طمعه عنها، وتخلص المسلمون من قبيح ظلمه لهم وحكمه في أهاليهم وأولادهم واسترقاقه لهم ببركة دعوته عليه السلام، وقد كان قبل مفارقته له أحوج إلى مساعدته على ورود باب (آمل) لحرب الخراسانية، وقد كان جستان أظهر أن الأمر له وسار تحت رايته فزعاً من الخراسانية وقصدهم إياه، ولم يكن الناصر رضي الله عنه يثق بوفائه، ويعلم أنه إن ظهر عاد إلى عادته فلم يتشدد في الحرب، ولم يثبت ثبات مثله. وصارت الغلبة للخراسانية، وانهزم الناصر عليه السلام وجستان وعاد الناصر إلى موضعه.

وكان يقيم تارة (بهوسم) فيراعي أمر الجيل، وتارة (بكيلاكجان) فيراعي أمر الديلم، وأحوج جستان آخراً إلى أن بايعه، وحلف له بالأيمان المغلظة أنه لا يخالفه، ووفى بذلك وصار من أتباعه، وامتد مقامه هناك أربع عشرة سنة، واتصل بأحمد بن إسماعيل خبره في قوته وظهوره، واجتماع الجيل والديلم على طاعته، وأنه يريد قصد طبرستان، فوجه إلى آمل عساكر جمة، وكتب إلى محمد بن علي المعروف بصعلوك بورود آمل من الري ومحاربته، فورد وبلغ عدد الجماعة أكثر من ثلاثين ألفاً، وانضم إليهم من أهل آمل وحشومهم وطغامهم عدد كثير وكانوا في كل يوم يركبون في المراكب على طريقة الغزاة، ويستنفرون إلى حربه عليه السلام وكثير من قصاصهم يفتون بذلك.

وروينا عن السيد أبي طالب عليه السلام من أماليه [١٣٣]، رواه عن المعروف بأبي بكر محمد بن موسى البخاري قال: دخلت على الحسين بن علي الآملي المحدث، وكان في الوقت الذي كان الناصر للحق الحسن بن علي عليه السلام في بلاد الديلم بعد، وقد احتشد لفتح آمل وورودها، والحسين بن علي هذا يفتي العوام بأنه يلزمهم قتال الناصر للحق عليه السلام، ويستنفرهم لحربه، ومعاونة الخراسانية على قصده، وزعم أنه جهاد ويأمرهم بالتجهيز وعقد المراكب كما تفعل الغزاة.

قال: فوجدته مغتماً، فقلت له: أيها الأستاذ، مالي أراك مغتماً حزيناً؟ فألقى إلي كتاباً ورد عليه وقال: اقرأه، فإذا هو كتاب الناصر للحق عليه السلام، وفيه:

يا أبا علي، نحن وإياكم خلف لسلف، ومن سبيل الخلف اتباع السلف والاقتداء بهم، ومن سلفكم الذين تقتدون بهم من الصحابة عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمه وأسامة بن زيد، وهؤلاء لم يقاتلوا معاوية مع علي بن أبي طالب عليه السلام مع تفضيلهم عليا عليه السلام تأولاً منهم أنهم لا يقاتلون أهل الشهادتين، فأنت يا أبا علي على سبيلك أن تقتدي بهم ولا تخالفهم وتنزلني منزلة معاوية على رأيك، وتنزل عدوي هذا ابن نوح منزلة علي بن أبي طالب، فلا تقاتلني كما لم يقاتل سلفك معاوية، وتخل بيني وبينه كما خلى سلفك بينهما، فتكف عن قتال أهل الشهادتين كما كف سلفك، وتجنب مخالفة أئمتك الذين يقتدى بهم، ولا سيما فيما يتعلق بإراقة الدماء فافهم يا أبا علي ما ذكرت لك فإنه محض الإنصاف.

قال: فقلت له: لقد أنصفك الرجل أيها الأستاذ فلم تكرهه؟ فقال: نكرهه؛ لأنه يحسن أن يورد مثل هذه الحجة، ولأنه لا يرد إلا متقلداً مصحفه وسيفه، ويقول: قال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي))، فهذا هو كتاب الله أكبر الثقلين، وأنا عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد الثقلين، ثم يفتي ويناظر ولا يحتاج إلى أحد، أما سمعت ما قاله في قصيدة له؟ قال - وأنشد هذا البيت من القصيدة:

تداعا لقتل بني المصطفىذوو الحشو منها و مُرّاقها

رجعنا إلى تمام الرواية المتقدمة عن السيد أبي طالب عليه السلام، قال عليه السلام: وخرجوا بأجمعهم إلى (شالوس)، وأقبل الناصر عليه السلام بعسكره من الجيل والديلم، ولم يكن لهم من آلات الحرب ما كان للخراسانية، والتقوا في موضع بين (وارفوا) و(شالوس) يعرف (بتورود) على ساحل البحر، ووقع القتال هنالك فأوقع رضي الله عنه بالخراسانية، ومنحه الله أكتافهم ونصره عليهم، فانهزموا أقبح هزيمة وقتلوا شر قتل، فبلغ عدد المقتولين نحو عشرين ألفاً من بين مقتول بالسلاح وغريق في البحر، كانوا إذا أقبلوا إلى الظهر أخذتهم الرايات، وإذا ولوا واقتحموا البحر غرقوا، وتحصن منهم نحو خمسة آلاف رجل في قلعة شالوس مع أمير لهم يعرف بأبي الوفاء، واستأمنوا منه عليه السلام فأمنهم، وكان الظفر يوم الأحد في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثمائة، ورحل بجيشه متوجها إلى آمل، وقد كان استقبله مشائخها وفقهاؤها وأماثلها إلى شالوس وهم على فزع منه لما كانوا أقدموا عليه، واعتذروا إليه من فعل عوامهم فقبل عليه السلام عذرهم، وقرب الفقهاء منهم وأدنى مجلسهم وتوفر عليهم، ورحل من هناك إلى آمل، فدخلها سنة إحدى وثلاثمائة.

وكان الداعي الحسن بن القاسم رضي الله عنه صاحب جيشه، وكان يقدم في وقت القتال ويعد عنه متتبعاً آثار المنهزمين وجاوز شالوس، ثم عاد ليلحق الناصر رضي الله عنه فلما انتهى إلى قلعة شالوس رأى هؤلاء المستأمنين وقد نزلوا من القلعة، فسأل عنهم فقيل: إن الناصر أمنهم، فقال: لم أسمع من الناصر ذلك ولم يصح عندي، وأمر بوضع الرايات فيهم، فقتلوا عن آخرهم. وذكر بعضهم أن القتل كان يدنو من أربعين ألفاً.

وفي الرواية أنه في ذلك اليوم لما اشتد القتال نزل بين الصفين بحيث كانت تصله النبل ودونها، قيل: إنه قيد رمحين، فصلى ركعتين وأخذ من موضع سجوده تراباً ثم ركب فرسه ورمى بالتراب الذي في يده في وجوه أعدائه، (وقال: شاهت الوجوه)، فانهزموا عند ذلك، فأعجب من ثباته ومن كرامته على الله في إجابة دعائه.

ولما دخل الناصر عليه السلام آمل امتد إلى الجامع وصعد إلى المنبر، وخطب خطبة بليغة ووعظ الناس فيها، ثم عنف أهل البلد على ما كان منهم من مطابقتهم لأعدائه ومعاونتهم وخروجهم عليه ووبخهم، ثم عرفهم أنه قد عفا عنهم وأضرب عن جنايتهم، وأمن كبيرهم وصغيرهم، ثم نزل دار الإمارة التي كانت لمحمد بن زيد الداعي رحمة الله عليه.

وبايعه فقهاء البلد ومشائخها ومنهم من بايعه بشالوس، وتمكن من طبرستان كلها من شالوس إلى سارية وأعمالها، ومن (الرويان وكلار) وما يتصل بها، ورتب العمال في هذه البلدان والنواحي، وولى القضاء زيد بن صالح الحسني، وكان ينظر في الأمور بنفسه، وبسط العدل ورفع رسوم الجور وعقد مجالس النظر، وكان الفقهاء يحضرونه ويكلمونه في المسائل ويكلمهم ويناظرهم.

وكان الداعي الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبدالرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام صاحب جيشه، والمستولي على الأمر؛ لشهامته وحسن بلائه بين يديه وورعه ودينه، ولأنه لم يكن في أولاده من يعتمد للولاية؛ لأن أبا الحسن كان مع فضله في الأدب على غير طريقة السداد.

وكان الناصر رضي الله عنه معرضاً عنه منكراً عليه، وأبو القاسم وأبو الحسين كانا صغيرين، فلما ترعرعا كان يستعين بهما فيما يجوز أن يستعان فيه الشباب، فينفذهما في بعض السرايا ويوليهما بعض الجيوش، ولما فتح آمل ودخلها وولى أبا القاسم سارية ووقع بينه وبين الداعي تنافر ونزاع، وطال الخطب في ذلك.

ولما أوقع الناصر عليه السلام وأنفذ على مقدمته ابنه أبا القاسم إلى آمل، وكان الداعي رضي الله عنه يطمع في أن يختار للتقدم، فاستوحش من ذلك ولم يظهره، وكان هذا أول نفور عنه سرّاً، فقد كان منه رضي الله عنه أثر ظاهر جميل في تحمل المبارزة بنفسه، والتقدم إلى حيث لم يتقدم أحد.

