هو: أبو الحسين وقيل: أبو عبدالله يحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وأمه: قُريْبة ابنة عبدالله ويعرف بربيح بن أبي عبيدة بن عبدالله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهي ابنة أخ هند أم محمد وإبراهيم وموسى أولاد عبدالله عليهم السلام.
صفته (ع)
قال السيد أبو طالب عليه السلام: كان عليه السلام آدم، حسن الوجه إلى القِصَر، ما هو عظيم البطن، فارسًا شجاعًا، وكانت له مقامات مشهورة في مبارزة الأعداء، وقتل الأبطال مع الإمام الحسين بن علي صاحب فخ عليهما السلام.
وفي كتاب مقاتل الطالبية [564] رواه بالإسناد عن بعضهم: كان قصيرًا آدم، حسن الوجه والجسم، تعرف سلالة الأنبياء في وجهه.
ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)
كان عليه السلام من عيون العترة عليهم السلام وفُضَلائها، قد نشأ على طريقة آبائه الأطهار السادة الأبرار سلام الله عليهم أجمعين، جامعًا بين العلم والعمل، قد روى الحديث عن أهله وغيرهم من الرواة، قال الشيخ أبو الفرج: وأكثر الرواية عن جعفر بن محمد، وروى عن أبيه وأخيه محمد، وعن أبان بن تغلب، وروى عنه مُخَوَّل بن إبراهيم، وبكار بن زياد، ويحيى بن مُساور، وعمرو بن حماد، وكان قد حضر عليه السلام القتال مع الحسين بن علي الفخي عليهم السلام، وقاتلَ قتالاً عظيمًا، وأصيب بنشاب كثير، قال الراوي: حتى صار كالقنفذ لكثرة لزومه فيه. ولما انفصلوا من الوقعة أقام مستترًا مدة طويلة يطوف في الآفاق خوفًا على نفسه، ووصل صنعاء وأقام بها شهورًا، وأخذ علماء صنعاء عنه علمًا كثيرا مثل يحيى بن زكرياء الصنعاني، ويحيى بن إبراهيم، ثم دخل بلاد الحبشة وخرج منها، وصار إلى بلاد الترك فتلقاه ملكها بالإكرام، وقدم له التحف العظيمة، ودعاه إلى الإسلام فأسلم على يديه سرًّا. وبث يحيى عليه السلام دعاته في الآفاق فجاءته كتبهم ببيعة مائة ألف فيهم العلماء والفقهاء، فقال يحيى عليه السلام: لا بد من الخروج إلى دار الإسلام، فنهاه ملك الترك عن ذلك، وقال: إنهم يخدعونك فلا تغترن، فقال يحيى: لا أستخير فيما بيني وبين الله تعالى أن أقيم في بلاد الشرك ومعي مائة ألف مقاتل من المسلمين فخرج إلى بلاد الديلم وقال: إن للديلم معنا خرجة وأرجو أن تكون معي فلم تكن معه عليه السلام، وإنما كانت مع الناصر للحق عليه السلام. فلما استقرّ يحيى عليه السلام في بلاد الديلم وأتاه سبعون رجلاً ممن كان قد استجاب له، وبلغ الخبر إلى هارون المسمَّى بالرشيد فتبلبل باله، وتغيّرت أحواله، وقَطَعَ الخمر، ولبس الصوف، وافترش اللّبود، وتحلى بغير ما يعتاده من العبادة والصلاح لما علا صيت يحيى عليه السلام في الآفاق، وانتشر ذكره. وكان في الذين بايعوه من عيون أهل العلم المشهورين: عبد ربه ابن علقمة، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن عامر، ومخول بن إبراهيم، والحسن بن الحسن العُرني، وإبراهيم بن إسحاق، وسليمان بن جرير، وعبدالعزيز بن يحيى الكناني، وبشر بن المعتمر، وفُلَيت بن إسماعيل، ومحمد بن أبي نعيم، ويونس بن إبراهيم، ويونس البجلي، وسعيد بن خثيم. وجَرَت على الشافعي رحمه الله نوبة، وذلك أن الرشيد لَمَّا بلغه أنه يدعو ليحيى بن عبدالله عليهما السلام أنفذ إليه من أتى به على حمار مُقَيّدًا مكشوف الرأس، فأُدخل بغداد على تلك الهيئة. وذكر بعض من صنف في أخباره عليه السلام أن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الذي يقال له: أستاذ محمد بن إدريس الشافعي كان من دعاة يحيى عليه السلام، ومن أجِلّة أصحابه وأهل زمانه، فكتب إلى أبي محمد الحضرمي كتابًا وهو: "بسم الله الرحمن الرحيم، سلامٌ عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى المستوجبين الصلاة من أهله أما بعد: فقد بلغني حبك أهل بيت نبيك عامة، ويحيى بن عبدالله خاصة؛ لمكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم، ولموضعهم الذي فضلهم الله به من بيننا، فلقد وفِّقت لرشدك بمودتك لهم؛ لأنهم أحق الناس بذلك منك ومن الأمة، وأقمنهم أن يُقَرِّبَك حبهم إلى ربك؛ لأنهم أهل بيت الرحمة، وموضع العصمة، وقرار الرسالة، وإليهم كان مختلف الملآئكة، وأهل رسول الله وعترته، فهم معدن العلم وغاية الحكم، فتمسك بصاحبك، واستظل بظله، وأعنه على أمره، وارض به محلًا، ولا تبغ به بدلاً، فإنه من شجرة باسقة الفرع، طيبة النبع، ثابتة الأصل، دائمة الأكل، قد ساخت عروقها فهي طيبة الثرى، واهتزت غصونها فهي تنطف الندى، وأورقت منضرة، ونورت مزهرة، وأثمرت مورقة، لا يُنقص ثمارها الجناة، ولا ينتزعها السقاة، فمن نزل بها وأوى إليها ورد حياضًا تفيض، ورعى رياضًا لا تغيض، وشرب شربًا رويًا هنيًئا مريئًا متلألأ غريضًا فضيضًا، فروَّى وارتوى من رواء بدلاء ملأى، مبذولة غير ممنوعة، معروضة غير مقطوعة، فاسْتَمْسِكْ بالعروة الوثقى من معرفة حق الله عليك في نصرة يحيى، وتحريم حرمته، واستغنم الظفر بما يلزمك من حفظه لمكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومكان الوصي بعده الإمام، ومكان أهله منه، وحفظ دين الله خاصة، وفي أهل البيت عامة، وأحببهم جميعًا حبًّا نافعًا، واجعل حبك إياهم حبًّا دائمًا بغير تقصير ولا إفراط، ولا احتراف ولا اختلاف، تجمعهم إذا تفرقوا، ولا تفرق بينهم إذا اجتمعوا، ولا تُصدِّق عليهم أهل الفرية من الرافضية الغلاة، فإنهم العداة للقائمين بالحق من عترة الرسول، وسيِّئوا النية فيهم والجرأة على الله بالإفك والشنآن، وهم أهل الخلابة وقلة المهابة للعواقب، واعلم أن من اعتقد ترك ما نهى عنه في السر الباطن، وأظهر الحق في المواطن، ولزم التقوى وحفظ حق ذي القربى، وتجنب في حبهم الجور والحزونة، وسلك الطريقة الوسطى، وسار فيهم بالقصد والسهولة، وأقرّ بالفضل لأهله، وفضّل ذا الفضل بفضله، ودعا إلى الله تعالى وإلى كتابه وسنة نبيه، ولم ير الإغماض في دينه، ولم ينقض مبرمًا، ولم يستحل محرمًا، فمن كانت هذه صفته لحق بالصالحين من سلفه وبخير آبائه الطاهرين، فتدبر ما وصفت لك، وميزه بقلبك، فإن كنتَ كذلك لحقتَ بأهل الولاية الباطنة والمودة الراتبة، التي لم تغيرها فتنة ولم تصبها أبنة، فَاسْكُنْ خير دار عند أكرم جار بأهنأ راحة وأفضل قرار، في مكان لا يشوبه المكاره والغل، ولا يعاب أهله بسوء الأخوة والبخل، يتلاقون بأحسن تحية، بصدق برية، وأخلاق سنية، لا تمازجها الريبة، ولا تنساع فيها الغيبة، قد وصلهم الله بحبله فاتصلوا به، وجمعهم في جواره فاستبشروا به، فعلى ذلك يتواخون وبه يتواصلون، يتحابون بالولاية، ويتوادون بحسن الرعاية، فهم كما قال الله: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ ... الآية} [الفتح: 29]، فهم كمثل من خلا من قبلهم، مستهم البأساء والضراء ونالهم المكروه واللأواء، والشدة والأذى، امتحنوا بعظيم المحن والبلوى، فصبروا لله على ما امتحنهم به، وأخلصوا لله ما أرادوا منه، فحباهم على ما أسلفوا، وكافأهم بجميل ما اكتسبوا، وأحبهم لعظيم ما صبروا، والله يحب الصابرين. رزقنا الله تراحم الأبرار وتواصل الأخيار الذين لهم عقبى الدار، وفتح لنا ولك أبواب الحكمة، وعصمنا وإياك بحبل العصمة، وشملنا بجميل النعمة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته". ولما علم هارون المسمى بالرشيد بكثرة من استجاب ليحيى عليه السلام، وكونه في الديلم عند جُسْتان وحيث لا طاقة له في أخذه قهرًا أعمل الحيلة في ذلك، فوجّه الفضل بن يحيى بن خالد في خمسين ألف مقاتل، وألزمه التوصل إلى استخراج يحيى عليه السلام بما يمكن من الحيل فتشدد الفضل في ذلك إزالة للتهمة عن نفسه، فقد كان سعي به إلى هارون وقيل: إنه يعرف مكان يحيى عليه السلام، وإنه كتب له منشورا يعرضه على أصحاب المسالح حتى لا يعترضوا له بحال. فلما جهز الفضل بن يحيى بالجند والأموال الجليلة أمره أن يبذل لجستان ما يحبه من الأموال، وأوصاه أن يعرض على يحيى عليه السلام كل أمر يوافق خاطره، وأن يعظم القطائع الجليلة على احترامه واحترام شيعته، وأن يسكن حيث أحب من البلاد. وشيع هارون الجيش إلى النهروان، فلما عرضوا عليه رأى ما أعجبه من كراع وسلاح ورجال، وكان ذلك سنة ست وسبعين ومائة، ونهض الفضل بن يحيى يطوي البلاد حتى حط بطالقان الري، فكاتب ملك الديلم وبذل له ألف ألف درهم على خروج يحيى عليه السلام، فامتنع ملك الديلم من ذلك، فأرسل إليه الفضل بالأموال، وأنواع التحف والهدايا فلم يؤثر فيه ذلك بل استمر على الامتناع. وقد كان هارون أودع الفضل كتابا إلى يحيى عليه السلام إن امتنع ملك الديلم فيه الأمان والوثائق، وأن يبذل له من المال ألف ألف وألف ألف وألف ألف وما أحب من القطائع، وينزله من البلاد حيث شاء. فكتب يحيى عليه السلام إلى هارون جواب كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فقد فهمت كتابك، وما عرضت عليَّ فيه من الأمان على أن تبذل لي أموال المسلمين، وتقطعني ضياعهم التي جعلها الله لهم دوني ودونك، ولم يجعل لنا فيها نقيرًا ولا فتيلاً، فاستعظمتُ الاستماع له فضلاً عن الركون إليه، واستوحشتُ منه تنزهًا عن قبوله، فاحبس عني أيها الإنسان مالك وإقطاعك وقضاك حوائجي، فقد أدَبتني إذًا خالف ناقصًا، وولدتني عاقًّا قاطعًا، فوالله لو أن من قَتلْتَهُ من أهلي تُرْكٌ وَدَيَالِمٌ على بعد أنسابهم مني وانقطاع رحمهم عني لوجَبَت عليَّ نصرتهم، والطلب بدمائهم، إذ كان منكم قتلهم ظلمًا وعدوانا، والله لكم بالمرصاد لما ارتكبتم من ذلك، وعلى الميعاد لما سبق فيه من قوله ووعيده، وكفى بالله جازيًا ومعاقبًا، وناصرا لأوليائه ومنتقما من أعدائه، وكيف لا أطلب بدمائهم وأنام عن ثأرهم، والمقتول بالجوع والعطش والنكال، وضيق المحابس وثقل الأغلال، وعَدْوِ العذاب وترادف الأثقال أبي -عبدالله بن الحسن- ذو الشيبة الزكية، والهمة السنية، والديانة المرضية، والخشية والتقية، شيخ الفواطم، وسيد أبناء هاشم طُرًّا، وأرفع أهل عصره قدرًا، وأكرم أهل بلاد الله فعلاً، ثم يتلوه إخوته وبنو أبيه، ثم إخوتي وبنو عمومتي نجوم السماء، وأوتاد الدنيا، وزينة الأرض، وأمان الخلق ومعدن الحكمة، وينبوع العلم، وكهف المظلوم، ومأوى الملهوف، ما منهم أحد إلا من لو أقسم على الله لبَرَّ قسمه، فما أنْسَ من الأشياء فلا أنسى مصارعهم، وما حل بهم من سوء مقدرتكم، ولؤم ظفركم، وعظيم إقدامكم، وقسوة قلوبكم، إذ جاوزتم قتلة من كفر بالله إفراطًا، وعذاب من عاند الله إسرافًا، ومُثلة من جحد الله عتوًا. وكيف أنساه؟ وما أذكره ليلاً إلا أقض عليَّ مضجعي وأقلقني عن موضعي، ولا نهارًا إلا أمَرَّ عليَّ عيشي، وقصر إلي نفسي حتى لوددت أني أجد السبيل إلى الاستعانة بالسباع عليكم فضلاً عن الناس، وآخذ منكم حق الله الذي أوجب عليكم، وأنتصف من ظالمكم، وأشفي غليل صدر قد كثرت بلابله، وأسَكِّن قلبًا جمًا وساوسُه من المؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم ولو يومًا واحدًا، ثم يقضي الله فيَّ ما أحب، وإن أعش فمدركٌ ثأري داعيا إلى الله سبحانه على سبيل الرشاد أنا ومن اتبعني، نسلك قصد من سلف من آبائي وإخواني وإخوتي القائمين بالقسط الدعاة إلى الحق، وإن أمت فعلى سَنَن ما ماتوا غير راهب لمصرعهم، ولا راغبٍ عن مذهبهم، فلي بهم أسوة حسنة، وقدوة هادية؛ فأول قدوتي منهم أمير المؤمنين رضوان الله عليه؛ إذ كان ما زال قائمًا وقت القيام مع الإمكان حتمًا، والنهوض لمجاهدة الجبارين فرضًا، فاعترض عليه من كان كالظلف مع الخف، ونازعه من كان كالظلمة مع الشمس، فوجدوا لعمر الله من حزب الشيطان مثل من وجدت، وظاهرهم من أعداء الله مثل من ظاهرك، وهم لمكان الحق عارفون، وبمواضع الرشد عالمون، فباعوا عظيم أجر الآخرة بحقير عاجل الدنيا، ولذيذ الصدق بغليظ مرارة الإفك، ولو شاء أمير المؤمنين لهدأت له، وركنت إليه بمحاباة الناكثين، واتخاذ المضلين، وموالاة المارقين، ولكن أبى الله أن يكون للخائنين متخذًا، وللظالمين مواليا، ولم يكن أمره عندهم مشكلاً، فبدلوا نعمة الله كفرًا، واتخذوا آيات الله هزوًا، وجحدوا كرامة الله، وأنكروا فضيلة الله، فقال رابعهم: أنَّى تكون لهم الخلافة والنبوة، حسدًا وبغيًا، فقديمًا حُسِدَ النبيئون وأبناء النبيين الذين اختصهم الله بمثل ما اختصنا، فأخبر عنهم تبارك وتعالى فقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا}}[النساء: 54]، فجمع لهم المكارم والفضائل، والكتاب والحكمة والنبوة والملك العظيم، فلما أبوا إلا تماديًا في الغي وإصرارًا على الضلال، جاهدهم أمير المؤمنين حتى لقيَ الله شهيدًا رضوان الله عليه. ثم تلاه الحسن سليل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشبيهه، وسيد شباب أهل الجنة، إذ كل أهلها سادة فكيف بسيد السادة، فجاهد من كان أمير المؤمنين جاهده، وسكن إليه من المسلمين من كان شايعه من ذوي السابقة وأهل المأثرة، فكان ممن نقض ما عقد له ونكث عما عاهده عمك عبيدُالله بن العباس حين اطمأن إليه، وظن أن سريرته لله مثل علانيته. وجهه على مقدمته في نحو عشرين ألف مقاتل من المسلمين، فلما نزل مَسْكِنًا من سواد العراق باع دينه وأمانته من ابن آكلة الأكباد بمائة ألف درهم وفارق عسكره ليلاً ولحق بمعاوية، فدله على عورات عسكر ابن رسول الله، وأطمعه في مبارزته بعد أن كانت نفسه قد أُحيط بها وضاق عليه مورده ومصدره، وظنَّ أن لا مطمع له حين استدرج وأمهل له فارتحل الحسن بنفسه باذلاً لها في ذات الله ومحتسبًا ثواب الله، حتى إذا كان بالمدائن وثب عليه أخو أسد، فوجأه في فخذه فسقط لما به، وأيس الناس من إفاقته، فتبددوا شيَعًا، وتفرقوا قطعًا، فلما قصرت طاقته، وعجزت قوته، وخذله أعوانه سالم هو وأخوه معذورين مظلومين موتورين، فاستثقل اللعين ابن اللعين حياتهما، واستطال مدتهما، فاحتال بالاغتيال لابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نال مراده وظفر بقتله، فمضى مسمومًا شهيدًا، مغمومًا فقيدًا. وغبر شقيقه وأخوه وابن أمه وأبيه شريكه في فضله، ونظيره في سؤدده، على مثل ما انقرض عليه أبوه وأخوه، حتى إذا ظن أن قد أمكنته محنة الله من بوارهم، ونصرة الله من اخترامهم، دافعه عنها أبناء الدنيا، واستدرج بها أبناء الطلقاء، فبعدًا للقوم الظالمين، وسحقًا لمن آثر على سليل النبيين وبقية المهتدين الخبيث ابن الخبيثين، والخائن ابن الخائنين، فقتلوه ومنعوه ماء الفرات، وهو مبذول لسائر السباع، وأعطشوه وأعطشوا أهله وقتلوهم ظمأً، يناشدونهم فلا يجابون، ويستعطفونهم فلا يرحمون، ثم تهادوا رأسه إلى يزيد الخمور والفجور تقربًا إليه، فبعدًا للقوم الظالمين!!. ثم توجهت جماعة من أهل العلم والفضل إلى سجستان في جيش، فتذاكروا ما حل بهم من ابن مروان فخلعوه وبايعوا الحسن بن الحسن ورأسوا عليهم ابن الأشعث إلى أن يأتيهم أمره، وكان رأسهم غير طائل ولا رشيد، نصب العداوة للحسن قبل موافاته، فتفرقت عند ذلك كلمتهم وفل حدهم، فمزِّقوا كل ممزَّق، فلما هزِم جيش الطواويس احتالوا بجدي الحسن بن الحسن فمضى مسمومًا يتحسَّى الحسرة، ويتجرع الغيظ رضوان الله عليه، حتى إذا ظهر الفساد في البر والبحر شرى زيد بن علي عليهما السلام لله نفسه، فما لبث أن قُتل ثم صُلب ثم أحرق فأكرم بمصرعه مصرعًا. ثم ما كان إلا طلوع ابنه يحيى عليه السلام ثائرًا بخراسان فقضى نحبه وقد أعذر رضوان الله عليهما، وقد كان أخي محمد بن عبدالله دعا قبل زيد وابنه عليهما السلام فكان أول من أجابه، وسارع إليه جدك محمد بن علي ابن عبدالله بن عباس وإخوته وأولاده، فخرج ابن عمه يقوم بدعوته، حتى خدع بالدعاء إليه طوائف، ومعلوم عند الأمة أنكم كنتم لنا تدعون، وإلينا ترجعون، وقد أخذ الله عليكم منكم ميثاقًا لنا، وأخذنا عليكم ميثاقًا لمهدينا محمد بن عبدالله النفس الزكية الخائفة التقية المرضية، فنكثتم عند ذلك، وادعيتم من إرث الخلافة ما لم تكونوا تدعونه قديمًا ولا حديًثا، ولا ادَّعاه أحد لكم من الأمة إلا تقولًا كاذبًا، فها أنتم الآن تبغون دين الله عوجًا، وذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتلًا واجتياحًا، والآمرين بالمعروف صَلْبًا واستباحًا، فمتى ترجعون، وأنى تؤفكون؟ أو لم يكن لكم خاصة وللأمة عامة في محمد بن عبدالله فضلاً، إذ لا فضل يعدل فضله في الناس، ولا زهد يشبه زهده، حتى ما يتراجع فيه اثنان، ولا يترادُّ فيه مؤمنان، ولقد أجمع عليه أهل الأمصار من أهل الفقه والعلم في كل البلاد لا يتخالجهم فيه الشك، ولا تقفهم عنه الظنون، فما ذكر عند خاصة ولا عامة إلا اعتقدوا محبته، وأوجبوا طاعته، وأقروا بفضله وسارعوا إلى دعوته، إلا من كان من عتاة أهل الإلحاد الذين غلبت عليهم الشقوة، فغمصوا النعمة، وتوقعوا النقمة من شيع أعداء الدين وأفئدة المضلين وجنود الضالين، وقادة الفاسقين، وأعوان الظالمين، وحزب الخائنين، وقد كان الدعاء إليه منكم ظاهرًا، والطلب له قاهرًا، بإعلان اسمه وكتاب إمامته على أعلامكم: محمدنا منصور، يُعرف ذلك ولا يُنكر، ويسمع ولا يجهل، حتى صرفتموها إليكم وهي تخطب عليه، وكفحتموها عنه وهي مقبلة إليه، حين حضرتم وغاب، وشهدتم إبرامها، ورأى قلةَ رغبةٍ ممن حضر، وعظيم جرأة ممن اعترض، حتى إذا حصلت لكم بدعوتنا، وهدأت لكم بخطبتنا، وقرَّت لكم بنسبتنا، قالت لكم إجرامكم إلينا، وجنايتكم علينا: إنها لا توطأ لكم إلا بإبادة خضرائنا، ولا تطمئن لكم دون استئصالنا، فأغري بنا جدك المتفرعن فقتلنا، ولا يخفى أثره فينا عند المسلمين، لؤم مقدرة، وضراعة مملكة، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، قبل بلوغ شفاء قلبه من فنائنا، وهيهات أن يدرك الناس ذلك، ولله فينا خبيئةً لا بد من إظهارها، وإرادة لا بد من بلوغها، فالويل له، فكم من عين طالما غمضت عن محارم الله، وسهرت متهجدة لله، وبكت في ظلم الليل خوفًا من الله، قد أسحَّها بالعبرات باكية، وسمرها بالمسامير المحماة، وألصقها بالجدرات المرصوفة قائمة، وكم من وجه طالما ناجى الله مجتهدًا، وعنى لله متخشعًا، مشوهًا بالعمد مغلولاً مقتولاً، ممثولاً به معنوقًا، وبالله أن لو لم يلق الله إلا بقتل النفس الزكية أخي محمد بن عبدالله رحمه الله للقيه بإثم عظيم وخطب كبير، فكيف وقد قتل أبا النفس الزكية التقية، أبي عبدالله بن الحسن وإخوته وبني أخيه، ومنعهم روح الحياة في مطابقه، وحال بينهم وبين خروج النفس في مطاميره، لا يعرفون الليل من النهار، ولا مواقيت الصلاة إلا بقراءة أجزاء القرآن تجزئة قد عرفوه لما غابوا في أناء الليل والنهار حين الشتاء والصيف حال أوقات الصلاة، قرمًا منه إلى قتلهم، وقطعًا منه لأرحامهم، وترة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، فولغ فيهم ولغان الكلاب، وضري بقتل صغيرهم وكبيرهم ضراوة الذئاب، ونهم بهم نهم الخنزير، واللهُ له ولمن عمل بعمله بالمرصاد. فلما أهلكه الله قابلتنا أنت وأخوك الجبار الفظ الغليظ العنيد، بأضعاف فتنته، واحتذاء سيرته، قتلاً وعذابًا وتشريدًا وتطريدًا، فأكلتمانا أكل الربا، حتى لفظتنا الأرض خوفًا منكما، وتأبّدنا في الفلوات هربًا عنكما، فأنست بنا الوحوش وأنسنا بها، وألفتنا البهائم وألفناها، ولو لم يجترم أخوك إلا قتل الحسين بن علي وأسرته بفخ لكفى بذلك عند الله وزرًا عظيمًا وسيعلم وقد علم ما اقترف، والله مجازيه وهو المنتقم لأوليائه من أعدائه. ثم امتحننا الله بك من بعده، فحَرصت على قتلنا، وظلمت الأول والآخر منا، لا يؤمنك منهم بُعْد دار، ولا نأي جار، تتبعهم حيلك وكيدك حيث ستروا من بلاد الترك والديلم، لا تسكن نفسك ولا يطمأن قلبك دون أن تأتي على آخرنا، ولا تدع صغيرنا، ولا ترثى لكبيرنا؛ لئلا يبقى داع إلى حق، ولا قائل بصدق، ولا أحد من أهله، حتى أخرجك الطغيان، وحملك الشنآن أن أظهرت بغضة أمير المؤمنين، وأعلنت بنقصه، وقربت مبغضيه، وآويت شانئيه، حتى أربيت على بني أمية في عداوته، وأشفيت غلتهم في تناوله، وأمرت بكرب قبر الحسين بن علي صلوات الله عليه، وتعمية موضعه، وقتل زوَّاره، واستئصال محبيه، وأوعدت فيه وأرعدت وأبرقت على ذكره، فوالله لقد كانت بنو أمية الذين وضعنا آثارهم مثلاً لكم، وعددنا مساويهم احتجاجًا عليكم على بعد أرحامهم أرأف بنا منكم، وأعطف علينا قلوبًا من جميعكم، وأحسن استيفاء لنا ورعاية من قرابتكم، فوالله ما بأمركم خفاء، ولا بشأنكم امتراء، ولم لا تُجَاهَدُ؟ وأنت معتكف على معاصي الله صباحًا ومساء، مغترًّا بالمهلة، آمنًا من النقمة، واثقًا بالسلامة، تارة تغري بين البهائم بمناطحة كبش، أو مناقرة ديك، أو مخارشة كلب، وتارة تفترش الخصيان، وتأتي الذُّكْرَانَ، وتترك الصلاة صاحيًا وسكران، ثم لا يشغلك ذلك عن قتل أولياء الله، وانتهاك محارم الله، فسبحان الله ما أعظم حلمه، وأكثر أناته عنك وعن أمثالك، ولكنه تبارك وتعالى لا يعجل بالعقوبة، وكيف يعجل وهو لا يخاف الفوت وهو شديد العقاب.
فأما ما دعوتني إليه من الأمان، وبذلت لي من الأموال، فمثلي لا تثني الرغائب عزمته، ولا تَنْحَلُّ لخطير همتُه، ولا تبطُل سعيًا باقيًا على الأيام أثره، ولا يترك جزيلاً عند الله أجرهُ بمال فانٍ، وعار باق، هذه صفقة خاسرة، وتجارة بائرة، وأستعصم الله منها، وأسأله أن يجيرني من مثلها بمنه وطوله.
أفأبيع المسلمين وقد سمت إليَّ أبصارهم، وانبسطت نحوي آمالهم بدعوتي، واشرأبت أعناقهم نحوي؟ إني إذًا لدنيُ الهمة، لئيم الرغبة، ضيق العطن، هذا والأحكام مهملة، والحدود معطلة، والمعاصي مستعملة، والمحارم منتهكة، ودين الله محقور، وبصيرتي مشحوذة، وحجّة الله قائمة في إنكار المنكر.
أفابيع خطيري بمالكم، وشرف موقفي بدراهمكم، وألبس العار والشنار بمقامكم؟! لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، والله ما أكلي إلا الجشب، ولا لباسي إلا الخشن، ولا شعاري إلا الدرع، ولا صاحبي إلا السيف، ولا فراشي إلا الأرض، ولا شهوتي من الدنيا إلا لقاؤكم، والرغبة في مجاهدتكم، ولو موقفًا واحدًا لانتظار إحدى الحسنيين في ذلك كله في ظفر أو شهادة.
وبعد فإن لنا على الله وعدًا لا يخلفه، وضمانا سوف ننجزه حيث يقول: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] وهو الذي يقول عز قائلاً: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5].
فلما ورد جواب يحيى عليه السلام على هارون أثنى وساده، وشاور أهل الرأي من خاصته فاستبهم عليهم الأمر، فقال أبو البختري وهب بن وهب، وكان من قضاته بل جعله قاضي القضاة: يا أمير المؤمنين عليَّ أن أحتال لك حتى تسَلَّمَ يحيى من جستان، فقال: وكيف ويحك تعمل؟ قال: أجمع من وجوه أهل قزوين وزنجان والري وأبهر وهمذان وعلمائها من قدرت عليه، ويشهدون عند جستان أني قاضي القضاة، وأشهد أن يحيى لك عبدٌ، ويشهدون وأنا لك بالخلافة، فانجلى كرب هارون وأمر لأبي البختري بجائزة ثلاثمائة ألف، ووجّه من فوره إلى الفضل بن يحيى، وأمره أنّ من امتنع من الشهادة ضُربت عنقه، واصطُفي ماله، ومن شهد أُكرم وأسقط عنه الخراج؛ فجمع من العلماء من أهل الجهات والنواحي التي سميناها ممن يعرفهم جستان ألف رجل وثلاثمائة رجل، ثم تقدموا إلى جستان فشهدوا بأن أبا البختري قاضي القضاة، وشهدوا لجستان بأن يحيى عبدٌ لهارون، وليس بابن بنت النبي عليه السلام.
