كان عليه السلام جامعاً لخصال الكمال، فائزاً بمحاسن الخلال، قد تسنم ذروة الشرف العلية، وخيم في عوالي رتب المجد السنية، وفيه ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه بعض علمائنا رحمهم الله تعالى أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله أنس عن علامات الساعة؟ قال: ((من علاماتها خروج الشيخ الأصم من ولد أخي مع قوم شعورهم كشعور النساء بأيديهم المزاريق)) وهذه كانت صفته عليه السلام وصفة أصحابه.
وفيه ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته أنه قال: يخرج من نحو الديلم من جبال طبرستان فتى صبيح الوجه يسمى باسم فرخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأكبر، يعني الحسن بن علي ’.
وفي الخبر لما أغرق الله تعالى الأرض لم يصب جبال الديلم الغرق، فسألت الملآئكة عليهم السلام ربها عن ذلك؟ فقال: (إنه يخرج فيها رجل من ولد النبي الأمي).
وكان عليه السلام قد نشأ على طريقة سلفه الأكرمين سلام الله عليهم أجمعين، جامعاً بين العلم والعمل، وبرز في فنون العلم حتى كان في كل واحد منها سابقاً لا يجارى، وفاضلاً لا يبارى.
قال السيد أبو طالب عليه السلام: وكان له عليه السلام مجلس للنظر، ومجلس لإملاء الحديث، وكان يركب إلى طرف البلد، ويضرب بالصولجان للرياضة، فإذا ركب اجتمع فقهاء البلد وأهل العلم كلهم إلى المصلى وجلسوا فيه، فإذا فرغ من ذلك عدل إليهم عليه السلام وجلس وأملى الحديث، وكان يحضر جنائز الأشراف وكبار الفقهاء بنفسه.
وحكي أنه عليه السلام حضر لمعزى بعض الأشراف، فلما سمع البكاء من داره قال: هذا الميت الذي يبكى عليه مات حتف أنفه على فراشه وبين أهله وعشيرته، وإنما الأسف على أولئك النفوس الطاهرة التي قتلت تحت أديم السماء، وفرق بين الأجساد والرؤوس وعلى الذين قتلوا في الحبوس، وفي القيود والكبول. وخطب في هذا المعنى خطبة حسنة، وقال: آهـ آهـ في النفس حزازات لم يشفها قتلى بورود.. يعني: الخراسانية الذين قتلوا في ذلك المكان حين هزمهم.
وكان القاضي أبو عبد الله الوليدي يلزم مجلسه ويعلق جميع ما يسمعه، مما يتصل بالعلم والأدب ويتعلق بضرب من الفائدة فجمع كتاباً سماه ألفاظ الناصر.
وله عليه السلام تصانيف مفيدة في أنواع العلم، منها: كتاب البساط، وكتاب في التفسير احتج فيه بألف بيت من الشعر، وله كتاب الحجج الواضحة بالدلائل الراجحة في الإمامة على طريقة الزيدية، وفيه دلائل حسنة على إمامة أمير المؤمنين، وله كتاب الأمالي في الأخبار ضمنه من فضائل العترة % كثيراً، وعدة كتبه أربعة عشر كتاباً وكل ذلك معروف مشهور.
وله عليه السلام فقه واسع، وفي فقهه كتاب الحاصر لفقه الناصر للسيد المؤيد بالله قدس الله روحه، وكتاب الناظم للسيد أبي طالب عليه السلام، وكتاب الموجز للشيخ أبي القاسم البستي رحمه الله، وكتاب الإبانة في فقهه مشروح بأربعة كتب مجلدة كبار للشيخ العالم أبي جعفر محمد بن يعقوب الهوسمي @، وجميع أهل الجيل من الزيدية كلهم على مذهبه عليه السلام في الفروع.
وكان عليه السلام جامعاً لفنون العلم من أصول الدين وفروعه ومعقوله ومسموعه، رواية للآثار، عارفاً بالأخبار، ضارباً في علم الأدب بأقوى سبب.
وكان عليه السلام قد قرأ من كتب الله عز وجل ستة عشر كتاباً، منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وباقيها من الصحف.