وكان أصحاب الناصر الذين هم أهل الدين والورع مثل أبي محمد عبد الله بن أحمد بن سلام رحمه الله، ومن دونه يميلون إلى الداعي رضي الله عنه؛ لدينه وورعه واستقامة طريقته، وينحرفون عن أولاد الناصرعليه السلام؛ لسلوكهم لطريقة غير مرضية في الباطن.

واستوحش الداعي ونفر عن الناصر لمكان أولاده فأدى ذلك النفار إلى الهفوة التي اتفقت منه في القبض عليه، وإنفاذه إلى قلعة اللارز، وقد ذكر من اعتذر عنه أنه كان كارها لما جرى، وأن الإقدام على ذلك بدر من سفهاء الجيل والديلم الذين كانوا وردوا في صحبة الداعي رضي الله عنه، وكان ليلى بن النعمان قدمه الناصر عليه السلام إلى ناحية جرجان مع عسكر كثيف، فاتصل الخبر به وهو بسارية فانصرف بجيشه، ودخل على الداعي في مضربه، وقال: ماذا صنعت بأبينا؟ يعني الناصر، أهذا حقه عليك وعلى الجماعة؟ فقال: إنه لم يفرج عن المال ولم يطعم العساكر ما لا بد لهم من الخبز، فقال له: والأب إذا لم يطعم الخبز يحبس؟ ثم ركب وعدل برايته إلى جانب وصاح من كان متبعاً للحق مريداً له فليعدل إلى هذه الراية، وكان أصحاب الداعي قد ندموا على ما بدر منهم إلا عدد يسير هم خواصه، فعدل الجيش كلهم إلا هذه الطائفة، ففزع الداعي حينئذ فقال له: هات خاتمك، فأخرجه من يده وسلمه إليه، فأنفذه للوقت مع جماعة من الثقات لإخراجه من القلعة ورده، وهرب الداعي في الوقت مع نفر من أصحابه إلى الديلم.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: حدثني أبي رحمه الله بهذه الجملة، قال: وحدثني بأنه شاهده عليه السلام حين رد من القلعة يوم دخوله آمل، وقد استقبله أهل البلد صغيرهم وكبيرهم وكان على بغلة، فكاد الناس يقلعون بغلته من الأرض لازدحامهم عليه وخدمتهم له، ورأيته وهو يدفع الناس عنه بطرف مقرعته إذا تكابسوا عليه تمسحاً به وتقبيلاً لرجله حتى كادوا يزيلونه عن المركوب يشير بها وينحيهم عنه.

ثم اتصل به بعد ذلك عليه السلام ما عزم عليه أحمد بن إسماعيل والي خراسان من بروزه من بخارى بجيشه وقضه وقضيضه قاصداً طبرستان، ومتوجها إلى حربه وأظهر أنه يخربها ولا يبقي في الديلم شجرة إلا قلعها لما جرى على عسكره، واشتغل قلبه وقلوب أوليائه بذلك اشتغالاً عظيماً، فلما كان ذات يوم من الأيام خرج إلى مجلسه، وقال: قد كفيتم أمر هذا الرجل فقد وجهت إليه جيشاً يكتفى بهم في دفعه، فقالوا: أيها الإمام ومن أين هذا الجيش؟ ومتى أنفذته؟ فقال: صليت البارحة ركعتين ودعوت الله عليه، فلما كان بعد أيام ورد الخبر بأن غلمانه قتلوه، وكفي رضي الله عنه أمره.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: هذه حكاية معروفة مشهورة قد حدثني بها غير واحد من الثقات.

وللناصر عليه السلام أشعار كثيرة منها قوله في قصيدة أولها:

لهفان جم وساوس الفكر
يدعو العباد لرشدهم وكأن ما
مترادف الأحزان ذو جرع
متنفس كالكير ألهبه
أضحى العدو عليه مجتهدا
مـتبرم     بحيـاته     قـلـقٌ
بين الغياض فساحل البحر
ضربوا على الآذان بالوقر
مر مذاقتهن كالصَّبِرِ
نفخ القيون وواقد الجمر
ووليه متخاذل النصـر
قد مل صحبة أهل ذا الدهر

وقال عليه السلام أيام ترشحه للقيام ودعائه سرّاً:

عهود الصبا سَقْيا لَكُنَّ عهودا
لقد حل مغناكُنَّ حلم وشيبة
فتى غادرت منه الخطوب بغشمها
إذا ساورته الفاتنات من الهوى
ترى الناس يخفون الكلام تحفظا
تباعد منه المخلصون ذووا التقى
عجبت لمن كان النبي وصهره
يرى من خلاف الناس لله ما يرى
محلين لا يرعون لله حرمة
لقد أُسمِع الآي المفصل من له
أمُخترمي ريبُ المنون ولم أقُد
ولم أُخضب المرّان من قاني الكلى
بكل فتى كالسيف أخرَق في العدى
يرى الموت حتف الأنف عارًا وسُبة
إلى  أن  أرى  إثر   المحلِّين   قد  عفا
وإن كان إسعافي لَكُنّ زهيدا
يرى هديها عن عهدكُنّ بعيدا
طبيباً لأدواء الخطوب جليدا
تبلّج غلاّبًا لهنّ حميدا
إذا ما رأوه أو يكون رشيدا
وأصبح بين المفسدين فريدا
وفاطمُ آباءً له وجدودا
فيغضـي عليه أو يطيق قعودا
صدوداً ولا يخشون منه صدودا
مسامعَ وعدًا صادقًا ووعيدا
خيولاً إلى أعدائنا وجنودا
وأترك منه في القلوب فصيدا
وإن كان في ذات الإله مجيدا
وفخراً وأجراً أن يموت شهيدا
وقائم   زرع   القاسطين  حصيدا

وله عليه السلام من قصيدة طويلة قوله:

فاجهد لكل الذي يرضى الإله به
فأنت من دوحة زيتونة وقدت
نور إذا غشـي الأنوار مشـرقه
نور يقل بهذا الناس عارفه
أتى لشعيانه في سفره وأتى
محمد وعَليّ والبتول ومن
وعترة المصطفى بالرس عنصرنا
أشكو إلى الله أن الحق مُتَّرَكٌ
وأن حكم كتاب الله مطرح
وأن ذا اليتم والمسكين بينهم
وأن من نصـر الشيطان متبع
وأن أمتنا أبدت عداوتنا
إذا   ذكرنا    بعلم      أو       بعارفة
وحبل عمرك بالإمهال موصولُ
فيها لنور إله الخلق تمثيلُ
أضحى لها فيه تغسيقٌ وتأفيلُ
له لدى علماء الحق تأويلُ
بذكر أوصافه موسى وحزقيلُ
قد كان يأتيهم بالوحي جبريلُ
الطاهرون المقاديس البهاليلُ
بين العباد وأن الشـر مقبولُ
وحكم من خالف القرآن معمولُ
بمزجر الكلب مبهول ومعتولُ
وأن من نصـر الرحمن مخذول
أن خصَّنا من عطاء الله تفضيل
صاروا كأنَّهمُ  من  غيظهم   حُوْلُ

ومنها قوله:

وإن عترة خير الخلق بينهم
في كل يوم لهم وتر ومظلمة
فاجهد  وجاهد  ولاة الجور  محتسبا
مبغَّضُون فمطرودٌ ومقتولُ
وسابح من دماء الطهر مطلول
فقد فشا الشـرك   فيهم  والأضاليلُ

ومنها قوله:

بكل مضطلع مرحان ذي تلع
وكل أبيض مثل النور ملتهبٍ
وكل لدن من الخَطِّي معتدل
وكل معطوفة زوراء عاتكة
بكف كل نطاسيٍّ بشكَّتِهِ
وكل ذي غضب لله ملتهب
في فتية قد شروا لله أنفسهم
رأوا بعين الهدى ما قد يكون غدا
وأيقنوا أن من يعصـي يكون له
فولوا السيف والقرآن حكمهم
حتى ترى  الحق  قد قامت  قوائمه
يزينه غرة منه وتحجيل
في غربه من قراع الهام تفليل
كأن عامله بالليل قنديل
لها حنين كما حن المطافيل
فيه لما اعوج تثقيف وتعديل
في روضة للعصاة الشمس تذليل
فكلما حملوا لله محمول
فمنهم بوعيد الله مشغول
في جاحم النار تخليدٌ وتغليل
فما أتاهم به القرآن معمول
لأهله     فيه          تكبير     وتَهليل

وقالعليه السلام:

حسبي من البيض الملا
عضبٌ إذا عدِمَ الكَميـْ
وكأن جرى في جسمه
لَدْنٌ يهز الكف مثـ
عن غير ما خفرٍ ولـ
فبمثله يأبى الكريـ
وأنا امرؤ عند احتدا
وإذا تداين معشـر
فإذا تكلم واعظًا
تلقى غواشيه إذا
ما إن يُفَارقْ خَيمه
شهدت له أفعاله
ذو منصب ناء عن ال
ومؤمِّل ذي نخوة
من   شأنه     قصع     الكُما
ح عناقُ سيفي واحتضانُه
ـيُ الرفق ينفعني أمانُه
من بعد تصفية دخانُه
ـل النون أسلمه مكانه
ـكن الشـرى هذا أوانه
ـم الشهم ما فيه هوانه
م الموت ينجيني جرانه
يجدونه وخِمًا ديانُه
فكفاك من عظة بيانُه
طرقوه مُترعة جِفَانُه
في كل ما أبلى زمانه
أن لم يقل كذباً لسانُه
أدناس يغنيني صيانُه
في الحرب جم خُنْزُوانُه
ة لدى الوغى رَعِفٌ سِنَانُه

وكان عليه السلام حلو المفاكهة طريف الممازحة يتصرف في مجلسه في أنواع العلوم من الكلام والفقه ورواية الآثار وإنشاد الأشعار للقدماء والمحدثين والحكايات المفيدة.