وقد كان الفضل عرف أن امرأة جستان غالبةٌ عليه فطمع فيه من جهتها، فأنفذ إليها من الألطاف والجواهر والطيب والثياب حتى أرضاها، فأشارت على جستان بتسليمه إليهم، فلما اجتمع هذان السببان، قال جستان ليحيى عليه السلام: يا يحيى ما وجدت أحدًا تخدعه بدعوتك غيري؟ فقال له عليه السلام: أيها الرجل إن لك عقلاً فاجعله حكمًا دون هواك، لو أني كنت كما قالوا ما وجهوا إليك بهذا المال، ولا وجهوا هذا الجند العظيم وأنفقوا هذا المال الجسيم لأجل عبد هرب، ولا جمعوا من وجوه هذه الأمصار من ترى؛ ليشهدوا عندك بالزور، فابعث من تثق به يسأل عني في هذه الأمصار وفي غيرها من أنا حتى تكون على يقين من أمرك.
فقال جستان وكانت نيته قد فسدت بهذه الأسباب: هذا يطول، ما كان هؤلاء ليشهدوا عندي بالزور.
فقال: إنهم مكرهون على الشهادة، وإنّ من أبى منهم قتل، فاجمع بيني وبينهم، فقال: أفعل هذا، فلما اجتمعوا عليه قام فقال: الحمد لله على ما أولانا من نعمة وأبلانا من محنة، وأكرمنا بولادة نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم محمد، وعلى جزيل ما أولى، وجميل ما ابتلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله انتخبه واصطفاه، واختاره واجتباه صلوات الله عليه وآله أجمعين أما بعد: معاشر العرب؛ فإنكم كنتم من الدنيا بشر دار، وضنك قرار، ماؤكم أجاج، وأكلكم لماج، من العِلْهِز والهبيد، الأعاجم لكم قاهرة، وجنودهم عليكم ظاهرة، لم يمنعهم من تحويلكم من بلدكم إلا قلة خير بلدكم، أنتم مع الدنيا بمنزلة السَّقْب مع الناب الصعبة الضروس متى دنا إليها لينال من درِّها منعته، إن أتاها من أمامها خبطته، أو من ورائها رمحته، أو من عرضها عضَّته، فما عسى أن يصيب منها هذا على تفرق شملكم، واختلاف كلمتكم، لا تُحِلُّون حلالاً، ولا تحرمون حرامًا، ولا تخافون آثامًا، قد رانَ الباطل على قلوبكم فلا تعقلون، وغطت الحيرة على أبصاركم فما تبصرون، وأسكت الغفلة على أسماعكم فما تسمعون، على أن عودكم نضار، وأنتم ذو الأخطار، ثم من الله عليكم وخصكم دون غيركم، فبعث فيكم محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم منكم خاصة، وأرسله للناس كافة، وجعله بين أظهركم ليميز به بينكم، وهو تعالى أعلم بكم منكم بأنفسكم، فاستنقذكم من ظلمة الضلال إلى نور الهدى، وجلى غشاوة العمى عن أبصاركم بضياء مصابيح الحق، واستخرجكم من عمى بحور الكفر إلى جدد أرض الإيمان، وجَمَلَ بِرِفْقِه ما انفتق من رتقكم، ورأبَ بيُمْنِه ما انصدع من شعبكم، وَلمَّ بإصلاحه ما فرقت الأحقاد والجهل من قلوبكم، ثم اقتضب برمحه لكم الدنيا الصعبة، فذلت بعد عَنَت، وأبّسها فأرزمت، وتفاجّت واجترت بعد ضرس، ودرت ضرعها بيمين كفه، فأحفلت أخلافها، وانبعثت أحاليبها، فرأمتكم كما ترأم الناب المقلاة طلاها، فشربتم عَللاً بعد نَهَلٍ، وملأتم أسقيتكم فضلًا بعد التظاظ، وتركها صلى الله عليه وآله وسلم تدور حولكم وتلوذ بكم كما تلوذ الزحور بسقبها.
فلما أقام أوَد قناتكم بثقاف الحق، ورحض بظهور الإسلام عن أبدانكم درن الشرك، ولحب لكم الطريق، وسن لكم السنن، وشرع لكم الشرائع خافضًا في ذلك جناحه، يشاوركم في أمره ويواسيكم بنفسه، ولم يبغ منكم على ما جاءكم به أجرًا إلا أن تودوه في قرباه، وما فعل صلى الله عليه وآله وسلم ذلك حتى أنزل الله فيه قرآنًا، فقال تبارك وتعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23] فلما بلغ رسالة ربه، وأنجز له ما وعده من طاعة العباد والتمكن في البلاد، دُعِيَ صلى الله عليه وآله وسلم فأجاب، فصار إلى جوار ربه وكرامته، وقدم على البهجة والسرور، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فوعده الشفاعة عنده، والمقام المحمود لديه، فخلَّف بين أظهركم ذريته، فأخرتموهم وقدمتم عليهم غيرهم، ووليتم أموركم سواهم، ثم لم يلبث إلا يسيرًا حتى جعلتم مال ولده حوزًا، وظلمت ابنته فدُفنت ليلاً، وقُتل فيكم وصيه وأخوه وابن عمه وزوج ابنته، ثم خُذِل وجُرح وسُمَّ سبطه الأكبر أبو محمد، ثم قُتِل سبطه الأصغر أبو عبدالله مع ثمانية عشر من أهل بيته الأدنَيْنَ في مقام واحد، ثم على أثر ذلك نبش وصلب وأحرق بالنار ولد ولده، ثم هُم بعد ذلك يُقتَّلون ويُطَرَّدون ويشردون في البلاد إلى هذه الغاية، قُتل كبارهم، وأوتم صغارُهم، وأرملت نساؤهم، سبحان الله! ما لقي عدوٌّ من عدوِّه ما لقي أهل بيت نبيكم منكم من القتل والخوف والصلب، وليس فيكم من يغضب لهم إلا هزؤًا بالقول، وإن غضبتم زعمتم وقمتم معهم كي تنصروهم لم تلبثوا إلا يسيرًا حتى تخذلوهم وتفرقوا عنهم، فلو كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم من السودان البعيدة أنسابهم، المنقطعة أسبابهم إلا أنه قد جاوركم لوجب عليكم حفظه في ذريته، فكيف وأنتم شجرة هو أصلها، وأغصان هو فرعها، تفخرون على العجم، وتصولون على سائر الأمم، وقد عاقدتموه وعاهدتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون من أنفسكم وذراريكم، فَسَوْءَةً لكم ثم سوءة، بأي وجه تلقونه غدًا، وبأي عذر تعتذرون إليه؟ أبقلة؟ فما أنتم بقليل، أفتجحدون؟ فذلك يوم لا ينفع جحد، ذلك يوم تبلى فيه السرائر، أم تقولون: قتلناهم فمصدقون، فيأخذكم الجليل أخذ عزيز مقتدر، لقد هدمتم ما شيّد الله من بنيانكم، وأطفأتم ما أنار من ذكركم، فلو فعلت السماء ما فعلتم لتطأطات إذلالاً، أو الجبال لصارت دكًا، أو الأرض لمارت مَورًا، إني لأعجب من أحدكم يقتل نفسه في معصية الله ولا ينهزم، يقول بزعمه لا تتحدثنَّ نساء العرب بأني فررت، وقد تحدثت نساء العرب بأنكم خفرتم أمانتكم ونقضتم عهودكم، ونكصتم على أعقابكم، وفررتم بأجمعكم عن أهل بيت نبيكم، فلا أنتم تنصرونهم للديانة وما افترض الله عليكم، ولا من طريق العصبية والحمية، ولا لقرب جوارهم وتلاصق دارهم منكم، ولا أنتم تعزلونهم فلا تنصرونهم ولا تنصرون عليهم عدوهم، بل صيرتموهم لُحمة لسيوفكم، ونُهْزًا لتشفي غيظكم من قتلهم واستئصالهم وطلبهم في مظانهم ودارهم وفي غير دارهم، فصرنا طريدة لكم من دار إلى دار، ومن جبل إلى جبل، ومن شاهق إلى شاهق، ثم لم يقنعكم ذلك حتى أخرجتمونا من دار الإسلام إلى دار الشرك، ثم لم ترضوا بذلك من حالنا حتى تداعيتم علينا معشر العرب خاصة من دون العجم من جميع الأمصار والمدائن والبلدان، فخرجتم إلى دار الشرك، طلبًا لدمائنا دون دماء أهل الشرك تلذذًا منكم بقتلنا، وتقربًا إلى ربكم باجتياحنا، زعمتم أن لا يبقى بين أظهركم من ذرية نبيكم عين تطرف ولا نفس تعرف، ثم لم يقم بذلك منكم إلا أعلامكم، ووجوهكم، وعلماؤكم، وفقهاؤكم، والله المستعان.
قال الراوي: فلما سمعنا كلامه وخطبته بكينا حتى كادت أنفسنا أن تخرج، قال: فقمنا وتشاورنا فقلنا: هل بقي لكم حجة أو علّة لو قتلتم عن آخركم، وسبيت ذراريكم، واصطفيت أموالكم كان خيرًا لكم من أن تشهدوا على ابن بنت نبيكم بالعبودية، وتنفونه عن نسبه، قال: فعزمنا على أن لا نشهد، قال: فقال البختري: إن هذا يحيى قد دخل بلاد الديلم، ويريد أن يقاتل بأهل الشرك أهل الإسلام، ويخرج به من طاعة أمير المؤمنين، وقد جاءت الرخصة في الكذب، والخديعة في الحرب، وقد رأينا أنه عبد لأمير المؤمنين نطلب بذلك الثواب عند الله تعالى لترجع ألفة المسلمين، وتسكن الثائرة، ولا غنى بكم عن حسن جزاء أمير المؤمنين، وهذا كتابه، فقرأه عليهم بما فيه من الإيعاد لمن امتنع، والأطماع لمن أجاب، وكان معه سليمان بن قليح فشفع كلامه، قال: وصاح بنا أبو البختري: ما تنتظرون؟ خدعكم فانخدعتم، وملتم معه على أمير المؤمنين، والله لئن امتنعتم من الشهادة عليه لتُقْتَلُنَّ عن آخركم، ولتُسبينّ ذراريكم، ولتؤخذنّ أموالكم؛ فتقدموا فشهدوا بأجمعهم أنه عبد لهارون وليس بابن بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا من أهل قزوين، وزنجان وأبهر وشهر برد وهمَذان والري ودنباوند والرؤايان تسعمائة رجل، ومن أهل طبرستان أربعمائة.
وكل هؤلاء من أهل الشرف والقدر والعرب المتمكنين في البلاد، ليس فيهم وضيع إلا اليسير، وكان أكثر أولئك الشهود؛ لأنهم من العلماء قد بايع ليحيى عليه السلام، قال جستان: هل بقيت لك علة تعتل بها؟ قال يحيى عليه السلام: بكاؤهم وترددهم، إنهم مكرهون، فإن أبيت إلا غدرًا فأنظرني آخذ لي ولأصحابي الأمان على نسخة أنسخها وأوجه بها إلى هارون حتى أكتب إقراره بخطه وجميع الفقهاء والمعدلين من بني هاشم ففعل، وكتب إلى الفضل بذلك، وكتب الفضل إلى الرشيد فأمتلأ الرشيد سرورًا وفرحًا، وأجاب إلى العقد ليحيى عليه السلام، وأشهد على نفسه من ذكره يحيى من العلماء والهاشميين، وأتى كتاب هارون وخطه بيده.
ثم انفصل يحيى عليه السلام من ملك الديلم، فلما دنا من الفضل بن يحيى تلقاه وترجّل له وقبَّل ركابه، وذلك بمرأى من جستان، فندم جستان وحينئذ أخذ ينتف لحيته ويحثوا التراب على رأسه تلهُّفًا وتحسرًا، وعلم أنه قد خُدع، وإن كان قد وضح له الحال لكنه مال إلى الطمع ومساعدة زوجته الكافرة، فوثب عليه بنو عمه فقتلوه وملّكوا سواه.
وكان قد أسلم على يدي يحيى عليه السلام جماعة من الديلم وبنوا مسجدًا، وقدم يحيى عليه السلام مع الفضل بن يحيى بغداد فتلقاه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بأربعمائة ألف دينار، وأجرى له الرواتب السنية وأنزله منزلاً سنيًا بعد أن أقام في منزل يحيى بن خالد أيامًا، وكان يتولى أمره بنفسه تعظيمًا له، وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحيى والسلام عليه، فأقام يحيى عليه السلام في بغداد مدة، ثم استأذن هارون في النهوض إلى المدينة فأذن له فوصلها فقضى ديون الإمام الحسين بن علي الفخي عليهما السلام، ووصلَ فقراء آل أبي طالب عليهم السلام وأشياعهم وعامة المسلمين، وأقام عليه السلام على ذلك مديدة ثم أزعجه هارون من المدينة إلى بغداد.
ذكر أولاده ووفاته (ع)
محمد، وله العقب من أولاده جماعة بالمغرب، أمه: خديجة بنت إبراهيم ابن محمد بن طلحة.
وعيسى مئناث، وإبراهيم دَرَج، وعبدالله دَرَج، وصالح دَرَج، وقُريبة. ذكره السيد أبو طالب عليه السلام.
ذكر مقتله عليه السلام والسبب فيه:
روى الشيخ أبو الفرج رحمه الله في مقاتل الطالبية [274] في أخبار يحيى بن عبدالله عليه السلام أن نفرًا من أهل الحجاز تحالفوا على السِّعاية بيحيى والشهادة عليه، وأنه يدعو إلى نفسه، وأن أمانه منتقض، فوافق ذلك ما كان في نفس الرشيد، وهم: عبدالله بن مصعب الزبيري، وأبو البختري وهب بن وهب، ورجل من بني زهرة، ورجل من بني مخزوم، وافوا الرشيد بذلك، واحتالوا إلى أن أمكنهم ذكره له، فأشخصه الرشيد إليه وحبسه عند مسرور الكبير في سرداب، فكان في أكثر الأيام يدعوه فيناظره.