وكان عليه السلام يقول: حفظت من كتب الله عز وجل ثلاثة عشر كتاباً، فما انتفعت منها كانتفاعي بكتابين، أحدهما: الفرقان لما فيه من التسلية لنبيئنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما كابده السلف الصالحون من الأنبياء المتقدمين والرسل الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، والثاني: كتاب دانيال النبي عليه السلام؛ لما فيه أن الشيخ الأصم يخرج في بلد يقال لها: ديلمان، ويكابد من أصحابه وأعدائه جميعاً ما لا يقادر قدره ولكن عاقبته محمودة. وهذا يشهد بشرفه عليه السلام العظيم وفضله الجسيم، حيث ذكره الله تعالى في كتاب دانيال صلى الله عليه وعلى سائر أنبيائه، ويحق له عليه السلام أن يكون كذلك، فإنه انتشر على يديه من الإسلام في تلك الجهات ما شهرته تغني عن ذكره، وقد قيل: إن الذي أسلم على يديه مائتا ألف، وقيل: ألف ألف نسمة.
وروى الشيخ أبو القاسم البستي: أنه أسلم على يديه في يوم واحد أربعة عشر ألف نسمة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: ((يا علي؛ لئن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس))، فاستقر الإسلام ببركته في تلك الديار، وطمست رسوم الكفر والضلال، وكان أكثر تلك النواحي لا يعرف فيها اسم الله، بل هي باقية على الشرك والجاهلية المجوسية. وأتاها عليه السلام وملكها جستان متزوج بجدته فرحض الله ببركته تلك الأدران، ولبست تلك الأراضي ثياب الإيمان، وصارت مستقرّاً للحق ومأوى للأئمة السابقين %، وكان ذلك بحميد سعيه وحسن دعائه عليه السلام فقد كان في نهاية الرفق واللين، حتى عظم تأثيره في الدعاء إلى الله تعالى، وقد شهد لذلك ما رويناه عنه عليه السلام أنه قال في بعض مقاماته وقد دخل آمل وازدحم عليه طبقات الرعية في مجلسه، فقال: أيها الناس؛ إني دخلت بلاد الديلم وهم مشركون يعبدون الشجر والحجر ولا يعرفون خالقاً، ولا يدينون ديناً، فلم أزل أدعوهم إلى الإسلام وأتلطف في العطف بهم حتى دخلوا فيه أرسالاً، وأقبلوا إلي إقبالاً، وظهر لهم الحق وعرفوا التوحيد والعدل، فهدى الله بي منهم زهاء مائتي ألف رجل وامرأة، فهم الآن يتكلمون في التوحيد والعدل مستبصرين، ويناظرون عليهما مجتهدين، ويدعون إليهما محتسبين، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون حدود الصلوات المكتوبات والفرائض المفروضات، وفيهم من لو وجد ألف دينار ملقى على الطريق لم يأخذ ذلك لنفسه، وينصبه على رأس مزراقه ينشده ويعرفه، ثم قاموا بنصرتي وناصبوا آباءهم وأبناءهم وأكابرهم للحرب في هواي واتباع أمري في نصرة الحق وأهله، لا يولي أحد منهم من عدوه ولا يعرف غير الإقدام، فلو لقيت منهم ألف جريح لم تر مجروحاً في قفاه وظهره، وإنما جراحاتهم في وجوههم وأقدامهم، يرون الفرار من الزحف إذا كانوا معي كفراً، والقتل شهادة وغنماً.
ثم قال عليه السلام في آخر خطبته: وأنتم أيضاً معاشر الرعية، فليس عليكم دوني حجاب، ولا على بابي بواب، ولا على رأسي خلق من الزبانية، ولا أحد من أعوان الظلمة، كبيركم أخي وشابكم ولدي، لا آنس إلا بأهل العلم منكم، ولا أستريح إلا إلى مفاوضتكم، فسلوني عن أمر دينكم وما يعنيكم من العلم وتفسير القرآن، فإنا نحن تراجمته وأولى الخلق به، وهو الذي قرن بنا وقرنا به، فقال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) والله ولي توفيقكم لرشدكم، وحسبي الله وحده وعليه توكلت وإليه أنيب.