ومن طرفه في هذا الباب ما رواه السيد أبو طالب عن أبيه رضي الله عنهما قال كان رضي الله عنه محروراً شديد الحرارة، تستولي عليه الحمى إذا تكلم، فكان يوضع بين يديه كوز فيه ماء بارد، ويتجرع منه في الوقت بعد الوقت إذا تكلم كثيراً وناظر في خلال مناظرته، وكان بآمل شيخ هِمٌّ من العراقيين يعرف بأبي عبد الله محمد بن عمرو وكان يكلمه عليه السلام في مسألة، فكان يترشش من فيه لعاب يصيب الكوز منه كما يتفق مثله من المشائخ، فأخذ الناصر دفتراً كان بين يديه ووضعه على رأس الكوز، فاتفق أن هذا الشيخ وهو في هزازة وحدة مناظرته ولع بأخذ ذلك الدفتر عن رأس الكوز من غير قصد، ولكن كما يتفق من الإنسان أن يولع بشيء من ضجره واحتداده وفعل ذلك مرتين، وكان الناصر يكلمه وكلما رفعه عن رأس الكوز يعيده إليه فلما رفعه الرفعة الثالثة أعاده الناصر، ثم التفت إليه فقال: يا هذا ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4]، إلى غير ذلك مما روي عنه.

ولم يزل عليه السلام جاداً مجتهداً في نشر العلم والعمل حتى حانت وفاته عليه السلام، فاستؤمر فيمن يقوم مقامه إذا حدث به قضاء الله عز وجل، وسأله بعضهم أن يعهد إلى بعض أولاده فقال عليه السلام: وددت أن يكون فيهم من يصلح لذلك ولكن لا أستحل في ما بيني وبين الله عز وجل أن أولي أحداً منهم أمر المسلمين، ثم قال: الحسن بن القاسم أحق بالقيام بهذا الأمر من أولادي وأصلح له منهم؛ فردوه وقد كان في الديلم ولم يمنعه ما كان أسلفه عنده من إيثار الحق في المشورة به. ثم توفي عليه السلام بآمل في ليلة الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة أربع وثلاثمائة، وله أربع وسبعون سنة، ودفن عليه السلام يوم الجمعة، وكان من آخر شعره عليه السلام قصيدة أولها:

أنافَ على السبعين ذا الحول رابعُ
وصرتُ أبا جُدٍّ تقوِّمني العصا
ولا بدّ لي أني إلى الله راجعُ
أدب كأني كلما قمت راكعُ

وكانت مدة ظهوره بآمل ثلاث سنين وأشهراً، ودفن بها ومشهده معروف مزور.

وذكر بعض من صنف في أخباره عليه السلام أنه كان في الليلة التي توفي فيها يشاهد نور ساطع من الدار التي هو فيها إلى عنان السماء، وأنه يستضيء بذلك النور من بعد عن الدار، فلم يزل كذلك حتى انقطع النور فجاء من شاهده وقد توفي عليه السلام.

وروي أنه عليه السلام في مرضه كان لا تفوته صلاة بوضوء إلى أن أثقل، فكان يومئ إلى الوضوء بيده فيوضؤونه، ويأخذ في الصلاة حتى فاضت نفسه وهو ساجد.

وروي أنه في ليلته التي توفي فيها استعر به المرض فأخر المغرب والعشاء الآخرة إلى قرب السحر ثم صلاهما، فلما فرغ منها فاضت نفسه.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وقدم الداعي عليه السلام آمل في شهر رمضان يوم الثلاثاء لأربع عشرة خلت منه، فبدأ بقبر الناصر للحق عليه السلام، ومعه أولاده أبو الحسن وأبو القاسم وأبو الحسين فألصق خده بالقبر وهو يبكي، فقام أبو الحسن ابنه وأنشأ قصيدة في مرثيته:

أيحسُنُ بي أن لا أموت ولا أضنىوقد فقدت عيناي من حَسَنٍ حُسنا

وقصيدة أخرى أولها:

دم الجوف يجري في الحشا متصعدافينهل دمعاً صافيا متبدِّدا

وبويع للداعي رضي الله عنه في ثانيه وهو يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر رمضان فأظهر حسن السيرة في الأمور كلها في بسط العدل والإحسان إلى الأشراف وأهل العلم على طبقاتهم وتسويغ خراجهم، والتشدد على أهل العيث والفساد ما يضرب به المثل إلى الآن بطبرستان، فيقال: عدل الداعي.

وكانت له حروب مشهورة، ووقائع معروفة مع ولدي الناصر رضي الله عنه، ومع مسودة الخراسانية، وخطب له بنيسابور ونواحيها ليلى بن النعمان مدة، وخطب أيضاً بالري ونواحيها أياماً، وبقي على أمره بعد الناصر رضي الله عنه اثني عشرة سنة وأشهراً.

واستشهد: سنة ست عشرة وثلاثمائة، في يوم الثلاثاء بعد العصر لثلاث بقين من شهر رمضان، وقد بلغ من عمره اثنتين وخمسين سنة.

قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة

هو: أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .

أحساب وافرة ووجوه ناضرة، وآباء أخيار أفاضل أبرار، يستشفى بيمن بركتهم من عوارض الأسقام، ويستدفع بهم طوارق الليالي والأيام، ولم لا!! وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((عند ذكر الصالحين تنزل البركة)) فإذا كان هذا في الصالحين عموماً فكيف بسفن النجاة، وماء الحياة من عترة النبي الأواه، ولله القائل:

قوم بهم وبجدهم ……نرجو النجاةَ مع النجاحِ
وصلوا السيوف بخطوهم …… فإذا الممنع كالمباح
جبريل     خادم     جدهم …… أولاد حيَّ على الفلاح

وأمه عليه السلام: حبيب أم ولد مجلوبة من خراسان، ولد بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

صفته (ع)

قال السيد أبو طالب عليه السلام: كان عليه السلام طويل القامة، يضرب إلى الأدمة، به طرش من ضربة أصابت أذنه بحادثة اتفقت عليه بنيسابور أو بناحية جرجان فقد اختلفت الرواية، فقيل: إنه خرج إلى نيسابور في أيام المعروف بمحمد بن عبد الله السجستاني طامعاً في أن يتمكن بها من الدعاء إلى نفسه، فتوفر عليه السجستاني وأكرمه. وشرع في الدعوة سراً، وأجابه مع كثير من قواده وغيرهم.

وذكر بعض من صنف أخباره أن ذلك في ناحية جرجان لما وردها السجستاني وانحاز عنها الحسن بن زيد، أحوج عليه السلام إلى الإقامة هناك، فسعى به بعض من كان وقف على أمره، فأخذه واعتقله وضربه بالسياط ضرباً عظيماً، ووقع سوط في أذنيه؛ فأصابه منه طرش، واستقصى عليه في أن يعترف بما كان منه، ويعرفه أسامي أصحابه فثبت على الإنكار، ثم أفرج عنه.

وقيل: إن محمد بن زيد كاتبه في معناه، والتمس منه تخلية سبيله فعاد إلى جرجان.

وقيل: إنه تخلص بخروج السجستاني من جرجان وهذا قول من ذكر أن النكبة اتفقت عليه بناحية جرجان، وكان السجستاني حين ضربه حبسه في بيت الشراب، وفيه زقاق فيها خمر؛ لأنه علم أنه يشتد عليه مقاربة موضع فيه خمر، وكان الناصر عليه السلام يقول: قويت برائحة تلك الخمور، فقيل له: أيها الإمام؛ لو أكرهت على شربها ما الذي كنت تصنع؟ فقال: كنت أنتفع بذلك ويكون الوزر على المكره! وهذا من مليح نوادره ومزاحه الذي لا يجاوز الحق.

ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)

كان عليه السلام جامعاً لخصال الكمال، فائزاً بمحاسن الخلال، قد تسنم ذروة الشرف العلية، وخيم في عوالي رتب المجد السنية، وفيه ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه بعض علمائنا رحمهم الله تعالى أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله أنس عن علامات الساعة؟ قال: ((من علاماتها خروج الشيخ الأصم من ولد أخي مع قوم شعورهم كشعور النساء بأيديهم المزاريق)) وهذه كانت صفته عليه السلام وصفة أصحابه.

وفيه ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته أنه قال: يخرج من نحو الديلم من جبال طبرستان فتى صبيح الوجه يسمى باسم فرخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأكبر، يعني الحسن بن علي ’.

وفي الخبر لما أغرق الله تعالى الأرض لم يصب جبال الديلم الغرق، فسألت الملآئكة عليهم السلام ربها عن ذلك؟ فقال: (إنه يخرج فيها رجل من ولد النبي الأمي).