وروى أيضًا بإسناده [374] أنه دعا يحيى عليه السلام يومًا فجعل يذكر له ما رفع إليه في أمره، وهو يخرج كتبًا كانت في يده حججًا فيقرأها الرشيد وأطراف الكتب في يد يحيى، فتمثل بعض من حضر:
أنى أُتيحَ له حِرباء تنضبه ... لا يرسل الساقَ إلا ممسكًا ساقا
فغضب الرشيد من ذلك وقال للمتمثل: أتؤيده وتنصره؟ قال: لا والله، ولكني شبهته في مناظرته واحتجاجه بقول هذا الشاعر، ثم أقبل عليه قال: دعني مِنْ هذا يا يحيى، أيُّنا أحسن وجهًا أنا أو أنت؟ قال: بل أنت يا أمير المؤمنين إنك لأنصع لونًا وأحسن وجهًا، قال: فأينا أسخى أنا أو أنت؟ قال: وما هذا يا أمير المؤمنين مما تسألني عنه؟ أنت تجبى لك خزائن الأرض وكنوزها، وأنا أمحل معاشي من سنة إلى سنة. فأينا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: قد أجبتك عن خصلتين فاعفني من هذه، قال: لا والله، قال: بلى فاعفني، فحلف بالطلاق والعتاق أن لا يعفيه.
فقال: يا أمير المؤمنين، لو عاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطب إليك ابنتك أكنت تزوجُه؟ قال: إي والله، قال: فلو عاش فخطب إليَّ أكان يحل لي أن أزوجه؟ قال: لا، قال: فهذا جواب ما سألت.
فغضب الرشيد وقام من مجلسه، وخرج الفضل بن الربيع وهو يقول: والله لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملكه، قالوا: ثم رده إلى محبسه في يومه ذلك.
ثم دعا به وجمع بينه وبين عبدالله بن مصعب الزبيري؛ ليناظره فيما رفع إليه فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد، وقال: نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته، فقال له يحيى عليه السلام يا أمير المؤمنين: أتصدق هذا علي وتستنصحه وهو ابن عبدالله بن الزبير الذي أدخل أباك وولده الشعب وأضرم عليهم بالنار حتى تَخَلَّصَهُ أبو عبدالله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب منه، وهو الذي بقي أربعين جمعة لا يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته حتى التاث عليه الناس، فقال: إن له أهلَ بيت سوء، إذا ذكرته اشرأبت نفوسهم إليه وفرحوا بذلك، فلا أحب أن أُقرَّ أعينهم بذكره، وهو الذي فعل بعبدالله بن عباس ما لا خفاء به عليك، حتى لقد ذبحت له يومًا بقرة فوجدت كبدها قد تفتتت، فقال له ابنه علي بن عبدالله: يا أبه ما ترى كبد هذه البقرة؟ قال: يا بني هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه: يا بني الحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبدالله بن الزبير، ووالله إن عداوة هذا لنا جميعًا بمنزلة سواء لكنه قَوِيَ عليَّ بك وضعف عنك، فتقرب بي إليك ليظفر منك فِيَّ بما يريد؛ إذ لم يقدر على مثله منك، وما ينبغي لك أن تسوِّغه ذلك فيَّ، فإن معاوية بن أبي سفيان وهو أبعد نسبًا منك إلينا ذَكَرَ يوما الحسن بن علي فَسَفَّهَهُ فساعده عبدالله بن الزبير على ذلك فزجره معاوية، فقال: إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين، فقال: إن الحسن لحمي آكُلُهُ ولا أُوكِلُهُ، فقال عبدالله ابن مصعب: إن عبدالله بن الزبير طلب أمرًا فَأَدْرَكَهُ، وإن الحسن باع الخلافة بالدراهم، أتقول هذا في عبدالله بن الزبير وهو ابن صفية بنت عبدالمطلب؟ فقال يحيى: يا أمير المؤمنين ما أنصفنا إذ يفخر علينا بامرأة من نسائنا وامرأة منا، هلاَّ فخر بهذا على قومه من التوبيات والأسامات والحميدات، فقال عبدالله بن مصعب: ما تَدَعُونَ بَغْيَكُمْ علينا وتوثبكم في سلطاننا؟ فرفع يحيى عليه السلام رأسه إليه ولم يكن يكلمه قبل ذلك إنما كان يخاطب الرشيد بجوابه لكلام عبدالله، فقال له: أتَوَثَّبْنَا في سلطانكم؟ ومن أنتم أصلحك الله؟ عَرِّفْنِي فلستُ أعرفكم، فرفع الرشيد رأسه إلى السقف يجيله فيه ليستر ما عراه من الضحك، ثم غلبه الضحك ساعة وخجل ابن مصعب، ثم التفت يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، ومع هذا فهو الخارج مع أخي على أبيك والقائل له:
إن الحمامةَ يوم الشعب من دثَن ... هاجت فؤاد محبٍّ دائم الحزَنِ
إنَّا لنأمل أن ترتَد أُلفتنا ... بعد التدابر والبغضاء والإحَنِ
حتى يثابَ على الإحسان محسننا ... ويأمنَ الخائف المأخوذ بالدِّمَنِ
وتنقضي دولةٌ أحكام قادتها ... فينا كأحكام قوم عابدي وثَنِ
فطال ما قدْ بَرَوا بالجور أعظمنا ... بَرْي الصَنَاعِ قداح النبع بالسّفَنِ
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني حَسَنِ
لاعزَّ ركنا نزار عند سطوتها ... إن أسلمتك ولا رُكنا ذوي يَمَنِ
ألستَ أكرمَها عودًا إذا نسبوا ... يومًا وأطهرَهم ثوبًا من الدَّرَنِ
وأعظمَ الناسِ عند الناس منزلةً ... وأبعدَ الناس من عيب ومن وَهَنِ
قال فتغير وجه الرشيد عند سماع هذا الشعر، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو وبأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له، فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين ما قال هذا الشعر غيره، وما حلفت كاذبًا ولا صادقًا بالله قبل هذا، وإن الله إذا مجده العبد في يمينه بقوله الرحمن الرحيم الطالب الغالب استحيى أن يعاقبه فدعني أحلِّفْهُ بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبًا إلا عوجل، قال: حلفه، قال: قل برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلدت الحول والقوة من دون الله استكبارًا على الله واستغناء عنه، واستعلاء عليه إن كنتُ قلتُ هذا الشعر، فامتنع عبدالله من الحلف بذلك، فغضب الرشيد وقال: للفضل ابن الربيع: يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقًا؟ هذا طليساني عليّ، وهذه ثيابي لو حلّفني أنها لي لحلفت، فرفس الفضلُ عبدالله بن مصعب برجله وصاح به: احلف ويحك -وكان له هوى- فحلف باليمين ووجهه متغير وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه، ثم قال: يا ابن مصعب قطعتَ والله عمرك، والله لا تفلح بعدها، فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع ومات من اليوم الثالث، فحضر الفضل جنازته ومشى معها ومشى الناس معه، فلما جاءوا به إلى القبر ووضعوه في لحده، وجُعِلَ اللَّبِنُ فوقه انخسف القبر فهوى به حتى غاب عن أعين الناس فلم يروا قرار القبر وخرجت منه غبرةٌ عظيمة فصاح الفضل: التراب التراب، فجعل يطرح التراب وهو يهوي، ودعا بأحمال شوك فطرحها فهوت فأمر حينئذ بالقبر فسقف بخشب وأصلحه وانصرف منكسرًا.
وكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل: رأيتَ يا عباسي ما أسرع ما أديل يحيى من ابن مصعب.
وفيه يقول أبو فراس الحارث بن سعيد:
يا جاهدًا في مساويهم لتكتمها ... غَدْرُ الرشيد ليحيى كيف ينكتمُ
ذاق الزبيري غِب الحنث وانكشفت ... عن ابن فاطمة الأقوال والتهمُ
قال السيد أبو طالب عليه السلام [الإفادة: 81]: وكان يحيى عليه السلام إذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة سجد سجدة إلى قرب السحر ثم يقوم فيصلي وكان هارون يطلع عليه من قصره فقال ليلة ليحيى بن خالد وهو عنده: انظر هل ترى في ذلك الصحن شيئًا؟ وأشار إلى الموضع الذي كان يسجد فيه، فقام ونظر وقال: أرى بياضًا، ثم قال له: قرب طلوع الفجر انظر هل ترى ذلك البياض؟ فنظر، فقال: لست أراه.
فقال: ذلك يحيى بن عبدالله إذا فرغ من صلاة العتمة سجد سجدة يبقى فيها إلى آخر الليل، قال يحيى: فقلت في نفسي انظر ويلك أن لا تكون المبتلى به، ثم سلمه إلى يحيى بن خالد.
قال الشيخ أبو الفرج: ثم جمع الرشيد الفقهاء وفيهم محمد بن الحسن صاحب أبي يوسف القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو البختري وهب بن وهب، فجمعوا في مجلس، فخرج إليهم مسرور الكبير بالأمان، فبدأ محمد بن الحسن فنظر فيه فقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة في نقضه، وكان يحيى قد عرضه بالمدينة على مالك وابن الدراوردي وغيرهم فعرَّفوه أنه مؤكد لا علة به، فصاح عليه مسرور وقال: هاته، فدفعه إلى الحسن بن زياد، فقال: بصوت ضعيف هو أمان.
وروى غير الشيخ أبو الفرج من علمائنا رحمهم الله تعالى: أن محمد بن الحسن قال: فمن نقضه فعليه لعنة الله، فسمعه الرشيد فأخذ الدواة فرماه بها فشجَّه، فانصرف إلى منزله وهو يبكي فقال له صاحبه: أتبكي من شجة في سبيل الله؟ قال: لا والله ولكني أخاف أن أكون قصّرت في أمر يحيى فأكون قد شركت في دمه.
رجعنا إلى رواية الشيخ أبو الفرج قال رحمه الله: واستلبَه أبو البَخْتري وهب بن وهب فقال: هذا باطل منتقض، قد شق العصا، وسفك الدم، فاقتله ودمه في عنقي فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره، فقال له: اذهب فقل له: خزِّقه إن كان باطلا بيدك، فجاءه مسرور، فقال له ذلك، فقال: شقه يا أبا هاشم، فقال له مسرور: بل شقه إن كان منتقضًا، فأخذ سكينًا فجعل يشقه ويده ترعد حتى صيره سيورًا، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده وهو فرح وهو يقول له: يا مبارك يا مبارك، وَوَهَبَ لأبي البَخْتري ألف ألف وخمسمائة ألف درهم، وولاه قضاء القضاة، وصرف الآخرين، ومنع محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة، وأجمع على إنفاذ ما أراده في يحيى عليه السلام.
وقد اختُلف في قتله كيف كان، فروى بإسناده عن رجل كان مع يحيى في المطبق قال: كنت قريبًا منه، وكان في أضيق البيوت وأظلمها، فبينما نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال وقد مضت من الليل هجعة فإذا هارون قد أقبل على برذون له، ثم وقف فقال: أين هذا؟ يعني يحيى بن عبدالله، قالوا: في هذا البيت، قال عليَّ به، فأدنى إليه فجعل هارون يكلمه بشيء لم أفهمه، فقال: خذوه، فأخذه فضربه مائة عصى، ويحيى يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: بقرابتي منك، فيقول: ما بيني وبينك قرابة.
ثم حُمل فردَّ إلى موضعه، فقال: كم أجريتم عليه؟ فقالوا: أربعة أرغفة، وثمانية أرطال ماء، قال اجعلوه على النصف من ذلك، ثم خرج فمكثنا ليالي، ثم سمعنا وقعًا فإذا نحن به حتى دخل فوقف موقفه، فقال عليَّ به، فأُخرج ففعل به مثل فعله ذلك، وضربه مائة عصى أخرى، ويحيى يناشده الله، فقال: كم أجريتم عليه؟ فقالوا: رغيفين وأربعة أرطال ماء، قال اجعلوه على النصف. ثم خرج وعاد الثالثة وقد مرض يحيى عليه السلام وثقل، فلما دخل قال: عليَّ به، قالوا: هو عليل مدنف لما به، قال: كم أجريتم عليه؟ قالوا: رغيفًا ورطلين، قال فاجعلوه على النصف، ثم خرج، فلم يلبث يحيى أن مات فأخرج للناس ودفن.
وقال ابن عمار في روايته وإبراهيم بن رباح أنه بنى عليه أسطوانة بالرافقة وهو حي.
وذكر غيره من علمائنا أنه كان للرشيد بركة فيها أسود يرمي فيها من سخط عليه فتنشط لحمه، فجوَّعها ثم رمى بيحيى عليه السلام إليها فتلقته وبصبصت له وما ضرته وأطلع منهن.
وذكر الشيخ أبو الفرج بإسناده عن عبدالرحمن بن عبدالله بن عمر بن حفص العمري قال: دعينا لمناظرة يحيى بحضرة الرشيد، فجعل يقول له: يا يحيى اتق الله وعرِّفني أصحابك السبعين لئلا ينتقض أمانك، وأقبل علينا فقال: إنَّ هذا لم يسمِّ أصحابه فكلما أردت أخذ إنسانًا يبلغني عنه شيء أكرهه ذكر أنه ممن أمنته، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين أنا رجل من السبعين فما الذي نفعني من الأمان؟ أفتريد أن أدفع إليك قومًا تقتلهم معي؟ لا يحل لي هذا.
قال: ثم خرجنا ذلك اليوم ودعانَا يوما آخر فرأيته أصفر الوجه متغير اللون، فجعل الرشيد يكلمه فلا يجيبه، فقال: ألا ترون إليه لا يجيبني، فأخرج للرشيد لسانه وقد صار أسود مثل الحممة يرينا أنه لا يقدر على الكلام، فتغيّظ الرشيد وقال: إنه يريكم أني سقيته السم، ووالله لو رأيت عليه القتل لضربت عنقه صبرًا، قال: ثم خرجنا من عنده فلما صرنا في وسط الدار فخرَّ على وجهه لآخر ما به.
وروي أنه عليه السلام دفع إلى يحيى بن خالد ورقة ثم أمره بأن يسلِّمها إلى هارون بعد وفاته، وحرَّج عليه ألا يسلمها إلا بعد ذلك فدفعها إلى هارون ففتحتها فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم يا هارون المستعدي قد تقدم، والخصم على الأثر، والحاكم لا يحتاج إلى بينة، فقال هارون: ما منعك أن تدفعها إلي في حياته، قال: إنه حرَّج عليَّ في ذلك.
ولبعضهم يرثي يحيى عليه السلام:
يا بقعةً مات بها سيدٌ ... ما مثلُهُ في الأرض من سيد
مات السدى من بعده والندى ... وسُمِّيَ الموت به معتدي
لا زال غيث الله يا قبره ... عليك منه رائحٌ المغتدي
فكم حياء حزت من وجهه ... وكم ندى يحيى به المجتدي
كان لنا غيثًا به نرتوي ... وكان كالنجم به نهتدي
فإن رمانا الدهرُ عن قوسه ... وخاننا في منتهى السؤدد
فعن قريب نبتغي ثأره ... بالحسني الثائر المهتدي
إنَّ ابن عبدالله يحيى ثوى ... والمجدُ والسؤددُ في مُلْحدِ رجلًا.
قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة
هو: أبو الحسين وقيل: أبو عبدالله يحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وأمه: قُريْبة ابنة عبدالله ويعرف بربيح بن أبي عبيدة بن عبدالله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهي ابنة أخ هند أم محمد وإبراهيم وموسى أولاد عبدالله عليهم السلام.
صفته (ع)
قال السيد أبو طالب عليه السلام: كان عليه السلام آدم، حسن الوجه إلى القِصَر، ما هو عظيم البطن، فارسًا شجاعًا، وكانت له مقامات مشهورة في مبارزة الأعداء، وقتل الأبطال مع الإمام الحسين بن علي صاحب فخ عليهما السلام.
وفي كتاب مقاتل الطالبية [564] رواه بالإسناد عن بعضهم: كان قصيرًا آدم، حسن الوجه والجسم، تعرف سلالة الأنبياء في وجهه.
ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)
كان عليه السلام من عيون العترة عليهم السلام وفُضَلائها، قد نشأ على طريقة آبائه الأطهار السادة الأبرار سلام الله عليهم أجمعين، جامعًا بين العلم والعمل، قد روى الحديث عن أهله وغيرهم من الرواة، قال الشيخ أبو الفرج: وأكثر الرواية عن جعفر بن محمد، وروى عن أبيه وأخيه محمد، وعن أبان بن تغلب، وروى عنه مُخَوَّل بن إبراهيم، وبكار بن زياد، ويحيى بن مُساور، وعمرو بن حماد، وكان قد حضر عليه السلام القتال مع الحسين بن علي الفخي عليهم السلام، وقاتلَ قتالاً عظيمًا، وأصيب بنشاب كثير، قال الراوي: حتى صار كالقنفذ لكثرة لزومه فيه. ولما انفصلوا من الوقعة أقام مستترًا مدة طويلة يطوف في الآفاق خوفًا على نفسه، ووصل صنعاء وأقام بها شهورًا، وأخذ علماء صنعاء عنه علمًا كثيرا مثل يحيى بن زكرياء الصنعاني، ويحيى بن إبراهيم، ثم دخل بلاد الحبشة وخرج منها، وصار إلى بلاد الترك فتلقاه ملكها بالإكرام، وقدم له التحف العظيمة، ودعاه إلى الإسلام فأسلم على يديه سرًّا. وبث يحيى عليه السلام دعاته في الآفاق فجاءته كتبهم ببيعة مائة ألف فيهم العلماء والفقهاء، فقال يحيى عليه السلام: لا بد من الخروج إلى دار الإسلام، فنهاه ملك الترك عن ذلك، وقال: إنهم يخدعونك فلا تغترن، فقال يحيى: لا أستخير فيما بيني وبين الله تعالى أن أقيم في بلاد الشرك ومعي مائة ألف مقاتل من المسلمين فخرج إلى بلاد الديلم وقال: إن للديلم معنا خرجة وأرجو أن تكون معي فلم تكن معه عليه السلام، وإنما كانت مع الناصر للحق عليه السلام. فلما استقرّ يحيى عليه السلام في بلاد الديلم وأتاه سبعون رجلاً ممن كان قد استجاب له، وبلغ الخبر إلى هارون المسمَّى بالرشيد فتبلبل باله، وتغيّرت أحواله، وقَطَعَ الخمر، ولبس الصوف، وافترش اللّبود، وتحلى بغير ما يعتاده من العبادة والصلاح لما علا صيت يحيى عليه السلام في الآفاق، وانتشر ذكره. وكان في الذين بايعوه من عيون أهل العلم المشهورين: عبد ربه ابن علقمة، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن عامر، ومخول بن إبراهيم، والحسن بن الحسن العُرني، وإبراهيم بن إسحاق، وسليمان بن جرير، وعبدالعزيز بن يحيى الكناني، وبشر بن المعتمر، وفُلَيت بن إسماعيل، ومحمد بن أبي نعيم، ويونس بن إبراهيم، ويونس البجلي، وسعيد بن خثيم. وجَرَت على الشافعي رحمه الله نوبة، وذلك أن الرشيد لَمَّا بلغه أنه يدعو ليحيى بن عبدالله عليهما السلام أنفذ إليه من أتى به على حمار مُقَيّدًا مكشوف الرأس، فأُدخل بغداد على تلك الهيئة. وذكر بعض من صنف في أخباره عليه السلام أن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الذي يقال له: أستاذ محمد بن إدريس الشافعي كان من دعاة يحيى عليه السلام، ومن أجِلّة أصحابه وأهل زمانه، فكتب إلى أبي محمد الحضرمي كتابًا وهو: "بسم الله الرحمن الرحيم، سلامٌ عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى المستوجبين الصلاة من أهله أما بعد: فقد بلغني حبك أهل بيت نبيك عامة، ويحيى بن عبدالله خاصة؛ لمكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم، ولموضعهم الذي فضلهم الله به من بيننا، فلقد وفِّقت لرشدك بمودتك لهم؛ لأنهم أحق الناس بذلك منك ومن الأمة، وأقمنهم أن يُقَرِّبَك حبهم إلى ربك؛ لأنهم أهل بيت الرحمة، وموضع العصمة، وقرار الرسالة، وإليهم كان مختلف الملآئكة، وأهل رسول الله وعترته، فهم معدن العلم وغاية الحكم، فتمسك بصاحبك، واستظل بظله، وأعنه على أمره، وارض به محلًا، ولا تبغ به بدلاً، فإنه من شجرة باسقة الفرع، طيبة النبع، ثابتة الأصل، دائمة الأكل، قد ساخت عروقها فهي طيبة الثرى، واهتزت غصونها فهي تنطف الندى، وأورقت منضرة، ونورت مزهرة، وأثمرت مورقة، لا يُنقص ثمارها الجناة، ولا ينتزعها السقاة، فمن نزل بها وأوى إليها ورد حياضًا تفيض، ورعى رياضًا لا تغيض، وشرب شربًا رويًا هنيًئا مريئًا متلألأ غريضًا فضيضًا، فروَّى وارتوى من رواء بدلاء ملأى، مبذولة غير ممنوعة، معروضة غير مقطوعة، فاسْتَمْسِكْ بالعروة الوثقى من معرفة حق الله عليك في نصرة يحيى، وتحريم حرمته، واستغنم الظفر بما يلزمك من حفظه لمكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومكان الوصي بعده الإمام، ومكان أهله منه، وحفظ دين الله خاصة، وفي أهل البيت عامة، وأحببهم جميعًا حبًّا نافعًا، واجعل حبك إياهم حبًّا دائمًا بغير تقصير ولا إفراط، ولا احتراف ولا اختلاف، تجمعهم إذا تفرقوا، ولا تفرق بينهم إذا اجتمعوا، ولا تُصدِّق عليهم أهل الفرية من الرافضية الغلاة، فإنهم العداة للقائمين بالحق من عترة الرسول، وسيِّئوا النية فيهم والجرأة على الله بالإفك والشنآن، وهم أهل الخلابة وقلة المهابة للعواقب، واعلم أن من اعتقد ترك ما نهى عنه في السر الباطن، وأظهر الحق في المواطن، ولزم التقوى وحفظ حق ذي القربى، وتجنب في حبهم الجور والحزونة، وسلك الطريقة الوسطى، وسار فيهم بالقصد والسهولة، وأقرّ بالفضل لأهله، وفضّل ذا الفضل بفضله، ودعا إلى الله تعالى وإلى كتابه وسنة نبيه، ولم ير الإغماض في دينه، ولم ينقض مبرمًا، ولم يستحل محرمًا، فمن كانت هذه صفته لحق بالصالحين من سلفه وبخير آبائه الطاهرين، فتدبر ما وصفت لك، وميزه بقلبك، فإن كنتَ كذلك لحقتَ بأهل الولاية الباطنة والمودة الراتبة، التي لم تغيرها فتنة ولم تصبها أبنة، فَاسْكُنْ خير دار عند أكرم جار بأهنأ راحة وأفضل قرار، في مكان لا يشوبه المكاره والغل، ولا يعاب أهله بسوء الأخوة والبخل، يتلاقون بأحسن تحية، بصدق برية، وأخلاق سنية، لا تمازجها الريبة، ولا تنساع فيها الغيبة، قد وصلهم الله بحبله فاتصلوا به، وجمعهم في جواره فاستبشروا به، فعلى ذلك يتواخون وبه يتواصلون، يتحابون بالولاية، ويتوادون بحسن الرعاية، فهم كما قال الله: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ ... الآية} [الفتح: 29]، فهم كمثل من خلا من قبلهم، مستهم البأساء والضراء ونالهم المكروه واللأواء، والشدة والأذى، امتحنوا بعظيم المحن والبلوى، فصبروا لله على ما امتحنهم به، وأخلصوا لله ما أرادوا منه، فحباهم على ما أسلفوا، وكافأهم بجميل ما اكتسبوا، وأحبهم لعظيم ما صبروا، والله يحب الصابرين. رزقنا الله تراحم الأبرار وتواصل الأخيار الذين لهم عقبى الدار، وفتح لنا ولك أبواب الحكمة، وعصمنا وإياك بحبل العصمة، وشملنا بجميل النعمة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته". ولما علم هارون المسمى بالرشيد بكثرة من استجاب ليحيى عليه السلام، وكونه في الديلم عند جُسْتان وحيث لا طاقة له في أخذه قهرًا أعمل الحيلة في ذلك، فوجّه الفضل بن يحيى بن خالد في خمسين ألف مقاتل، وألزمه التوصل إلى استخراج يحيى عليه السلام بما يمكن من الحيل فتشدد الفضل في ذلك إزالة للتهمة عن نفسه، فقد كان سعي به إلى هارون وقيل: إنه يعرف مكان يحيى عليه السلام، وإنه كتب له منشورا يعرضه على أصحاب المسالح حتى لا يعترضوا له بحال. فلما جهز الفضل بن يحيى بالجند والأموال الجليلة أمره أن يبذل لجستان ما يحبه من الأموال، وأوصاه أن يعرض على يحيى عليه السلام كل أمر يوافق خاطره، وأن يعظم القطائع الجليلة على احترامه واحترام شيعته، وأن يسكن حيث أحب من البلاد. وشيع هارون الجيش إلى النهروان، فلما عرضوا عليه رأى ما أعجبه من كراع وسلاح ورجال، وكان ذلك سنة ست وسبعين ومائة، ونهض الفضل بن يحيى يطوي البلاد حتى حط بطالقان الري، فكاتب ملك الديلم وبذل له ألف ألف درهم على خروج يحيى عليه السلام، فامتنع ملك الديلم من ذلك، فأرسل إليه الفضل بالأموال، وأنواع التحف والهدايا فلم يؤثر فيه ذلك بل استمر على الامتناع. وقد كان هارون أودع الفضل كتابا إلى يحيى عليه السلام إن امتنع ملك الديلم فيه الأمان والوثائق، وأن يبذل له من المال ألف ألف وألف ألف وألف ألف وما أحب من القطائع، وينزله من البلاد حيث شاء. فكتب يحيى عليه السلام إلى هارون جواب كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فقد فهمت كتابك، وما عرضت عليَّ فيه من الأمان على أن تبذل لي أموال المسلمين، وتقطعني ضياعهم التي جعلها الله لهم دوني ودونك، ولم يجعل لنا فيها نقيرًا ولا فتيلاً، فاستعظمتُ الاستماع له فضلاً عن الركون إليه، واستوحشتُ منه تنزهًا عن قبوله، فاحبس عني أيها الإنسان مالك وإقطاعك وقضاك حوائجي، فقد أدَبتني إذًا خالف ناقصًا، وولدتني عاقًّا قاطعًا، فوالله لو أن من قَتلْتَهُ من أهلي تُرْكٌ وَدَيَالِمٌ على بعد أنسابهم مني وانقطاع رحمهم عني لوجَبَت عليَّ نصرتهم، والطلب بدمائهم، إذ كان منكم قتلهم ظلمًا وعدوانا، والله لكم بالمرصاد لما ارتكبتم من ذلك، وعلى الميعاد لما سبق فيه من قوله ووعيده، وكفى بالله جازيًا ومعاقبًا، وناصرا لأوليائه ومنتقما من أعدائه، وكيف لا أطلب بدمائهم وأنام عن ثأرهم، والمقتول بالجوع والعطش والنكال، وضيق المحابس وثقل الأغلال، وعَدْوِ العذاب وترادف الأثقال أبي -عبدالله بن الحسن- ذو الشيبة الزكية، والهمة السنية، والديانة المرضية، والخشية والتقية، شيخ الفواطم، وسيد أبناء هاشم طُرًّا، وأرفع أهل عصره قدرًا، وأكرم أهل بلاد الله فعلاً، ثم يتلوه إخوته وبنو أبيه، ثم إخوتي وبنو عمومتي نجوم السماء، وأوتاد الدنيا، وزينة الأرض، وأمان الخلق ومعدن الحكمة، وينبوع العلم، وكهف المظلوم، ومأوى الملهوف، ما منهم أحد إلا من لو أقسم على الله لبَرَّ قسمه، فما أنْسَ من الأشياء فلا أنسى مصارعهم، وما حل بهم من سوء مقدرتكم، ولؤم ظفركم، وعظيم إقدامكم، وقسوة قلوبكم، إذ جاوزتم قتلة من كفر بالله إفراطًا، وعذاب من عاند الله إسرافًا، ومُثلة من جحد الله عتوًا. وكيف أنساه؟ وما أذكره ليلاً إلا أقض عليَّ مضجعي وأقلقني عن موضعي، ولا نهارًا إلا أمَرَّ عليَّ عيشي، وقصر إلي نفسي حتى لوددت أني أجد السبيل إلى الاستعانة بالسباع عليكم فضلاً عن الناس، وآخذ منكم حق الله الذي أوجب عليكم، وأنتصف من ظالمكم، وأشفي غليل صدر قد كثرت بلابله، وأسَكِّن قلبًا جمًا وساوسُه من المؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم ولو يومًا واحدًا، ثم يقضي الله فيَّ ما أحب، وإن أعش فمدركٌ ثأري داعيا إلى الله سبحانه على سبيل الرشاد أنا ومن اتبعني، نسلك قصد من سلف من آبائي وإخواني وإخوتي القائمين بالقسط الدعاة إلى الحق، وإن أمت فعلى سَنَن ما ماتوا غير راهب لمصرعهم، ولا راغبٍ عن مذهبهم، فلي بهم أسوة حسنة، وقدوة هادية؛ فأول قدوتي منهم أمير المؤمنين رضوان الله عليه؛ إذ كان ما زال قائمًا وقت القيام مع الإمكان حتمًا، والنهوض لمجاهدة الجبارين فرضًا، فاعترض عليه من كان كالظلف مع الخف، ونازعه من كان كالظلمة مع الشمس، فوجدوا لعمر الله من حزب الشيطان مثل من وجدت، وظاهرهم من أعداء الله مثل من ظاهرك، وهم لمكان الحق عارفون، وبمواضع الرشد عالمون، فباعوا عظيم أجر الآخرة بحقير عاجل الدنيا، ولذيذ الصدق بغليظ مرارة الإفك، ولو شاء أمير المؤمنين لهدأت له، وركنت إليه بمحاباة الناكثين، واتخاذ المضلين، وموالاة المارقين، ولكن أبى الله أن يكون للخائنين متخذًا، وللظالمين مواليا، ولم يكن أمره عندهم مشكلاً، فبدلوا نعمة الله كفرًا، واتخذوا آيات الله هزوًا، وجحدوا كرامة الله، وأنكروا فضيلة الله، فقال رابعهم: أنَّى تكون لهم الخلافة والنبوة، حسدًا وبغيًا، فقديمًا حُسِدَ النبيئون وأبناء النبيين الذين اختصهم الله بمثل ما اختصنا، فأخبر عنهم تبارك وتعالى فقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا}}[النساء: 54]، فجمع لهم المكارم والفضائل، والكتاب والحكمة والنبوة والملك العظيم، فلما أبوا إلا تماديًا في الغي وإصرارًا على الضلال، جاهدهم أمير المؤمنين حتى لقيَ الله شهيدًا رضوان الله عليه. ثم تلاه الحسن سليل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشبيهه، وسيد شباب أهل الجنة، إذ كل أهلها سادة فكيف بسيد السادة، فجاهد من كان أمير المؤمنين جاهده، وسكن إليه من المسلمين من كان شايعه من ذوي السابقة وأهل المأثرة، فكان ممن نقض ما عقد له ونكث عما عاهده عمك عبيدُالله بن العباس حين اطمأن إليه، وظن أن سريرته لله مثل علانيته. وجهه على مقدمته في نحو عشرين ألف مقاتل من المسلمين، فلما نزل مَسْكِنًا من سواد العراق باع دينه وأمانته من ابن آكلة الأكباد بمائة ألف درهم وفارق عسكره ليلاً ولحق بمعاوية، فدله على عورات عسكر ابن رسول الله، وأطمعه في مبارزته بعد أن كانت نفسه قد أُحيط بها وضاق عليه مورده ومصدره، وظنَّ أن لا مطمع له حين استدرج وأمهل له فارتحل الحسن بنفسه باذلاً لها في ذات الله ومحتسبًا ثواب الله، حتى إذا كان بالمدائن وثب عليه أخو أسد، فوجأه في فخذه فسقط لما به، وأيس الناس من إفاقته، فتبددوا شيَعًا، وتفرقوا قطعًا، فلما قصرت طاقته، وعجزت قوته، وخذله أعوانه سالم هو وأخوه معذورين مظلومين موتورين، فاستثقل اللعين ابن اللعين حياتهما، واستطال مدتهما، فاحتال بالاغتيال لابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نال مراده وظفر بقتله، فمضى مسمومًا شهيدًا، مغمومًا فقيدًا. وغبر شقيقه وأخوه وابن أمه وأبيه شريكه في فضله، ونظيره في سؤدده، على مثل ما انقرض عليه أبوه وأخوه، حتى إذا ظن أن قد أمكنته محنة الله من بوارهم، ونصرة الله من اخترامهم، دافعه عنها أبناء الدنيا، واستدرج بها أبناء الطلقاء، فبعدًا للقوم الظالمين، وسحقًا لمن آثر على سليل النبيين وبقية المهتدين الخبيث ابن الخبيثين، والخائن ابن الخائنين، فقتلوه ومنعوه ماء الفرات، وهو مبذول لسائر السباع، وأعطشوه وأعطشوا أهله وقتلوهم ظمأً، يناشدونهم فلا يجابون، ويستعطفونهم فلا يرحمون، ثم تهادوا رأسه إلى يزيد الخمور والفجور تقربًا إليه، فبعدًا للقوم الظالمين!!. ثم توجهت جماعة من أهل العلم والفضل إلى سجستان في جيش، فتذاكروا ما حل بهم من ابن مروان فخلعوه وبايعوا الحسن بن الحسن ورأسوا عليهم ابن الأشعث إلى أن يأتيهم أمره، وكان رأسهم غير طائل ولا رشيد، نصب العداوة للحسن قبل موافاته، فتفرقت عند ذلك كلمتهم وفل حدهم، فمزِّقوا كل ممزَّق، فلما هزِم جيش الطواويس احتالوا بجدي الحسن بن الحسن فمضى مسمومًا يتحسَّى الحسرة، ويتجرع الغيظ رضوان الله عليه، حتى إذا ظهر الفساد في البر والبحر شرى زيد بن علي عليهما السلام لله نفسه، فما لبث أن قُتل ثم صُلب ثم أحرق فأكرم بمصرعه مصرعًا. ثم ما كان إلا طلوع ابنه يحيى عليه السلام ثائرًا بخراسان فقضى نحبه وقد أعذر رضوان الله عليهما، وقد كان أخي محمد بن عبدالله دعا قبل زيد وابنه عليهما السلام فكان أول من أجابه، وسارع إليه جدك محمد بن علي ابن عبدالله بن عباس وإخوته وأولاده، فخرج ابن عمه يقوم بدعوته، حتى خدع بالدعاء إليه طوائف، ومعلوم عند الأمة أنكم كنتم لنا تدعون، وإلينا ترجعون، وقد أخذ الله عليكم منكم ميثاقًا لنا، وأخذنا عليكم ميثاقًا لمهدينا محمد بن عبدالله النفس الزكية الخائفة التقية المرضية، فنكثتم عند ذلك، وادعيتم من إرث الخلافة ما لم تكونوا تدعونه قديمًا ولا حديًثا، ولا ادَّعاه أحد لكم من الأمة إلا تقولًا كاذبًا، فها أنتم الآن تبغون دين الله عوجًا، وذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتلًا واجتياحًا، والآمرين بالمعروف صَلْبًا واستباحًا، فمتى ترجعون، وأنى تؤفكون؟ أو لم يكن لكم خاصة وللأمة عامة في محمد بن عبدالله فضلاً، إذ لا فضل يعدل فضله في الناس، ولا زهد يشبه زهده، حتى ما يتراجع فيه اثنان، ولا يترادُّ فيه مؤمنان، ولقد أجمع عليه أهل الأمصار من أهل الفقه والعلم في كل البلاد لا يتخالجهم فيه الشك، ولا تقفهم عنه الظنون، فما ذكر عند خاصة ولا عامة إلا اعتقدوا محبته، وأوجبوا طاعته، وأقروا بفضله وسارعوا إلى دعوته، إلا من كان من عتاة أهل الإلحاد الذين غلبت عليهم الشقوة، فغمصوا النعمة، وتوقعوا النقمة من شيع أعداء الدين وأفئدة المضلين وجنود الضالين، وقادة الفاسقين، وأعوان الظالمين، وحزب الخائنين، وقد كان الدعاء إليه منكم ظاهرًا، والطلب له قاهرًا، بإعلان اسمه وكتاب إمامته على أعلامكم: محمدنا منصور، يُعرف ذلك ولا يُنكر، ويسمع ولا يجهل، حتى صرفتموها إليكم وهي تخطب عليه، وكفحتموها عنه وهي مقبلة إليه، حين حضرتم وغاب، وشهدتم إبرامها، ورأى قلةَ رغبةٍ ممن حضر، وعظيم جرأة ممن اعترض، حتى إذا حصلت لكم بدعوتنا، وهدأت لكم بخطبتنا، وقرَّت لكم بنسبتنا، قالت لكم إجرامكم إلينا، وجنايتكم علينا: إنها لا توطأ لكم إلا بإبادة خضرائنا، ولا تطمئن لكم دون استئصالنا، فأغري بنا جدك المتفرعن فقتلنا، ولا يخفى أثره فينا عند المسلمين، لؤم مقدرة، وضراعة مملكة، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، قبل بلوغ شفاء قلبه من فنائنا، وهيهات أن يدرك الناس ذلك، ولله فينا خبيئةً لا بد من إظهارها، وإرادة لا بد من بلوغها، فالويل له، فكم من عين طالما غمضت عن محارم الله، وسهرت متهجدة لله، وبكت في ظلم الليل خوفًا من الله، قد أسحَّها بالعبرات باكية، وسمرها بالمسامير المحماة، وألصقها بالجدرات المرصوفة قائمة، وكم من وجه طالما ناجى الله مجتهدًا، وعنى لله متخشعًا، مشوهًا بالعمد مغلولاً مقتولاً، ممثولاً به معنوقًا، وبالله أن لو لم يلق الله إلا بقتل النفس الزكية أخي محمد بن عبدالله رحمه الله للقيه بإثم عظيم وخطب كبير، فكيف وقد قتل أبا النفس الزكية التقية، أبي عبدالله بن الحسن وإخوته وبني أخيه، ومنعهم روح الحياة في مطابقه، وحال بينهم وبين خروج النفس في مطاميره، لا يعرفون الليل من النهار، ولا مواقيت الصلاة إلا بقراءة أجزاء القرآن تجزئة قد عرفوه لما غابوا في أناء الليل والنهار حين الشتاء والصيف حال أوقات الصلاة، قرمًا منه إلى قتلهم، وقطعًا منه لأرحامهم، وترة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، فولغ فيهم ولغان الكلاب، وضري بقتل صغيرهم وكبيرهم ضراوة الذئاب، ونهم بهم نهم الخنزير، واللهُ له ولمن عمل بعمله بالمرصاد. فلما أهلكه الله قابلتنا أنت وأخوك الجبار الفظ الغليظ العنيد، بأضعاف فتنته، واحتذاء سيرته، قتلاً وعذابًا وتشريدًا وتطريدًا، فأكلتمانا أكل الربا، حتى لفظتنا الأرض خوفًا منكما، وتأبّدنا في الفلوات هربًا عنكما، فأنست بنا الوحوش وأنسنا بها، وألفتنا البهائم وألفناها، ولو لم يجترم أخوك إلا قتل الحسين بن علي وأسرته بفخ لكفى بذلك عند الله وزرًا عظيمًا وسيعلم وقد علم ما اقترف، والله مجازيه وهو المنتقم لأوليائه من أعدائه. ثم امتحننا الله بك من بعده، فحَرصت على قتلنا، وظلمت الأول والآخر منا، لا يؤمنك منهم بُعْد دار، ولا نأي جار، تتبعهم حيلك وكيدك حيث ستروا من بلاد الترك والديلم، لا تسكن نفسك ولا يطمأن قلبك دون أن تأتي على آخرنا، ولا تدع صغيرنا، ولا ترثى لكبيرنا؛ لئلا يبقى داع إلى حق، ولا قائل بصدق، ولا أحد من أهله، حتى أخرجك الطغيان، وحملك الشنآن أن أظهرت بغضة أمير المؤمنين، وأعلنت بنقصه، وقربت مبغضيه، وآويت شانئيه، حتى أربيت على بني أمية في عداوته، وأشفيت غلتهم في تناوله، وأمرت بكرب قبر الحسين بن علي صلوات الله عليه، وتعمية موضعه، وقتل زوَّاره، واستئصال محبيه، وأوعدت فيه وأرعدت وأبرقت على ذكره، فوالله لقد كانت بنو أمية الذين وضعنا آثارهم مثلاً لكم، وعددنا مساويهم احتجاجًا عليكم على بعد أرحامهم أرأف بنا منكم، وأعطف علينا قلوبًا من جميعكم، وأحسن استيفاء لنا ورعاية من قرابتكم، فوالله ما بأمركم خفاء، ولا بشأنكم امتراء، ولم لا تُجَاهَدُ؟ وأنت معتكف على معاصي الله صباحًا ومساء، مغترًّا بالمهلة، آمنًا من النقمة، واثقًا بالسلامة، تارة تغري بين البهائم بمناطحة كبش، أو مناقرة ديك، أو مخارشة كلب، وتارة تفترش الخصيان، وتأتي الذُّكْرَانَ، وتترك الصلاة صاحيًا وسكران، ثم لا يشغلك ذلك عن قتل أولياء الله، وانتهاك محارم الله، فسبحان الله ما أعظم حلمه، وأكثر أناته عنك وعن أمثالك، ولكنه تبارك وتعالى لا يعجل بالعقوبة، وكيف يعجل وهو لا يخاف الفوت وهو شديد العقاب.
فأما ما دعوتني إليه من الأمان، وبذلت لي من الأموال، فمثلي لا تثني الرغائب عزمته، ولا تَنْحَلُّ لخطير همتُه، ولا تبطُل سعيًا باقيًا على الأيام أثره، ولا يترك جزيلاً عند الله أجرهُ بمال فانٍ، وعار باق، هذه صفقة خاسرة، وتجارة بائرة، وأستعصم الله منها، وأسأله أن يجيرني من مثلها بمنه وطوله.
أفأبيع المسلمين وقد سمت إليَّ أبصارهم، وانبسطت نحوي آمالهم بدعوتي، واشرأبت أعناقهم نحوي؟ إني إذًا لدنيُ الهمة، لئيم الرغبة، ضيق العطن، هذا والأحكام مهملة، والحدود معطلة، والمعاصي مستعملة، والمحارم منتهكة، ودين الله محقور، وبصيرتي مشحوذة، وحجّة الله قائمة في إنكار المنكر.
أفابيع خطيري بمالكم، وشرف موقفي بدراهمكم، وألبس العار والشنار بمقامكم؟! لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، والله ما أكلي إلا الجشب، ولا لباسي إلا الخشن، ولا شعاري إلا الدرع، ولا صاحبي إلا السيف، ولا فراشي إلا الأرض، ولا شهوتي من الدنيا إلا لقاؤكم، والرغبة في مجاهدتكم، ولو موقفًا واحدًا لانتظار إحدى الحسنيين في ذلك كله في ظفر أو شهادة.
وبعد فإن لنا على الله وعدًا لا يخلفه، وضمانا سوف ننجزه حيث يقول: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] وهو الذي يقول عز قائلاً: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5].
فلما ورد جواب يحيى عليه السلام على هارون أثنى وساده، وشاور أهل الرأي من خاصته فاستبهم عليهم الأمر، فقال أبو البختري وهب بن وهب، وكان من قضاته بل جعله قاضي القضاة: يا أمير المؤمنين عليَّ أن أحتال لك حتى تسَلَّمَ يحيى من جستان، فقال: وكيف ويحك تعمل؟ قال: أجمع من وجوه أهل قزوين وزنجان والري وأبهر وهمذان وعلمائها من قدرت عليه، ويشهدون عند جستان أني قاضي القضاة، وأشهد أن يحيى لك عبدٌ، ويشهدون وأنا لك بالخلافة، فانجلى كرب هارون وأمر لأبي البختري بجائزة ثلاثمائة ألف، ووجّه من فوره إلى الفضل بن يحيى، وأمره أنّ من امتنع من الشهادة ضُربت عنقه، واصطُفي ماله، ومن شهد أُكرم وأسقط عنه الخراج؛ فجمع من العلماء من أهل الجهات والنواحي التي سميناها ممن يعرفهم جستان ألف رجل وثلاثمائة رجل، ثم تقدموا إلى جستان فشهدوا بأن أبا البختري قاضي القضاة، وشهدوا لجستان بأن يحيى عبدٌ لهارون، وليس بابن بنت النبي عليه السلام.
وقد كان الفضل عرف أن امرأة جستان غالبةٌ عليه فطمع فيه من جهتها، فأنفذ إليها من الألطاف والجواهر والطيب والثياب حتى أرضاها، فأشارت على جستان بتسليمه إليهم، فلما اجتمع هذان السببان، قال جستان ليحيى عليه السلام: يا يحيى ما وجدت أحدًا تخدعه بدعوتك غيري؟ فقال له عليه السلام: أيها الرجل إن لك عقلاً فاجعله حكمًا دون هواك، لو أني كنت كما قالوا ما وجهوا إليك بهذا المال، ولا وجهوا هذا الجند العظيم وأنفقوا هذا المال الجسيم لأجل عبد هرب، ولا جمعوا من وجوه هذه الأمصار من ترى؛ ليشهدوا عندك بالزور، فابعث من تثق به يسأل عني في هذه الأمصار وفي غيرها من أنا حتى تكون على يقين من أمرك.
فقال جستان وكانت نيته قد فسدت بهذه الأسباب: هذا يطول، ما كان هؤلاء ليشهدوا عندي بالزور.
فقال: إنهم مكرهون على الشهادة، وإنّ من أبى منهم قتل، فاجمع بيني وبينهم، فقال: أفعل هذا، فلما اجتمعوا عليه قام فقال: الحمد لله على ما أولانا من نعمة وأبلانا من محنة، وأكرمنا بولادة نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم محمد، وعلى جزيل ما أولى، وجميل ما ابتلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله انتخبه واصطفاه، واختاره واجتباه صلوات الله عليه وآله أجمعين أما بعد: معاشر العرب؛ فإنكم كنتم من الدنيا بشر دار، وضنك قرار، ماؤكم أجاج، وأكلكم لماج، من العِلْهِز والهبيد، الأعاجم لكم قاهرة، وجنودهم عليكم ظاهرة، لم يمنعهم من تحويلكم من بلدكم إلا قلة خير بلدكم، أنتم مع الدنيا بمنزلة السَّقْب مع الناب الصعبة الضروس متى دنا إليها لينال من درِّها منعته، إن أتاها من أمامها خبطته، أو من ورائها رمحته، أو من عرضها عضَّته، فما عسى أن يصيب منها هذا على تفرق شملكم، واختلاف كلمتكم، لا تُحِلُّون حلالاً، ولا تحرمون حرامًا، ولا تخافون آثامًا، قد رانَ الباطل على قلوبكم فلا تعقلون، وغطت الحيرة على أبصاركم فما تبصرون، وأسكت الغفلة على أسماعكم فما تسمعون، على أن عودكم نضار، وأنتم ذو الأخطار، ثم من الله عليكم وخصكم دون غيركم، فبعث فيكم محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم منكم خاصة، وأرسله للناس كافة، وجعله بين أظهركم ليميز به بينكم، وهو تعالى أعلم بكم منكم بأنفسكم، فاستنقذكم من ظلمة الضلال إلى نور الهدى، وجلى غشاوة العمى عن أبصاركم بضياء مصابيح الحق، واستخرجكم من عمى بحور الكفر إلى جدد أرض الإيمان، وجَمَلَ بِرِفْقِه ما انفتق من رتقكم، ورأبَ بيُمْنِه ما انصدع من شعبكم، وَلمَّ بإصلاحه ما فرقت الأحقاد والجهل من قلوبكم، ثم اقتضب برمحه لكم الدنيا الصعبة، فذلت بعد عَنَت، وأبّسها فأرزمت، وتفاجّت واجترت بعد ضرس، ودرت ضرعها بيمين كفه، فأحفلت أخلافها، وانبعثت أحاليبها، فرأمتكم كما ترأم الناب المقلاة طلاها، فشربتم عَللاً بعد نَهَلٍ، وملأتم أسقيتكم فضلًا بعد التظاظ، وتركها صلى الله عليه وآله وسلم تدور حولكم وتلوذ بكم كما تلوذ الزحور بسقبها.
فلما أقام أوَد قناتكم بثقاف الحق، ورحض بظهور الإسلام عن أبدانكم درن الشرك، ولحب لكم الطريق، وسن لكم السنن، وشرع لكم الشرائع خافضًا في ذلك جناحه، يشاوركم في أمره ويواسيكم بنفسه، ولم يبغ منكم على ما جاءكم به أجرًا إلا أن تودوه في قرباه، وما فعل صلى الله عليه وآله وسلم ذلك حتى أنزل الله فيه قرآنًا، فقال تبارك وتعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23] فلما بلغ رسالة ربه، وأنجز له ما وعده من طاعة العباد والتمكن في البلاد، دُعِيَ صلى الله عليه وآله وسلم فأجاب، فصار إلى جوار ربه وكرامته، وقدم على البهجة والسرور، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فوعده الشفاعة عنده، والمقام المحمود لديه، فخلَّف بين أظهركم ذريته، فأخرتموهم وقدمتم عليهم غيرهم، ووليتم أموركم سواهم، ثم لم يلبث إلا يسيرًا حتى جعلتم مال ولده حوزًا، وظلمت ابنته فدُفنت ليلاً، وقُتل فيكم وصيه وأخوه وابن عمه وزوج ابنته، ثم خُذِل وجُرح وسُمَّ سبطه الأكبر أبو محمد، ثم قُتِل سبطه الأصغر أبو عبدالله مع ثمانية عشر من أهل بيته الأدنَيْنَ في مقام واحد، ثم على أثر ذلك نبش وصلب وأحرق بالنار ولد ولده، ثم هُم بعد ذلك يُقتَّلون ويُطَرَّدون ويشردون في البلاد إلى هذه الغاية، قُتل كبارهم، وأوتم صغارُهم، وأرملت نساؤهم، سبحان الله! ما لقي عدوٌّ من عدوِّه ما لقي أهل بيت نبيكم منكم من القتل والخوف والصلب، وليس فيكم من يغضب لهم إلا هزؤًا بالقول، وإن غضبتم زعمتم وقمتم معهم كي تنصروهم لم تلبثوا إلا يسيرًا حتى تخذلوهم وتفرقوا عنهم، فلو كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم من السودان البعيدة أنسابهم، المنقطعة أسبابهم إلا أنه قد جاوركم لوجب عليكم حفظه في ذريته، فكيف وأنتم شجرة هو أصلها، وأغصان هو فرعها، تفخرون على العجم، وتصولون على سائر الأمم، وقد عاقدتموه وعاهدتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون من أنفسكم وذراريكم، فَسَوْءَةً لكم ثم سوءة، بأي وجه تلقونه غدًا، وبأي عذر تعتذرون إليه؟ أبقلة؟ فما أنتم بقليل، أفتجحدون؟ فذلك يوم لا ينفع جحد، ذلك يوم تبلى فيه السرائر، أم تقولون: قتلناهم فمصدقون، فيأخذكم الجليل أخذ عزيز مقتدر، لقد هدمتم ما شيّد الله من بنيانكم، وأطفأتم ما أنار من ذكركم، فلو فعلت السماء ما فعلتم لتطأطات إذلالاً، أو الجبال لصارت دكًا، أو الأرض لمارت مَورًا، إني لأعجب من أحدكم يقتل نفسه في معصية الله ولا ينهزم، يقول بزعمه لا تتحدثنَّ نساء العرب بأني فررت، وقد تحدثت نساء العرب بأنكم خفرتم أمانتكم ونقضتم عهودكم، ونكصتم على أعقابكم، وفررتم بأجمعكم عن أهل بيت نبيكم، فلا أنتم تنصرونهم للديانة وما افترض الله عليكم، ولا من طريق العصبية والحمية، ولا لقرب جوارهم وتلاصق دارهم منكم، ولا أنتم تعزلونهم فلا تنصرونهم ولا تنصرون عليهم عدوهم، بل صيرتموهم لُحمة لسيوفكم، ونُهْزًا لتشفي غيظكم من قتلهم واستئصالهم وطلبهم في مظانهم ودارهم وفي غير دارهم، فصرنا طريدة لكم من دار إلى دار، ومن جبل إلى جبل، ومن شاهق إلى شاهق، ثم لم يقنعكم ذلك حتى أخرجتمونا من دار الإسلام إلى دار الشرك، ثم لم ترضوا بذلك من حالنا حتى تداعيتم علينا معشر العرب خاصة من دون العجم من جميع الأمصار والمدائن والبلدان، فخرجتم إلى دار الشرك، طلبًا لدمائنا دون دماء أهل الشرك تلذذًا منكم بقتلنا، وتقربًا إلى ربكم باجتياحنا، زعمتم أن لا يبقى بين أظهركم من ذرية نبيكم عين تطرف ولا نفس تعرف، ثم لم يقم بذلك منكم إلا أعلامكم، ووجوهكم، وعلماؤكم، وفقهاؤكم، والله المستعان.
قال الراوي: فلما سمعنا كلامه وخطبته بكينا حتى كادت أنفسنا أن تخرج، قال: فقمنا وتشاورنا فقلنا: هل بقي لكم حجة أو علّة لو قتلتم عن آخركم، وسبيت ذراريكم، واصطفيت أموالكم كان خيرًا لكم من أن تشهدوا على ابن بنت نبيكم بالعبودية، وتنفونه عن نسبه، قال: فعزمنا على أن لا نشهد، قال: فقال البختري: إن هذا يحيى قد دخل بلاد الديلم، ويريد أن يقاتل بأهل الشرك أهل الإسلام، ويخرج به من طاعة أمير المؤمنين، وقد جاءت الرخصة في الكذب، والخديعة في الحرب، وقد رأينا أنه عبد لأمير المؤمنين نطلب بذلك الثواب عند الله تعالى لترجع ألفة المسلمين، وتسكن الثائرة، ولا غنى بكم عن حسن جزاء أمير المؤمنين، وهذا كتابه، فقرأه عليهم بما فيه من الإيعاد لمن امتنع، والأطماع لمن أجاب، وكان معه سليمان بن قليح فشفع كلامه، قال: وصاح بنا أبو البختري: ما تنتظرون؟ خدعكم فانخدعتم، وملتم معه على أمير المؤمنين، والله لئن امتنعتم من الشهادة عليه لتُقْتَلُنَّ عن آخركم، ولتُسبينّ ذراريكم، ولتؤخذنّ أموالكم؛ فتقدموا فشهدوا بأجمعهم أنه عبد لهارون وليس بابن بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا من أهل قزوين، وزنجان وأبهر وشهر برد وهمَذان والري ودنباوند والرؤايان تسعمائة رجل، ومن أهل طبرستان أربعمائة.
وكل هؤلاء من أهل الشرف والقدر والعرب المتمكنين في البلاد، ليس فيهم وضيع إلا اليسير، وكان أكثر أولئك الشهود؛ لأنهم من العلماء قد بايع ليحيى عليه السلام، قال جستان: هل بقيت لك علة تعتل بها؟ قال يحيى عليه السلام: بكاؤهم وترددهم، إنهم مكرهون، فإن أبيت إلا غدرًا فأنظرني آخذ لي ولأصحابي الأمان على نسخة أنسخها وأوجه بها إلى هارون حتى أكتب إقراره بخطه وجميع الفقهاء والمعدلين من بني هاشم ففعل، وكتب إلى الفضل بذلك، وكتب الفضل إلى الرشيد فأمتلأ الرشيد سرورًا وفرحًا، وأجاب إلى العقد ليحيى عليه السلام، وأشهد على نفسه من ذكره يحيى من العلماء والهاشميين، وأتى كتاب هارون وخطه بيده.
ثم انفصل يحيى عليه السلام من ملك الديلم، فلما دنا من الفضل بن يحيى تلقاه وترجّل له وقبَّل ركابه، وذلك بمرأى من جستان، فندم جستان وحينئذ أخذ ينتف لحيته ويحثوا التراب على رأسه تلهُّفًا وتحسرًا، وعلم أنه قد خُدع، وإن كان قد وضح له الحال لكنه مال إلى الطمع ومساعدة زوجته الكافرة، فوثب عليه بنو عمه فقتلوه وملّكوا سواه.
وكان قد أسلم على يدي يحيى عليه السلام جماعة من الديلم وبنوا مسجدًا، وقدم يحيى عليه السلام مع الفضل بن يحيى بغداد فتلقاه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بأربعمائة ألف دينار، وأجرى له الرواتب السنية وأنزله منزلاً سنيًا بعد أن أقام في منزل يحيى بن خالد أيامًا، وكان يتولى أمره بنفسه تعظيمًا له، وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحيى والسلام عليه، فأقام يحيى عليه السلام في بغداد مدة، ثم استأذن هارون في النهوض إلى المدينة فأذن له فوصلها فقضى ديون الإمام الحسين بن علي الفخي عليهما السلام، ووصلَ فقراء آل أبي طالب عليهم السلام وأشياعهم وعامة المسلمين، وأقام عليه السلام على ذلك مديدة ثم أزعجه هارون من المدينة إلى بغداد.
ذكر أولاده ووفاته (ع)
محمد، وله العقب من أولاده جماعة بالمغرب، أمه: خديجة بنت إبراهيم ابن محمد بن طلحة.
وعيسى مئناث، وإبراهيم دَرَج، وعبدالله دَرَج، وصالح دَرَج، وقُريبة. ذكره السيد أبو طالب عليه السلام.
ذكر مقتله عليه السلام والسبب فيه:
روى الشيخ أبو الفرج رحمه الله في مقاتل الطالبية [274] في أخبار يحيى بن عبدالله عليه السلام أن نفرًا من أهل الحجاز تحالفوا على السِّعاية بيحيى والشهادة عليه، وأنه يدعو إلى نفسه، وأن أمانه منتقض، فوافق ذلك ما كان في نفس الرشيد، وهم: عبدالله بن مصعب الزبيري، وأبو البختري وهب بن وهب، ورجل من بني زهرة، ورجل من بني مخزوم، وافوا الرشيد بذلك، واحتالوا إلى أن أمكنهم ذكره له، فأشخصه الرشيد إليه وحبسه عند مسرور الكبير في سرداب، فكان في أكثر الأيام يدعوه فيناظره.