ومن كلامه عليه السلام وقد كتب إلى بعضهم: ولقد بلغك - أعزك الله ما أدعو وأهدي إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إحياء لما أميت من كتاب الله تعالى، ودفن من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد أن محضت آي التنزيل عارفاً بها، منها تفصيل وتوصيل، ومحكم ومتشابه، ووعد ووعيد، وقصص وأمثال، آخذا باللغة العربية التي بمعرفتها يكون الكمال، مستنبطاً للسنة من معادنها، مستخرجاً للمتكمنات من مكامنها، منيراً لما ادلهم من ظلمها، معلنا لما كتم من مستورها.
وكان عليه السلام في أرفع منزلة من منازل الحلم، فروى مصنف كتاب المسفر: أنه نادى غلاماً له يسمى: حسينا ثلاث مرات فلم يجبه، فلما أطال عليه، قال مجيبا: مزة، أي لا تعش، فقال عليه السلام: مسكين أضجرناه. ونظير ذلك ما روي عن علي بن الحسين عليه السلام أنه دعا غلاماً مراراً فلم يجبه، فلما خرج وجده قاعداً على الباب، فقال: ما منعك أن تجيبني فقال: أمنتك، قال: فخر ساجداً لله يحمد الله تعالى ويشكره، وقال: الحمد لله الذي أمن عباده من شري. ثم قال: اذهب فأنت حر لوجه الله.
وكان عليه السلام خشنا زاهداً ورعاً عابداً مقبلاً بالليل والنهار على طاعة الله وعبادته، وكان ذلك دأبه عليه السلام حتى توفاه الله إلى رضوانه وشريف جنانه.
ومن شعره عليه السلام قوله:
واهًا لنفسـي من خِياري واها...كَلَّفْتُهَا الصَّبرَ على بلواها
وسَوغَ مرِّ الحق مُذْ صِبَاهَا ...... ولا أرى إعطاءها هواها
أريد تبليغاً بها علياها .... في هذه الدنيا وفي أخراها
بِكُلِّ ما أعلَم يُرْضِي الله
وروي أنه عليه السلام قال: ليس لي شبر أرض ولا يكون إن شاء الله، ومهما رأيتموني أقتني ذلك، فاعلموا أني قد خنتكم فيما دعوتكم إليه.
وروي عنه عليه السلام أن بعض عماله ممن رضيه من عمال آل طاهر حمل إليه ذكر أقاليم الأموال المستخرجة من كل واد، فامتنع من أخذها وأمر بإخراجها من البيت، فقال له الرافع: كان آل طاهر عدولاً، والناس بذلك راضون فما عليك في أخذها؟ ومبلغها في غير هذه الرواية ستمائة ألف درهم، فقال: أنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ابن طاهر.
ومن كلامه عليه السلام: أيها الناس اتقوا الله، وكونوا قوامين بالقسط كما أمركم الله، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وجاهدوا - رحمكم الله - في الله حق جهاده، وعادوا الآباء والأبناء والإخوان في الله، فإن هذه الدار دار قلعة، ودار بلغة، ونحن سفر والدار التي خلقنا لها أمامنا، وكأن قد بلغنا إليها ووردناها، فتزودوا من العمل الصالح فإن طريق الجنة خشن، وبالاجتهاد يبلغ إليها، إني لا أغر نفسي ولا أخدعها بالأماني، ولا أطمع أن أنال الجنة بغير عمل، ولا أشك في أن من أساء وظلم منا ضوعف له العذاب، وإنا ولد الرجل الذي دل على الهدى، وأشار إلى أبواب الخير، وشرع هذه الشرائع، وسن هذه السنن والأحكام، فنحن أولى الخلق باتباعه واقتفاء أثره واحتذاء أمثاله والاقتداء به.
وقال عليه السلام:
أرتني أهوال المعاد بصيرتي..... وتصديق وعد الغيب رأي عيان
فأيقنتُ أني بالذي قد كسبته..... مَدين فقلبي دائم الخفقانِ
وأن وعيدَ الله حقٌّ ووعده ..... فمن موبق أو فائز بجنان
فأعلنتُ بالتوحيد والعدل قائلا .... وأظهرت أحكام الهدى ببيان
وكان عليه السلام في الشجاعة وثبات القلب، بحيث لا تهوله الجنود، ولا يروعه العسكر المحشود، يخوض الغمرات ويصرع الكماة ويحطم الوشيج، ويثلم الصفائح، وكم له من مقام هائل فاز فيه بالشرف الطائل، وكان يرد بين الصفين متقلداً مصحفه وسيفه ويقول: قال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي))، ثم يقول: فهذا كتاب الله، وأنا عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أجاب إلى هذا، وإلا فهذا.