وكان عليه السلام قد نشأ على طريقة سلفه الأكرمين سلام الله عليهم أجمعين، جامعاً بين العلم والعمل، وبرز في فنون العلم حتى كان في كل واحد منها سابقاً لا يجارى، وفاضلاً لا يبارى.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وكان له عليه السلام مجلس للنظر، ومجلس لإملاء الحديث، وكان يركب إلى طرف البلد، ويضرب بالصولجان للرياضة، فإذا ركب اجتمع فقهاء البلد وأهل العلم كلهم إلى المصلى وجلسوا فيه، فإذا فرغ من ذلك عدل إليهم عليه السلام وجلس وأملى الحديث، وكان يحضر جنائز الأشراف وكبار الفقهاء بنفسه.

وحكي أنه عليه السلام حضر لمعزى بعض الأشراف، فلما سمع البكاء من داره قال: هذا الميت الذي يبكى عليه مات حتف أنفه على فراشه وبين أهله وعشيرته، وإنما الأسف على أولئك النفوس الطاهرة التي قتلت تحت أديم السماء، وفرق بين الأجساد والرؤوس وعلى الذين قتلوا في الحبوس، وفي القيود والكبول. وخطب في هذا المعنى خطبة حسنة، وقال: آهـ آهـ في النفس حزازات لم يشفها قتلى بورود.. يعني: الخراسانية الذين قتلوا في ذلك المكان حين هزمهم.

وكان القاضي أبو عبد الله الوليدي يلزم مجلسه ويعلق جميع ما يسمعه، مما يتصل بالعلم والأدب ويتعلق بضرب من الفائدة فجمع كتاباً سماه ألفاظ الناصر.

وله عليه السلام تصانيف مفيدة في أنواع العلم، منها: كتاب البساط، وكتاب في التفسير احتج فيه بألف بيت من الشعر، وله كتاب الحجج الواضحة بالدلائل الراجحة في الإمامة على طريقة الزيدية، وفيه دلائل حسنة على إمامة أمير المؤمنين، وله كتاب الأمالي في الأخبار ضمنه من فضائل العترة % كثيراً، وعدة كتبه أربعة عشر كتاباً وكل ذلك معروف مشهور.

وله عليه السلام فقه واسع، وفي فقهه كتاب الحاصر لفقه الناصر للسيد المؤيد بالله قدس الله روحه، وكتاب الناظم للسيد أبي طالب عليه السلام، وكتاب الموجز للشيخ أبي القاسم البستي رحمه الله، وكتاب الإبانة في فقهه مشروح بأربعة كتب مجلدة كبار للشيخ العالم أبي جعفر محمد بن يعقوب الهوسمي @، وجميع أهل الجيل من الزيدية كلهم على مذهبه عليه السلام في الفروع.

وكان عليه السلام جامعاً لفنون العلم من أصول الدين وفروعه ومعقوله ومسموعه، رواية للآثار، عارفاً بالأخبار، ضارباً في علم الأدب بأقوى سبب.

وكان عليه السلام قد قرأ من كتب الله عز وجل ستة عشر كتاباً، منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وباقيها من الصحف.

وكان عليه السلام يقول: حفظت من كتب الله عز وجل ثلاثة عشر كتاباً، فما انتفعت منها كانتفاعي بكتابين، أحدهما: الفرقان لما فيه من التسلية لنبيئنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما كابده السلف الصالحون من الأنبياء المتقدمين والرسل الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، والثاني: كتاب دانيال النبي عليه السلام؛ لما فيه أن الشيخ الأصم يخرج في بلد يقال لها: ديلمان، ويكابد من أصحابه وأعدائه جميعاً ما لا يقادر قدره ولكن عاقبته محمودة. وهذا يشهد بشرفه عليه السلام العظيم وفضله الجسيم، حيث ذكره الله تعالى في كتاب دانيال صلى الله عليه وعلى سائر أنبيائه، ويحق له عليه السلام أن يكون كذلك، فإنه انتشر على يديه من الإسلام في تلك الجهات ما شهرته تغني عن ذكره، وقد قيل: إن الذي أسلم على يديه مائتا ألف، وقيل: ألف ألف نسمة.

وروى الشيخ أبو القاسم البستي: أنه أسلم على يديه في يوم واحد أربعة عشر ألف نسمة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: ((يا علي؛ لئن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس))، فاستقر الإسلام ببركته في تلك الديار، وطمست رسوم الكفر والضلال، وكان أكثر تلك النواحي لا يعرف فيها اسم الله، بل هي باقية على الشرك والجاهلية المجوسية. وأتاها عليه السلام وملكها جستان متزوج بجدته فرحض الله ببركته تلك الأدران، ولبست تلك الأراضي ثياب الإيمان، وصارت مستقرّاً للحق ومأوى للأئمة السابقين %، وكان ذلك بحميد سعيه وحسن دعائه عليه السلام فقد كان في نهاية الرفق واللين، حتى عظم تأثيره في الدعاء إلى الله تعالى، وقد شهد لذلك ما رويناه عنه عليه السلام أنه قال في بعض مقاماته وقد دخل آمل وازدحم عليه طبقات الرعية في مجلسه، فقال: أيها الناس؛ إني دخلت بلاد الديلم وهم مشركون يعبدون الشجر والحجر ولا يعرفون خالقاً، ولا يدينون ديناً، فلم أزل أدعوهم إلى الإسلام وأتلطف في العطف بهم حتى دخلوا فيه أرسالاً، وأقبلوا إلي إقبالاً، وظهر لهم الحق وعرفوا التوحيد والعدل، فهدى الله بي منهم زهاء مائتي ألف رجل وامرأة، فهم الآن يتكلمون في التوحيد والعدل مستبصرين، ويناظرون عليهما مجتهدين، ويدعون إليهما محتسبين، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون حدود الصلوات المكتوبات والفرائض المفروضات، وفيهم من لو وجد ألف دينار ملقى على الطريق لم يأخذ ذلك لنفسه، وينصبه على رأس مزراقه ينشده ويعرفه، ثم قاموا بنصرتي وناصبوا آباءهم وأبناءهم وأكابرهم للحرب في هواي واتباع أمري في نصرة الحق وأهله، لا يولي أحد منهم من عدوه ولا يعرف غير الإقدام، فلو لقيت منهم ألف جريح لم تر مجروحاً في قفاه وظهره، وإنما جراحاتهم في وجوههم وأقدامهم، يرون الفرار من الزحف إذا كانوا معي كفراً، والقتل شهادة وغنماً.

ثم قال عليه السلام في آخر خطبته: وأنتم أيضاً معاشر الرعية، فليس عليكم دوني حجاب، ولا على بابي بواب، ولا على رأسي خلق من الزبانية، ولا أحد من أعوان الظلمة، كبيركم أخي وشابكم ولدي، لا آنس إلا بأهل العلم منكم، ولا أستريح إلا إلى مفاوضتكم، فسلوني عن أمر دينكم وما يعنيكم من العلم وتفسير القرآن، فإنا نحن تراجمته وأولى الخلق به، وهو الذي قرن بنا وقرنا به، فقال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) والله ولي توفيقكم لرشدكم، وحسبي الله وحده وعليه توكلت وإليه أنيب.

ومن كلامه عليه السلام وقد كتب إلى بعضهم: ولقد بلغك - أعزك الله ما أدعو وأهدي إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إحياء لما أميت من كتاب الله تعالى، ودفن من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد أن محضت آي التنزيل عارفاً بها، منها تفصيل وتوصيل، ومحكم ومتشابه، ووعد ووعيد، وقصص وأمثال، آخذا باللغة العربية التي بمعرفتها يكون الكمال، مستنبطاً للسنة من معادنها، مستخرجاً للمتكمنات من مكامنها، منيراً لما ادلهم من ظلمها، معلنا لما كتم من مستورها.

وكان عليه السلام في أرفع منزلة من منازل الحلم، فروى مصنف كتاب المسفر: أنه نادى غلاماً له يسمى: حسينا ثلاث مرات فلم يجبه، فلما أطال عليه، قال مجيبا: مزة، أي لا تعش، فقال عليه السلام: مسكين أضجرناه. ونظير ذلك ما روي عن علي بن الحسين عليه السلام أنه دعا غلاماً مراراً فلم يجبه، فلما خرج وجده قاعداً على الباب، فقال: ما منعك أن تجيبني فقال: أمنتك، قال: فخر ساجداً لله يحمد الله تعالى ويشكره، وقال: الحمد لله الذي أمن عباده من شري. ثم قال: اذهب فأنت حر لوجه الله.

وكان عليه السلام خشنا زاهداً ورعاً عابداً مقبلاً بالليل والنهار على طاعة الله وعبادته، وكان ذلك دأبه عليه السلام حتى توفاه الله إلى رضوانه وشريف جنانه.

ومن شعره عليه السلام قوله:
واهًا لنفسـي من خِياري واها...كَلَّفْتُهَا الصَّبرَ على بلواها
وسَوغَ مرِّ الحق مُذْ صِبَاهَا ...... ولا أرى إعطاءها هواها
أريد تبليغاً بها علياها .... في هذه الدنيا وفي أخراها

بِكُلِّ ما أعلَم يُرْضِي الله

وروي أنه عليه السلام قال: ليس لي شبر أرض ولا يكون إن شاء الله، ومهما رأيتموني أقتني ذلك، فاعلموا أني قد خنتكم فيما دعوتكم إليه.