وروى أيضًا بإسناده [374] أنه دعا يحيى عليه السلام يومًا فجعل يذكر له ما رفع إليه في أمره، وهو يخرج كتبًا كانت في يده حججًا فيقرأها الرشيد وأطراف الكتب في يد يحيى، فتمثل بعض من حضر:
أنى أُتيحَ له حِرباء تنضبه ... لا يرسل الساقَ إلا ممسكًا ساقا
فغضب الرشيد من ذلك وقال للمتمثل: أتؤيده وتنصره؟ قال: لا والله، ولكني شبهته في مناظرته واحتجاجه بقول هذا الشاعر، ثم أقبل عليه قال: دعني مِنْ هذا يا يحيى، أيُّنا أحسن وجهًا أنا أو أنت؟ قال: بل أنت يا أمير المؤمنين إنك لأنصع لونًا وأحسن وجهًا، قال: فأينا أسخى أنا أو أنت؟ قال: وما هذا يا أمير المؤمنين مما تسألني عنه؟ أنت تجبى لك خزائن الأرض وكنوزها، وأنا أمحل معاشي من سنة إلى سنة. فأينا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: قد أجبتك عن خصلتين فاعفني من هذه، قال: لا والله، قال: بلى فاعفني، فحلف بالطلاق والعتاق أن لا يعفيه.
فقال: يا أمير المؤمنين، لو عاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطب إليك ابنتك أكنت تزوجُه؟ قال: إي والله، قال: فلو عاش فخطب إليَّ أكان يحل لي أن أزوجه؟ قال: لا، قال: فهذا جواب ما سألت.
فغضب الرشيد وقام من مجلسه، وخرج الفضل بن الربيع وهو يقول: والله لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملكه، قالوا: ثم رده إلى محبسه في يومه ذلك.
ثم دعا به وجمع بينه وبين عبدالله بن مصعب الزبيري؛ ليناظره فيما رفع إليه فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد، وقال: نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته، فقال له يحيى عليه السلام يا أمير المؤمنين: أتصدق هذا علي وتستنصحه وهو ابن عبدالله بن الزبير الذي أدخل أباك وولده الشعب وأضرم عليهم بالنار حتى تَخَلَّصَهُ أبو عبدالله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب منه، وهو الذي بقي أربعين جمعة لا يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته حتى التاث عليه الناس، فقال: إن له أهلَ بيت سوء، إذا ذكرته اشرأبت نفوسهم إليه وفرحوا بذلك، فلا أحب أن أُقرَّ أعينهم بذكره، وهو الذي فعل بعبدالله بن عباس ما لا خفاء به عليك، حتى لقد ذبحت له يومًا بقرة فوجدت كبدها قد تفتتت، فقال له ابنه علي بن عبدالله: يا أبه ما ترى كبد هذه البقرة؟ قال: يا بني هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه: يا بني الحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبدالله بن الزبير، ووالله إن عداوة هذا لنا جميعًا بمنزلة سواء لكنه قَوِيَ عليَّ بك وضعف عنك، فتقرب بي إليك ليظفر منك فِيَّ بما يريد؛ إذ لم يقدر على مثله منك، وما ينبغي لك أن تسوِّغه ذلك فيَّ، فإن معاوية بن أبي سفيان وهو أبعد نسبًا منك إلينا ذَكَرَ يوما الحسن بن علي فَسَفَّهَهُ فساعده عبدالله بن الزبير على ذلك فزجره معاوية، فقال: إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين، فقال: إن الحسن لحمي آكُلُهُ ولا أُوكِلُهُ، فقال عبدالله ابن مصعب: إن عبدالله بن الزبير طلب أمرًا فَأَدْرَكَهُ، وإن الحسن باع الخلافة بالدراهم، أتقول هذا في عبدالله بن الزبير وهو ابن صفية بنت عبدالمطلب؟ فقال يحيى: يا أمير المؤمنين ما أنصفنا إذ يفخر علينا بامرأة من نسائنا وامرأة منا، هلاَّ فخر بهذا على قومه من التوبيات والأسامات والحميدات، فقال عبدالله بن مصعب: ما تَدَعُونَ بَغْيَكُمْ علينا وتوثبكم في سلطاننا؟ فرفع يحيى عليه السلام رأسه إليه ولم يكن يكلمه قبل ذلك إنما كان يخاطب الرشيد بجوابه لكلام عبدالله، فقال له: أتَوَثَّبْنَا في سلطانكم؟ ومن أنتم أصلحك الله؟ عَرِّفْنِي فلستُ أعرفكم، فرفع الرشيد رأسه إلى السقف يجيله فيه ليستر ما عراه من الضحك، ثم غلبه الضحك ساعة وخجل ابن مصعب، ثم التفت يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، ومع هذا فهو الخارج مع أخي على أبيك والقائل له:
إن الحمامةَ يوم الشعب من دثَن ... هاجت فؤاد محبٍّ دائم الحزَنِ
إنَّا لنأمل أن ترتَد أُلفتنا ... بعد التدابر والبغضاء والإحَنِ
حتى يثابَ على الإحسان محسننا ... ويأمنَ الخائف المأخوذ بالدِّمَنِ
وتنقضي دولةٌ أحكام قادتها ... فينا كأحكام قوم عابدي وثَنِ
فطال ما قدْ بَرَوا بالجور أعظمنا ... بَرْي الصَنَاعِ قداح النبع بالسّفَنِ
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني حَسَنِ
لاعزَّ ركنا نزار عند سطوتها ... إن أسلمتك ولا رُكنا ذوي يَمَنِ
ألستَ أكرمَها عودًا إذا نسبوا ... يومًا وأطهرَهم ثوبًا من الدَّرَنِ
وأعظمَ الناسِ عند الناس منزلةً ... وأبعدَ الناس من عيب ومن وَهَنِ
قال فتغير وجه الرشيد عند سماع هذا الشعر، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو وبأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له، فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين ما قال هذا الشعر غيره، وما حلفت كاذبًا ولا صادقًا بالله قبل هذا، وإن الله إذا مجده العبد في يمينه بقوله الرحمن الرحيم الطالب الغالب استحيى أن يعاقبه فدعني أحلِّفْهُ بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبًا إلا عوجل، قال: حلفه، قال: قل برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلدت الحول والقوة من دون الله استكبارًا على الله واستغناء عنه، واستعلاء عليه إن كنتُ قلتُ هذا الشعر، فامتنع عبدالله من الحلف بذلك، فغضب الرشيد وقال: للفضل ابن الربيع: يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقًا؟ هذا طليساني عليّ، وهذه ثيابي لو حلّفني أنها لي لحلفت، فرفس الفضلُ عبدالله بن مصعب برجله وصاح به: احلف ويحك -وكان له هوى- فحلف باليمين ووجهه متغير وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه، ثم قال: يا ابن مصعب قطعتَ والله عمرك، والله لا تفلح بعدها، فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع ومات من اليوم الثالث، فحضر الفضل جنازته ومشى معها ومشى الناس معه، فلما جاءوا به إلى القبر ووضعوه في لحده، وجُعِلَ اللَّبِنُ فوقه انخسف القبر فهوى به حتى غاب عن أعين الناس فلم يروا قرار القبر وخرجت منه غبرةٌ عظيمة فصاح الفضل: التراب التراب، فجعل يطرح التراب وهو يهوي، ودعا بأحمال شوك فطرحها فهوت فأمر حينئذ بالقبر فسقف بخشب وأصلحه وانصرف منكسرًا.
وكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل: رأيتَ يا عباسي ما أسرع ما أديل يحيى من ابن مصعب.
وفيه يقول أبو فراس الحارث بن سعيد:
يا جاهدًا في مساويهم لتكتمها ... غَدْرُ الرشيد ليحيى كيف ينكتمُ
ذاق الزبيري غِب الحنث وانكشفت ... عن ابن فاطمة الأقوال والتهمُ
قال السيد أبو طالب عليه السلام [الإفادة: 81]: وكان يحيى عليه السلام إذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة سجد سجدة إلى قرب السحر ثم يقوم فيصلي وكان هارون يطلع عليه من قصره فقال ليلة ليحيى بن خالد وهو عنده: انظر هل ترى في ذلك الصحن شيئًا؟ وأشار إلى الموضع الذي كان يسجد فيه، فقام ونظر وقال: أرى بياضًا، ثم قال له: قرب طلوع الفجر انظر هل ترى ذلك البياض؟ فنظر، فقال: لست أراه.
فقال: ذلك يحيى بن عبدالله إذا فرغ من صلاة العتمة سجد سجدة يبقى فيها إلى آخر الليل، قال يحيى: فقلت في نفسي انظر ويلك أن لا تكون المبتلى به، ثم سلمه إلى يحيى بن خالد.
قال الشيخ أبو الفرج: ثم جمع الرشيد الفقهاء وفيهم محمد بن الحسن صاحب أبي يوسف القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو البختري وهب بن وهب، فجمعوا في مجلس، فخرج إليهم مسرور الكبير بالأمان، فبدأ محمد بن الحسن فنظر فيه فقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة في نقضه، وكان يحيى قد عرضه بالمدينة على مالك وابن الدراوردي وغيرهم فعرَّفوه أنه مؤكد لا علة به، فصاح عليه مسرور وقال: هاته، فدفعه إلى الحسن بن زياد، فقال: بصوت ضعيف هو أمان.
وروى غير الشيخ أبو الفرج من علمائنا رحمهم الله تعالى: أن محمد بن الحسن قال: فمن نقضه فعليه لعنة الله، فسمعه الرشيد فأخذ الدواة فرماه بها فشجَّه، فانصرف إلى منزله وهو يبكي فقال له صاحبه: أتبكي من شجة في سبيل الله؟ قال: لا والله ولكني أخاف أن أكون قصّرت في أمر يحيى فأكون قد شركت في دمه.
رجعنا إلى رواية الشيخ أبو الفرج قال رحمه الله: واستلبَه أبو البَخْتري وهب بن وهب فقال: هذا باطل منتقض، قد شق العصا، وسفك الدم، فاقتله ودمه في عنقي فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره، فقال له: اذهب فقل له: خزِّقه إن كان باطلا بيدك، فجاءه مسرور، فقال له ذلك، فقال: شقه يا أبا هاشم، فقال له مسرور: بل شقه إن كان منتقضًا، فأخذ سكينًا فجعل يشقه ويده ترعد حتى صيره سيورًا، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده وهو فرح وهو يقول له: يا مبارك يا مبارك، وَوَهَبَ لأبي البَخْتري ألف ألف وخمسمائة ألف درهم، وولاه قضاء القضاة، وصرف الآخرين، ومنع محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة، وأجمع على إنفاذ ما أراده في يحيى عليه السلام.
وقد اختُلف في قتله كيف كان، فروى بإسناده عن رجل كان مع يحيى في المطبق قال: كنت قريبًا منه، وكان في أضيق البيوت وأظلمها، فبينما نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال وقد مضت من الليل هجعة فإذا هارون قد أقبل على برذون له، ثم وقف فقال: أين هذا؟ يعني يحيى بن عبدالله، قالوا: في هذا البيت، قال عليَّ به، فأدنى إليه فجعل هارون يكلمه بشيء لم أفهمه، فقال: خذوه، فأخذه فضربه مائة عصى، ويحيى يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: بقرابتي منك، فيقول: ما بيني وبينك قرابة.
ثم حُمل فردَّ إلى موضعه، فقال: كم أجريتم عليه؟ فقالوا: أربعة أرغفة، وثمانية أرطال ماء، قال اجعلوه على النصف من ذلك، ثم خرج فمكثنا ليالي، ثم سمعنا وقعًا فإذا نحن به حتى دخل فوقف موقفه، فقال عليَّ به، فأُخرج ففعل به مثل فعله ذلك، وضربه مائة عصى أخرى، ويحيى يناشده الله، فقال: كم أجريتم عليه؟ فقالوا: رغيفين وأربعة أرطال ماء، قال اجعلوه على النصف. ثم خرج وعاد الثالثة وقد مرض يحيى عليه السلام وثقل، فلما دخل قال: عليَّ به، قالوا: هو عليل مدنف لما به، قال: كم أجريتم عليه؟ قالوا: رغيفًا ورطلين، قال فاجعلوه على النصف، ثم خرج، فلم يلبث يحيى أن مات فأخرج للناس ودفن.
وقال ابن عمار في روايته وإبراهيم بن رباح أنه بنى عليه أسطوانة بالرافقة وهو حي.
وذكر غيره من علمائنا أنه كان للرشيد بركة فيها أسود يرمي فيها من سخط عليه فتنشط لحمه، فجوَّعها ثم رمى بيحيى عليه السلام إليها فتلقته وبصبصت له وما ضرته وأطلع منهن.
وذكر الشيخ أبو الفرج بإسناده عن عبدالرحمن بن عبدالله بن عمر بن حفص العمري قال: دعينا لمناظرة يحيى بحضرة الرشيد، فجعل يقول له: يا يحيى اتق الله وعرِّفني أصحابك السبعين لئلا ينتقض أمانك، وأقبل علينا فقال: إنَّ هذا لم يسمِّ أصحابه فكلما أردت أخذ إنسانًا يبلغني عنه شيء أكرهه ذكر أنه ممن أمنته، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين أنا رجل من السبعين فما الذي نفعني من الأمان؟ أفتريد أن أدفع إليك قومًا تقتلهم معي؟ لا يحل لي هذا.
قال: ثم خرجنا ذلك اليوم ودعانَا يوما آخر فرأيته أصفر الوجه متغير اللون، فجعل الرشيد يكلمه فلا يجيبه، فقال: ألا ترون إليه لا يجيبني، فأخرج للرشيد لسانه وقد صار أسود مثل الحممة يرينا أنه لا يقدر على الكلام، فتغيّظ الرشيد وقال: إنه يريكم أني سقيته السم، ووالله لو رأيت عليه القتل لضربت عنقه صبرًا، قال: ثم خرجنا من عنده فلما صرنا في وسط الدار فخرَّ على وجهه لآخر ما به.
وروي أنه عليه السلام دفع إلى يحيى بن خالد ورقة ثم أمره بأن يسلِّمها إلى هارون بعد وفاته، وحرَّج عليه ألا يسلمها إلا بعد ذلك فدفعها إلى هارون ففتحتها فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم يا هارون المستعدي قد تقدم، والخصم على الأثر، والحاكم لا يحتاج إلى بينة، فقال هارون: ما منعك أن تدفعها إلي في حياته، قال: إنه حرَّج عليَّ في ذلك.
ولبعضهم يرثي يحيى عليه السلام:
يا بقعةً مات بها سيدٌ ... ما مثلُهُ في الأرض من سيد
مات السدى من بعده والندى ... وسُمِّيَ الموت به معتدي
لا زال غيث الله يا قبره ... عليك منه رائحٌ المغتدي
فكم حياء حزت من وجهه ... وكم ندى يحيى به المجتدي
كان لنا غيثًا به نرتوي ... وكان كالنجم به نهتدي
فإن رمانا الدهرُ عن قوسه ... وخاننا في منتهى السؤدد
فعن قريب نبتغي ثأره ... بالحسني الثائر المهتدي
إنَّ ابن عبدالله يحيى ثوى ... والمجدُ والسؤددُ في مُلْحدِ رجلًا.