ومن شعره عليه السلام:
شيخٌ شَرَى مُهجَتَهُ بالجنه .... واستَنَّ ما كانَ أبوهُ سَنَّه
ولم يزل عِلْمُ الكتابِ فَنَّه .... يُجَاهِدُ الكفارَ والأَظِنَّه
بالمشرفيات وبالأسنه
وقال عليه السلام:
فخشيت أن ألقى الإلهَ وما .... أبليت في أعدائه عُذري
أو أن أموت على الفراش ضنى .... موت النساء أجنُّ في القبر
وعلمت أني لا أزاد بما .... آتي وينقصُ من مدى عمري
فشـريت للرحمن محتسباً .... نفساً لديّ عظيمة القدر
أجري إلى غايات كل علاً .... مثلي إلى أمثالها يجري
لأنال رضوان الإله وما ..... فيه الشفاء لغلة الصدر
في فتية باعوا نفوسهم .... لله بالباقي من الأجر
صبروا على عفر الخدود وما .... لاقوا من البأساء والضـر
يا رب فاحشـر أعظمي ودمي .... من بطن أم فراغل غثر
أو ثعلب أو جوف ثعلبة ..... أو قصب ذئب أو معا نسـر
وقال عليه السلام متوجعاً لمصائب العترة عليهم السلام:
وبي لأحوال بني المصطفى
عاداهم الخلق فذوا نُسْكهم
في كل أرضٍ منهم طاهرٌ
وميت في الحبس ذو حسـرة
وهالكٌ يُنْدَبُ في أهله
لم ينقموا منهم سوى أنهم
دعوا إلى الله فنجواهم | | هَمٌّ له شَفٌّ وتبريحُ
بالهم مغبوق ومصبوحُ
له دمٌ في الناس مسفوحُ
وموثق بالقيد مذبوحُ
أفلت منه وهو مجروح
السادة الطهر المراجيح
في الليل تقديس وتسبيح |
وكان عليه السلام معظماً قبل قيامه عند عيون العترة عليهم السلام وأفاضل العلماء رضي الله عنهم لما يعرفونه من سعة علمه وغزارة فهمه، فقد كانت عيون العلماء من أهل كل فن يفضله كل واحد منهم في فنه.
قال السيد أبو طالب عليه السلام: ورد طبرستان أيام الداعي الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وبقي عنده إلى أن توفي، وولي أخوه محمد بن زيد رضي الله عنهما، وأقام معه، وكانا معظمين له عارفين بفضله وعلمه، ولم يكن يتلبس لهما بعمل ولا يلي من جهتهما شيئاً، وربما كانا يفوضان إليه تفرقة مال العلوية فيهم فيفعل ذلك.
قال عليه السلام: وكان محمد بن زيد يتهمه بأنه منطو على طلب الأمر والدعاء إلى نفسه، مستشعراً للفزع منه لمعرفته بفضله وعلمه، إلا أنه لا يعدل به عن طريقة الإكرام والاحتشام.
وروينا عن الشيخ أبي القاسم البلخي قال: كنا في مجلس الداعي محمد بن زيد بجرجان، وأبو مسلم بن بحر حاضر، وكنا جميعاً ممن يذب عن الناصر الحسن بن علي في تكذيب من ينسب إليه طلبه الأمر، فدخل والتفت إلى أبي مسلم وقال يا أبا مسلم من القائل:
وفتيان صدق كالأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تغشى غياهبُه
لأمر عليهم أن يتم صُدُوره .... وليس عليهم أن تَتِمَّ عواقبُه
قال: فعلم أبو مسلم أنه قد أخطأ في إنشاد ذلك؛ لأنه يستدل به على أنه معتقد للخروج، وإظهار الدعوة، فأطرق كالخجل، وعلمت أنا مثل ما علمه فأطرقت، ففطن الناصر لخطأه فخجل وأطرق ساعة وانصرف.
فلما انصرف التفت الداعي محمد بن زيد إلى أبي مسلم، فقال: يا أبا مسلم، ما الذي أنشده أبو محمد؟ فقال: أنشد أطال الله بقاء الداعي:
إذا نحن أُبْنا سالمين بأنفس
فأنفسنا خير الغنيمة اَنَّها | | كرام رَجَت أمرًا فخاب رجآؤُها
تؤوب وفيها مآؤها وحيآؤُها |
فقال الداعي محمد بن زيد: أو غير ذلك، إنه يتنسم رائحة الخلافة من جبينه.
وكانت مناقبه عليه السلام الشاهدة بفضله جمة كثيرة. من ذلك ما أخبرني من أثق به من الإخوان كثرهم الله عز وعلا وهو الفقيه الفاضل حمزة بن محمود الجيلاني أيده الله يرويه عن الفقيه نظام الدين أبي الفضل بن فيروز شاه الجيلي @: أنه عليه السلام قصد ذات يوم من الأيام إلى بعض المساجد، وكان منفرداً من الأصحاب، ولم يكن معه شيء من السلاح، فرآه بعض أعدائه فطمع فيه، فعمده فلم يجد عليه السلام شيئا يدافع به عن نفسه، فعمد إلى صخرة صماء فسخرها الله له فقبض منها شيئاً، ورمى به في وجه عدوه وبقيت آثار يده عليه السلام وأصابعه يزار ذلك ويتبرك به.
وأخبرني أنه شاهد ذلك، وقد قصده في صحبة من ذكره من العلماء رضي الله عنهم
وأخبرني من أثق به أيضاً وهو الفقيه الفاضل الحسن بن علي بن الحسن الديلمي البخاري رحمه الله، أن رجلاً كان يحترب في الطرقات، وكان معه كلب قد عوده أنه إذا شاهد من يطمع فيه أرسله فيعمد الكلب إلى موضع العورة من الرجل، ثم يأتي صاحبه وقد كفاه المؤنة فيأخذ ماله، فأقبل الناصر عليه السلام ذات يوم منفرداً، وقعد على غيضه يأكل شيئا من الطعام، فأرسل الرجل كلبه عليه - على جاري العادة فلما وصل الناصر عليه السلام قعد بالقرب منه ولم يتعرض له، ورمى له بشيء من الطعام، وأقبل الرجل فدعا الناصر عليه السلام الله عز وجل أن يسلط عليه الكلب، فسلط عليه فقتله بما جرت العادة بأن يقتل به الناس، وانصرف الكلب مع الناصر عليه السلام وأقام مدة.
وكان ربما يحضر في شيء من الحروب فيؤثر في أعدائه، حتى كان في بعض الأيام، وعمل رجل مأدبة للناصر عليه السلام، فتقدم والكلب خلفه، فلما استقر الطعام بين يدي الناصر عليه السلام نبح الكلب نباحاً عظيماً بخلاف العادة وهم بالطلوع فمنعوه من ذلك، وكانوا قد طلعوا إلى الموضع بسلم، فأمرهم الناصر عليه السلام بأن يخلوا بين الكلب وبين الطلوع، فطلع ووقف بين يدي الناصر عليه السلام وأكل شيئا من الطعام قبل أكل الناصر عليه السلام فمات من حينه، وكان الطعام مسموماً فسلم الناصر عليه السلام وأصحابه.
وأخبرني رحمه الله أيضا: أن الناصر عليه السلام وقف ذات يوم بالقرب من ماء وفيه ضفادع كثيرة وحيات، فخرجت منها ضفدع فقصدتها حية، فدخلت الضفدع خلف الناصر عليه السلام كالمستجيرة به، فدعا الله عز وجل أن يسلط الضفدع على الحية، فاستجاب دعاءه، وعادت الضفدع على الحية فقتلتها.
وحكى لي هذه الحكاية الفقيه الفاضل حمزة بن محمود الجيلاني أيده الله، وقال: وأظن أيضاً أن الفقيه الحسن رحمه الله قال لي: إن ذلك مستمر إلى الآن في ذلك الموضع أن الضفادع تقتل الحيات. وهذه مناقب شريفة تقضي بأنه عليه السلام ذو فضل كثير وحظ وافر عند الله جل وعلا.