وروي عنه عليه السلام أن بعض عماله ممن رضيه من عمال آل طاهر حمل إليه ذكر أقاليم الأموال المستخرجة من كل واد، فامتنع من أخذها وأمر بإخراجها من البيت، فقال له الرافع: كان آل طاهر عدولاً، والناس بذلك راضون فما عليك في أخذها؟ ومبلغها في غير هذه الرواية ستمائة ألف درهم، فقال: أنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ابن طاهر.

ومن كلامه عليه السلام: أيها الناس اتقوا الله، وكونوا قوامين بالقسط كما أمركم الله، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وجاهدوا - رحمكم الله - في الله حق جهاده، وعادوا الآباء والأبناء والإخوان في الله، فإن هذه الدار دار قلعة، ودار بلغة، ونحن سفر والدار التي خلقنا لها أمامنا، وكأن قد بلغنا إليها ووردناها، فتزودوا من العمل الصالح فإن طريق الجنة خشن، وبالاجتهاد يبلغ إليها، إني لا أغر نفسي ولا أخدعها بالأماني، ولا أطمع أن أنال الجنة بغير عمل، ولا أشك في أن من أساء وظلم منا ضوعف له العذاب، وإنا ولد الرجل الذي دل على الهدى، وأشار إلى أبواب الخير، وشرع هذه الشرائع، وسن هذه السنن والأحكام، فنحن أولى الخلق باتباعه واقتفاء أثره واحتذاء أمثاله والاقتداء به.

وقال عليه السلام:

أرتني أهوال المعاد بصيرتي..... وتصديق وعد الغيب رأي عيان
فأيقنتُ أني بالذي قد كسبته..... مَدين فقلبي دائم الخفقانِ
وأن وعيدَ الله حقٌّ ووعده ..... فمن موبق أو فائز بجنان
فأعلنتُ بالتوحيد والعدل قائلا .... وأظهرت  أحكام   الهدى  ببيان

وكان عليه السلام في الشجاعة وثبات القلب، بحيث لا تهوله الجنود، ولا يروعه العسكر المحشود، يخوض الغمرات ويصرع الكماة ويحطم الوشيج، ويثلم الصفائح، وكم له من مقام هائل فاز فيه بالشرف الطائل، وكان يرد بين الصفين متقلداً مصحفه وسيفه ويقول: قال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي))، ثم يقول: فهذا كتاب الله، وأنا عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أجاب إلى هذا، وإلا فهذا.

ومن شعره عليه السلام:

شيخٌ شَرَى مُهجَتَهُ بالجنه .... واستَنَّ ما كانَ أبوهُ سَنَّه
ولم يزل عِلْمُ الكتابِ فَنَّه .... يُجَاهِدُ الكفارَ والأَظِنَّه

بالمشرفيات وبالأسنه

وقال عليه السلام:

فخشيت أن ألقى الإلهَ وما .... أبليت في أعدائه عُذري
أو أن أموت على الفراش ضنى .... موت النساء أجنُّ في القبر
وعلمت أني لا أزاد بما .... آتي وينقصُ من مدى عمري
فشـريت للرحمن محتسباً .... نفساً لديّ عظيمة القدر
أجري إلى غايات كل علاً .... مثلي إلى أمثالها يجري
لأنال رضوان الإله وما ..... فيه الشفاء لغلة الصدر
في فتية باعوا نفوسهم .... لله بالباقي من الأجر
صبروا على عفر الخدود وما .... لاقوا من البأساء والضـر
يا رب فاحشـر أعظمي ودمي .... من بطن أم فراغل غثر
أو   ثعلب   أو  جوف   ثعلبة ..... أو قصب ذئب أو معا نسـر

وقال عليه السلام متوجعاً لمصائب العترة عليهم السلام:

وبي لأحوال بني المصطفى
عاداهم الخلق فذوا نُسْكهم
في كل أرضٍ منهم طاهرٌ
وميت في الحبس ذو حسـرة
وهالكٌ يُنْدَبُ في أهله
لم ينقموا منهم سوى أنهم
دعوا  إلى   الله   فنجواهم
هَمٌّ له شَفٌّ وتبريحُ
بالهم مغبوق ومصبوحُ
له دمٌ في الناس مسفوحُ
وموثق بالقيد مذبوحُ
أفلت منه وهو مجروح
السادة الطهر المراجيح
في الليل تقديس وتسبيح

وكان عليه السلام معظماً قبل قيامه عند عيون العترة عليهم السلام وأفاضل العلماء رضي الله عنهم لما يعرفونه من سعة علمه وغزارة فهمه، فقد كانت عيون العلماء من أهل كل فن يفضله كل واحد منهم في فنه.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: ورد طبرستان أيام الداعي الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وبقي عنده إلى أن توفي، وولي أخوه محمد بن زيد رضي الله عنهما، وأقام معه، وكانا معظمين له عارفين بفضله وعلمه، ولم يكن يتلبس لهما بعمل ولا يلي من جهتهما شيئاً، وربما كانا يفوضان إليه تفرقة مال العلوية فيهم فيفعل ذلك.

قال عليه السلام: وكان محمد بن زيد يتهمه بأنه منطو على طلب الأمر والدعاء إلى نفسه، مستشعراً للفزع منه لمعرفته بفضله وعلمه، إلا أنه لا يعدل به عن طريقة الإكرام والاحتشام.

وروينا عن الشيخ أبي القاسم البلخي قال: كنا في مجلس الداعي محمد بن زيد بجرجان، وأبو مسلم بن بحر حاضر، وكنا جميعاً ممن يذب عن الناصر الحسن بن علي في تكذيب من ينسب إليه طلبه الأمر، فدخل والتفت إلى أبي مسلم وقال يا أبا مسلم من القائل:

وفتيان صدق كالأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تغشى غياهبُه
لأمر عليهم أن يتم صُدُوره .... وليس عليهم أن تَتِمَّ عواقبُه

قال: فعلم أبو مسلم أنه قد أخطأ في إنشاد ذلك؛ لأنه يستدل به على أنه معتقد للخروج، وإظهار الدعوة، فأطرق كالخجل، وعلمت أنا مثل ما علمه فأطرقت، ففطن الناصر لخطأه فخجل وأطرق ساعة وانصرف.

فلما انصرف التفت الداعي محمد بن زيد إلى أبي مسلم، فقال: يا أبا مسلم، ما الذي أنشده أبو محمد؟ فقال: أنشد أطال الله بقاء الداعي:

إذا نحن أُبْنا سالمين بأنفس
فأنفسنا خير الغنيمة اَنَّها
كرام رَجَت أمرًا فخاب رجآؤُها
تؤوب وفيها مآؤها وحيآؤُها

فقال الداعي محمد بن زيد: أو غير ذلك، إنه يتنسم رائحة الخلافة من جبينه.

وكانت مناقبه عليه السلام الشاهدة بفضله جمة كثيرة. من ذلك ما أخبرني من أثق به من الإخوان كثرهم الله عز وعلا وهو الفقيه الفاضل حمزة بن محمود الجيلاني أيده الله يرويه عن الفقيه نظام الدين أبي الفضل بن فيروز شاه الجيلي @: أنه عليه السلام قصد ذات يوم من الأيام إلى بعض المساجد، وكان منفرداً من الأصحاب، ولم يكن معه شيء من السلاح، فرآه بعض أعدائه فطمع فيه، فعمده فلم يجد عليه السلام شيئا يدافع به عن نفسه، فعمد إلى صخرة صماء فسخرها الله له فقبض منها شيئاً، ورمى به في وجه عدوه وبقيت آثار يده عليه السلام وأصابعه يزار ذلك ويتبرك به.
وأخبرني أنه شاهد ذلك، وقد قصده في صحبة من ذكره من العلماء رضي الله عنهم
وأخبرني من أثق به أيضاً وهو الفقيه الفاضل الحسن بن علي بن الحسن الديلمي البخاري رحمه الله، أن رجلاً كان يحترب في الطرقات، وكان معه كلب قد عوده أنه إذا شاهد من يطمع فيه أرسله فيعمد الكلب إلى موضع العورة من الرجل، ثم يأتي صاحبه وقد كفاه المؤنة فيأخذ ماله، فأقبل الناصر عليه السلام ذات يوم منفرداً، وقعد على غيضه يأكل شيئا من الطعام، فأرسل الرجل كلبه عليه - على جاري العادة فلما وصل الناصر عليه السلام قعد بالقرب منه ولم يتعرض له، ورمى له بشيء من الطعام، وأقبل الرجل فدعا الناصر عليه السلام الله عز وجل أن يسلط عليه الكلب، فسلط عليه فقتله بما جرت العادة بأن يقتل به الناس، وانصرف الكلب مع الناصر عليه السلام وأقام مدة.

وكان ربما يحضر في شيء من الحروب فيؤثر في أعدائه، حتى كان في بعض الأيام، وعمل رجل مأدبة للناصر عليه السلام، فتقدم والكلب خلفه، فلما استقر الطعام بين يدي الناصر عليه السلام نبح الكلب نباحاً عظيماً بخلاف العادة وهم بالطلوع فمنعوه من ذلك، وكانوا قد طلعوا إلى الموضع بسلم، فأمرهم الناصر عليه السلام بأن يخلوا بين الكلب وبين الطلوع، فطلع ووقف بين يدي الناصر عليه السلام وأكل شيئا من الطعام قبل أكل الناصر عليه السلام فمات من حينه، وكان الطعام مسموماً فسلم الناصر عليه السلام وأصحابه.

وأخبرني رحمه الله أيضا: أن الناصر عليه السلام وقف ذات يوم بالقرب من ماء وفيه ضفادع كثيرة وحيات، فخرجت منها ضفدع فقصدتها حية، فدخلت الضفدع خلف الناصر عليه السلام كالمستجيرة به، فدعا الله عز وجل أن يسلط الضفدع على الحية، فاستجاب دعاءه، وعادت الضفدع على الحية فقتلتها.

وحكى لي هذه الحكاية الفقيه الفاضل حمزة بن محمود الجيلاني أيده الله، وقال: وأظن أيضاً أن الفقيه الحسن رحمه الله قال لي: إن ذلك مستمر إلى الآن في ذلك الموضع أن الضفادع تقتل الحيات. وهذه مناقب شريفة تقضي بأنه عليه السلام ذو فضل كثير وحظ وافر عند الله جل وعلا.

ذكر أولاده ووفاته (ع)

أولاده عليه السلام:

أبو الحسن علي الأديب الشاعر، أمه: أم علي بنت عمه. وأبو القاسم جعفر، وأبو الحسين أحمد أمهما: نقش، وكانت نقش هذه جارية أهدتها امرأة جستان إلى الناصر للحق رضي الله عنه، وأم الحسن وهي فاطمة، وأم محمد، ومباركة، وأم إبراهيم، وميمونة. ذكره السيد أبو طالب عليه السلام.

ذكر قيامه، ونبذ من سيرته، ومدة ولايته، وموضع حفرته عليه السلام

كان عليه السلام مع محمد بن زيد إلى أن قتل محمد بن زيد رحمه الله بجرجان، وقد كان حضر معه الوقعة، فانهزم في جملة المنهزمين، وامتد إلى الري على طريق الدامغان وحصل بها في دار محمد بن الحسن بن محمد بن جعفر الحسيني واتصل بجستان ملك الديلم خبره، وكانت بينهما مودة من أيام محمد بن زيد رحمه الله، وكاتبه وسأله الخروج إليه ليبايعه، ووعده بأنه يتوب ويقلع عن المعاصي ولا يخالفه في شيء، فامتنع أولاً، وكاتبه بأنه لا يثق بوعده وليس يأمن أن لا يفي بما يعد به، فجعله على ثقة من ذلك بأيمان بذلها له، فخرج إليه ومعه أولاده: ابنه الأكبر أبو الحسن علي الأديب الشاعر، وأبو القاسم وأبو الحسين، فأكرمه إلا أنه أخلف ما بذل له على لسانه من ترك المعاصي وتقديم أمره في الخروج، وكان يدافعه ويمنيه، وطال مقامه إلى أن تهيأ له الخروج من عنده، فخرج إلى سهل الديلم وعرض الإسلام على من بقي منهم على الكفر، ثم خرج إلى جيلان، وابتدأ يعرض الإسلام على الجيل الذين هم على جانب الديلم من طرف الوادي المعروف (بأسفنذروا) وهم كفار، فأسلموا كلهم على يديه وطهروا، وذلك في سنة سبع وثمانين بعد ظهور الهادي باليمن لسبع سنين، وأقام على هذه الجملة بالجيل والديلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأزال الرسوم الجائرة التي وضعها (آل وهسوذان) على الديلم، واستنقذهم مما كانوا فيه من الضيم في الأنفس والأولاد والأموال، ووقعت له حروب مرة بعد أخرى مع جستان، فكانت الدائرة على جستان، وزال سلطان جستان عن سهل الديلم جملة وانحسم طمعه عنها، وتخلص المسلمون من قبيح ظلمه لهم وحكمه في أهاليهم وأولادهم واسترقاقه لهم ببركة دعوته عليه السلام، وقد كان قبل مفارقته له أحوج إلى مساعدته على ورود باب (آمل) لحرب الخراسانية، وقد كان جستان أظهر أن الأمر له وسار تحت رايته فزعاً من الخراسانية وقصدهم إياه، ولم يكن الناصر رضي الله عنه يثق بوفائه، ويعلم أنه إن ظهر عاد إلى عادته فلم يتشدد في الحرب، ولم يثبت ثبات مثله. وصارت الغلبة للخراسانية، وانهزم الناصر عليه السلام وجستان وعاد الناصر إلى موضعه.

وكان يقيم تارة (بهوسم) فيراعي أمر الجيل، وتارة (بكيلاكجان) فيراعي أمر الديلم، وأحوج جستان آخراً إلى أن بايعه، وحلف له بالأيمان المغلظة أنه لا يخالفه، ووفى بذلك وصار من أتباعه، وامتد مقامه هناك أربع عشرة سنة، واتصل بأحمد بن إسماعيل خبره في قوته وظهوره، واجتماع الجيل والديلم على طاعته، وأنه يريد قصد طبرستان، فوجه إلى آمل عساكر جمة، وكتب إلى محمد بن علي المعروف بصعلوك بورود آمل من الري ومحاربته، فورد وبلغ عدد الجماعة أكثر من ثلاثين ألفاً، وانضم إليهم من أهل آمل وحشومهم وطغامهم عدد كثير وكانوا في كل يوم يركبون في المراكب على طريقة الغزاة، ويستنفرون إلى حربه عليه السلام وكثير من قصاصهم يفتون بذلك.

وروينا عن السيد أبي طالب عليه السلام من أماليه [١٣٣]، رواه عن المعروف بأبي بكر محمد بن موسى البخاري قال: دخلت على الحسين بن علي الآملي المحدث، وكان في الوقت الذي كان الناصر للحق الحسن بن علي عليه السلام في بلاد الديلم بعد، وقد احتشد لفتح آمل وورودها، والحسين بن علي هذا يفتي العوام بأنه يلزمهم قتال الناصر للحق عليه السلام، ويستنفرهم لحربه، ومعاونة الخراسانية على قصده، وزعم أنه جهاد ويأمرهم بالتجهيز وعقد المراكب كما تفعل الغزاة.

قال: فوجدته مغتماً، فقلت له: أيها الأستاذ، مالي أراك مغتماً حزيناً؟ فألقى إلي كتاباً ورد عليه وقال: اقرأه، فإذا هو كتاب الناصر للحق عليه السلام، وفيه:

يا أبا علي، نحن وإياكم خلف لسلف، ومن سبيل الخلف اتباع السلف والاقتداء بهم، ومن سلفكم الذين تقتدون بهم من الصحابة عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمه وأسامة بن زيد، وهؤلاء لم يقاتلوا معاوية مع علي بن أبي طالب عليه السلام مع تفضيلهم عليا عليه السلام تأولاً منهم أنهم لا يقاتلون أهل الشهادتين، فأنت يا أبا علي على سبيلك أن تقتدي بهم ولا تخالفهم وتنزلني منزلة معاوية على رأيك، وتنزل عدوي هذا ابن نوح منزلة علي بن أبي طالب، فلا تقاتلني كما لم يقاتل سلفك معاوية، وتخل بيني وبينه كما خلى سلفك بينهما، فتكف عن قتال أهل الشهادتين كما كف سلفك، وتجنب مخالفة أئمتك الذين يقتدى بهم، ولا سيما فيما يتعلق بإراقة الدماء فافهم يا أبا علي ما ذكرت لك فإنه محض الإنصاف.

قال: فقلت له: لقد أنصفك الرجل أيها الأستاذ فلم تكرهه؟ فقال: نكرهه؛ لأنه يحسن أن يورد مثل هذه الحجة، ولأنه لا يرد إلا متقلداً مصحفه وسيفه، ويقول: قال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي))، فهذا هو كتاب الله أكبر الثقلين، وأنا عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد الثقلين، ثم يفتي ويناظر ولا يحتاج إلى أحد، أما سمعت ما قاله في قصيدة له؟ قال - وأنشد هذا البيت من القصيدة:

تداعا لقتل بني المصطفىذوو الحشو منها و مُرّاقها

رجعنا إلى تمام الرواية المتقدمة عن السيد أبي طالب عليه السلام، قال عليه السلام: وخرجوا بأجمعهم إلى (شالوس)، وأقبل الناصر عليه السلام بعسكره من الجيل والديلم، ولم يكن لهم من آلات الحرب ما كان للخراسانية، والتقوا في موضع بين (وارفوا) و(شالوس) يعرف (بتورود) على ساحل البحر، ووقع القتال هنالك فأوقع رضي الله عنه بالخراسانية، ومنحه الله أكتافهم ونصره عليهم، فانهزموا أقبح هزيمة وقتلوا شر قتل، فبلغ عدد المقتولين نحو عشرين ألفاً من بين مقتول بالسلاح وغريق في البحر، كانوا إذا أقبلوا إلى الظهر أخذتهم الرايات، وإذا ولوا واقتحموا البحر غرقوا، وتحصن منهم نحو خمسة آلاف رجل في قلعة شالوس مع أمير لهم يعرف بأبي الوفاء، واستأمنوا منه عليه السلام فأمنهم، وكان الظفر يوم الأحد في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثمائة، ورحل بجيشه متوجها إلى آمل، وقد كان استقبله مشائخها وفقهاؤها وأماثلها إلى شالوس وهم على فزع منه لما كانوا أقدموا عليه، واعتذروا إليه من فعل عوامهم فقبل عليه السلام عذرهم، وقرب الفقهاء منهم وأدنى مجلسهم وتوفر عليهم، ورحل من هناك إلى آمل، فدخلها سنة إحدى وثلاثمائة.

وكان الداعي الحسن بن القاسم رضي الله عنه صاحب جيشه، وكان يقدم في وقت القتال ويعد عنه متتبعاً آثار المنهزمين وجاوز شالوس، ثم عاد ليلحق الناصر رضي الله عنه فلما انتهى إلى قلعة شالوس رأى هؤلاء المستأمنين وقد نزلوا من القلعة، فسأل عنهم فقيل: إن الناصر أمنهم، فقال: لم أسمع من الناصر ذلك ولم يصح عندي، وأمر بوضع الرايات فيهم، فقتلوا عن آخرهم. وذكر بعضهم أن القتل كان يدنو من أربعين ألفاً.

وفي الرواية أنه في ذلك اليوم لما اشتد القتال نزل بين الصفين بحيث كانت تصله النبل ودونها، قيل: إنه قيد رمحين، فصلى ركعتين وأخذ من موضع سجوده تراباً ثم ركب فرسه ورمى بالتراب الذي في يده في وجوه أعدائه، (وقال: شاهت الوجوه)، فانهزموا عند ذلك، فأعجب من ثباته ومن كرامته على الله في إجابة دعائه.

ولما دخل الناصر عليه السلام آمل امتد إلى الجامع وصعد إلى المنبر، وخطب خطبة بليغة ووعظ الناس فيها، ثم عنف أهل البلد على ما كان منهم من مطابقتهم لأعدائه ومعاونتهم وخروجهم عليه ووبخهم، ثم عرفهم أنه قد عفا عنهم وأضرب عن جنايتهم، وأمن كبيرهم وصغيرهم، ثم نزل دار الإمارة التي كانت لمحمد بن زيد الداعي رحمة الله عليه.

وبايعه فقهاء البلد ومشائخها ومنهم من بايعه بشالوس، وتمكن من طبرستان كلها من شالوس إلى سارية وأعمالها، ومن (الرويان وكلار) وما يتصل بها، ورتب العمال في هذه البلدان والنواحي، وولى القضاء زيد بن صالح الحسني، وكان ينظر في الأمور بنفسه، وبسط العدل ورفع رسوم الجور وعقد مجالس النظر، وكان الفقهاء يحضرونه ويكلمونه في المسائل ويكلمهم ويناظرهم.

وكان الداعي الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبدالرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام صاحب جيشه، والمستولي على الأمر؛ لشهامته وحسن بلائه بين يديه وورعه ودينه، ولأنه لم يكن في أولاده من يعتمد للولاية؛ لأن أبا الحسن كان مع فضله في الأدب على غير طريقة السداد.

وكان الناصر رضي الله عنه معرضاً عنه منكراً عليه، وأبو القاسم وأبو الحسين كانا صغيرين، فلما ترعرعا كان يستعين بهما فيما يجوز أن يستعان فيه الشباب، فينفذهما في بعض السرايا ويوليهما بعض الجيوش، ولما فتح آمل ودخلها وولى أبا القاسم سارية ووقع بينه وبين الداعي تنافر ونزاع، وطال الخطب في ذلك.

ولما أوقع الناصر عليه السلام وأنفذ على مقدمته ابنه أبا القاسم إلى آمل، وكان الداعي رضي الله عنه يطمع في أن يختار للتقدم، فاستوحش من ذلك ولم يظهره، وكان هذا أول نفور عنه سرّاً، فقد كان منه رضي الله عنه أثر ظاهر جميل في تحمل المبارزة بنفسه، والتقدم إلى حيث لم يتقدم أحد.

وكان أصحاب الناصر الذين هم أهل الدين والورع مثل أبي محمد عبد الله بن أحمد بن سلام رحمه الله، ومن دونه يميلون إلى الداعي رضي الله عنه؛ لدينه وورعه واستقامة طريقته، وينحرفون عن أولاد الناصرعليه السلام؛ لسلوكهم لطريقة غير مرضية في الباطن.

واستوحش الداعي ونفر عن الناصر لمكان أولاده فأدى ذلك النفار إلى الهفوة التي اتفقت منه في القبض عليه، وإنفاذه إلى قلعة اللارز، وقد ذكر من اعتذر عنه أنه كان كارها لما جرى، وأن الإقدام على ذلك بدر من سفهاء الجيل والديلم الذين كانوا وردوا في صحبة الداعي رضي الله عنه، وكان ليلى بن النعمان قدمه الناصر عليه السلام إلى ناحية جرجان مع عسكر كثيف، فاتصل الخبر به وهو بسارية فانصرف بجيشه، ودخل على الداعي في مضربه، وقال: ماذا صنعت بأبينا؟ يعني الناصر، أهذا حقه عليك وعلى الجماعة؟ فقال: إنه لم يفرج عن المال ولم يطعم العساكر ما لا بد لهم من الخبز، فقال له: والأب إذا لم يطعم الخبز يحبس؟ ثم ركب وعدل برايته إلى جانب وصاح من كان متبعاً للحق مريداً له فليعدل إلى هذه الراية، وكان أصحاب الداعي قد ندموا على ما بدر منهم إلا عدد يسير هم خواصه، فعدل الجيش كلهم إلا هذه الطائفة، ففزع الداعي حينئذ فقال له: هات خاتمك، فأخرجه من يده وسلمه إليه، فأنفذه للوقت مع جماعة من الثقات لإخراجه من القلعة ورده، وهرب الداعي في الوقت مع نفر من أصحابه إلى الديلم.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: حدثني أبي رحمه الله بهذه الجملة، قال: وحدثني بأنه شاهده عليه السلام حين رد من القلعة يوم دخوله آمل، وقد استقبله أهل البلد صغيرهم وكبيرهم وكان على بغلة، فكاد الناس يقلعون بغلته من الأرض لازدحامهم عليه وخدمتهم له، ورأيته وهو يدفع الناس عنه بطرف مقرعته إذا تكابسوا عليه تمسحاً به وتقبيلاً لرجله حتى كادوا يزيلونه عن المركوب يشير بها وينحيهم عنه.

ثم اتصل به بعد ذلك عليه السلام ما عزم عليه أحمد بن إسماعيل والي خراسان من بروزه من بخارى بجيشه وقضه وقضيضه قاصداً طبرستان، ومتوجها إلى حربه وأظهر أنه يخربها ولا يبقي في الديلم شجرة إلا قلعها لما جرى على عسكره، واشتغل قلبه وقلوب أوليائه بذلك اشتغالاً عظيماً، فلما كان ذات يوم من الأيام خرج إلى مجلسه، وقال: قد كفيتم أمر هذا الرجل فقد وجهت إليه جيشاً يكتفى بهم في دفعه، فقالوا: أيها الإمام ومن أين هذا الجيش؟ ومتى أنفذته؟ فقال: صليت البارحة ركعتين ودعوت الله عليه، فلما كان بعد أيام ورد الخبر بأن غلمانه قتلوه، وكفي رضي الله عنه أمره.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: هذه حكاية معروفة مشهورة قد حدثني بها غير واحد من الثقات.

وللناصر عليه السلام أشعار كثيرة منها قوله في قصيدة أولها:

لهفان جم وساوس الفكر
يدعو العباد لرشدهم وكأن ما
مترادف الأحزان ذو جرع
متنفس كالكير ألهبه
أضحى العدو عليه مجتهدا
مـتبرم     بحيـاته     قـلـقٌ
بين الغياض فساحل البحر
ضربوا على الآذان بالوقر
مر مذاقتهن كالصَّبِرِ
نفخ القيون وواقد الجمر
ووليه متخاذل النصـر
قد مل صحبة أهل ذا الدهر

وقال عليه السلام أيام ترشحه للقيام ودعائه سرّاً:

عهود الصبا سَقْيا لَكُنَّ عهودا
لقد حل مغناكُنَّ حلم وشيبة
فتى غادرت منه الخطوب بغشمها
إذا ساورته الفاتنات من الهوى
ترى الناس يخفون الكلام تحفظا
تباعد منه المخلصون ذووا التقى
عجبت لمن كان النبي وصهره
يرى من خلاف الناس لله ما يرى
محلين لا يرعون لله حرمة
لقد أُسمِع الآي المفصل من له
أمُخترمي ريبُ المنون ولم أقُد
ولم أُخضب المرّان من قاني الكلى
بكل فتى كالسيف أخرَق في العدى
يرى الموت حتف الأنف عارًا وسُبة
إلى  أن  أرى  إثر   المحلِّين   قد  عفا
وإن كان إسعافي لَكُنّ زهيدا
يرى هديها عن عهدكُنّ بعيدا
طبيباً لأدواء الخطوب جليدا
تبلّج غلاّبًا لهنّ حميدا
إذا ما رأوه أو يكون رشيدا
وأصبح بين المفسدين فريدا
وفاطمُ آباءً له وجدودا
فيغضـي عليه أو يطيق قعودا
صدوداً ولا يخشون منه صدودا
مسامعَ وعدًا صادقًا ووعيدا
خيولاً إلى أعدائنا وجنودا
وأترك منه في القلوب فصيدا
وإن كان في ذات الإله مجيدا
وفخراً وأجراً أن يموت شهيدا
وقائم   زرع   القاسطين  حصيدا

وله عليه السلام من قصيدة طويلة قوله:

فاجهد لكل الذي يرضى الإله به
فأنت من دوحة زيتونة وقدت
نور إذا غشـي الأنوار مشـرقه
نور يقل بهذا الناس عارفه
أتى لشعيانه في سفره وأتى
محمد وعَليّ والبتول ومن
وعترة المصطفى بالرس عنصرنا
أشكو إلى الله أن الحق مُتَّرَكٌ
وأن حكم كتاب الله مطرح
وأن ذا اليتم والمسكين بينهم
وأن من نصـر الشيطان متبع
وأن أمتنا أبدت عداوتنا
إذا   ذكرنا    بعلم      أو       بعارفة
وحبل عمرك بالإمهال موصولُ
فيها لنور إله الخلق تمثيلُ
أضحى لها فيه تغسيقٌ وتأفيلُ
له لدى علماء الحق تأويلُ
بذكر أوصافه موسى وحزقيلُ
قد كان يأتيهم بالوحي جبريلُ
الطاهرون المقاديس البهاليلُ
بين العباد وأن الشـر مقبولُ
وحكم من خالف القرآن معمولُ
بمزجر الكلب مبهول ومعتولُ
وأن من نصـر الرحمن مخذول
أن خصَّنا من عطاء الله تفضيل
صاروا كأنَّهمُ  من  غيظهم   حُوْلُ

ومنها قوله:

وإن عترة خير الخلق بينهم
في كل يوم لهم وتر ومظلمة
فاجهد  وجاهد  ولاة الجور  محتسبا
مبغَّضُون فمطرودٌ ومقتولُ
وسابح من دماء الطهر مطلول
فقد فشا الشـرك   فيهم  والأضاليلُ

ومنها قوله:

بكل مضطلع مرحان ذي تلع
وكل أبيض مثل النور ملتهبٍ
وكل لدن من الخَطِّي معتدل
وكل معطوفة زوراء عاتكة
بكف كل نطاسيٍّ بشكَّتِهِ
وكل ذي غضب لله ملتهب
في فتية قد شروا لله أنفسهم
رأوا بعين الهدى ما قد يكون غدا
وأيقنوا أن من يعصـي يكون له
فولوا السيف والقرآن حكمهم
حتى ترى  الحق  قد قامت  قوائمه
يزينه غرة منه وتحجيل
في غربه من قراع الهام تفليل
كأن عامله بالليل قنديل
لها حنين كما حن المطافيل
فيه لما اعوج تثقيف وتعديل
في روضة للعصاة الشمس تذليل
فكلما حملوا لله محمول
فمنهم بوعيد الله مشغول
في جاحم النار تخليدٌ وتغليل
فما أتاهم به القرآن معمول
لأهله     فيه          تكبير     وتَهليل

وقالعليه السلام:

حسبي من البيض الملا
عضبٌ إذا عدِمَ الكَميـْ
وكأن جرى في جسمه
لَدْنٌ يهز الكف مثـ
عن غير ما خفرٍ ولـ
فبمثله يأبى الكريـ
وأنا امرؤ عند احتدا
وإذا تداين معشـر
فإذا تكلم واعظًا
تلقى غواشيه إذا
ما إن يُفَارقْ خَيمه
شهدت له أفعاله
ذو منصب ناء عن ال
ومؤمِّل ذي نخوة
من   شأنه     قصع     الكُما
ح عناقُ سيفي واحتضانُه
ـيُ الرفق ينفعني أمانُه
من بعد تصفية دخانُه
ـل النون أسلمه مكانه
ـكن الشـرى هذا أوانه
ـم الشهم ما فيه هوانه
م الموت ينجيني جرانه
يجدونه وخِمًا ديانُه
فكفاك من عظة بيانُه
طرقوه مُترعة جِفَانُه
في كل ما أبلى زمانه
أن لم يقل كذباً لسانُه
أدناس يغنيني صيانُه
في الحرب جم خُنْزُوانُه
ة لدى الوغى رَعِفٌ سِنَانُه

وكان عليه السلام حلو المفاكهة طريف الممازحة يتصرف في مجلسه في أنواع العلوم من الكلام والفقه ورواية الآثار وإنشاد الأشعار للقدماء والمحدثين والحكايات المفيدة.

ومن طرفه في هذا الباب ما رواه السيد أبو طالب عن أبيه رضي الله عنهما قال كان رضي الله عنه محروراً شديد الحرارة، تستولي عليه الحمى إذا تكلم، فكان يوضع بين يديه كوز فيه ماء بارد، ويتجرع منه في الوقت بعد الوقت إذا تكلم كثيراً وناظر في خلال مناظرته، وكان بآمل شيخ هِمٌّ من العراقيين يعرف بأبي عبد الله محمد بن عمرو وكان يكلمه عليه السلام في مسألة، فكان يترشش من فيه لعاب يصيب الكوز منه كما يتفق مثله من المشائخ، فأخذ الناصر دفتراً كان بين يديه ووضعه على رأس الكوز، فاتفق أن هذا الشيخ وهو في هزازة وحدة مناظرته ولع بأخذ ذلك الدفتر عن رأس الكوز من غير قصد، ولكن كما يتفق من الإنسان أن يولع بشيء من ضجره واحتداده وفعل ذلك مرتين، وكان الناصر يكلمه وكلما رفعه عن رأس الكوز يعيده إليه فلما رفعه الرفعة الثالثة أعاده الناصر، ثم التفت إليه فقال: يا هذا ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4]، إلى غير ذلك مما روي عنه.

ولم يزل عليه السلام جاداً مجتهداً في نشر العلم والعمل حتى حانت وفاته عليه السلام، فاستؤمر فيمن يقوم مقامه إذا حدث به قضاء الله عز وجل، وسأله بعضهم أن يعهد إلى بعض أولاده فقال عليه السلام: وددت أن يكون فيهم من يصلح لذلك ولكن لا أستحل في ما بيني وبين الله عز وجل أن أولي أحداً منهم أمر المسلمين، ثم قال: الحسن بن القاسم أحق بالقيام بهذا الأمر من أولادي وأصلح له منهم؛ فردوه وقد كان في الديلم ولم يمنعه ما كان أسلفه عنده من إيثار الحق في المشورة به. ثم توفي عليه السلام بآمل في ليلة الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة أربع وثلاثمائة، وله أربع وسبعون سنة، ودفن عليه السلام يوم الجمعة، وكان من آخر شعره عليه السلام قصيدة أولها:

أنافَ على السبعين ذا الحول رابعُ
وصرتُ أبا جُدٍّ تقوِّمني العصا
ولا بدّ لي أني إلى الله راجعُ
أدب كأني كلما قمت راكعُ

وكانت مدة ظهوره بآمل ثلاث سنين وأشهراً، ودفن بها ومشهده معروف مزور.

وذكر بعض من صنف في أخباره عليه السلام أنه كان في الليلة التي توفي فيها يشاهد نور ساطع من الدار التي هو فيها إلى عنان السماء، وأنه يستضيء بذلك النور من بعد عن الدار، فلم يزل كذلك حتى انقطع النور فجاء من شاهده وقد توفي عليه السلام.

وروي أنه عليه السلام في مرضه كان لا تفوته صلاة بوضوء إلى أن أثقل، فكان يومئ إلى الوضوء بيده فيوضؤونه، ويأخذ في الصلاة حتى فاضت نفسه وهو ساجد.

وروي أنه في ليلته التي توفي فيها استعر به المرض فأخر المغرب والعشاء الآخرة إلى قرب السحر ثم صلاهما، فلما فرغ منها فاضت نفسه.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وقدم الداعي عليه السلام آمل في شهر رمضان يوم الثلاثاء لأربع عشرة خلت منه، فبدأ بقبر الناصر للحق عليه السلام، ومعه أولاده أبو الحسن وأبو القاسم وأبو الحسين فألصق خده بالقبر وهو يبكي، فقام أبو الحسن ابنه وأنشأ قصيدة في مرثيته:

أيحسُنُ بي أن لا أموت ولا أضنىوقد فقدت عيناي من حَسَنٍ حُسنا

وقصيدة أخرى أولها:

دم الجوف يجري في الحشا متصعدافينهل دمعاً صافيا متبدِّدا

وبويع للداعي رضي الله عنه في ثانيه وهو يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر رمضان فأظهر حسن السيرة في الأمور كلها في بسط العدل والإحسان إلى الأشراف وأهل العلم على طبقاتهم وتسويغ خراجهم، والتشدد على أهل العيث والفساد ما يضرب به المثل إلى الآن بطبرستان، فيقال: عدل الداعي.

وكانت له حروب مشهورة، ووقائع معروفة مع ولدي الناصر رضي الله عنه، ومع مسودة الخراسانية، وخطب له بنيسابور ونواحيها ليلى بن النعمان مدة، وخطب أيضاً بالري ونواحيها أياماً، وبقي على أمره بعد الناصر رضي الله عنه اثني عشرة سنة وأشهراً.

واستشهد: سنة ست عشرة وثلاثمائة، في يوم الثلاثاء بعد العصر لثلاث بقين من شهر رمضان، وقد بلغ من عمره اثنتين وخمسين سنة.

قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة