Skip to content
الزيدية في : العراق
أئمة أهل البيت (ع) في منطقة : العراق
أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام

أمَّا نسبه: فهو علي بن أبي طالب، واسمه عبد مناف بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وهو زيد بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن مُدركة بن الياس بن مضر ابن نزار بن مَعدَّ بن عدنان. شعر:

نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى … رأدًا ومن فلق الصباح برودا

وأمُّه عليه السلام: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وهي أول هاشمية وَلَدت لهاشمي، فهو شريك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نسبه الشريف، وقسيمه في جوهره العالي المنيف، كما قال الشاعر:

إنَّ علي بن أبي طالب … جدَّا رسول الله جدَّاهُ

أبو علي وأبو المصطفى … من طينةٍ طهَّرها اللهُ

ولدته أمه عليه السلام في الكعبة، وذلك أنها لما اشتكت المخاض التجأت إلى الكعبة تبركا بها، فطلقت طلقة فولدته عليه السلام، فحصل له هذا الشرف العظيم بولادته في أشرف بقعة في الأرض، ثم حمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى منزلها، وكان قد سار مع عمه أبي طالب حين دخل الكعبة، وأجلس أبو طالب فاطمة بنت أسد رحمها الله في الكعبة، وهي أوَّلُ امرأة بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت من المهاجرات ودفنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالروحا مقابل حمام أبي قطيفة، ولما ماتت رحمها الله دفنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكفنها في قميصه ونزل في قبرها، وفي بعض الأخبار وتمرغ في لحدها فقيل له في ذلك؟ فقال: إن أبي هلك وأنا صغير، فأخذتني هي وزوجها فكانا يوسعان عليِّ، ويؤثراني على أولادهما، فأحببت أن يوسع الله في قبرها. وفي بعض الأخبار: أما قميصي فأمان لها يوم القيامة، وأما اضطجاعي في قبرها فليوسِّع الله عليها.

وهو أصغر أولادها، وولدت أربعة ذكور بين كل ذكرين عشر سنين: طالب وعقيل وجعفر وعلي.

كنيته عليه السلام: كان عليه السلام يكنى بأبي الحسن ويكنى بأبي تراب كنَّاه بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك فيما رويناه بالإسناد الصحيح إلى عمار بن ياسر (رضي الله عنه) قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب عليه السلام رفيقين في غزوة العُشيرة، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقامَ بها، وإذ هناك ناس من بني مُدْلِج يعملون في عين لهم في نخل، فقال علي عليه السلام: يا أبا اليقظان هل لك في أن نأتي إلى هؤلاء فننظر كيف يعملون؟ قال: قلت إن شئت، قال: فجئناهم ثم نظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعليٌّ عليه السلام حتى اضطجعنا في صَوْرٍ من النخل ودقعائها فوالله ما أهبَّنا إلا رسول الله عليه السلام يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: ((مالك يا أبا تراب!؟ لما يرى عليه من التراب، ثم قال: ((ألا أحدثكم بأشقى الناس؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: أُحَيمِرُ ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا عليُّ على هذه – ووضع يده على قرنه حتى تُبل منها هذه وأخذ بلحيته. هذه طريق في تكنيته بأبي تراب.

وفي راوية أخرى بالإسناد الموثوق به أنه وقع بينه وبين فاطمة عليها السلامُ كلامٌ فخرج، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإنسان: ابغِ عليًّا، قال: هو ذاك في المسجد، قال: فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والريح تسفي عليه التراب، فقال: ((قم يا أبا تراب))، قال سهل بن سعد: وهو الذي انتهت إليه الروايةُ – فوالله إن كانت لأحب الأسماء إلى علي عليه السلام وفي طريق أخرى فقال سهل: فكنا نمدحه بهذا فإذا ناسٌ يعيبونه، قال الشاعر وهو السوسي:

أنا وجميعُ مَنْ فوقَ الترابِ … فداءُ ترابِ نَعْلِ أبي ترابِ

وأقام مدة مع أبويه حتى وقعت أزمة شديدة، فضمَّه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه تخفيفًا عن أبي طالب، فتأدب بآدابه الكريمة، وتخلق بأخلاقه الشريفة حتى ظهرت فيه آثاره المطهرة.

صفته (ع)

صفته وحليته عليه السلام:

ذكر السيد أبو طالب عليه السلام في كتاب الإفادة وقد أخبرنا الفقيه الأجل تاج الدين أحمد بن أحمد بن الحسن البيهقيُّ بحُوثٍ، قدمها سنة عشر وستمائة عن عالم الزيدية وزاهدهم في وقته شعيب بن دابسون الجيلي رحمه الله بإسناده إلى السيد الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني عليه السلام قال: قال أبو إسحاق السبيعي فيما روينا عنه -: أدخلني أبي المسجد يوم جمعة فرفعني حتى رأيت عليا عليه السلام شيخًا أصْلَعَ، ناتىء الجبهة، عريضَ ما بين المنكبين، له لحية قد ملأت صدره، وفي عينيه اطرغشاش، قال داوود بن عبد الجبار راوي الخبر عن أبي إسحاق يعني لينا في العين، فقلت لأبي: مَنْ هذا يا أبه؟ فقال: علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخَتْنُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين.

وروينا بالإسناد الموثوق به إلى السيد الإمام الموفق بالله أبي عبدالله الحسين ابن إسماعيل الحسني الجُرجَانِي عليه السلام يرفعه إلى زياد المخارقي قال: سألت محمد ابن الحنفية فقلت: صف لي عليا عليه السلام؟ فقال: كان ضخم الهامة، عريض المنكبين، عظيم المشاش، ضخم البدن، حمش الساقين، كأنما كُسِّرَتْ عظامه ثم جُبِّرَتْ، والله لو أخذ الأسد لافترسه.

صفة إسلامه عليه السلام وزواجه بفاطمة عليها السلام:

لما أن بعث الله نبيه عليه السلام يوم الاثنين أسلم علي عليه السلام يوم الثلاثاء، فهو أول ذكر أسلم على الصحيح من النقل وفيه إجماع العترة عليهم السلام. واختلف في سنِّه يوم أسلم، فقيل: إنه أسلم وله اثنتا عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة.

وفي سبقه إلى الإسلام آثار كثيرة فمنها:

ما رويناه بالإسناد إلى أبي ذر رحمة الله عليه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: عليٌّ أوَّلُ من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصديق الأكبر، والفاروق يفرق بين الحق والباطل.

وعن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أول الناس ورودًا عليَّ الحوض أولهم إسلامًا علي بن أبي طالب)).

وروينا عن ابن عباس (رضي الله عنه) أنه قال: أوَّل من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الرجال عليٌّ، ومن النساء خديجة رضي الله عنهما.

وعن سلمان رحمة الله عليه: أن أول هذه الأمة ورودًا على نبيها صلى الله عليه وآله وسلم أولهم إيمانا علي بن أبي طالب عليه السلام.

وروينا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال على المنبر: أنا عبدالله وأخو رسول الله لا يقولها بعدي إلا مفتر كذاب)، فقالها رجل فأصابته جنة، وكان يضرب برأسه الجدران حتى هلك، وقد ذكر عليه السلام سبقه إلى الإسلام في يوم الشورى بحضرة من المهاجرين والأنصار فقال:

محمدٌ النبيُّ أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي

وجعفرٌ الذي يُمسي ويُضحي ... يطير مع الملآئكة ابنُ أمي

وبنت محمد سكني وعرسي ... مشوط لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ولداي منها ... فأيكم له سهم كسهمي

سبقتكمُ إلى الإسلام طُرًا ... غلامًا ما بلغت أوان حُلْمِي

وأوجب بالولاية لي عليكم ... رسول الله يوم غدير خُمِّ

فويل ثم ويل ثم ويل ... لمن يلقى الإله غدًا بظلمي

وزوَّجه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمةَ عليها السلام في صفر سنة اثنتين من الهجرة عَقْدًا من غير دخول بها - بعد أن طلبها أبو بكر فامتنع وطلبها عُمر فامتنع في أسانيد كثيرة يطول ذكرها: منها ما رويناه بالإسناد الموثوق به من كتاب المناقب لابن المغازلي الشافعي بإسناده إلى أنس بن مالك أنَّ أبا بكرٍ خطب فاطمة عليها السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يَرُدَّ إليه جوابًا، ثم خطبها عُمر فلم يَرُدَّ إليه جوابًا، ثم جمعهم فزوجها علي بن أبي طالب عليه السلام، وقيل: أقبل على أبي بكر وعمرَ فقال: إن الله عز وجل أمرني أن أزوجها من علي، ولم يأذن لي في إفشائه إلا هذا الوقت، ولم أكن لأفشي ما أمر الله عز وجل به. وابتنى علي عليه السلام بفاطمة عليها السلام في سنة ثلاث من الهجرة في شهر صفر.

وروينا بالإسناد الموثوق به إلى أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كنت ذات يوم في المسجد أصلي إذ هبط علي ملك له عشرون رأسا فوثبت لأقبل رأسه فقال: مه! يا محمد أنت أكرم على الله من أهل السموات وأهل الأرض أجمعين، وقبل رأسي ويدي فقلت: حبيبي جبريل ما هذه الصورة التي لم تهبط علي بمثلها قط؟ قال: ما أنا بجبريل ولكن أنا ملك يقال لي: محمود، بين كتفي مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، بعثني الله أزوج النور بالنور. قلت: من النور؟ قال: فاطمة من علي، وهذا جبريل وإسرافيل وإسماعيل صاحب السماء الدنيا وسبعون ألف ملك من الملآئكة قد حضروا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي قد زوجتك على ما زوجك الله من فوق سبع سمواته)).

ثم التفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى محمود فقال: منذ كم كتب هذا بين كتفيك؟ فقال: من قبل أن يخلق الله آدم بألفي عام، وناوله جبريل قدحا فيه خلوق من الجنة، وقال: حبيبي مر فاطمة تلطخ رأسها وبدنها من هذا الخلوق، فكانت فاطمة عليها السلام إذا حكت رأسها شم أهل المدينة رائحة الخلوق. وروينا بالإسناد الموثوق به إلى جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: دخلت أم أيمن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي تبكي فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما يبكيك؟ لا أبكى الله لك عينا، قالت: بكيت يا رسول الله؛ لأني دخلت منزل رجل من الأنصار، وقد زوج ابنته رجلا من الأنصار فنثر على رؤوسهم لوزا وسكرا فذكرت تزويجك لفاطمة من علي عليهما السلام، ولم تنثر عليهما شيئًا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تبكي يا أم أيمن، فوالذي بعثني بالكرامة، واستخصني بالرسالة ما أنا زوجته، ولكن الله تبارك وتعالى زوجه من فوق عرشه، وما رضيت فاطمة حتى رضي الله رب العالمين، يا أم أيمن لما زوج الله تبارك وتعالى فاطمة من علي؛ أمر الملآئكة المقربين أن يحدقوا بالعرش، وفيهم جبريل وميكائيل وإسرافيل فأحدقوا بالعرش، وأمر الحور العين أن تتزين، وأمر الجنان أن تزخرف؛ فكان الخاطب الله تبارك وتعالى، والشهود الملآئكة، ثم أمر الله شجرة طوبى أن تنثر عليهم فنثرت اللؤلؤ الرطب مع الدر الأخضر مع الياقوت الأحمر مع الدر الأبيض، فتبادرت الحور العين يلتقطن من الحلي والحلل ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت محمد عليهما السلام.

وروينا بالإسناد الموثوق به إلى جابر بن عبدالله (رضي الله عنه) قال: لما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة من علي عليهما السلام، أتاه ناس من قريش فقالوا: إنك زوجت عليا بمهر خسيس! فقال: ما أنا زوجت عليا ولكن الله زوجه ليلة أسري بي عند سدرة المنتهى، أوحى الله عز وجل إلى سدرة المنتهى أن انثري ما عليك، فنثرت الدر والجوهر والمرجان، فابتدرت الحور العين فالتقطنه فهن يتهادينه ويتفاخرن، ويقلن: هذا نثار فاطمة بنت محمد عليهما السلام. فلما كانت ليلة الزفاف أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببغلته الشهباء، وثنى عليها قطيفة، وقال لفاطمة: اركبي وأمر سلمان أن يقودها والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يسوقها، فبينا هو في بعض الطريق إذ سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجبة فإذا هو بجبريل صلى الله عليه في سبعين ألفا وميكائيل عليه السلام في سبعين ألفا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما أهبطكم إلى الأرض؟ قالوا: جئنا نزف فاطمة إلى زوجها علي بن أبي طالب، فكبر جبريل، وكبر ميكائيل، وكبرت الملآئكة، وكبر محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوقع التكبير على العرائس من تلك الليلة.

ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)

اعلم أن التشاغل بمناقبه يخرجنا عن الغرض المقصود، ومناقبُه عليه السلام أشهر من النهار لذوي الأبصار، وإنما نذكر اليسير على وجه الرعاية لحقه عليه السلام إذ كنا قد روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ذكر علي عبادة)).

وقالت عائشة: ((زينوا مجالسكم بذكر علي عليه السلام)). فمن ذلك ما روينا بالإسناد الموثوق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما قدم علي بن أبي طالب عليه السلام بعد فتح خيبر قال: ((يا علي لولا أن تقول طائفة من أمتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالا لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت رجليك، وفضل طهورك يستشفون بهما، ولكن حسبك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأنت تبرئ ذمتي، وتستر عورتي، وتقاتل على سنتي، وأنت غدا في الآخرة أقرب الخلق مني، وأنت على الحوض خليفتي، وإن شيعتك على منابر من نور، مُبْيضَةٌ وجوههم حولي أشفع لهم، ويكونون في الجنة جيراني؛ لأن حربك حربي، وسلمك سلمي، وسريرتك سريرتي، وإن ولدك ولدي، وأنت تقضي ديني، وأنت تنجز وعدي، وإن الحق على لسانك وفي قلبك ومعك وبين يديك ونصب عينيك، الإيمان مخا لط لِلحمِكَ ودمك كما خالط لحمي ودمي، لا يَرِدُ عليَّ الحوض مبغضٌ لك، ولا يغيب عنه محبٌ لك، فخرَّ عليٌّ عليه السلام ساجدًا وقال: الحمد لله الذي منَّ عليَّ بالإسلام، وعلمني القرآن، وحببني إلى خير البرية، وأعزّ الخليقة، وأكرمِ أهل السموات والأرض على ربه، خاتِم النبيين وسيد المرسلين، وصفوة الله في جميع العالمين، إحسانًا من الله إليَّ، وَتَفَضُّلاً منه عليَّ. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لولا أنت يا علي ما عرف المؤمنون بعدي، لقد جعل الله عز وجل نسل كل نبي من صلبه، وجعل نسلي من صلبك يا علي؛ فأنت أعز الخلق وأكرمهم علي وأعزهم عندي، وَمُحِبُّكَ أكرم من يرد علي من أمتي)).

وروينا عن عبدالله قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرضةً، فغدا إليه علي ابن أبي طالب عليه السلام في الغلس، وكان لا يحب أن يسبقه أحد، فإذا هو بصحن الدار، ورأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي، فقال: السلام عليك. قال: وعليك السلام ورحمة الله، أما أني أُحِبُّكَ ولك عندي مديحة أزفها إليك قال: قل. قال: أنت أمير المؤمنين، وأنت قائد الغر المحجلين، وأنت سيد ولد آدم يوم القيامة ما خلا النبيين والمرسلين، لواء الحمد بيدك، تزف أنت وشيعتك إلى الجنان زفًا زفًا، أفلح من تولاك وخاب وخسر من تخلاك، بِحُبِّ محمد أحبُّوك، وببغضك لم تنلهم شفاعة محمد، ادن إلى صفوة الله أخيك وابن عمك فأنت أحق الناس به قال: فدنا علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ برأس رسول الله أخذا رفيقًا وصيَّره في حجره فانتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا علي ما هذه الهمهمة؟ فأخبره علي عليه السلام الحديث، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم يكن ذلك دحية بن خليفة، كان ذلك جبريل عليه السلام سمَّاك بأسماء سمَّاك الله بها، وهو الذي ألقى محبتك في صدور المؤمنين، وهيبتك في صدور الكافرين، ولك يا علي عند الله أضعاف كثيرة)).

وروينا عن أنس بن مالك قال: أُهديَ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طائر فوضعه بين يديه، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، قال: فجاء علي بن أبي طالب فدق الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا علي، فقلت: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حاجة، فعل ذلك ثلاثا، فجاء الرابعة فضرب الباب برجله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما حَبسَكَ؟ فقال: قد جئت ثلاث مرات [يردني أنس]، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما حملك على ذلك؟ قال: كنت أحب أن يكون رجلا من قومي.

وروينا عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بالكعبة إذ بدت رمانة من الكعبة، فاخضرَّ المسجدُ لحسن خضرتها، فمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده إليها فتناولها ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طوافه، فلما انقضى طوافه صلى بالمقام ركعتين، ثم فلق الرمانة نصفين كأنها قدت، فأكل النصف وأطعم عليا عليه السلام النصف فرنخت [أي استرخت] أشداقهما لعذوبتها، ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه فقال: ((إن هذه قطف من قطوف الجنة لا يأكله إلا نبي أو وصي نبي ولولا ذلك لأطعمناكم)).

وروينا عن زيد الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين المسلمين وقال: يا علي أنت أخي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، أما علمت يا علي أن أول من يُدعى به يوم القيامة يُدعى بي، فأقوم عن يمين العرش في ظله فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على بعض فيكونون سِمَاطَينِ عن يمين العرش، ثم يكسون حللاً خضرًا من حلل الجنة، وإني أخبرك يا علي أن أمتي أول الأمم يحاسبون، ثم إنه أول من يدعى بك لقرابتك مني ومنزلتك عندي، ويدفع إليك لوآئي وهو لواء الحمد، وتسير به بين السماطين، آدم عليه السلام وجميع خلق الله يستظلون بظل لوائي يوم القيامة طوله مسيرة ألف سنة، سنانه ياقوتة حمراء، قصبته من فضة بيضاء، زُجُّه درة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور: ذؤابة في المشرق، وذؤابة في المغرب، والثالثة وسط الدنيا، مكتوب عليه ثلاثة أسطر: الأول بسم الله الرحمن الرحيم، والثاني الحمد لله رب العالمين، والثالث لا إله إلا الله محمد رسول الله، طول كل سطر مسيرة ألف سنة، وعرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء والحسن عن يمينك والحسين عن يسارك حتى تقف بين يدي إبراهيم عليه السلام في ظل العرش، ثم تكسى حلة خضراء، ثم ينادي مناد من تحت العرش نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي، أبشر يا علي إنك تكسى إذا كُسيتُ، وتُدعى إذا دُعيتُ، وتحبى إذا حُبيتُ.

وروينا بالإسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي أنت فارس العرب، وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، وأنت رفيقي في الجنة، وأنت أخي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وأنت سيف الله الذي لا يخطئ)).

وروينا بالإسناد عن عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى إذ دخل علي عليه السلام وأهل الشورى وحضرهم عبدالله بن عمر فسمعت عليّا عليه السلام يقول: بايع الناس أبا بكر، فسمعت وأطعت، ثم بايعوا عمر فسمعت وأطعت، ثم يريدون أن يبايعوا عثمان إذا أسمع وأطيع، ولكني محتج عليكم: أنشدكم الله هل تعلمون فيكم أحدا أحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني؟ قالوا: اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم من أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وعم رسوله وسيد الشهداء؟ قالوا: اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم من أحد له أخ كأخي جعفر له جناحان أخضران يطير بهما مع الملآئكة؟ قالوا: اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم من أحد له زوجة مثل زوجي فاطمة سيدة نساء الجنة؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم هل فيكم من أحد له سبطان مثل سبطيَّ الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم هل فيكم من أحد وحَّد الله قبلي؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم أيها النفر جميعا هل فيكم من أحد صلى القبلتين غيري؟ قالوا: اللهم لا نعمله. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد نصر أبوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مشرك غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرًا غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد أقتل لمشركي قريش في حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإخراجه ناجزا عنه عند كل شديدة تنزل مني؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.

قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من أحد مسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عينيه وأعطاه الراية يوم خيبر وقال: ((لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله عل يده، ليس برعديد ولا جبان)) غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس ولكم يوم غدير خم، فقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)) غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من أحد واخاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم آخى بين المسلمين وقال له: أنت أخي وأنا أخوك ترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد بارز عمرا بن عبد ود .. يوم الخندق وقتله غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل فيكم من أحد وقف مع الملآئكة يوم حنين غيري - حين ذهب الناس -؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد اشتاقت الجنة إلى رؤيته بقول نبيكم غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد هو وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أهله غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من أحد له سبق مثل سبقي في الإسلام؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد ورث سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودوابه عند موته غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد له شقيق مثل شقيقي، ووزير مثل وزيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.

قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد هو أغنى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني حين اضطجع في مضجعي، وأضجعني في مضجعه، وبذلت له مهجة دمي وأقيه بنفسي؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم هل فيكم من أحد له سهمان كسهمي سهم في الخاصة، وسهم في العامة؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم هل فيكم من أحد هو أحدث عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم، هل فيكم من أحد ولي غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالروح والريحان مع الملآئكة المقربين غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم، هل فيكم من أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اغسلني فإنه لا يرى أحد شيئا من عورتي إلا عمي غيرك يا علي))؟، قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حفرته ولف عليه أكفانه غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم، هل من أحد أمر الله بمودته من السماء حيث يقول: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23] غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد جار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده، يحل له فيه ما يحل لرسول الله، ويحرم عليه ما يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر الله نبيه بسد أبواب المهاجرين، وأخرجهم غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.

قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال له ذووا قرابته: سددت أبوابنا وأخرجتنا من مسجدك، وتركت عليا صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنا أخرجتكم، ولا سددت أبوابكم ولا تركت عليا، لكن الله أمرني بإخراجكم، وترك عليا ولم يخرجه؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.

قال علي عليه السلام: اللهم اشهد، وكفى به شهيدا بيني وبينكم، أسمع وأطيع وأتبع وأصبر حتى يأتي الله بالفتح من عنده، شأنكم فاصنعوا ما بدا لكم، ثم قال هذه الأبيات:

محمدٌ النبيُّ أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي

وجعفرٌ الذي يُضحي ويُمسي ... يطير مع الملآئكة ابنُ أمي

وبنت محمد سكني وعرسي ... مشوط لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ولداي منها ... فأيكم له سهم كسهمي

سبقتكمُ إلى الإسلام طُرًّا ... غلامًا ما بلغت أوان حُلْمِي

وأوجب بالولاية لي عليكم ... رسول الله يوم غدير خُمِّ

وروينا بالإسناد عن أبي الفرج عبد الواحد بن محمد المخزومي الشاعر المعروف بالببغاء، قال: كنت بصور في سنيِّ نيف وخمسين وثلاثمائة عند أبي علي محمد بن علي المستأمن، وإنما لقب بذلك لأنه استأمن من عسكر القرامطة إلى أصحاب السلطان بالشام وهو على حماية البلد، فجاءه قاضيها أبو القاسم بن إبان وكان شابا أديبا فاضلاً جليلاً واسع المال عظيم الثروة ليلاً فاستأذن عليه فأذن له، فلما دخل عليه، قال: أيها الأمير قد حدث الليلة أمر ما لنا بمثله عهد، وهو أن في هذه البلد رجلاً ضريرًا، يقوم كل ليلة في الثلث الأخير فيطوف في البلد ويقول بأعلى صوته: يا غافلين اذكروا الله، يا مذنبين استغفروا الله، يا مبغض معاوية عليك لعنة الله، وأن رابَّتي التي ربتني كانت لها عادة في أن تنتبه على صياحه، فجاءتني الليلة وأيقظتني قالت: كنت نائمة فرأيت في منامي كأن الناس يهرعون إلى المسجد الجامع فسألت عن السبب، فقالوا: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هناك؛ فتوجهت إلى المسجد فدخلته ورأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر وبين يديه رجل واقف، وعن يمنيه ويساره غلامان واقفان، والناس يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويردُّ عليهم السلام، حتى رأيت ذلك الضرير الذي يطوف في البلد ويذكر، ويقول: كذا وكذا وأعادت ما يقوله في كل ليلة - قد دخل فسلَّم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعرض عنه، وعاوده فأعرض عنه، فقال الرجل الواقف: يا رسول الله رجل من أمتك ضرير يحفظ القرآن يسلَّم عليك فلِمَ حرمته الرد عليه؟ فقال له: يا أبا الحسن هذا يلعنك ويلعن ولدك منذ ثلاثين سنة، فالتفت الرجل الواقف فقال: يا قنبر، فإذا أنا برجل قد برز، فقال: اصفعه فصفعه صفعة فخر على وجهه، ثم انتبهت فلم أسمع له صوتا! وهذا هو الوقت الذي جرت عادته بالصياح والطواف والتذكير.

قال أبو الفرج: فقلت أيها الأمير تنفذ من يعرف خبره، فأنفذنا في الحال رسولاً قاصدًا ليخبر أمره، فجاءنا يُعرِّفنا أن امرأته ذكرت أنه عرض له في هذه الليلة حكاك شديد في قفاه فمنعه من التطواف والتذكير، فقلت لأبي علي المستأمن: أيها الأمير هذه آية ونحب أن نشاهدها، فركبنا وقد بقيت من الليل بقية يسيرة، وجئنا إلى دار الضرير فوجدناه نآئما على وجهه يخور، فسألنا زوجته عن حاله، فقالت: انتبه وحك هذا الموضع، وأشارت إلى قفاه، وكان قد ظهر فيه مثل العدسة، وقد اتسعت الآن وانتفخت وتشققت، وهو الآن على ما تشاهدون يخور ولا يعقل، فانصرفنا وتركناه، فلما أصبح توفي فأكب أهل صور على تشييع جنازته وتعظيمه. قال أبو الفرج: واتفق أني لما وردت إلى باب عضد الدولة بالموصل في سنة ثمان وستين وثلاثمائة لزمت دار خازنه أبي نصر خرشيذ يزديار بن مافنة، وكان يجتمع فيها كل يوم خلق كثير من طبقات الناس، فحدثت بهذه الحكاية جماعة في دار أبي نصر: منهم القاضي أبو علي التنوخي رحمه الله، وأبو القاسم الحسين بن محمد الجنَّابيّ، وأبا إسحاق النصيبي، وابن طرخان وغيرهم، فكلهم ردَّ عليَّ واستبعد ما حكيته على أشنع وجه غير القاضي أبي علي رحمه الله فإنه جوَّز أن تكون هذه الحكاية صحيحة وشيدها وحكى في مقابلتها ما يقاربها، ثم مضت على هذه مُديدة يسيرة، فحضرت دار أبي نصر على العادة واتفق حضور أكثر الجماعة، فلما استقر بي المجلس سلم عليَّ فتىً شاب لم أعرفه فاستثبته. فقال: أنا ابن أبي القاسم بن أبان قاضي صور، فبدأت فأقسمت عليه بالله يمينًا مكررة مؤكدة وبأيمان كثيرة مغلظة محرجة إلا صدق فيما أسأله عنه، فقال: نعم عندي أنك تريد أن تسألني عن المنام والضرير المذكِّرْ وميتته الطريفة، فقلت: نعم هو ذاك فبدأهم وحدثهم بمثل ما حدثتهم به، فعجبوا من ذلك واستطرفوه وأنشد الساري قال أنشدنا والدي لنفسه:

لن يبلغوا مدح النبي وآله ... قوم إذا ما بالمدائح فاهوا

رجل يقول إذا تحدث قال لي ... جبريل أرسلني إليك الله

وهو عليه السلام في الجهاد السابقُ في الميدان، المبيدُ للأقران، المقطِّر للشجعان. روينا عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال لي معاوية: أتحب عليا؟ قلت: وكيف لا أحبه وقد سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، ولقد رأيته بارز يوم بدر وهو يحمحم كما يحمحم الفرس، ويقول:

ما تنقم الحرب العَوانُ مني ... بازل عامين حديثٌ سِّني

سنحنح الليل كأني جني

ثم قال: لمثل هذا ولدتني أمي

فما رجع حتى خضَّبَ سيفه دمًا. وروينا عن عبدالله قال: دخل علي بن أبي طالب عليه السلام يوم قتل عمرو بن عبد ودٍّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيفه يقطر دما فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أتحف عليا بتحفة لم تتحف بها أحدا قبله، ولا تتحف بها أحدا بعده، قال: فهبط جبريل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأترجة، فإذا فيها سطران مكتوبان: هدية من الطالب الغالب إلى علي بن أبي طالب، وأنشد عليه السلام في قتل عمرو بن عبد ودّ:

أعليَّ تقتحم الفوارس هكذا ... عني وعنهم أخبروا أصحابي

اليوم يمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمِّمٌ في الهام ليس بناب

آلى ابن عبد حين شدَّ أليَّةً ... وحلفت فاستمعوا مِنَ الكذاب

أن لا يصد ولا يهلل فالتقى ... رجلان يضطربان أي ضراب

فصددت حين رأيته متقطرًا ... كالجذع بين دكادكٍ وروابي

وعففت عن أثوابه ولو انني ... كنتُ المقطَّرَ بزَّني أثوابي

وروينا عن سعيد بن المسيب قال: لقد أصابت عليا عليه السلام يوم أحد ست عشرة ضربة، كل ضربة تلزمه الأرض، فما كان يرفعه إلا جبريل عليه السلام.

وروينا عن المنتجع بن قارض النهدي أن أباه حدثه، وكان جاهليا قال: شهدت هوازن يوم هوازن، وكنت امرأ ندبا يسودني قومي، ولقينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرأيت في عسكره رجلا لا يلقاه قرن إلا دهدهه، ولا يبرز إليه شجاع إلا أرداه، فصمد له وبرز إليه الجلموز بن قريع، وكان والله ما علمته حوشي القلب، شديد الضرب، فأهوى له الرجل بسيفه، فاختلى قحف رأسه على أم دماغه، فحدت عنه وجعلت أرمقه وهو لا يقصد ركاكة، ولا يؤم إلا صناديد الرجال، لا يدنو من رجل إلا قتله، وكانت الدائرة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم علينا، فأسلمت بعد ذلك، فتعرفت الرجل، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام، وتالله لقد رأيت زنده فخلته أربع أصابع، وإن أول خنصره كأخر مفصل من مرفقه. وروينا عن عبدالله ابن الحسن عليه السلام قال: بارز علي بن أبي طالب عليه السلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنين وسبعين مبرزا.

وروينا في خبر أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما قفل من غزوة تبوك، وقسم للناس الغنائم، دفع إلى علي عليه السلام سهمين، فأنكر ذلك قوم! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيها الناس هل أحد أصدق مني؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: أيها الناس أما رأيتم صاحب الفرس الأبلق أمام عسكرنا في الميمنة مرة، وفي الميسرة؟ قالوا: رأيناه يا رسول الله. فماذا؟ قال: ذلك جبريل عليه السلام قال لي يا محمد: إن لي سهما مما فتح الله عليك، وقد جعلته لابن عمك علي بن أبي طالب فسلمه إليه، قال أنس: فكنت فيمن بشر عليا عليه السلام بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وكان عليه السلام في العلم البحر الذي لا ينتهى إلى قراره، والغمام الذي لا يقلع ديمة مدرارة.

وقد روينا بالإسناد الموثوق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، فمن أراد الحكمة، فليأت الباب)).

وعن عمر أنه قال: لا أبقاني الله لمعضلة لا أرى فيها ابن أبي طالب، وعنه: لولا علي لهلك عمر. وعن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: وجدنا العلم على ستة أسداس: لعلي منها خمسة أسداس خاصة، ولسائر الناس سدس واحد، ويشاركهم فيه. وعنه رحمه الله تعالى قال: لعلي عليه السلام خصال قواطع: بسطة في العشيرة، وصهر بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعلم بالتنزيل، وفقه بالتأويل، وصبر إذا دعيت نزال.

وعنه في صفة أمير المؤمنين عليه السلام: كان والله يشبه القمر الباهر، والحسام الباتر، والربيع الباكر، والفرات الزاخر، والليث الخادر، فأشبه من القمر ضوءه وبهاءه، ومن الحسام حده وجلاءه، ومن الربيع خصبه وحياءه، ومن الفرات جوده وسخاءه، ومن الليث شجاعته ومضاءه.

 

وروينا عن سعيد بن كلثوم قال: كنت عند جعفر بن محمد، فذكر علي بن أبي طالب عليه السلام فأطراه، ثم قال: والله ما أكل عليٌّ من الدنيا حراما قط حتى مضى لسبيله، وما عرض له أمران قط هما لله برضى إلا أخذ بأشدهما عليه في دينه، وما نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نازلة إلا دعاه فقدمه أمامه ثقة به، وما أطاق عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة غيره، وإن كان ليعمل عمل رجل كأن وجهه بين الجنة والنار، يرجو ثواب هذه، ويخاف عقاب هذه، ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله، والنجاة من النار، مما كد بيده، ورشح منه جبينه، وإن كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة، وما كان لباسه إلا الكرابيس، إذا فضل شيء عن يده من كمه دعا بالجلم فقصه، وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد، وإن كان أقرب القوم شبها به في لباسه وفقهه علي بن الحسين عليهما السلام.

وعن عروة بن الزبير قال: كنا جلوسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتذاكرنا أعمال بدر، وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: ألا أخبركم بأقل القوم مالا، وأكثرهم ورعا، وأشدهم اجتهادا في العبادة؟ قالوا: من هو؟ قال: علي ابن أبي طالب، قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه، ثم ابتدر له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها فقال أبو الدرداء: يا قوم إني قائل ما رأيت، وليقل كل امرئ ما رأى؛ شهدت عليا عليه السلام، وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممن يليه، واستتر بفسلان النخل، فافتقدنه فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين، ونغمة شجي، وهو يقول: إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنعمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك، فشغلني الصوت، واقتفيت الأثر، فإذا هو علي عليه السلام بعينه، فاستترت منه، وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثم فزع إلى الدعاء والاستغفار والبكاء، والبث والشكوى، فكان مما ناجى به ربه أن قال: إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليه بليتي، ثم قال: آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء، ثم قال: آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من ملهبات لظى.

قال: ثم أنعم في البكاء فلم أسمع له حسا ولا حركة، فقلت: غلبه النوم بطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر فأتيته، فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك، فزويته فلم ينزو، فقلت: إنا لله وإنا لله راجعون، مات والله علي بن أبي طالب، قال: فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم، فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبا الدردآء هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثم أتوه بمآء فنضحوه على وجهه فأفاق، فنظر إلي وأنا أبكي، فقال: ما بكاؤك؟ فقلت: مما أراه تنزله بنفسك، فقال: يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني وقد دعيت إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعقاب، واحتوشتني ملآئكة غلاظ، وزبانية أفظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار قد أسلمني الأحباء، ورحمني أهل الدنيا؛ لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية!

قال أبو الدرداء: ما رأيت أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك.

وروينا عن محمد بن السائب عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية، فقال له: صف لي عليا، فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: إذ لا بد، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، وكان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفيه، ويحاسب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن. كان والله كأحدنا يدنينا إذا آذناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع قربه منا لا نكلمه هيبة منه، وإن تبسم فمثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، ممثلا في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: أبي تعرضت، أم بي تشوقت، هيهات هيهات غري غيري لا حان حينك، قد بنتك ثلاثا، فعمرك قصير، وخطرك كبير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، قال: فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن فكيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها، لا ترقأ دمعتها، ولا يسكن حزنها، ثم قام فخرج.

وروينا عن زيد بن علي عليهما السلام قال: اجتمع نفر من قريش فيهم علي ابن أبي طالب عليه السلام فتفاخروا، فقالوا شيئا من الشعر حتى انتهوا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا: يا أبا الحسن قل فقد قال أصحابك، فقال عليه السلام:

الله أكرمنا بنصر نبيه ... وبنا أقام دعائم الإسلام

وبنا أعز نبيه وكتابه ... وأعزه بالنصر والإقدام

في كل معترك تطير سيوفنا ... فيها الجماجم من قراح الهام

ينتابنا جبريل في أبياتنا ... بفرائض الإسلام والأحكام

فنكون أول مستحلّ حلَّه ... ومحرِّمٍ لله كل حرام

نحن الخيار من البرية كلها ... ونظامها وزمام كل زمام

الخائضوا غمرات كل كريهة ... والضامنون حوادث الأيام

والمبرمون قوى الأمور بعزمهم ... والناقضون مراير الإبرام

سائل أبا كرب وسائل تُبّعًا ... عنا وأهل العير والأزلام

إنا لنمنع من أردنا منعهم ... ونجود بالمعروف والإنعام

وترد عادية الخميس سيوفنا ... وتقيم رأس الأصيد القمقام

وروينا عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: قال أهل الشام لمحمد بن الحنفية، وقد برز في بعض أيام صفين: هذا ابن أبي تراب، هذا ابن أبي تراب، فقال لهم محمد بن الحنفية: إخسئوا ذرية النار، وحشو النفاق، وحصب جهنم أنتم لها واردون، عن الأسل النافذ، والنجم الثاقب، والقمر المنير، ويعسوب المؤمنين، من قبل أن تطمس وجوه فترد على أدبارها، وتلعنوا كما لعن أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا.

أو لا تدرون أي عقبة تتسنمون، بل ينظرون إليك وهم لا يبصرون، أصنو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تستهدفون؟ ضلة بكم، هيهات برز والله بسبق، وفاز بخصل محرزا القصبات سبقه، فانحسرت عنه الأبصار، وتقطعت دونه الرقاب، واحتفزت دونه رجال، وكرثهم السعي، وفاتهم الطلب، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. فخفضا أقلوا لا أبا لأبيكم من اللوم، أو سدوا المكان الذي سدوا، وأنى تسدون مسد أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ شفعوا، وشبيه هارون إذ منحوا، والبادي ببدر إذ ابتدروا، والمدعو إلى خيبر إذ نكلوا، والصابر مع هاشم يوم هاشم إذ حصلوا، والخليفة على المهاد ومستودع الأسرار!

تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

وأنى يبعد عن كل مكرمة وعلا وقد نمته ورسول الله أبوة، وتفيئا في ظل، ودرجا في سكن، وربيا في حجر، منتجبان مطهران من الدنس، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنبوءة، وأمير المؤمنين عليه السلام للخلافة، خلافة قد رفع الله عنها سنة الاستبداد، وطمس عنها وسم الذلة فقد حلأها عن شربها أخذا بأكظامها، يرحضها عن مال الله حتى عضها الثقاف، ومضها فرض الكتاب، فجرجرت جرجرة العود، فلفظته أفواهها، ومجته شفاهها، ولم يزل على ذلك وكذلك، حتى أقشع عنكم ريب الذلة، واستنشقتم ريح النصفة، وتطعمتم قسمة السوآء، سياسة مأمون الخرفة، مكتهل الحنكة، طب بأدوائكم، قمن بدوائكم، يبيت بالربوة، كاليا لحوزتكم، جامعا لقاصيتكم، يقتات الجريش، ويلبس الهدم، ويشرب الخمس، وأنتم تريدون أن تطفئوا نور الله بأفواهكم، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] ثم إذا تكافح السيفان، وتبادرت الأقران، وطاح الوشيج، واستسلم الوشيظ، وغمغمت الأبطال، ودعت نزال، وغردت الكماة، وقلصت الشفاه، وقامت الحرب على ساق، وسألت عن أبراق، الفيت أمير المؤمنين مثبتا لقطبها، مديرا لرحاها، دلافا للبهم، ضرابا للقلل، سلابا للمهج، ترّاكًا للونية، مُثكِل أمهات، ومؤيم أزواج، ومؤتم أطفال، طامحا في الغمرة، راكدا للجولة، يهتف بأولاها فتنكفئ على أخراها، فآونة يكفاها، وفينة يطويها طي الصحيفة، وتارة يفرقها فرق الوفرة، فبأي مناقب أمير المؤمنين تكذبون، وعن أي امرئ مثل حديثه تروون، وربنا المستعان على ما تصفون.

وتفصيل مناقبه عليه السلام تخرجنا عن المراد وإنما نبهنا عن اليسير دون الكثير.

وقد روينا في مثل هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لو أن الغياض أقلام، والبحار مداد، والجن كتاب، والإنس حساب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب))، فكيف يروم أحد مع ذلك الإحاطة بمناقبه والإحصاء لمكارمه.

هذا وقد روينا في قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [آل عمران: 61] أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليا وفاطمة عليهما السلام، والحسن والحسين، فكانت الأنفس المراد بها نفس النبي ونفس علي صلوات الله عليهما، والنساء المراد بها فاطمة عليها السلام، والأبناء المراد بها الحسن والحسين عليهما السلام، وهذا شرف لا يسامى، وفضل لا يدانى. ومن مدحه محكم التنزيل؛ اكتفي في ظهور فضله عن التطويل، ولله القائل:

يفنى الكلام ولا يحاط بمدحكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفد

ذكر بيعته ونبذ من سيرته عليه السلام

بُويِعَ له عليه السلام بالخلافة يوم الجمعة بعد العصر بالمدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة. وهو اليوم الذي قُتِلَ فيه عثمان، وبويع له في الغد يوم السبت، وامتدت البيعة على ما قيل ثلاثة أيام، وأول من بايعه طلحة، ثم الزبير، ثم من حضر من المهاجرين والأنصار وسواهم، وكان يأخذ البيعة على الناس عمار بن ياسر، وأبو الهيثم بن التيهان، ولما بويع له على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف خزيمة بن ثابت الأنصاري بين يدي المنبر وأنشأ يقول:

إذا نحن بايعنا عليًّا فحسبنا ... أبو حَسَنٍ مما نخاف من الفتن

وجدناه أولى الناس بالناس إنه ... أطب قريش بالكتاب وبالسنن

وإن قريشًا ما تشق غباره ... إذا ما جرى يومًا على الضمَّر البُدن

وفيه الذي فيهم من الخير كله ... وما فيهم كل الذي فيه من حسن

وقال خزيمة بن ثابت رحمه الله أيضًا عند اختلاف الناس على علي عليه السلام بعد البيعة وكان يسمَّى ذا الشهادتين، قطع به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحده:

ويلكم إنه الدليل على اللـ ... ـه وداعيه للهدى وأمينه

وابن عم النبي قد علم النا ... س جميعا وصنوه وخدينه

كل خير يزينهم هو فيه ... وله دونهم خصال تزينه

ثم ويل لمن يبارز في الرو ... ع إذا ضمت الحسام يمينه

ثم نادى أنا أبو الحسن القر ... م فلا بد أن يطيح قرينه

 (وقعة الجمل)

ولما استقرت له البيعة عليه السلام أتاه طلحة والزبير فاستأذناه للحج، فقال: ما الحج تريدان! ولكن اذهبا فذهبا، والتقوا بعائشة مقبلة من الحج، وعبدالله بن عامر، وجاء يعلى بن مُنية من اليمن وكان عاملاً فيه لعثمان، فاشتَوَرُوا واتفقت آراؤهم على الخروج إلى البصرة لمخالفة علي عليه السلام، والطلب بدم عثمان، وهؤلاء من عيون أهل عصرهم في الدنيا والدين، ولهذا قال علي عليه السلام: في حربهم بليت بأشجع الناس في الناس يعني الزبير، وأطوع الناس في الناس يعني عائشة، وأغنى الناس في الناس يعني يعلى بن منية، وراودوا أم سلمة رضي الله عنها على الخروج معهم فأبت.

وكتبت عائشة إلى زيد بن صوحان العبدي: بسم الله الرحمن الرحيم من عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أما بعد: إذا جاءك كتابي هذا فأقم في بيتك، واخذل الناس عن علي حتى يبلغك أمري، وَلْيَبْلُغْنِي عنك ما أُسَرُّ به، فإنك من أوثق أهلي عندي والسلام.

 

فلما قرأ كتابها قال: أُمِرَتْ بأمر وأمِرْنا بغيره، أُمِرَتْ أن تجلس في بيتها، وأن تَقَرَّ فيه، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فركبت ما أمرنا، وتأمرنا أن نركب ما أمرت به. ثم إن عائشة وطلحة والزبير ومن انضاف إليهم ساروا حتى نزلوا البصرة، وفيها عامل علي عليه السلام عثمان بن حنيف رحمه الله تعالى، فهموا بقتله، ثم حبسوه وحلقوا لحيته، وقتلوا رجالا كثيرا كانوا معه على بيت المال وغير ذلك من أعماله، فلما بلغ عليا عليه السلام مسيرهم خرج مبادرا إليهم واستنجد أهل الكوفة، ثم سار بهم إلى البصرة وهم بضعة عشر ألفا، فخرج إليهم طلحة والزبير وعائشة بأهل البصرة فاقتتلوا قتالا شديدا، وهزم عسكر عائشة، وأمر أمير المؤمنين صلوات الله عليه بردها إلى المدينة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: ((إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر، فإذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها)). وروينا أن عليًّا عليه السلام خرج على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنادى بأعلى صوته: ادعوا لي الزبير، فدعي به، فقال علي: أنشُدُك الله، أتذكر يوم مر بك رسول الله عليه السلام، ونحن في مكان كذا؟ فقال: يا زبير أتحب عليا؟ فقلت: ألا أحِبَّ ابن خالي وابن عمي، وَمَنْ على ديني! فقال: يا علي أتحبه؟ فقلت: ألا أحب ابن عمتي، ومن على ديني! فقال: يا زبير أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم، فقال الزبير: بلى والله لقد نسيت منذ سمعته، ثم تذكرته الآن، والله لا أُقَاتِلَكَ، فرجع الزبير يشقَّ الصفوف، فعرض له ابنه عبدالله، فقال: مالك؟ قال: ذكرني عليٌّ عليه السلام حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لَتُقَاتِلَنّهُ وأَنْتَ لَهُ ظَالِم)) فلا والله لا أقاتله، ثم ولى وأنشد:

تَرْكُ الأمور التي تُخشَى عواقبُها ... لله أجمل في الدنيا وفي الدين

نادى عليٌّ بأمرٍ لستُ أُنكرُه ... قد كان عَمرُو أبيك الخيرَ مُذْحِين

فاخترت عارًا على نارٍ مؤجَّجَةٍ ... أَنَّى يقوم لها خلق من الطين

ثم ذهب حتى نزل بوادي السباع، فقتله ابن جرموز وأتى برأسه عليا عليه السلام فقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ((بشر قاتل ابن صفية بالنار)) فقال ابن جرموز:

أتيت عليًّا برأس الزبير ... وقد كنت أرجو به الزلفة

فبشر بالنار قبل العيان ... فبئست بشارة ذي التحفة

فسيان عندي قتل الزبير ... وضرطة عنز بذي الجُحْفَة

ودعا عليٌّ عليه السلام أيضا بطلحة فقال له: نشدتك الله، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((مَنْ كُنْتُ مولاهُ فعليٌّ مَولاهُ، اللهم وَالِ منْ والاه، وعاد من عاداه))؟ قال: نعم. قال: فَلِمَ تُقَاتِلُني؟ قال: لم أذكر، وانصرف.

وروي أنه لما رُمِيَ بسهم قال بعد ما أفاق من غشيته: ما رأيت مصرع قرشي أضل من مصرعي.

وروي أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه دفع رايته يوم الجمل إلى محمد بن الحنفية، وقال: تقدم يا بني، فتقدم، ثم وقف ساعة، فصاح به: اقتحم لا أم لك، فحمل مُحَمدٌ وطعن بها في أصحاب الجمل طعنًا منكرًا فأُعجب به عليه السلام، فجعل يُنشِدُ:

اطعن بها طعن أبيك تُحمد ... لا خير في الحرب إذا لم توقد

ورجع ثم استل أمير المؤمنين عليه السلام سيفه وحمل على القوم فضرب فيهم يمينًا وشمالاً ورجع وقد انحنى سيفه فجعل يسويه بركبتيه، فقيل له: نحن نكفيكها يا أمير المؤمنين، فلم يجب أحدا حتى سواه، ثم حمل ثانيًا حتى اختلط بهم، ثم رجع، وقد انحنى سيفه فوقف يسويه بركبتيه، ويقول: والله ما أريد بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة، ثم التفت إلى ابنه محمد وقال: هكذا فاصنع يا بني. وخرج عمرو بن اليثربي وقتل ثلاثة من أصحاب أمير المؤمنين، وطلب البراز، فخرج إليه عمار، وألقاهُ عن فرسه وجرَّه حتى ألقاه بين يدي أمير المؤمنين، فأمر بضرب عنقه، فقال: استبقني لأقتل منهم مثل ما قتلت من أصحابك، فقال: أبعد ثلاثة من أصحابي! فقال: أدْنِ مني أُذُنك أكلمك، فقال: أنت رجل متمرد، وقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكل متمرد، فقال: لو أدنيت مني لقطعت أُذُنك، وَقُتِلَ، فخرج أخوه عبدالله بن اليثربي يرتجز ويقول:

أضربكم ولو أرى عليًا ... عممته أبيض مشرفيا

فخرج عليٌّ عليه السلام وهو يقول:

أُثبت لتلقاه به مليّا ... مهذبًا سميدعًا كميا

فحمل عليه علي عليه السلام فضربه ضربة رمى بنصف رأسه فقتله وانصرف. فصاح صائح من خلفه، فالتفت فإذا بعبد الله بن خلف الخزاعي صاحب منزل عائشة، فقال: ما تشاء يا ابن خلف؟ فقال: هل لك في المبارزة؟ قال: ما أكره ذلك، ولكن ما راحتُك في القتل؟ فقال: تُرَى أيُّنا يقتل صاحبه؟ ثم جعل يرتجز:

إن تدن مني يا علي فترا ... فإنني دانٍ إليك شبرا

بصارم يسقيك كأسًا مرّا ... ها إِنَّ في صدري عليك وِتْرا

فَثَنَى عليٌّ عليه السلام عنانه، وأنشأ يقول:

يا ذا الذي يطلب مني الوَتْرا ... إن كنت تبغي أنْ تزور القبرا

حقًّا وتصلى بعد ذاك الجمرا ... فادْنُ تجدني أسدًا هِزَبْرا

أسْعِطك اليوم زعافًا مُرّا

وتطاعنا وتضاربا فضربه علي عليه السلام ضربة رمى بيمينه، ثم ثناه ضربة أخرى فأطار قحف رأسه، ثم وقف عليه وجعل يرتجز:

إياي تدعو في الوغى يا ابن الأرب ........ من أبيات

ولما عُرْقِبَ الجمل ووقع، دنا أمير المؤمنين على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرع الهودج برمحه وقال: يا عائشة، أهكذا أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقالت عائشة: قد ظفرت فأحْسِنْ، فقال لمحمد بن أبي بكر: شأنك بأختك، فأدْخلها البصرة ثم ردها إلى المدينة.

وروي عن أبي جعفر عليه السلام أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم الجمل كان في خمسة عشر ألفا، وطلحة والزبير في خمسة وثلاثين ألفا، فما كان إلا ثلاث ساعات أو أربع حتى قتل من الفريقين زُهَاء نيف وعشرين ألفًا، ولما انهزم أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين ابن عباس إلى عائشة في خمسين نسوة من أهل البصرة يأمرها بالانصراف إلى بيتها بالمدينة الذي تركها فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال له: قل لها: إن الذي يردها خير من الذي يخرجها، ثم نادى مناديه: لا تجيزوا على جريح، ولا تَتْبَعُوا مدبرًا، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا امرأة: من دخل داره وألقى سلاحه فهو آمن، وما حوت المنازل والدور فهو ميراث. وإنما فعله لأنه لم يكن لهم فَيَئة.

وروينا بالإسناد إلى السيد أبي العباس أحمد بن إبراهيم الحسني (رضي الله عنه) بإسناده إلى ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله من يغسلك إذا مِتّ؟ قال: يغسّل كلَّ نبي وصيُّه، قال: قلت: يا رسول الله من وصيك؟ قال: علي بن أبي طالب، قلت: يا رسول الله كم يعيش بعدك؟، قال: ثلاثين سنة، وإن يوشع بن نون عاش بعد موسى ثلاثين سنة، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى، وقالت: أنا أحق بالأمر منك، فقاتلها وقاتل مقاتلتها، وأسرها وأحسن أسرها، وإن بنت أبي بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من أمتي، فيقاتلها ويقاتل مقاتليها، ويأسرها ويحسن أسرها، وفيها وفي صفراء أنزل الله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] يعني صفراء في خروجها على يوشع بن نون.

وروينا عنه (رضي الله عنه) رواه بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأذنب؟ لا تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها، وعن يسارها قتلى كثير في النار.

قال الشيخ العالم أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد الزيدي (رضي الله عنه) في كتاب المحيط بالإمامة: ولا شبهة عند أهل النقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أخبر عائشة أن كلاب الحوأب تنبحها في سيرها، وأنها لما بلغت الحوأب ونبحتها كلابه، سألت الجمال عن ذلك الموضع فعرفها أنه الحوأب، فأمرت أن يناخ بعيرها واضطربت، حتى جاء أصحابها، وحلف على ما في الخبر نحو ثلاثين رجلا، وفي رواية أخرى خمسين رجلا أن ذلك الموضع ليس بالحوأب، واشتهرت القصة في ذلك حتى ذكر أهل اللغة كلاب الحوأب في كتبهم.

قال الخليل في كتاب العين: الحوأب موضع حيث نبحت الكلاب على عائشة، وقال ثعلب في كتاب الفصيح: وهي كلاب الحوأب مهموز، وذكر القتيبي في أدب الكتاب: ولشهرته استدل بذلك على معجز النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه كان أخبر أن كلاب الحوأب تنبحها في مسيرها، وأن الأمر كان كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.

وروينا بالإسناد عن السيد أبي العباس (رضي الله عنه) بإسناده عن أم هانئ: (قد علم من جرت عليه المواسي أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي، وقد خاب من افترى.

وبالإسناد إليه (رضي الله عنه) بإسناده إلى علي عليه السلام قال: (لقد علمت صاحبة الجمل أن أصحاب النهروان وأصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم).

وروى صاحب المحيط في الإمامة (رضي الله عنه) بإسناده عن ابن عباس قال: مرض علي بن أبي طالب عليه السلام، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليعوده في مرضه فرأى طلحة عند رأسه والزبير عند رجليه فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يشتد عليكما مرض علي؟)) فقالا: سبحانه الله! وكيف لا يشتد علينا مرض علي؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده إنكما لا تخرجان من الدنيا حتى تقاتلاه وأنتما له ظالمان)). وقتل طلحةَ مروانُ بن الحكم. وفي الرواية لما صرع مر به رجل من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أمن أصحابنا؟ أم من أصحاب أمير المؤمنين؟ فقال: بل من أصحاب أمير المؤمنين فقال: ابسط يدك لأبايعك لأمير المؤمنين فألقى الله على بيعته، أما والله ما كفتنا آية من كتاب الله، وهي قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] فوالله لقد أصابت الذين ظلموا منا خاصة.

وكانت وقعة الجمل لعشر خلون من شهر جمادى الأخرى سنة ست وثلاثين، وكانت عدة القتلى ثلاثين ألفا برواية وكيع، ولما انقضى حرب الجمل بالفتح المبين لأمير المؤمنين عليه السلام، وبلغ إلى معاوية ذلك؛ كتب إلى علي عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم

لعلي بن أبي طالب من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فو الله ما بقي أحد أحب أن يكون هذا الأمر إليه منك، ولقد عرفت رأي أبي قبل، لقد جاءك يوم توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوك إلى البيعة، فأنا إلى ذلك اليوم أسرع إن أعطيتني النصف، أو تحاملت على نفسك لقرابتي؛ إن استعملتني على الشام، وأعطيتني ما أثلج به لا تعزلني عنه بايعت لك ومن قبلي وكنا أعوانك، فقد رأيت عمر قد ولاني فلم يجد علي، وإن لم تفعل فوالله لأجلبن عليك خمسين ألف حصان قارح في غير ذلك من الخيل. فلما قرأ علي عليه السلام الكتاب استشار فيه عبدالله بن عباس، والحسن بن علي، وعمار بن ياسر رجلًا رجلًا، فقال عمار: والله ما أرى أن تستعمله على الزرقاء وإنما بها خمسة أنفس، فقال علي عليه السلام: اطو ذلك، ثم دعا الحسن وابن عباس، فقالا قد كنا أشرنا عليك أن تقره على عمله ولا تحركه حتى إذا بايع الناس أخذت ما أردت وأقررته إن رأيته أهلا لذلك.

وروينا عن السيد أبي العباس بإسناده أن عليا عليه السلام قال: كان المغيرة بن شعبة قد أشار علي أن استعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة فأبيت عليه؛ ولم يكن الله ليراني أن اتخذ المضلين عَضُدا، قال: قال الواقدي في حديثه: فلما علم معاوية ذلك من علي عليه السلام قال: والله ما كتبت إليه وأنا أريد أن ألي له شيئا، ولا أبايعه، ولكن أردت أن أخدعه وأقول لأهل الشام انظروا إلى علي، وإلى ما عرض علي فيزيدهم بصيرة، ويختلف أهل العراق عليه، فاحضر العشية حتى تسمع كلامي، فقام فحمد الله وأثنى عليه وقال: وكان إمامكم إمام الرحمة، والعفو، والبر، والصلاة، والصلة عثمان بن عفان، فبطر علي بن أبي طالب النعمة، وطالت عليه المدة، واستعجل أمر الله قبل حينه، وأراد أن يكون الأمر له فقتل إمامكم، وفرق جماعتكم، وأطمع عدوكم فيكم.

ومعه قميص عثمان وهو يقول: يا أهل الشام ذبح على هذا القميص كما تذبح الشاه، ثم بكى وأبكى أهل الشام ساعة طويلة، ثم قال: يا أهل الشام عمد ابن أبي طالب إلى البصرة، فسار إليها فلقي رجالا لا يعرفون قتاله، وأنتم أهل مناصحة في الدين، وأهل طاعة للخلفاء، يا أهل الشام إن الله تعالى يقول في كتابه: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33] وأنتم ولاة دم خليفتكم، والقائمون به، وأنا معكم، فأجابه أهل الشام: سر بنا حيث ننصر إمامنا ونطلب بدمه، والذي أمره بذلك في حديث نصر بن مزاحم - عمرو بن العاص، قال نصر: حدثنا محمد بن عبيد الله، وعمر بن سعد، أن معاوية كتب إلى عمرو بن العاص وهو بفلسطين أما بعد: فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقدم إلينا جرير بن عبدالله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، فلما قدم الكتاب على عمرو استشار ابنيه عبدالله ومحمدا فقال عبدالله: قر في منزلك ولاتكن حاشية لمعاوية على دنيا قليلة، وقال محمد: إنك شيخ قريش، وإن يضرم هذا الأمر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك، فالحق بجماعة أهل الشام، واطلب بدم عثمان، فسار حتى قدم على معاوية، فقال: أبا عبدالله إن عليا نزل بالكوفة متهيئا للمسير إلينا، فقال: والله ما تسوي العرب بينك وبينه في شيء إلا أن تظلمه.

وفي حديث عمر بن سعد أنه قال: أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه، وشق عصى المسلمين، وقتل الخليفة، فقال عمرو: والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير، فما تجعل لي أن أبايعك على ما تسمع من العز والخطر.

وفي حديث عمر بن سعد أنه قال: أبا عبدالله، إني أكره أن تحدث العرب أنك دخلت في هذا الأمر لغرض دنيا، قال عمرو: دعني منك فإن مثلي لا يخدع لأنا أكيس من ذلك، فما تعطيني؟ قال: مصر طعمة. فخرج عمرو من عنده، فقال ابناه: ما صنعت؟ قال: أعطانا مصر. قالا: وما مصر في ملك العرب؟ قال: لا أشبع الله بطونكما إن لم تشبعا بمصر.

ثم إن أمير المؤمنين عليه السلام أمر مناديه، فنادى في الناس أن اخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة فأجابوه، ولم يبرح في النخيلة حتى قدم إليه ابن عباس مع أهل البصرة، ثم سار حتى إذا جاوز الجسر نزل في مسجد أبي سبرة فقصر فيها صلاة الظهر، ثم سار حتى نزل دير أبي موسى على فرسخين من الكوفة فصلى العصر، وقدم زياد بن النضر الحارثي في ثلاثة آلاف، وشريح بن هاني في ألفين فمضيا حتى إذا جازا عرض الجزيرة فلقيهما أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي في حد الشام في خيل عظيمة، فدعواه إلى الطاعة فأبى إلا القتال، فراسلا أمير المؤمنين، فدعا علي عليه السلام مالك بن الحارث الأشتر رحمه الله، وقال: إذا قدمت عليهم فأنت أمير، ولا تبدأ القوم بالقتال إلا أن يبدؤك، واجعل على ميمنتك زيادا، وعلى ميسرتك شريحا، ولا تحاربهم حتى نقدم عليك، فمضى الأشتر، وخرج أمير المؤمنين عليه السلام في أثره حتى بلغ صفين وهو من الرقة على عشرة أو خمسة فراسخ.

وروينا من غير طريق السيد أبي العباس أن عليا عليه السلام لما سار جعل يقول: سيروا إلى قتال أهل الشام العتاة الطغاة، سيروا إلى أولياء الشيطان، وأعداء السنة والقرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، سيروا إلى الكذبة الفجار وقتلة المهاجرين والأنصار، وجعل عمار بن ياسر يرتجز ويقول:

سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي ... سيروا فخير الناس أتباع علي

هذا أوانٌ طاب سل المشرفي ... وَقَودُنا الخيل وهَزُّ السَّمْهَرِيَ

ولما خرج عليه السلام من الأنبار سائرا أخرج في طريقه عينا بقرب دير، فسئل الراهب؟ فقال: إنما بني هذا الدير لهذه العين، وإنه عين راحوما ما استخرجها إلا نبي أو وصي نبي، ولقد شرب منها سبعون نبيئا، وسبعون وصيا، فأخبروا بذلك عليا عليه السلام.

وكانت تعبئة أمير المؤمنين عليه السلام لعسكره: على خيل ميمنته الحسن والحسين، وعلى رجالتها عبدالله بن جعفر ومسلم بن عقيل، وعلى خيل الميسرة محمد بن الحنفية ومحمد بن أبي بكر، وعلى رجالتها هاشم بن عتبة، وعلى جناح القلب عبدالله بن العباس، وعلى رجالته الأشتر والأشعث، وعلى الكمين عمار بن ياسر.

وروي أنه عليه السلام كان في تسعين ألفا، ومعاوية لعنه الله في مائة وعشرين ألفا، وكان في عسكره عليه السلام من الأنصار، ثمانمائة أو تسعمائة ممن بايع تحت الشجرة، وثمانون بدريا، وأول وقائعهم وقعة الأشتر مع أبي الأعور السلمي وكانا قد سبقا: العسكرين، ثم وقعة الماء عند نزول العسكر بصفين. قال السيد أبو العباس (رضي الله عنه) قتل في اليوم الأول زيادة على ألف رجل سوى الجرحى، وأميرهم يومئذ عمار بن ياسر رحمه الله في خمسة عشر ألفًا.

قال: وفي حديث أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي أن أمير المؤمنين عليه السلام شخص من النخيلة لخمس مضين من شوال، ولم يقاتلوا إلا غرة صفر، إلا ما كان من القتال حين وردوا الماء أولا، ثم اتصل القتال شهر صفر كله إلى ليلة الهرير من ربيع الأول، وكانت في صفين أخبار يطول ذكرها.

فمن ذلك ما روي أن عليا عليه السلام خطب في بعض أيام صفين وحث الناس على القتال، فقام قيس بن سعد بن عبادة فتكلم، فلامه المشيخة على أن تكلم أولا فقال: إنكم لسادتي وعمومتي ولكن وجدت الدين في صدري قد جاش فلم أجد بدا من الكلام، وكتب إلى معاوية كتابا أوله:

معاوي قد كنت رخو الخناق ... فألقَحْتَ حربًا تُضِيقُ الخناقا

من قصيدة. وخرج في بعض أيام صفين يرتجز ويقول:

أنا ابن سعد وأبي عبادة ... والخزرجيُّون رجالٌ سادة

ليس فراري في الوغى بعادة ... يا ذا الجلال لقِّنِي الشهادة

شهادة تتبعها سعادة ... حتى متى تثنى لي الوسادة

فخرج إليه بسر، فجرحه قيس وانهزم بسر، وروي أن معاوية دعا بالنعمان ابن بشير وسلمة بن مجالد، وذم الأنصار، وقال: ما لقيت منهم؟ لا أسأل عن رجل إلا قيل: قتله فلان الأنصاري، فبلغ ذلك قيسا، فقال بعد كلام: بلغني أن ابن آكلة الأكباد قال: كذا وكذا، وقد أجاب عنكم صاحبكم النعمان بن بشير، ولعمري لأن وترتموه في الإسلام لقد وترتموهم في الجاهلية، وأنتم اليوم مع ذلك اللواء الذي كان يقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والقوم يقاتلون مع لواء أبي جهل والأحزاب، وقال قصيدة يذم معاوية أولها:

يا ابن هند دع التوثب في الحر ... ب إذا نحن في الحروب دنونا

ثم خرج من الغد وحمل عليهم وأثر أثرا منكرا حتى قال معاوية: إذا رأيتم هذا الرجل فاحترسوا عنه فإنه الأسد الضرغام.

وروينا بالإسناد عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: ما رأيت رئيسا كأمير المؤمنين علي عليه السلام، ولقد رأيته يوم صفين وعلى رأسه عمامة بيضاء، وكأن عينيه سراجا سليط وهو يحمش أصحابه إلى أن انتهى إلي وأنا في كثف من المسلمين، فقال معشر المسلمين: استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، وأخملوا اللوم، وأخفوا الْجُبْنَ وأقلقوا السيوف في الغمد قبل السلة، والحظوا الشَّزْرَ، واطعنوا النثر، ونافحوا بالظباء، وصلوا السيوف بالخطاء، وامشوا إلى الموت سجحا، وعليكم بالرواق المطنب فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان راكد في كسْرِه، نافج حضنيه، مفترش ذراعيه، قد قدم للوثبة يدا، وأخر للنكوص رجلًا.

وروينا أنه كان لمعاوية مولى يقال له: حريث. وكان من أشجع الناس وأشبههم بمعاوية، وكان إذا حمل أيام صفين قال الناس: حمل معاوية، وكان لا يقوم له قائم، وكان معاوية مسرورا بموضعه، فقال له يوما: يا حريث، بارز كل من بارزك، وقاتل كل من قاتلك؛ إلا عليا فإنه لا طاقة لك به، فحسد عمرو ابن العاص حريثا؛ لما يظهر من نجدته وبسالته فقال له: يا حريث، إن معاوية نفس عليك بقتل علي؛ لأنك عبد، ولو كنت عربيا وذا شرف لرضيك لهذا الأمر والمنزلة، فإن قتلت عليا انصرفت براية الفخر، وأعلا ذروة الشرف، فعمل في حريث قول عمرو. فلما برز علي عليه السلام أحجم الناس عنه، فتقدم إليه حريث، فضرب عليا عليه السلام ضربة لم تؤثر فيه، وضربه علي عليه السلام فقتله، فاتصل الخبر بمعاوية فقلق وجزع، وقال: من أين أتي حريث وقد كنت حذرته عليا، ومنعته من قتاله؟ فقيل: إن عمرا أشار عليه بذلك، فأنشأ معاوية يقول:

حريث ألم تعلم وعلمك ضائع ... بأن عليًّا للفوارس قاهر

وأن عليًّا لم يبارزه واحدٌ ... من الناس إلاَّ أقعصته الأظافر

أمرتك أمرًا حازمًا فعصيتني ... فخدك إذ لم تقبل النصح عاثر

ودلاك عمرو والحوادث جمة ... فلله ما جرَّت عليك المقادر

وظن حريث قول عمرو نصيحةً ... وقد يهلك الإنسان ما لا يُحاذر

وخرج المخارق بن عبدالرحمن من أصحاب معاوية، فقتل أربعة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وكشف عوراتهم، واحتز رؤوسهم، فتنكر علي عليه السلام، وخرج فقتل ثمانية نفر من أصحاب معاوية واحتز رؤوسهم، ولم يكشف العورة، فقال معاوية لغلام له بطل: اكفني هذا الرجل، فقال: إني أرى رجلا لو برز إليه جميع عسكرك لأفناهم، ولم يخرج، فجال علي عليه السلام ساعة ثم رفع المغفر وقال: أنا أبو الحسن. وخرج مولى لعثمان يقال له: أحمر للمبارزة، فخرج إليه كيسان مولى لعلي عليه السلام فحمل عليه أحمر فقتله، فقال علي عليه السلام: قتلني الله إن لم أقتلك، فحمل عليه فاستقبله أحمر وهو لا يعرفه فمد علي عليه السلام يده إليه وقبض على ثوبه فضرب به الأرض وكسر منكبه وأضلاعه.

وحمل أمير المؤمنين عليه السلام في بعض المواقف على عمرو بن العاص فأسقطه عن فرسه فرفع عمرو رجله وأبدى عورته، فأعرض عنه أمير المؤمنين ورجع. ومعاوية يضحك فقال: مم تضحك؟ فقال: منك ومن علي، والله لقد وجدته هاشميا مليا بالنزال، لا ينظر إلى عورات الرجال، وقال احمد الله يا عمرو وعورتك، فقال عمرو: يا معاوية، أما والله لو بدا له من صفحتك لأوجع قذالك وأيتم عيالك، وأنهب مالك.

وفي بعض الأخبار أن معاوية ضحك، فقال عمرو: مم تضحك؟ فقال: يضحكني دفعك عليا عن نفسك بالإستاة، ولقد كان كريما لا ينظر إلى عورات الرجال، فقال له: هلا ضحكت إذ دعاك علي إلى البراز، فَاحْوَلَّتْ عيناك، ومالت شدقاك، وارتعدت فرائصك، وبدا من أسفلك شيء أكره ذكره.

وخرج بعد أيام بسر بن أرطأة إلى علي عليه السلام وهو لا يعرفه، فلما بصر به عرفه، وحمل عليه علي عليه السلام، فسقط عن فرسه، ورفع رجله، وكشف عورته، وصرف علي عليه السلام وجهه، ووثب بسر هاربا، فضحك معاوية من بسر، وقال: لا عليك، فقد نزل بعمرو ما نزل بك، وصاح فتى من أهل الكوفة ويلكم يا أهل الشام أما تستحيون لقد علمكم عمرو بن العاص في الحرب كشف الإستاه، ثم أنشأ يقول:

أفي كل يوم فارس ذو كريهة ... له عورة وسط العجاجة باديه

يكف له عنه علي سنانه ... ويضحك منه في الخلاء معاويه

بدت أمس من عمرو فقنع رأسه ... وعورة بسر مثلها حذو حاذيه

فقولا لعمرو وابن أرطأة انظرا ... سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه

فلا تحمدا إلا الخنا وخصاكما ... هما كانتا والله للنفس واقيه

فلولا هما لم تنجوا من سنانه ... وتلك بما فيها عن العود ناهيه

وكان بسر مرة يضحك من عمرو، وعمرو يضحك من بسر.

وتحامى أهل الشام عليا عليه السلام وخافوه خوفًا شديدًا، وصار حديث عمرو مثلا حتى قال أبو فراس:

ولا خير في دفع الردى بمذلة ... كما ردها يوما بسوءته عمرو

وخرج علي عليه السلام يوما ووقف وأنشأ يقول:

أنا عليُّ فاسألوني تخبروا ... ثم ابرزوا لي في الوغى أو أدبروا

سيفي حسام وسناني يزهر ... منا النبي الطاهر المطهَّر

وحمزة الخير ومنا جعفر ... وفاطم عرسي وفيها مفخر

هذا لهذا وابن هند مُحْجَر ... مذبذب مطرد مؤخَّر

فقال معاوية: إنه ليدعوني أبدا إلى البراز حتى لقد استحييت من قريش. فقال أخوه عتبة: اله عن كلامه فإنك تعلم أنه قتل حريثا، وفضح عمرا، ولا تقدم إليه امرؤ إلا وقد أيس من نفسه، ولو برزت إليه لا شممت رائحة الحياة أبدا.

وروى الحاكم (رضي الله عنه) عن علقمة والأسود بن يزيد، قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري فقلنا له: يا أبا أيوب إن الله تعالى أكرمك بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم إذ أوحى إلى راحلته فبركت على باب دارك، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضيفا لك فضيلة من الله فضلك بها، أخبرنا بمخرجك مع علي عليه السلام يقاتل أهل لا إله إلا الله، فقال أبو أيوب: فإني أقسم لكما بالله تعالى لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معي في هذا البيت الذي أنتما معي فيه، وما في البيت غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام جالس عن يمينه، وأنا جالس عن يساره، وأنس قائم بين يديه، إذ حرك الباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أنس انظر من بالباب فخرج أنس فنظر، ثم رجع فقال: يا رسول الله هذا عمار بن ياسر، فقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: افتح لعمار الطيب المطيب، ففتح أنس الباب فدخل عمار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرحب به، ثم قال لعمار: ((إنه سيكون في أمتي من بعدي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضا، وحتى يتبرأ بعضهم من بعض، فإذا أنت رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني يعني علي بن أبي طالب فإن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي، وخل عن الناس، يا عمار إن عليا لا يردك عن هدى، ولا يدلك على ردى، يا عمار طاعة علي طاعتي، وطاعتي طاعة الله)).

ولما قتل عمار (رضي الله عنه) قويت بصائر المسلمين في الجهاد بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، وكان خزيمة بن ثابت كافا لسلاحه حتى قتل عمار فسل سيفه، وقال: قد حل لي القتال فقاتل حتى قتل رحمه الله.

وقال عبدالله بن عمرو بن العاص: اليوم صح لي أنك يا معاوية على الباطل؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) فقال معاوية: أنحن قتلناه؟ إنما قتله من جاء به. قال: فإنما قتل حمزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولما رأى علي عمارا مقتولا وقف عليه وقال: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، إن امرءا لم تدخل عليه مصيبة من قتل عمار فما هو من الإسلام في شيء)) ثم قال: ((رحم الله عمارا يوم قتل، ويوم يبعث، ويوم يسأل)) فوالله لقد رأيت عمارا، وما يذكر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة إلا كان رابعهم، ولا أربعة؛ إلا كان خامسهم، إن عمارا وجبت له الجنة في غير موطن، فهنيئا له الجنة، ولقد قتل مع الحق، والحق معه، فقاتل عمار وسالب عمار وشاتم عمار في النار، وصلى عليه علي ودفنه.

وروى الحاكم (رضي الله عنه) عن عبدالله بن سلمة قال: رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم طوالا أخذ الحربة بيده، ويده ترتعد وهو يقول: والذي نفسي بيده لقد قاتلت هذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفنا أنا على الحق وهم على الضلالة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) وآخر زادك ضَياحٌ من لبن، فلما كان اليوم الذي قتل فيه شرب شربة من لبن، ثم كان يقول الجنة الجنة تحت الأسنة، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه.

وممن كان مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين أويس القرني المشهور فضله، رحمة الله عليه ورضوانه، وكانت الوقائع بصفين تسعين وقعة، وأقام أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ومعاوية مائة يوم وعشرة أيام حتى أفضى الأمر إلى التحكيم.

قال السيد أبو العباس (رضي الله عنه) بإسناده عن الحارث بن أدهم: إن الناس بصفين زحف بعضهم إلى بعض وارتموا بالنبل حتى فنيت، ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت، ثم مشى بعضهم إلى بعض بالسيوف وعمد الحديد فلم يسمع السامعون إلا وقع الحديد بعضه على بعض لهو أشد هولا في صدور الرجال من الصواعق.

وأخذ الأشتر رحمة الله عليه فيما بين الميمنة والميسرة فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل لم يصلوا لله صلاة، فلم يزل يفعل ذلك الأشتر بالناس حتى أصبح من المجالدة، وهي ليلة الهرير.

وفي رواية من غير السيد أبي العباس رحمه الله، أن عليا عليه السلام قتل في ليلة الهرير خمسمائة ونيفا وثلاثين رجلًا. قال السيد أبو العباس: قال نصر عن عمر ابن سعد عن عمارة بن ربيعة قال: مر بي والله الأشتر فأقبلت معه فقال: شدوا فداكم عمي وخالي شدة ترضون الله بها وتعزون بها الدين، ثم شد بالقوم حتى انتهى بهم إلى عسكرهم، ثم قاتلوا عند العسكر قتالا شديدا، وأخذ علي عليه السلام لما رأى الظفر قد جاء من قبله يمده بالرجال، وجعل علي عليه السلام يقول لم يبق منهم إلا آخر نفس، فدعا معاوية عمرو بن العاص فقال: ما ترى، فقال: إن رجالك لا يقومون برجاله، ولست مثله يقاتلك على أمر وتقاتله على غيره، أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهل الشام لا يخافون من علي إن ظفر بهم، ولكن ألق إليهم أمرا إن قبلوه اختلفوا، وإن ردوه اختلفوا، ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك وبينهم، فإنك بالغ به حاجتك.

قال نصر: حدثنا عمرو بن سمرة بإسناده عن جابر قال: سمعت تميم بن خزيم يقول: لما أصبحنا من ليلة الهرير، نظرنا فإذا المصاحف ربطت على رؤوس الرماح.

قال أبو جعفر وأبو الطفيل: وضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف، فكان جميعها خمسمائة مصحف، ثم نادوا هذا كتاب الله بيننا وبينكم، وأقبل الأشتر على فرس كميت قد وضع مغفره على قربوس السرج يقول: اصبروا يا معشر المسلمين، قد حمي الوطيس واشتد القتال. قال نصر في حديث عمر بن سعد: فلما رفع أهل الشام المصاحف قال علي عليه السلام: أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني لأعرف بهم منكم، صحبتهم صغارا ورجالا، وكانوا شر صغار، وشر كبار، وما رفعوها إلا خديعة، فجاءه من أصحابه قدر عشرين ألفا مقنعين في الحديد، سالي سيوفهم على عواتقهم، قد اسودت جباههم من أثر السجود، فقالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب الله أو نقتلك كما قتلنا ابن عفان، وابعث إلى الأشتر فيأتيك، فقال الأشتر: أمهلوني فواق ناقة لقد أحسست بالظفر، فقالوا له: تحب أنك ظفرت ويقتل أمير المؤمنين، أو يسلم إلى عدوه، فأقبل حتى انتهى إليهم، فصاح: يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم فظنوا أنكم قاهرون رفعوا المصاحف، حدثوني عنكم فقد قتل أماثلكم، متى كنتم محقين؟ أحين قتل خياركم! فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلين! أم أنتم محقون؟ فقتلاكم الذين كانوا خير منكم في النار! قالوا: دعنا منك يا أشتر، قال: خدعتم فانخدعتم، فسبوه وسبهم، وضربوا بسياطهم وجه دابته، وضرب دوابهم، وصاح بهم علي عليه السلام فكفوا، فبعث علي عليه السلام نفرًا قرآء من أهل العراق، وبعث معاوية من أهل الشام، فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصاحف، واجتمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن، ويميتوا ما أماته، وعلى أن يحكموا رجلين أحدهما من أصحاب علي عليه السلام والآخر من أصحاب معاوية، فقال أهل الشام: اخترنا عمرا بن العاص، فقال الأشعث والخوارج: رضينا بأبي موسى، فقال علي عليه السلام: إني لا أرضى به وليس برضى، وقد فارقني وخذل الناس عني، ثم هرب مني ولكن هذا ابن عباس، قال: والله ما نبالي أنت كنت أو ابن عباس، قال: فإني أجعل الأشتر. فقال الأشعث: وهل ضيق سعة الأرض علينا إلا الأشتر، فقال علي عليه السلام: فإني أخاف أن يخدع يمنيكم، فإن عمرا ليس من الله في شيء، قال الأشعث: هو أحب إلينا، فقال قد أبيتم إلا أبا موسى؟! قالوا: نعم. فبعثوا إلى أبي موسى، فجاء الأحنف بن قيس إلى علي عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت أن تجعلني حكما، أو ثانيا، أو ثالثا فإنه لا يعقد عقدة إلا حللتها، ولن تحل إلا عقدت، فأبى الناس ذلك، ثم إن أبا موسى وعمر ابن العاص أخذا على علي عليه السلام ومعاوية عهد الله بالرضى بما حكما به من كتاب الله تعالى وسنة نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم، على أن الحكمين أن يحكما بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن لم يفعلا برئت الأمة من حكمهما، وللحكمين أن ينزلا منزلًا عدلًا بين أهل العراق والشام لا يحضرهما فيه إلا من أحبا عن ملأ منهما وتراض، والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم، وأموالهم إلى انقضاء مدة الأجل، والسلاح موضوع، والسبيل مخلاة، وكان الكتاب في صفر، والأجل الذي يلتقي إليه الحكمان شهر رمضان، ثم إن الأشعث خرج بالكتاب يقرؤه على الناس، فرضي به أهل عليه السلام الشام، ثم مر برايات عنزة وكان منهم مع علي عليه السلام أربعة آلاف مجفف، فلما قرأه عليهم قال معدان وجعد (أخوان): لا حكم إلا لله، فهما أول من حكم، ثم حملا على أهل الشام، ثم مرا به على مراد، فقال صالح بن شقيق:

ما لعلي في الدماء قد حكم ... لو قاتل الأحزاب يومًا ما ظلم

لا حكم إلا لله ورسوله، وقال بنو راسب كذلك، وكذلك رجل من تميم، وآخر يقال له: عروة بن أذية حتى قالوا: يحكمون الرجال، وقالوا لعلي: ارجع وتب كما تبنا وإلا برئنا منك فإنا لسنا نرضى بما في الصحيفة، ولا نرى إلا قتالهم، فقال علي عليه السلام: ولا أنا رضيت لكن لا رأي لمن لا يطاع، ولا يصلح الرجوع إلا أن يعصى الله ويتعدى حدود ما في كتابه فيقاتل من ترك أمره، ثم إن الناس أقبلوا على قتلاهم يدفنونهم. ثم إن عليا عليه السلام بعث شريح بن هاني في أربع مائة، وعبدالله بن عباس يصلي بهم، ومعهم أبو موسى. وجاء عمرو بن العاص في أربعمائة إلى دومة الجندل، فنزل عمرو بأصحابه، وابن عباس وشريح وأبو موسى مقابلهم. وكتب النجاشي شاعر علي عليه السلام عند ذلك إلى أبي موسى قصيدة منها:

أبا موسى جزاك الله خيرًا ... عراقك إن حظك بالعراق

وإن الشام قد نصبوا إمامًا ... من الأحزاب معروف النفاق

وإنا لا نزال لهم عدوًا ... أبا موسى إلى يوم التلاق

فلا تجعل معاوية بن صخر ... إمامًا ما مشى قدم بساق

ولا يخدعك عمرو إن عمرًا ... أبا موسى لداهية الرفاق

وكان ابن عباس يعظ أبا موسى ويقول: إنما هو عمرو فلا تغترن بقوله، فتدافعا قريبا من شهرين يجتمعون بين يومين وثلاثة، وكان رأي أبي موسى في ابن عمر، فقال له عمرو: يا أبا موسى كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر نجاهد ونقاتل المشركين، واليوم كما ترى وبكى، ثم نال من معاوية وذكر أنه لا يرضى بشيء من فعله. فقال أبو موسى: وأنا كذلك لا أرضى بعلي وذمه. وجعل ابن عباس يستقره ما يجري بينهما، ويكتمه أبو موسى، ثم إن أبا موسى أتى عمرا واستخبره ما يريد، فقال: إن شئت أحيينا سنة عمر، فقال: إن كنت تريد أن تبايع ابنه فما يمنعك في ابني؟ فقال: إنه رجل صدوق ولكنك غمسته في الفتنة، قال: صدقت، واتفقا على أن يخلعا عليا عليه السلام ويجعلا الأمر في عبدالله بن عمر، وبذلك خدع عمرو أبا موسى، ثم أقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، وقال له عمرو: اصعد وتكلم، وقد كان ابن عباس قال له: قدم عمرا قبلك ثم تكلم بعده فإنه رجل غدار، فصعد أبو موسى المنبر بين العسكرين فقال: اشهدوا أني قد خلعت عليا ونزع خاتمه، وقال: كما ترون ... خلعت هذا الخاتم، ثم صعد عمرو .. فحمد الله وأثنى عليه، وقال: سمعتم خلعه صاحبه وقد خلعته أنا وبيده خاتم، وقال: وأثبت صاحبي كما أثبت الخاتم في إصبعي هذه وأدخل إصبعه، فقال أبو موسى: لا وفقك الله ... غدرت وخنت، مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال عمرو: ومثلك مثل الحمار يحمل أسفارا، والتمس أصحاب علي عليه السلام أبا موسى، فركب ناقته ولحق بمكة. فكان ابن عباس يقول: قبح الله أبا موسى قد حذرته فما عقل، فكان أبو موسى يقول: حذرني ابن عباس غدرة الفاسق. وقال بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك قصيدة أولها:

لعمركَ لا أُلفَى مدى الدهر خالعا ... عليًا بقول الأشعري ولا عمرو

وقال بعضهم:

لو كان للقوم رأيٌ يعصمون به ... عند الخطاب رموكم بابن عباس

لله درَّ أبيه أيما رجل ... ما مثله لقضاء الحكم في الناس

لكن رموكم بشيخ من ذرى يمن ... لم يدر ما ضرْبُ أخماسٍ لأسداس

وروي أن أبا الأسود كان عند معاوية فذكر الحكمين، فقال: لو كنت مكان أبي موسى ما صنعت ما صنع، فقال له معاوية: فما كنت تصنع؟، قال: كنت أجمع عدة من المهاجرين والأنصار، فأنشدهم بالله المهاجرون أحق بالخلافة أم الطلقاء؟ قال له معاوية: أقسمت بالله عليك لا تذكر هذا ما عشت.

وبلغ القتلى في أيام صفين من أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا، ومن أصحاب علي عليه السلام خمسة وعشرون ألفا، فيهم خمسة وعشرون بدريا، وفيهم عمار بن ياسر رحمه الله، وهاشم بن عتبة، وعبدالله بن بديل بن ورقاء، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين في آخرين رحمة الله عليهم.

 

ثم كان أمر الخوارج وقتالهم. وقد بينا أنهم أنكروا التحكيم الذي كان، واعتقدوا تكفير أمير المؤمنين صلوات الله عليه وكفر أنفسهم، وطلبوا من علي عليه السلام التوبة، فقال علي عليه السلام: توبوا فلم تكفروا، وارجعوا إلى حرب عدوكم، فقالوا: لا حتى تقر على نفسك، فقال: ويحكم أنتم فعلتم بأنفسكم وتركتم أمري.

فخرج اثنا عشر ألفا من العراقين، رئيسهم شبث بن ربعي، وعبدالله بن الكوا وعبدالله بن أوفى، ووهب الراسبي أصحاب الصوف والبرانس، فأرسل علي عليه السلام إليهم أبا أيوب الأنصاري، وصعصعة بن صوحان، ثم سار إليهم بنفسه في اليوم الثالث، واحتج عليهم فندموا على ذلك وانصرفوا إلى الكوفة، وأجمع أمير المؤمنين عليه السلام على المسير إلى الشام، ووافقوه على ذلك، فجمع من الحجاز والبصرة ومن نواحيها أربعين ألفا، وأنفذ على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة في ستة آلاف، فمضى إلى أرض الجزيرة، وسار أمير المؤمنين صلوات الله عليه حتى نزل أرض مسكن، فلما كان في بعض الطريق من الليل خرج من أهل الكوفة والبصرة سبعة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف رجل فأغاروا وقتلوا عبدالله بن خباب ابن الأرت والي المدآئن وأم ولده وولدا له صغيرا ورجلا من بني أسد كان يحمل الميرة إلى عسكر علي عليه السلام فقيل لعلي عليه السلام: كيف تخرج وعدونا في مكاننا يغير علينا! فانصرفوا وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة، ومضى الخوارج إلى شهرزور ونواحيها، يغيرون، ويقتلون، ويسبون، ورئيسهم من أهل الكوفة عبدالله بن وهب وزيد بن حصين، ومن أهل البصرة مسْعَرْ بن فَدَكي والمستورِدْ ابن علقمة، فسار إليهم علي عليه السلام مع قيس بن سعد وسهل بن حنيف ومعقل بن قيس وشريح بن هاني، ومالك الأشتر في زهاء عشرة آلاف حتى انتهى إلى النهروان في عسكره فوجد القوم قد تجردوا للقتال واستقبلوه بصدور الرماح؛ فنادى أمير المؤمنين عليه السلام قنبرا فقال: يا قنبر ناد القوم ما نقمتم على أمير المؤمنين؟ ألم يعدل في قسمتكم، ويقسط في حكمكم، ويرحم مسترحمكم، لم يتخذ أموالكم دولا، ولم يأخذ منكم إلا السهمين اللذين جعلهما الله سهما في الخاصة وسهما في العامة، فقالت الخوارج: يا قنبر إن مولاك رجل جدل، وهو رجل خصم، وقد قال الله تعالى: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] وهو منهم، وقد ردنا بكلامه الحلو في غير موطن. وجعلوا يقولون والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، فقال علي عليه السلام: يا ابن عباس، انهض إلى القوم فادعهم بمثل الذي دعاهم به قنبر، فإني أرجو أن يجيبوك، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين ألقي علي حلتي، أو ألبس على سلاحي فإني أخافهم على نفسي، قال: بلى، فانهض إليهم في حُلَّتك،

من أي يوميك من الموت تفر ... من يوم لم يقدر أم يوم قدر

قال: فنهض ابن عباس إليهم وناداهم بمثل الذي أمره به، فقالت طائفة: والله لا نجيبه حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وقال أصحاب الحجج في أنفسهم: والله لنجيبنه ولنخصمنه، ولنكفرنه، وصاحبه لا ينكر ذلك، فقالوا: ننقم عليه خصالا كلها موبقة مكفرة: أما أولاهن فإنه محى اسمه من أمير المؤمنين حيث كتب إلى معاوية؛ فإن لم يكن أمير المؤمنين فإنه أمير الكافرين؛ لأنه ليس بينهما منزلة، ونحن مؤمنون ولسنا نرضى أن يكون علينا أميرًا.

ونقمنا عليه أن يُقَسِّمَ علينا يوم البصرة ما حوى العسكر. وسفك الدماء ومنعنا النساء والذراري فلعمري إن كان حل هذا فما حرم هذا!

ونقمنا عليه يوم صفين أنه أحب الحياة وركن إلى الدنيا حبا بينا أن نقاتل معه وأن ننصره حيث رفعت لنا مصاحف أهل الشام، فهلا ثبت وحرض على قتال القوم وضرب بسيفه حتى نرجع إلى أمر الله ونقاتلهم، والله تعالى يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]

وننقم عليه أنه حكم الحكمين فحكما بجور لزمه وِزْرُه.

ونقمنا عليه أنه ولى الحكم غيره وهو عندنا من أحكم الناس.

ونقمنا عليه أنه شك في نفسه حين أمر الحكمين أن ينظرا، فإن كان معاوية أولى بالأمر ولوه، فإن شك في نفسه فنحن أعظم فيه شكًا.

ونقمنا عليه أنه كان وصيا فضيع الوصية، ونقمنا عليك يا ابن عباس حيث جئت ترفل إلينا في حلة حسنة تدعونا إليه.

فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين سمعت ما قال القوم، فقال علي عليه السلام: قد لا ترتابن ظفرت بهم والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، نادهم: ألستم ترضون بما أتيتكم به من كتاب الله لا تجهلون به، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تنكرونه؟ قالوا: اللهم بلى، قال: أبدأ بما بدأتم به على مدار الأمر أنا كاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث كتب: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى سهيل بن عمرو وصخر بن حرب ومن قبلهما من المشركين عهدا إلى مدة، فكتب المشركون: إنا لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، فاكتب إلينا باسمك فإنه الذي نعرف، واكتب إلينا ابن عبدالله، فأمرني فمحوت رسول الله وكتبت ابن عبدالله، وكذلك كتبت إلى معاوية من علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومن قبلهما من الناكثين عهدا إلى مدة فكتبوا إنا لو علمنا أنك أمير المؤمنين ما قاتلناك؛ فاكتب إلينا من علي بن أبي طالب نجبك؛ فمحوت أمير المؤمنين وكتبت ابن أبي طالب كما محى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكما كتب، فإن كنتم تلغون بسم الله الرحمن الرحيم أن محاها وتلغون رسول الله أن محاها ولا تثبتونه فالغوني ولا تثبتوني، وإن أثبتموه فإن الله تعالى يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] فاستننت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: صدقت هذه بحجتنا هذه.

قال: وأما قولكم: إني قسمت بينكم ما حوى العسكر يوم البصرة وأحللت الدماء ومنعتكم النساء والذرية؛ فإني مننت على أهل البصرة لما افتتحتها وهم يدعون الإسلام كما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهل مكة وهم مشركون لما افتتحها، وكان أولادهم ولدوا على الفطرة قبل الفرقة بدينهم وإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم، ولم نأخذ صغيرا بذنب كبير، وقد قال تعالى في كتابه: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لو أن رجلًا غل عقالًا من الحرب لأتى يوم القيامة وهو مغلول به حتى يؤديه)). وكانت أم المؤمنين أثقل من عقال، فلو غللتها وقسمت سوى ذلك فإنه غلول، ولو قسمتها لكم وهي أمكم لاستحل منها ما حرم الله، فأيكم كان يأخذ أم المؤمنين في سهمه وهي أمه؟ قالوا: لا أحد وهذه بحجتنا هذه.

وأما قولكم: إني حكَّمت الحكمين، فقد عرفتم كراهتي لهما إلا أن تكذبوا.

وقولي لكم: ولوها رجلًا من قريش، فإن قريشا لا تخدع فأبيتم إلا أن وليتموها من وليتم. فإن قلتم: سكت حيث فعلنا ولم تنكر، فإنما جعل الله الإقرار على النساء في بيوتهن، ولم يجعله على الرجال في بيوتهم. فإن كذبتم وقلتم: أنت حكمت ورضيت، فإن الله قد حكم في دينه الرجال وهو أحكم الحاكمين، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] الآية، وقال: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35] فإنما على الإنسان الاجتهاد في استصلاح الحكمين، فإن عدلا كان العدل فيما رأياه أولى، وإن لم يعدلا فيه وجارا كان الوزر عليهما، ولا تزر وازرة وزر أخرى، قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.

وأما قولكم: إني حكَّمتُ وأنا أولى الناس بالحكم فقد حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن معاذ يوم اليهود فحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وجعل أموالهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.

وأما قولكم: إني قلت للحكمين: انظرا في كتاب الله فإن كان معاوية أحق بها مني فأثبتوه وإن كنت أولى بها فأثبتوني، فلو أن الحكمين اتقيا الله ونظرا إلى القرآن عرفا أنني كنت من السابقين بإسلامي قبل معاوية، ومعاوية مشرك، وعرفت أنهم إذا نظروا في كتاب الله وجدوني يجب لي على معاوية الاستغفار؛ لأني سبقته بالإيمان، ولا يجب لمعاوية علي الاستغفار، ووجدوني يجب لي على معاوية خمس: ما غنمتم؛ لأن الله تبارك وتعالى أمر بذلك إذ يقول: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]، فإذا حكما بما أنزل الله أثبتوني، ولو قلت: احكموا وأثبتوني أبى معاوية، ولكني أظهرت لهم النصفة حتى رضي. كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو قال: أجعل لعنة الله عليكم أبوا أن يباهلوا، ولكن جعل لعنة الله على الكاذبين، فهم الكاذبون واللعنة عليهم، ولكن أظهر لهم النصفة فقبلوا، قالوا: صدقت هذه بحجتنا هذه.

وأما قولكم: إن كان معاوية أهدى مني فأثبتوه، فإنني قد عر فت أنهم لا يجدونه أهدى مني، وقد قال الله تبارك وتعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] فقد عرفت أنهم لا يجدون معاوية أهدى مني.

وأما قولكم: إن الحكمين كانا رجلي سوء فلم حكمتهما؟ فإنهما لو حكما بالعدل لدخلا فيما نحن فيه وخرجا من سوئهما، كما أن أهل الكتاب لو حكموا بما أمر الله سبحانه حيث يقول: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47] خرجوا من كفرهم إلى ديننا، قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه. وأما قولكم: إني كنت وصيا فضيعت الوصية، فإن الله تعالى قال في كتابه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] ولو ترك الحج من استطاع إليه سبيلا كفر ولم يكن البيت ليكفر، ولو تركه الناس لا يأتونه، ولكن كان يكفر من يستطيع إليه السبيل ولا يأتيه، وكذلك أنا إن أكن وصيا فأنتم كفرتم لا أنا كفرت بكم وبما تركتموني قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.

وأما قولكم: إن ابن عباس جاء يرفل في حلة حسنة يدعوكم إلى ما ندعوكم إليه، فقد رأيت أحسن منها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حرب.

فرجع إليه من الخوارج أكثر من أربعة آلاف، وثبت على قتاله أربعة آلاف، وأقبلوا يحكمون، فقال علي عليه السلام حكم الله أنتظر فيكم. يا هؤلاء أيكم قتل خباب بن الأرت وزوجته وابنه يظهر لي أقتله بهم، وانصرف عهدا إلى مدة حكم الله أنتظر فيكم؟ فنادوا: اللهم كلنا قتل خبابا وزوجته وابنه واشترك في دمائهم. فناداهم أمير المؤمنين عليه السلام: أظهروا لي كتابا وشافهوني بذلك فإني أكره أن يقر به بعضكم في الضوضاء ولا يقر بعض، ولا أعرف ذلك في الضوضاء، ولا استحل قتل من لم يقر بقتل من أقر، لكم الأمان حتى ترجعوا إلى مراكزكم كما كنتم، ففعلوا وجعلوا كلما جاء كتيبة سألهم عن ذلك، فإذا أقروا عزلهم ذات اليمين حتى أتى على آخرهم، ثم قال: ارجعوا إلى مراكزكم، فلما رجعوا ناداهم ثلاث مرات رجعتم كما كنتم قبل الأمان من صفوفكم، فنادوا كلهم نعم. فالتفت إلى الناس فقال: الله أكبر لو أقر بقتلهم أهل الدنيا وأقدر على قتلهم لقتلتهم، ثم شد عليهم مرة بعد مرة، يرجع بسيفه يسويه على ركبتيه من اعوجاجة. ثم شد الناس عليهم فقتلوهم فلم ينج منهم تمام عشرة، فقال: ائتوني بذي الثدية فإنه في القوم، فقلب الناس القتلى فلم يقدروا عليه، فأتي فأخبر بذلك، فقال: الله أكبر، والله ما كذبت ولا كذبت وإنه لفي القوم، ثم قال: ائتوني بالبغلة فإنها هادية، فركبها ثم انطلق حتى وقف على قليب، ثم قال: قلبوا فقلبوا سبعة من القتلى فوجدوه ثامنهم، فقال: الله أكبر هذا ذو الثدية، والذي خبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه يقتل مع شر جيل، ثم قال: تفرقوا فلم يقاتل معه الذين كانوا اعتزلوا، كانوا وقوفا على حدة، وقد كان عليه السلام قال لأصحابه: إنه لا يقتل منكم عشرة، ولا ينجو منهم عشرة، فكان الأمر كما قال.

وقد روينا في الخوارج عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((تمرق مارقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق))

وروينا عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كلاب أهل النار (الخوارج)).

وروينا بالإسناد إلى عبدالله بن مسعود قال: أمر علي عليه السلام بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين. وعن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين فمع من؟ قال: مع علي بن أبي طالب)).

والمراد بالناكثين: طلحة والزبير وأصحابهم؛ لأنهم نكثوا بيعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وبالقاسطين: معاوية وأصحابه؛ لأنهم قسطوا عن الحق أي جاروا وعدلوا. وبالمارقين: الخوارج؛ لأنهم مرقوا عن طاعة أمير المؤمنين عليه السلام.

مُدَّة خِلافَتِهِ بَعْدَ البَيْعَة

كانت البيعة كما ذكرنا يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وضرب عليه السلام لتسع عشرة، وقيل: لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، وتوفى ليلة إحدى وعشرين من الشهر على أثبت الروايات سنة أربعين من الهجرة؛ فكانت مدة الخلافة أربع سنين وتسعة أشهر وأياما على أصح الروايات، ذكره السيد أبو طالب عليه السلام في الإفادة.

ذكر أولاده ووفاته (ع)

أولاد أمير المؤمنين عليه السلام الحسن والحسين صلوات الله عليهما والمحسن درج صغيرًا، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى، أمهم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأبو القاسم محمد، أمه خولة بنت جعفر بن قيس من بني بكر بن وائل ثم من بني حنيفة.

والعباس وعثمان وجعفر وعبدالله قتلوا مع الحسين صلوات الله عليه، أمهم أم البنين بنت حزام من ولد عامر بن صعصعة. وأبو بكر وعبيد الله، أمهما ليلى بنت مسعود الدارمية. وعمر ورقية، أمهما الصهباء وهي أم حبيب بنت ربيعة من بني تغلب بن وائل من سبي خالد بن الوليد. وعمر الأصغر أمه المصطلقية. ومحمد الأوسط، ومحمد الأصغر، وعمر الأوسط على قول بعضهم، والعباس الأصغر، وجعفر الأصغر لأمهات شتى. وعبدالرحمن، وأمه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي ابنة أخت فاطمة عليها السلام. وكانت أوصت إليه عليه السلام بأن يتزوج بها بعدها. ويحيى وعون درجا صغيرين، وأمهما أسماء بنت عميس من ولد خثعم بن أنمار بن نزار. فهؤلاء عشرون ابنًا. هم أكثر المعدودين من أولاده الذكور.

ومن أصحاب الأنساب من لم يعد محمد الأوسط والأصغر، ولم يذكر عمر الأوسط، ومنهم من لم يذكر إلا عمر المعقب. والعقب لخمسة منهم: وهم الحسن، والحسين عليهما السلام، ومحمد، والعباس، وعمر.

والبنات اثنتان وعشرون بنتا على اختلاف في ذلك بين أهل النسب. زينب الكبرى قد روت عن أمها فاطمة عليها السلام غير حديث، والصغرى. وأم كلثوم الكبرى، والصغرى، ورملة الكبرى، والصغرى، ورقية الكبرى، والصغرى، وأم هاني الكبرى، والصغرى، وأم الكرام واسمها الجمانة، وأم جعفر، وقد اختلف أهل النسب فيها. فمنهم من يقول: جمانة هي أم جعفر، وهو قول يحيى ابن الحسن العقيقي. ابن الكلبي يقول: الجمانة غير أم جعفر. وأم سلمة. ونفيسة هي أم كلثوم الصغرى. وقال غيره: هي غيرها. وميمونة، وليلى، وأم الحسن، وفاطمة، وخديجة، وأمامة.

والعقب لأربع منهن: وهن زينب الكبرى عقبها في ولد عبدلله بن جعفر بن أبي طالب، وزينب الصغرى عقبها في ولد محمد بن عقيل ولدت له عبدالله بن محمد بن عقيل، وأم الحسن عقبها في ولد جعدة بن هبيرة ابن أخت علي عليه السلام، وفاطمة عقبها في ولد سعد بن الأسود بن أبي البختري. والبواقي منهن لم يتزوجن، ومنهن مزوجات من ولد عقيل والعباس بن عبد المطلب وقد انقرض عقبهن.

: عمّاله عليه السلام: كاتبه عبيدالله بن أبي رافع. وحاجبه قنبر مولاه. وعامله على مكة مَعْبِدْ بن العباس بن عبدالمطلب. وعلى المدينة قثم بن العباس. وعلى اليمن عبيدالله بن العباس هذه رواية الزبير بن بكار. وروى غيره أن مكة والطائف ونواحيها كان عليها قثم بن العباس. وكان على المدينة أبو أيوب الأنصاري، وهذا أظهر. وعلى مصر قيس بن سعد. ثم ولى محمد بن أبي بكر عليها. ثم ولى الأشتر عليها فلم يصل إليها وسم في الطريق بحيلة من معاوية. وعلى البصرة عثمان بن حنيف قتل في وقعة الجمل، ثم عبدالله بن العباس بعدها. وأبو الأسود الدؤلي كان على القضاء بها. وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث. وعلى فارس وكرمان ونواحيها زياد. وعلى خراسان جعدة بن هبيرة. ثم خالد بن قرة اليربوعي. وعلى المدآئن سعيد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد.

ذِكْرُ مَقْتَلِهِ وَمَبْلَغ عُمُرِهِ وَمَوْضِعَ قَبْرِهِ عليه السلام:

روينا عن قيس بن الربيع قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يفطر عند الحسن بن علي عليهما السلام فلا يزيد على ثلاثة لقم قال: فيقولُ: يا أبه لو زدت، فيقول: أحب أن ألقى الله خميصا. وعن عثمان بن المغيرة قال: لما دخل رمضان جعل علي يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبدالله بن جعفر، لا يزيد على ثلاث لقم يقول: يأتيني أمر الله حين يأتيني وأنا خميص، وإنما هي ليلة أو ليلتان. ورأى أمير المؤمنين علي عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، قال علي: فشكوت إليه ما لقيت من أهل العراق فوعدني الراحة عن قريب، فما لبث بعد ذلك إلا جمعة أو جمعتين.

وروينا عن عبدالرحمن بن زيد بن أس لم عن أبيه قال: قال علي عليه السلام: واشتكى شكوى، فلما أفاق قالوا: لقد خفنا عليك، قال: ما خفتم علي؟ قالوا: لم نأمن عليك الموت، قال: لا، لعمري ما من الموت أمان، ولكن حدثني الصادق المصدوق البار صلى الله عليه وآله وسلم أني لن أموت حتى تخضب لحيتي هذه من دم رأسي، يضربني أشقى هذه، كما عقر ناقة الله أشقى ثمود.

وروى الحاكم رضي الله عنه عن عبدالله بن سبع قال: خطبنا علي عليه السلام وقال: فيما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لتخضبن هذه من دم هذا، فقالوا: ألا تخبرنا به فنبيد عترته، فقال: أنشد الله رجلا قتل غير قاتلي.

وروى رضي الله عنه عن أبي الأسود الدؤلي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: أتاني عبدالله بن سلام وقد أدخلت رجلي في الغرز، فقال: أين تريد؟ فقلت العراق، فقال: أما إنك لو جئتها ليصيبنك بها ذباب السيف، ثم قال علي عليه السلام: وايم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قبله، قال أبو الأسود: فتعجبت منه؛ رجل محارب يحدث بمثل هذا عن نفسه!

وروي عنه أنه عليه السلام لما أراد أن يخرج من الدار في الليلة التي ضرب فيها تعلق مئزره بالباب فانشأ يقول:

 

اشدد حيازيمك للمو ... ت فإن الموت لاقيكا

ولا تجزع من الموت ... إذا حلّ بواديكا

ثم مضى إلى المسجد وهو يقول:

خلوا سبيل المؤمن المجاهد ... في الله لا يعبد غير الواحد

ويوقظ الناس إلى المساجد

وروينا أن عبدالرحمن بن ملجم، والبرك بن عبدالله، وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا بمكة فذكروا أمر الناس، وعابوا عمل ولاتهم، ثم ذكروا أمر أهل النهر فترحموا عليهم وقالوا: والله ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا، فلو اشترينا أنفسنا وأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم وأرحنا منهم البلاد، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب، وقال البرك: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا على ذلك، واتعدوا ليلة تسع عشرة من رمضان، وهي. عليه السلام الليلة التي ضرب ابن ملجم فيها عليا عليه السلام فأقبل كل واحد منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه.

فأما ابن ملجم فلقي أصحابه بالكوفة فكاتمهم أمره حتى إذا أتى ذات يوم أصحابا له من تيم الرباب، وقد كان علي عليه السلام قتل منهم عدة يوم النهر، فلقي من يومه ذلك امرأة يقال لها: قطام، وكان علي عليه السلام قد قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت جميلة، فلما رآها التبست بقلبه فخطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفي لي. قال: وما تشائين؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة، وقتل علي بن أبي طالب، فقال: والله ما جاء بي إلا قتل علي بن أبي طالب، قالت: فإني أطلب لك من يساعدك، وبعثت إلى رجل يقال له: وردان فكلمته فأجابها. وأتى ابن ملجم شبيب بن بجره ويقال: شبث، وقال: هل لك في قتل علي؟ فقال: ثكلتك أمك! كيف تقدر عليه؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه، قال: ويحك! لو كان غير علي كان أهون، قال: أما تعلم بأنه قتل أهل النهر العباد المصلين، قال: بلى، قال نقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه، فجاءوا حتى دخلوا على قطام، وقال: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبي أن يقتل كل واحد منا صاحبه.

وروي أنها أعدت له سيفا، فلما دفعته إليه قالت: اقتل عليا وارجع قرير العين مسرورا، فقال: لا بل أرجع سخين العين مثبورا، ثم إنهم أخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي عليه السلام، فخرج صلوات الله عليه لصلاة الغداة فشد عليه شبث فوقع سيفه بعضادة الباب وبالطاق ولم يصبه، وضربه ابن ملجم على رأسه، وهرب وردان حتى دخل منزله، فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع السيف والحريرة، وأخبره بما كان، فذهب إلى منزله وأخذ سيفه وعلاه به حتى قتله، وخرج شبث ونجا، وشدوا على ابن ملجم وأخذوه.

وروي أن الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن جبلة بن معاوية كان تلك الليلة بناحية من المسجد، وحجر بن عدي رحمه الله كان يصلي، فسمع الأشعث يقول له: النجا، فضحك الصبح، فقال: قتلته يا أعور قتلك الله، وكان الأشعث أعور، وكان ابن ملجم حليفا لبني جبلة وابن أخت لهم، وجبلة هو الذي ينتمي إليه الأشعث، كما قدمنا نسبه، فلما قتل علي عليه السلام قال قيس بن ربيعة الكندي يرثيه ويهجو الأشعث:

قتلت أمير المؤمنين تَخَوُّنًا ... على غير شيء يا بن واهصة الخصى

وأنت لعلج من هرابذ فارس ... تؤول لعلج ما تبوء لذي العلا

لشنجيت ترمى شر أبناء فارس ... إلى شر منجول وألأمَ مُنتمى

غدرت بميمون النقيبة حازم ... وأكرم من ضمت حصاب ومن مشى

أخي الدين والإسلام والبر والتقى .. وصهر الذي أصفى له الدين بالهدى

أبرَّ بذي قربى وأبعد من خنا ... وأتقى لرب حين ميْزَ ذوو النهى

وأشجع من ضرغامة ذي مهابة ... وأجود من نوء السماك إذا سقى

أخا أحمد والوارث العلم بعده ... وصي له في الغابرين ومن مضى

فأبشر أخا الإتراف والحوب والخنا ... بما إن تلاقي أن تحش لكم لظى

مقارن إبليس بها عرف نارها ... وقود لحاميها ليهْنَ لك السقا

فلا زلت موزوعًا لعِينًا مُبَغَّضًا ... وأبعدك الرحمان واجتاحك الردى

وكان الأشعث دعيا في كندة؛ ولذلك قال علي عليه السلام فيما حكى الأسود بن قيس الهمداني: أن عليا عليه السلام كان جالسا في الرحبة إذ طلع الأشعث بن قيس فسلم ثم جلس فقال: يا أمير المؤمنين جئت خاطبا، قال: لمن؟ قال: إليك. قال: أحمقة كحمقة أبي بكر يا أشعث، يأبى ذلك عليك شنجيت، فقال الأشعث: وما شنجيت؟ قال رجل من الفرس لما تمزق ملك بني عمرو بن معاوية شخص مع كندة إلى اليمن، وابنه خرزاذ معه غلام، فلما انتهوا إلى حضرموت هلك شنجيت، فانتسب خرزاذ جدك الذي يقال له: معدي كرب إلى جبلة بن معاوية. وكان الأشعث لما ارتد عن الإسلام وتحصن بحصنه النحير بعث إليه أبو بكر زياد بن لبيد البياضي، فأخذه فمن عليه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة؛ فلذلك قال علي عليه السلام: أحمقة كحمقة أبي بكر.

وروي عن محمد بن حنيف قال: والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها ابن ملجم عليا عليه السلام قريبا من السدة في رجال كثير من أهل البصرة، إذ خرج علي عليه السلام لصلاة الغداة، فنظرت إلى بريق السيف، وسمعت: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك، ثم سمعت عليا عليه السلام يقول: لا يفوتنكم الرجل، فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على علي عليه السلام فسمعته يقول: النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأي. فبينا هم عنده - وابن ملجم مكتوف بين يدي الحسن عليه السلام إذ نادت أم كلثوم بنت علي عليه السلام: إنه لا بأس على أبي، والله مخزيك يا عدو الله، فقال: فعلام تبكين؟ فوالله لقد شريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة لجميع الناس ما بقي منهم أحد. وأقبل علي عليه السلام على ابن ملجم، وقال: أرأيت إن سألتك عن ثلاث خصال تصدقني إن سألتك؟ قال: سلني، قال: سألتك بالله هل كنت تدعى وأنت صغير: ابن راعية الكلاب؟ قال: اللهم نعم. قال: فأسألك عن الثانية: أنشدك بالله أمر بك رجل وقد تحركت فقال: أنت شقيق عاقر ناقة ثمود؟ قال: اللهم نعم. قال: فإني سائلك عن الثالثة، وهي أشدهن عليك هل حدثتك أمك أنها حملت بك في حيضها؟ قال: اللهم نعم، ولو كنت كاتما شيئا لكتمته. وفي قطام وما كان منها يقول القائل وهو ابن مياس الفزاري:

ولم أر مهرًا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام من فصيح وأعجم

ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وقتل علي بالحسام المصمم

فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ... ولا فَتْكَ إلا دون فتك ابن ملجم

وأما صاحبا ابن ملجم لعنه الله تعالى: فإن البرك بن عبدالله انطلق تلك الليلة التي ضرب فيها علي عليه السلام إلى معاوية فوافقه يصلي بالناس فشد عليه فطعنه بالخنجر في أليته، فأخذ فقتل. ويقال: بل قطع يديه ورجليه وخلى عنه. ودووي معاوية وبريء، ثم بلغه أنه ولد له ولد، فبعث إليه فقتله، ثم اتخذ معاوية المقاصير والحرس، وهو أول من اتخذها في الإسلام خوفا على نفسه. وانطلق عمرو بن بكر إلى عمرو بن العاص، وكان عميدا يشتكي بطنه فلم يخرج تلك الليلة، وأمر خارجه قاضي مصر أن يصلي بالناس، فخرج يصلي بهم فوافقه ابن بكر فقتله، فأمسك فانطلق به إلى عمرو، وقال لعمرو: يا عدو الله والله ما أردت غيرك لكن الله أبى إلا خارجه، ثم أمر به فقتل وصلب.

وروينا عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهم السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يخرج إلى الصبح وفي يده درة يوقظ بها الناس، فضربه ابن ملجم، فقال علي عليه السلام: أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره، فإن عشت فالحق حقي، فإن شئت استقدت.

وفي بعض الأخبار كفوا عنه وأوثقوه، فإن أعش فالحق حقي أرى فيه رأيي، وإن أمت فرأيكم في حقكم.

وضرب عليه السلام ليلة تسع عشرة من شهر رمضان.

وروينا أنه عليه السلام لما ضرب جمع له أطباء أهل الكوفة فلم يكن فيهم أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السكوني، وكان متطببًا صاحب كرسي يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاما الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في بيعة عين التمر فسباهم. وأن أثيرا لما نظر إلى جرح أمير المؤمنين عليه السلام دعا برئة شاة حارة فاستخرج عرقا منها فأدخله الجرح ثم استخرجه فإذا عليه بياض الدماغ فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك.

وروينا عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: لما ضرب أمير المؤمنين علي عليه السلام الضربة التي توفي منها؛ استند إلى اسطوانة المسجد، والدماء تسيل على شيبته، وضج الناس في المسجد كهيئة يوم قبض فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فابتدأ خطيبا فقال- بعد الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: كل امرئ ملاق ما يفر منه، والأجل تساق إليه النفس، والهرب منه موافاته. كم اطردت الأيام ابحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله إلا ستره، وإخفاءه علما مكنونا. أما وصيتي بالله عز وجل: فلا تشركوا به شيئا، ومحمدا صلى الله عليه وآله وسلم فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، حمل كل أمرئ منكم مجهوده، وخفف عن العجزة رب كريم رحيم، ودين قويم، وإمام عليم، كنتم في إعصار وذرو رياح، تحت ظل غمامة اظمحل راكدها، ليعظكم خفوتي وسكون أطرافي، إنه لأوعظ لكم من نطق بليغ. ودعتكم وداع امرئ مرصد للتلاق، غدا ترون أيامي، ويكشف لكم عن سرائري، فعليكم السلام إلى يوم اللزام، كنت بالأمس صاحبكم، وأنا اليوم عظة لكم، وغدا أفارقكم. فإن أبق فأنا ولي دمي، وإن أفن فالقيامة ميعادي، عفى الله عني وعنكم.

توفى عليه السلام ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين. وولي غسله ابنه الحسن بن علي عليهما السلام، وعبيدالله بن العباس، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلى عليه ابنه الحسن بن علي عليهما السلام، وكبر خمس تكبيرات، ودفن عند صلاة الصبح أولا في الرحبة مما يلي باب كندة، ثم نقل ليلًا إلى الغري.

وذكر السيد أبو طالب أن المشهور أن زيد بن علي عليهما السلام قال لأصحابه وهم يسلكون معه طريق الغري: أتدرون أين نحن؟ نحن في رياض الجنة، نحن في طريق قبر أمير المؤمنين. قال: ومن المعلوم الذي لا يخفى على من نظر في الأخبار أن جعفر بن محمد حضر الموضع وزار القبر، وقال لابنه إسماعيل: هذا قبر جدك أمير المؤمنين.

وروي عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال: حملناه ليلًا ودفناه بالغري. فهذا كلام سادة العترة عليهم السلام، فكيف تدعى النواصب أن موضع القبر ليس بمعلوم! لولا عمى بصائرهم وشدة انحرافهم عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وروينا بالإسناد عن الأسود الكندي والأجلح قالا: توفي أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو ابن أربع وستين سنة، قال السيد أبو طالب عليه السلام: وهو الأصح. وعن جعفر بن محمد قال: قتل علي عليه السلام وهو ابن ثمان وخمسين، وعن محمد ابن الحنفية لما جاوز خمسا وستين سنة قال: جاوزت سن أبي بسنتين.

ولما دفن عليه الصلاة والسلام، دعا الحسن بن علي عليهما السلام - بعد دفنه أباه ابن ملجم لعنه الله فأتي به فأمر بضرب عنقه، فقال له: إن رأيت أن تأخذ علي العهود أني أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك بعد أن أمضي إلى الشام فأنظر ما صنع صاحبي بمعاوية فإن كان قتله وإلا قتلته، ثم عدت إليك فتحكم في بحكمك؟ فقال له الحسن عليه السلام: هيهات، والله لا تشرب الماء البارد أو تلحق روحك بالنار، ثم ضربت عنقه، فاستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته منه، فوهبها لها، فأحرقتها بالنار.

وروينا بالإسناد عن ابن شهاب قال: قدمت دمشق غازيًا فدخلت على عبدالملك بن مروان، فإذا هو على فرش يفوت القائم، والناس سماطين بين يديه فسلمت، فأخذت مجلسا، فقال: يا ابن شهاب، أتعرف ما كان في بيت المقدس صباح ليلة قتل فيها علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم، قال: هلم فدرت خلف السماط حتى أتيته من خلف القبة، فتحول إلي فولاني رأسه، فقال: ما كان؟ فقلت: ما رفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم! فقال: ما بقي أحد يعرف هذا غيري وغيرك فلا يخرجن منك، فما حدثت به حتى مات.

وروينا بالإسناد إلى الحاكم رضي الله عنه رواه عن جعفر بن محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: ((يا علي من زارني في حياتي، أو بعد وفاتي، أو زارك في حياتك، أو بعد موتك، أو زار ابنيك في حياتهما، أو بعد موتهما، ضمنت له يوم القيامة أن أخلصه من أهوالها وشدائدها حتى أصيره معي في درجتي))

وروي عن الرضى عليه السلام أنه قال: من زار قبر أمير المؤمنين فليصل عند رأسه ست ركعات؛ فإن في قبره عظام آدم، وجسد نوح، وأمير المؤمنين عليهم السلام، فمن زار أمير المؤمنين فقد زار آدم ونوحا وأمير المؤمنين. وعنه رضي الله عنه عن الصادق عليه السلام: إذا بعدت بأحدكم الشقة ونأت به الدار فليصل ركعتين، وليؤم بالسلام إلى قبورنا، فإن ذلك يصل إلينا.

وقالت أروى بنت الحارث بن عبدالمطلب ترثي أمير المؤمنين عليا عليه السلام:

ألا يا عين ويحك أسعدينا ... ألا تبكي أمير المؤمنينا

رُزِئنا خير من ركب المطايا ... وفارسها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمئينا

إذا استقبلت وجه أبي حسين ... رأيت البدر راع الناظرينا

فلا والله لا أنسَى عليًا ... وحُسْنَ صلاته في الراكعينا

يقيم الحد لا يرتاب فيه ... ويقضي بالفرائض مستبينا

أفي شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طُرًا أجمعينا

كأن الناس إذ فقدوا عليًا ... نَعَامٌ حال في بلد سنينا

وكُنَّا قبل مهلكه بخير ... نرى فينا وصي المسلمينا

أشاب ذؤابتي وأطال جُهْدِي ... أُمَامَةُ حين فارقتِ القرينا

وعَبْرَةُ أمِّ كلثوم بحزن ... تجرعها وقد رأت اليقينا

فلا تَشْمَتْ معاويةُ بن صخر ... فإن بقية الخلفاء فينا

ولما دفن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، قام صعصعة بن صوحان، وأخذ التراب ووضعه على رأسه، وأنشأ يقول:

ألا من لي بسرك يا أُخيّا ... ومن لي أن أبثك ما لديّا

طوتك منون دهرك بعد نشر ... كذلك دَأبُهُ نشرا وطَيَّا

فلو نشرت طواك لي المنايا ... شكرت إليك ما صنعت إليَّا

كفى حزنًا بفقدك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديّا

بكيتك يا عليّ بملء عيني ... فلم يغن البكاء عليك شيَّا

وكانت في حياتك لي عظاة ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا

وقال عمران بن حطان الخارجي في عبد الرحمن بن ملجم لعنهما الله -حين ضرب عليا عليه السلام:

يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يومًا فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا

أخْلقْ بقومٍ بطونُ الطير أقبرهم ... لم يخلطوا دينهم كفرًا وعدوانا

فأجابه القاضي أبو الطيب طاهر بن عبدالله بن طاهر الفقيه الشافعي بهذه الأبيات:

إني لأبرءُ مما أنت قائله ... عن ابن مُلْجَمٍ الملعون بهتانا

يا ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليهدم للإسلام أركانا

إني لأذكره يومًا فألعنه ... دينًا وألعن عمرانا وحطانا

عليك ثم عليه الدهر متصلا ... لعائن الله إسرارًا وإعلانا

فأنتما من كلاب النار جاء به ... نص الشريعة برهانًا وتبيانًا

وروى صاحب كتاب الاستيعاب الفقيه الحافظ أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النميري لبكر بن حماد التاهرتي يعارض ابن حطان:

قتلتَ أفضل من يمشي على قدم ... وأول الناس إسلامًا وإيمانا

وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سَنَّ الرسول لنا شرعًا وتبيانا

صهر النبي ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورًا وبرهانا

وكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بن عمرانا

وكان في الحرب سيفًا صارمًا ذكرًا ... ليثًا إذا لقي الأقران أقرانا

ذكرت قاتله والدمع منحدرٌ ... فقلت: سبحان رب الناس سبحانا

إني لأحسبه ما كان من بَشَرٍ ... يخشى المعاد ولكن كان شيطانا

أشقى مراد إذا عُدت قبائلها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا

قد كان يخبر هم أن سوف يخضبها ... قبل المنية أزمانا فأزمانا

فلا عفى الله عنه ما تحمله ... ولا سقى قبر عمران بن حطانا

لقوله في شقي ظل مجترمًا ... ونال ما ناله ظلمًا وعدوانا

يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

بل ضربة من غوي أوردته لظى ... مخلدًا قد أتى الرحمن غضبانا

كأنه لم يرد قصدًا بضربته ... إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا

وروي له أيضًا:

وهز عليٌّ بالعراقين لحيةً ... مصيبتها جلّت على كل مسلم

فقال: سيأتيها من الله حادثٌ ... ويخضبها أشقى البرية بالدم

فباكره بالسيف شلت يمينه ... لشؤم دعاه عند ذاك ابن ملجم

فيا ضربة من خاسر ظل سعيه ... تَبوَّءَ منها مقعدًا في جهنم

ففاز أمير المؤمنين بحظه ... وإن طرقت فيه الليالي بمعظم

ألا إنما الدنيا بلاءٌ وفتنة ... حلاوتها شِيْبَتْ بصابٍ وعلقم

ذِكْرُ نُكَتٍ مِنْ كَلامِهِ وَسِيْرَتِهِ عليه السلام

كلامه عليه السلام في الطبقة العالية في كل فن من فنونه لفظا ومعنى، وهو بحر يطمي تياره، ويتلاطم زخاره، وإنما نذكر مجة من لج زاخر، وقطرة من وابل ماطر. من ذلك ما رويناه بالإسناد الموثوق به عن الحارث أن عليا عليه السلام لما اختلف أصحابه خطبهم حين اجتمعوا عنده مبتديا بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: أما بعد:

فذمتي بذلك رهينة، وأنا به زعيم، من صرحت له العبر فيما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن ارتكاب الشبهات، وإنه لن يظمأ على التقوى زرع قوم ولن يبلى على الهدى سنخ أصل، وإن الخير والخيرة في معرفة الإنسان قدره، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره، وإن أحب خلق الله إلى الله عبد أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف، وأضمر اليقين، وزهرت مصابيح الهدى في قلبه، فسهل على نفسه الشديد، وقرب عليها البعيد، فلم يدع مبهمة إلا كشف غطاءها، ولا مظلمة إلا قصد جلاها، ولا معضلة إلا بلغ مداها، معاين طريقته، مشاهد من كل أمر حقيقته، شرب نهلا، وسلك طريقا سهلا، يحط حيث القرآن حط رحله، وأين نزل كان منزله، فهو من خاص أولياء الله.

وإن أبغض خلق الله إلى الله عبد وكله إلى نفسه جآئر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، فهو فتنة لمن افتتن بعبادته، ضال عن هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به، حمال خطايا غيره، رهين بخطيئته، قمش جهلا من الجهال فأوطأ الناس عشوة، غارا بأوباش الفتنة، قد لهج بالصلاة والصوم، فسماه أشباهه من الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما، تكثر فاستكثر، وما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن وأكثر من غير طائل، قعد حاكما بين الناس، ضامنا لتخليص ما اشتبه عليهم، إن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا من رأيه، فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت إن أصاب، وإن أخطأ لم يعلم؛ لأنه لا يعلم أصاب أم أخطأ لا يحسب أن العلم في شيء مما ينكر، ولا أن من وراء ما بلغه غاية، إن قاس شيئا لم يكذب بصره، وإن أظلم عليه أمر كتم ما يعلم من نفسه؛ لكيلا يقال: لا يعلم، ركاب عشوات، وخائض غمرات، ومفتاح ظلمات، ومعتقد شبهات، لا يعتذر مما لا يعلم، ولا يعض على العلم بضرس قاطع فيسلم، يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم، تصرخ منه الدماء، وتبكي منه المواريث، ويستحل بقضائه الفروج الحرام، ويحرم بقضائه الفروج الحلال، لا مليء بإصدار ما ورد عليه، ولا أهل لإصلاح ما فرط منه، فأبصروا معادن الجور، واستقصوا آثارها، واستروحوا إلى طاعة الله من لا تعذرون بجهالته، ثم ردوا هذا عذب فرات، واحذروا هذا ملح أجاج، واعلموا أن العلم الذي هبط به آدم عليه السلام وما فصلته الأنبياء، في عترة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم فأين يتاه بكم، عن أمر تنوسخ من أصلاب أصحاب السفينة؟ هؤلاء مثلها فيكم، وهم لكم كالكهف لأصحاب الكهف، وهم باب حطة، وباب السلم، فادخلوا في السلم كآفة، خذوا عني عن خاتم المرسلين حجة من ذي حجة قالها في حجة الوداع: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))

وروينا بالإسناد الموثوق به: أن رجلًا قام إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، كيف كان ربنا؟ فقال علي عليه السلام: كيف لم يكن وربنا لم يزل تبارك وتعالى، وإنما يقال: لشيء لم يكن كيف كان؟ فأما ربنا فهو قبل القبل، وقبل كل غاية، انقطعت الغايات عنده، فهو غاية كل غاية، فقال: كيف عرفته؟ فقال: أعرفه بما عرف به نفسه، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3،4] لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، متدان في علوه، عال في دنوه {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] قريب غير ملتصق، بعيد غير متقص، يعرف بالعلامات، وثبت بالآيات، يوحد ولا يبعض، ويحقق ولا يمثل، لا إله إلا هو الكبير المتعال.

وروينا عن أبي المعتمر قال: حضرت مجلس أمير المؤمنين علي عليه السلام في جامع الكوفة، فقام إليه رجل مصفار اللون، كأنه من متهودة اليمن، فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا خالقك وانعته لنا حتى كأنا نراه وننظر إليه، فسبح علي عليه السلام ربه عز وجل وعظمه، وقال: الحمد لله الذي هو أول لا بدئ مما، ولا باطن فيما، ولا هو ممازج مع ما، ولا حال بما، ليس بشبح فيرى، ولا بجسم فيتجزى، ولا بذي غاية فيتناهى، ولا بمحدث فيتصرف، ولا بمستتر فيتكشف، ولا كان بعد أن لم يكن، بل حارت الأوهام أن تكيف المكيف للأشياء، من لم يزل لا بمكان، ولا يزول لاختلاف الأزمان، ولا يقلبه شأن بعد شأن، البعيد من تخيل القلوب، المتعالي عن الأشباه والضروب، علام الغيوب، فمعاني الخلق عنه منفية، وسرائرهم عليه غير خفية، المعروف بغير كيفية، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأقدار، ولا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام.

ومن خطبة له عليه السلام قوله: الحمد لله الذي لا من شيء كان، ولا من شيء خلق ما كون، يستشهد بحدوث الأشياء على قدمه، وبما وسمها من العجز على قدرته، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه، لم يخل منه مكان فيدرك بأينية، ولا له شبح مثال فيوصف بكيفية، ولم يغب عن شيء فيعلم بحيثية، مباين لجميع ما جرى في الصفات، وممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الأدوات، وخارج بالكبرياء والعظمة من جميع تصرم الحالات، لا تحويه الأماكن لعظمته، ولا تدركه الأبصار لجلاله، ممتنع من الأوهام أن تستغرقه، وعن الأذهان أن تتمثله.

وفي رواية أخرى: فليست له صفة تنال، ولا حد يضرب له فيه بالأمثال، كل دون صفاته تخابير اللغات، وضل هنالك تصاريف الصفات، وحار دون ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب، تاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول، واحد لا بعدد، دائم لا بأمد، قائم لا بعمد، ليس بجنس فتعادله الأجناس، ولا بشبح فتضارعه الأشباح، ليس لها محيص عن إدراكه لها، ولا خروج عن إحاطته بها، ولا احتجاب عن إحصائه لها، ولا امتناع من قدرته عليها، كفى بإتقان صنعه لها آية، وبتركيب خلقها عليه دلالة، وبحدوث ما فطر على قدمه شهادة، فليس له حد منسوب، ولا مثل مضروب، ولا شيء هو عنه محجوب، تعالى عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقة علوًا كبيرًا.

ومن كلام له عليه السلام حين وقع خلاف من خالفه بعد حمد الله والثناء عليه ثم قال: ما شاء الله، توكلت على الله الذي لا إله إلا هو، حي بلا كيف، ولم يكن له كان، ولا كان له أين، ولا كان في شيء، ولا كان على شيء، ولا قوي بعد ما كون، ولا كان ضعيفا قبل أن يكون، ولا كان مستوحشا قبل أن يبتدع، ولا خلوا من الملك قبل إنشائه، ولا يكون خلوا بعد ذهابه، كان إلها حيا لا بحياة، وملكا قبل أن ينشئ شيئا، ومالك قبل إنشائه، وليس يكون له كيف ولا أين، ولا له حد يعرف، ولا شيء يشبهه، ولكن سميع بلا سمع، وبصير بغير بصر، وقوي بغير قوة من خلقه، لا تدركه حدق الناظرين، ولا يحيط به سمع السامعين، إذا أراد شيئا كان بلا مشاورة ولا مظاهرة، ولا يسأل أحدا عن شيء خلقه وأراده، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، العلي الجبار، أيتها الأمة المخدوعة انخدعت وعرفت خديعة من خدعها، فأصرت على ما عرفت، واتبعت هواها، وضربت في عشواء غوايتها، وقد استبان لها الحق فصدت عنه، والطريق الواضح فتنكبته، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لو اقْتَبَسْتُمُ العلم من موضعه، وشربتم الماء بعذوبته، وأخذتم من الطريق واضحه؛ لأنهجت لكم السبل، وبدت لكم الأعلام، ولأكلتم رغدا، ولا عال فيكم عائل، ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد، ولكنكم سلكتم سبل الظلام، فأظلمت عليكم دنياكم برحبها، وسددتم عليكم أبواب العلم، فقلتم بأهوائكم، واختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين الله بغير علم، واتبعتم الغواة فأغوتكم، وتركتم الأئمة فتركوكم، فإذا حزب الأمر سألتم أهل الذكر، فإذا أنبأوكم قلتم: هو العلم بعينه، فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه، رويدا عما قليل تحصدون غب ما تزرعون، وتجدون وخيم ما اجترحتم، وينزل بكم ما وعدتم كما نزل بالأمم قبلكم، وإلى الله غدا تصيرون وسيسألكم الله عن أئمتكم، والحمد لله رب العالمين.

ومن كتاب نهج البلاغة:

وقد أخبرنا الشريف الأجل السيد الأفضل الزاهد العابد الورع الصالح أبو طالب المرتضى شراهنك الحسيني أدام الله علوه، وأخبرنا به أيضا الفقيه الأجل العالم الزاهد المجاهد بهاء الدين علي بن محمد الأكوع رضوان الله عليه، مناولة يرفعانه إلى المصنف، وهو الشريف السيد الفاضل الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا إياه عنى من شبهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه، كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، فاعل لا باضطراب آلة، مقدر لا بجول فكرة، غني لا باستفادة.

لا تصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعير المشاعر عرف ألا مشعر له، وبمضادته بين الأمور عرف ألا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف ألا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالصرد، مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرب بين متباعداتها، مفرق بين متدانياتها، لا يشمل بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلات إلى نظائرها، منعتها منذ القدمية، وحمتها قد الأزلية، وجنبتها لولا التكملية، بها تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع من نظر العيون، لا يجرى عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه؟! إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولكان له وراء إذ وجد له أمام، ولالتمَسَ التمامَ إذ لزمه النقصانُ! وإذا لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه، وخرج بسلطان الإمتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره! الذي لا يحول ولا يزول، ولا يجوز عليه الأفول، لم يلد فيكون مولودا، ولم يولد فيصير محدودا، جل عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء، لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه، لا يتغير بحال، ولا يتبدل في الأحوال، لا تبليه الليالي والأيام، ولا يغيره الضياء والظلام، ولا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض ولا بالغيرية والأبعاض، ولا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أن الأشياء تحويه؛ فتقله أو تهويه، أو أن شيئا يحمله فيميله أو يعدله، ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج، يخبر لا بلسان ولهوات، ويسمع بلا خروق وأدوات، يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا يضمر، يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة، يقول لما

أراد كونه: كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا نداء يسمع، وإنما كلامه - سبحانه- فعل منه أنشأه ومثله، ولم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا، لا يقال كان بعد أن لم يكن، فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينه وبينها فصل ولا له عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع. خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه، أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها من التهافت والانفراج، أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها، فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه. هو الظاهر عليه بسلطانه وعظمته، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي على كل شيء منها بجلاله وعزته، لا يعجزه شيء منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه، خضعت الأشياء له فذلت مستكينة لعظمته، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه ولا ضره، ولا كفو له فيكافيه، ولا نظير له فيساويه، وهو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها كمفقودها. وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها، فكيف لو اجتمع جميع حيوانها: من طيرها وبهائمهما، وما كان من مراحها وسائمها، وأصناف أسناخها وأجناسها، ومتبلدات أممها وأكياسها، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها، ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة، عارفة بأنها مقهورة، مقرة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها.

وأنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده، لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها، بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شيء إلا الواحد القهار، الذي إليه مصير جميع الأمور، بلا قدرة منها على ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها، لم يتكأده صنع شيء منها إذ صنعه، ولم يؤده منها خلق ما برأه وخلقه، ولم يكونها لتشديد سلطان، ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها عن ضد مثاور، ولا للازدياد بها في ملكه، ولا لمكاثرة شريك في شركه، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد تكوينها، لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شيء منها عليه، لا يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه، وأمسكها بأمره، وأتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة بشيء منها عليها، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس، ولا من حال جهل وعمى إلى علم والتماس، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة.

ومن خطبة له عليه السلام وهي المعروفة بالشِّقْشِقِيَّة

أما والله لقد تَقَمَّصَها فلان، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى: ينحدر عني السيل، ولا ترقى إلي الطير. فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه. فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى. فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده (ثم تمثل عليه السلام بهذا البيت):

شَتَّانَ ما يَومي على كُورِها ... وَيومُ حَيَّانَ أخي جَابِرِ

فيا عجبًا بَيْنا هو يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ، إِذْ عقَدها لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتهِ، لشَدَّ ما تشطرا ضرعيها فصيرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلون واعتراض. فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة. حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر! لكنني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن، إلى أن قام ثالث القوم نافجًا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته، فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها.

أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.

ومن كلام له عليه السلام وقد قال له قائل: إنك يا ابن أبي طالب على هذا الأمر لحريص، فقلت: بل أنتم والله أحرص مني عليه وأبعد، وأنا أخص وأقرب، وإنما طلبت حقا لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه فلما قرعته بالحجة في ملأ من الحاضرين بهت لا يرى ما يجيبني به.

اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه.

ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابًا وهو من محاسن الكتب أما بعد:

فقد أتاني كتابك تذكر اصطفاء الله عز وجل محمدًا عليه السلام لدينه، وتأييده بمن أيده من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا، ونعمته علينا في نبينا عليه السلام، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر، وداعي مسدده إلى النضال، وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان، فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله، وأن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول، والسائس والمسوس، وما للطلقاء وأبناء الطلقاء، والتمييز بين المهاجرين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم؟ هيهات! لقد حن قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها، ألا تربع أيها الإنسان على ظلعك، وتعرف قصور ذرعك، وتتأخر حيث أخرك القدر! فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، وإنك لذهاب في التيه، رواغ عن القصد، ألا ترى غير مخبر لك، لكن بنعمة الله أحدث أن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين، ولكل فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل: سيد الشهداء، وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه، أولا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل، حتى إذا فعل بواحدنا كما فعل بواحدهم، قيل: الطيار في الجنة، وذو الجناحين، ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين، ولا تمجها آذان السامعين، فدع عنك ما مالت به الرمية، فإنا صنائع ربنا، والناس بعد صنائع لنا. لم يمنعنا قديم عزنا، وعادي طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء ولستم هنالك! وأنى يكون ذلك كذلك؟ ومنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنكم المكذب؟ ومنا أسد الله، ومنكم أسد الأحلاف؟ ومنا سيدا شباب أهل الجنة، ومنكم صبية النار؟ ومنا خير نساء العالمين، ومنكم حمالة الحطب؟ في كثير مما لنا وعليكم.

فإسلامنا قد سمع، وجاهليتنا لا تدفع، وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنَّا وهو قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] وقوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68] فنحن مرة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة، ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلجوا عليهم: فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم!

وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك ((وتلك شكاة ظاهر عنك عارها)). وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت! وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، ولا مرتابا بيقينه، وهذه حجتي إلى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك بقدر ما سنح من ذكرها.

ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه، فأينا كان أعدى له، وأهدى إلى مقاتله؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه؟ أم من استنصره فتراخى عنه، وبث المنون إليه حتى أتى قدره عليه؟ كلا والله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 18] وما كنت اعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثا، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له، فرب ملوم لا ذنب له:

وقد يستفيد الظِّنة المُتنصِّحُ         لَبِّثْ قَلِيلًا يَلْحَقَ الهَيْجَا حَمَلْ

وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف! فلقد أضحكت بعد استعبار! متى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين؟

فيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار، والتابعين بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك، وخالك، وجدك، وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد.

ومن كلام له عليه السلام: رويناه من أمالي السيد أبي طالب عليه السلام بإسناده عن الحارث أن أمير المؤمنين عليه السلام خطب فقال: ألا إن الحق لو أخلص له لم يخف على ذي حجى، ألا وإن الباطل لو أخلص لم يخف على ذي حجى، ولكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فحينئذ استولى الشيطان على حزبه، ونجا حزب الله الذين سبقت لهم من الله الحسنى. ألا وإن الباطل خيل شمس ركبها أهلها وأرسلوا أزمتها فسارت حتى انتهت بهم إلى نار وقودها الناس والحجارة، ألا وإن الحق مطايا ذلل ركبها أهلها وأعطوا أزمتها فسارت بهم الهوينا حتى أتت ظلا ظليلا، فعليكم بالحق فاسلكوا سبله، واعملوا به تكونوا من أهله، ألا وإنه من خاف حذر، ومن حذر جانب السيئات، ألا وإنه من خاف السيئات أدلج إلى الخيرات في السرى، ومن أراد سفرا أعد له زادا، فأعدوا الزاد ليوم المعاد، واعملوا لجزاء باق، فإني والله لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها.

وروينا أن أمير المؤمنين عليه السلام شيع جنازة، فلما وضع الميت في لحده عج أهله وبكوا، فقام أمير المؤمنين عليه السلام فقال -وهو قائم على قدميه-: على من تبكون؟ أما والله لو عاينتم ما عاين ميتكم، لأذهلتكم معاينتكم عن البكاء، ثم قال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأستهدي الله الهدى وأعوذ بالله من الضلالة والردى، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين، أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب لكم الأمثال، ووقت لكم الآجال، وجعل لكم أسماعا؛ لتعي ما عناها، وأبصارا لتجلو عن عشاها، وأفئدة لتفهم ما دهاها في تركيب صورها، ومدة عمرها، فإن الله لم يخلقكم عبثا، ولم يهملكم سدى، ولم يضرب عنكم الذكر صفحا، بل أكرمكم بالنعم السوابغ، وأرفدكم بالرفد الروافد، وأحاط بكم الإحصاء، وأرصد لكم الجزاء في السراء والضراء، فاتقوا الله عباد الله، وأجدوا في الطلب، ونجاة الهرب، وبادروا بالعمل قبل منقطع النهدات، وهادم اللذات، فإن الدنيا لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجعاتها، ولا تتوقى سوءاتها، غرور حائل، وشح قاتل، وسناد مائل، تضيء مستطرفها، وتردي مستزيدها، تخيل مصرعها، وتصرم حبالها، فاتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالأثر، وازدجروا بالنذر، حل بكم طالب المنية، وضمنتم بيت التراب، ودهمتكم الساعة بنفخة الصور، وبعثرة القبور، وسياقة المحشر إلى الحساب بإحاطة قدرة الجبار، كل نفس معها سائق وشهيد يسوقها لمحشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69] فارتجت الأرض لنداء المنادي، وكشف عن ساق، وكان يوم التلاق، فكورت الشمس، وحشرت الوحوش، وارتجت الأفئدة، ونزل بأهل النار من الله سطوة مجتاحة، وعقوبة متاحة، وقربت الجحيم لها كلب ولجب، ولهب ساطع، وتغيظ وتلظ، وزفير ووعيد، تأجج جحيمها، وغلى حميمها، وتوقد سمومها، لا يهرم خالدها، ولا يظعن مقيمها، ولا تقصم كبولها، معهم ملآئكة الزجر، يبشرونهم بنزل من حميم، وتصلية جحيم، هم عن الله محجوبون، ولأوليائه مفارقون، وإلى النار منطلقون، حتى إذا أتوا جهنم قالوا: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 100 - 102] قيل لهم: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24] وجهنم تناديهم، وهي مشرفة عليهم إلي بأهلي، وعزة ربي لأنتقمن اليوم من أعدائه، ثم يناديهم ملك من الزبانية، ثم يسحبهم حتى يلقيهم في النار على وجوههم، ثم يقول: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 22] ثم أزلفت الجنة للمتقين، مخضرة للناظرين، فيها درجات لا يبيد نعيمها، ولا ييأس ساكنها، أمنوا الموت فصفى لهم ما فيها {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15] مع أزواج مطهرة، وحور عين: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 58]، مع حلية وآنية من فضة، ولباس السندس الأخضر، والفواكه الدائمة، تدخل الملآئكة عليهم فتقول: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 24] فلا تزال الكرامة لهم حين وفدوا إلى خالقهم، وقعدوا في داره، ونالهم {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]، فاسألوا الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، الذين خلقوا لها وخلقت لهم، عباد الله اتقوا الله تقية من كنع فخنع، ووجل فحذر، واجتنب هايبا، ونجا هاربا، وأفاد ذخيرة، وأطاب سريرة، وقدم للمعاد، واستظهر بالزاد، وكفى بالله منتقمًا، وخصيمًا، وكفى بالجنة ثوابًا ونوالًا، وكفى بالنار عقابًا ونكالًا.

ومن خطبة له عليه السلام في الاستسقاء:

اللهم قد انصاحت جبالنا، واغبرت أرضنا، وهامت دوابنا، وتحيرت في مرابضها، وعجت عجيج الثكالى على أولادها، وملت التردد في مراتعها، والحنين إلى مواردها. اللهم فارحم أنين الآنة، وحنين الحآنة، اللهم فارحم حيرتها في مذاهبها، وأنينها في موالجها. اللهم خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير السنين، وأخلفتنا مخايل الجود، فكنت الرجاء للمبتئس، والبلاغ للملتمس، ندعوك حين قنط الأنام، ومنع الغمام، وهلك السوام، ألا تؤاخذنا بأعمالنا، ولا تأخذنا بذنوبنا، وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق، والربيع المغدق، والنبات المونق، سحابا وابلا، تحيي به ما قد مات، وترد به ما قد فات، اللهم سقيا منك محيية، مروية، تامة، عامة، طيبة، مباركة، هنيئة، مريعة، زاكيا نبتها، ثامرا فرعها، ناضرا ورقها، تنعش بها الضعيف من عبادك، وتحيي بها الميت من بلادك. اللهم سقيا منك تعشب بها نجادنا، وتجري بها وهادنا، ويخصب بها جنابنا، وتقبل بها ثمارنا، وتعيش بها مواشينا، وتندى بها أقاصينا، وتستعين بها ضواحينا من بركاتك الواسعة، وعطاياك الجزيلة على بريتك المرملة، ووحشك المهملة، وأنزل علينا سماء مخضلة، مدرارا هاطلة، يدافع الودق منها الودق، ويحفز القطر منها القطر، غير خلب برقها، ولا جهام عارضها، ولا قزع ربابها، ولا شفان ذهابها حتى يخصب لإمراعها المجدبون، ويحيا ببركتها المسنتون، فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك وأنت الولي الحميد.

قال السيد الرضي رضي الله عنه قوله: عليه السلام ((انصاحت جبالنا)) أي: تشققت من المحول، يقال: انصاح الثوب، إذا انشق، ويقال أيضا: انصاح النبت، وصاح وصوح إذا جف ويبس. وقوله:؛ هامت دوابنا أي: عطشت، والهيام: العطش. وقوله: ((حدابير السنين)) جمع حدبار وهي: الناقة التي أنضاها السير، فشبه بها السنة التي فشا فيها الجدب. قال ذو الرمة:

حدابير ما تنفك إلا مُناخةً ... على الخسف أو نرمي بها بلدًا قفرا

وقوله: ((لا قزع ربابها)) القزع: القطع الصغار المتفرقة من السحاب. وقوله: ((ولا شفان ذهابها)) فإن تقديره: ولا ذات شفان ذهابها. والشفان: الريح الباردة. والذهاب: الأمطار اللينة. فحذف ((ذات)) لعلم السامع به.

وروينا عن أبي مطر البصري قال: كنت من شباب ذلك الزمان، فبينا أنا أمشي في المسجد وقد أسبلت إزاري، وأرخيت شعري، إذ نادى رجل من خلفي يا عبدالله، ارفع إزارك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، وجز من شعرك إن كنت امرأ مسلما، فإذا رجل كأنه أعرابي، فجئت حتى قمت من خلفه، فقلت لامرئ من المسلمين: من هذا؟ فقال: أغريب أنت؟ فقلت: نعم، من أهل البصرة، فقال له: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فمشيت خلفه حتى خرجت من المسجد، فمر بأصحاب الإبل، فقال: يا أصحاب الإبل، بيعوا ولا تحلفوا، فإن اليمين تزين البيع، وتمحق البركة. ثم مشى حتى أتى أصحاب التمر فإذا هو بجارية تبكي، فقال: يا جارية، ما شأنك؟ قالت: بعثني مولاي بدرهم، فابتعت من هذا تمرا، فأتيتهم به فلم يرضوه، فلما أتيته به أبى أن يقبله، فقال: يا عبدالله، إنها خادمة، وليس لها أمر، فاردد إليها درهمها وخذ التمر. فلم يعرفه الرجل، وقام إليه ليلكزه، فقال له رجل من المسلمين: أتدري من هذا؟ هذا أمير المؤمنين! فانخزل الرجل واصفر، وأخذ التمر، فنثره ورد إليها درهمها، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ارض عني، فقال: ما أرضاني عنك إن أنت أصلحت أمرك، ثم مشى حتى توسطهم، فقال: يا أصحاب التمر أطعموا المساكين وابن السبيل؛ فإن ربحكم يربو. ثم مشى حتى أتى أصحاب السمك، فقال: ألا لا يباع في سوقكم طاف.

ثم مشى فأتى قومًا يبيعون قمصًا من هذه الكرابيس، فابتاع قميصًا بثلاثة دراهم فلبسه فكان ما بين الرسغين إلى الكعبين، فلما وضعه في رأسه قال: بسم الله والحمد لله الذي رزقني من اللباس ما أتجمل به في الناس وأواري عورتي، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أشيء قلته برأيك أم سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا القول عند الكسوة، ثم مشى حتى أتى المسجد فجلس فيه، ثم أخذ بلحيته، فقال: ما يحبس أشقاها أن يخضب هذه من هذا، - وأشار بيده إلى رأسه - فوالله ما كذبت ولا كذبت، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا بكوز من ماء فتوضأ فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه ثلاثا، ثم قال: أين السائل عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال الرجل: أنا، فقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ.

قال أبو مطر: وكأني أنظر إلى الماء يهطل من لحيته على صدره، ثم أتيته وقد ضربه ابن ملجم لعنه الله. فسمعته وهو يقول: امشوا بي بين الأمرين، لا تسرعوا ولا تبطئوا، ولا تغالوا في كفني، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((الكفن سلب سريع إن يكن من أهل الجنة يكفن من الجنة، وإن يكن من أهل النار يكفن من النار)).

وروينا أن عليا عليه السلام استعمل عاملا على عكبرى قال: ولم يكن السواد يسكنه المصلون، فقال لي بين أيديهم: استوف منهم خراجهم، ولا يجدوا منك رخصة، ولا يجدوا فيك ضعفا، ثم قال لي: إذا كان عند الظهر فرح إلي، فرحت إليه، فلم أجد عنده حاجبا يحجبني دونه، فوجدته جالسا وعنده قدح وكوز فيه ماء، فدعا بظبية. قال: قلت في نفسي لقد أمنني حتى يخرج لدي جوهرا، ولا أدري ما فيه، قال: فإذا عليها ختم فكسر الختم فإذا فيه سويق، فأخرج منه، فصب في القدح وصب عليه ماء، فشرب وسقاني، فلم أصبر أن قلت: يا أمير المؤمنين، بالعراق تصنع هذا؟ طعام العراق أكثر من ذلك! قال: والله ما أختم عليه بخلا به، ولكنني أبتاع ما يكفيني، فأخاف أن يفتح فيوضع فيه من غيره، فإنما حفظي لذلك، وأكره أن يدخل جوفي إلا طيب، وإني لا أستطيع أن أقول لك إلا الذي قلت بين أيديهم لأنهم قوم خدعه، ولكني آمرك الآن بما تأخذهم به فإن أنت فعلت وإلا أخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ما آمرك به عزلتك، لا تبيعن لهم رزقا يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضربن رجلا منهم سوطا في طلب درهم؛ فإنا لم نؤمر بذلك، ولا تبيعن لهم دابة يعملون عليها، إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو. قلت: إذا أجيئك كما ذهبت، قال: ففعلت فاتبعت ما أمرني به، فرجعت والله ما بقي درهم إلا وفيته.

وروينا بالإسناد عن الأصبغ بن نباته قال: قام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في سوق الكوفة على دابته، فنادى ثلاثا: يا معشر الناس، أوصيكم بتقوى الله، فإنه وصية الله في الأولين والآخرين، {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الشعراء: 181 - 183] ولا تغشوا هذه الفضة الجيدة بالزئبق، ولا بالكحل فتكونوا غدًا من المعذبين.

وروينا بالإسناد إلى أبي صادق قال: بلغ علي بن أبي طالب عليه السلام أن خيلًا لمعاوية أغارت على الأنبار وقتلوا عامله حسان بن حسان البكري، فقام علي عليه السلام يجر ثوبه حتى أتى النخيلة، فقالوا: نحن نكفيك يا أمير المؤمنين فقال، ما تكفوني ولا تكفون أنفسكم، قال: واجتمع الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الجهاد باب من أبواب الجنة، من تركه ألبسه الله الذلة، وسيم الخسف، وديث بالصغار، وقد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتثاقلتم وتواكلتم، وثقل عليكم ذلك، حتى شنت عليكم الغارات، وهذا أخو غامد قد نزلت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان، ورجالا صالحين ونساء، ولقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينتزع رعاثها، وحجلها، ثم انصرفوا موفورين، لم يكلم أحد منهم كلما، والله لو أن امرءا مسلما مات من دون هذا أسفا لما كان عندي ملوما، بل كان عندي بذلك جديرا، يا عجبا؛ عجبا يميت القلب، ويكثر الهم، ويبعث الأحزان، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم، حتى صرتم غرضا ترمون ولا ترمون، وتغزون ولا تغزون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله وترضون! يا أشباه الرجال ولا رجال، أحلام الأطفال، وعقول ربات الحجال، إذا قلت لكم: اغزوهم في الحر قلتم: هذه حمارة القيظ، فمن يغزو فيها!؟ أمهلنا حتى ينسلخ الحر عنا، وإذا قلت لكم: اغزوهم في البرد، قلتم: هذه أيام قر وصر، أمهلنا حتى ينسلخ القر عنا، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر! أما والله لوددت أني لم أركم، ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما، وملأتم قلبي غيظا، وأفسدتم علي رأيي بالخذلان، حتى لقد بلغني أن قريشا تقول: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكنه لا علم له بالحروب.

لله أبوهم! وهل منهم أشد لها مراسا مني!؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا الآن قد نيفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع. قال: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا وأخي كما قال الله تعالى: {لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} [المائدة: 25] فها أنا ذا، وهذا أخي، فمرنا بأمرك فوالله لنضربن دونك ولو حال بيننا جمر الغضا، وشوك القتاد، قال: فقال علي عليه السلام: يرحمكما الله، وأين تقعان مما أريد!؟

وروينا بالإسناد إلى الحسن البصري قال: كنت جالسًا بالبصرة، وأنا حينئذ غلام أتطهر للصلاة، إذ مر بي رجل راكب بغلة شهباء متلثم بعمامة سوداء، فقال لي: يا حسن أحسن وضوءك يحسن الله إليك في الدنيا والآخرة، يا حسن، أما علمت أن الصلاة مكيال وميزان؟ قال: فرفعت رأسي فتأملت فإذا هو علي عليه السلام، فأسرعت في طهوري، وجعلت أقفو أثره إذ حانت منه التفاتة، فقال لي: يا غلام، ألك حاجة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. تفيدني كلاما ينفعني الله به في الدنيا والآخرة، قال: يا غلام إنه من صدق الله نجا، ومن أشفق من ذنبه أمن من الردى، ومن زهد في هذه الدنيا قرت عيناه بما يرى من ثواب الله غدا، ثم قال: يا غلام، ألا أزيدك؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، قال: إن سرك أن تلقى الله وهو عنك راض فكن في هذه الدنيا زاهدا، وفي الآخرة راغبا، وعليك بالصدق في جميع أمورك تنجو مع الناجين غدا، يا غلام، إن تزرع هذا الكلام نصب عينيك ينفعك الله به، ثم أطلق عنان البغلة من يده، وقرص بطنها بعقبه، فجعلت أقفو أثره، إذ دخل سوقا من أسواق البصرة، فمسعته عليه السلام يقول: يا أهل البصرة، يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة، يا أهل تدمر أربعا إذا كنتم بالنهار؛ الدنيا تخدمون، وبالليل على فراشكم تتقلبون، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون، فمتى ترمون الزاد؟ ومتى تفكرون في المعاد؟ فقام إليه رجل من السوقة فقال: يا أمير المؤمنين، أبد من طلب المعاش؟ فقال: أيها الرجل، إن طلب المعاش لا يصرفك عن طلب الآخرة.

ألا قلت: أبدٌّ من طلب احتكار، فأعذرك إن كنت معذورًا فولى الرجل وهو يبكي، فمسعته عليه السلام يقول: أقبل علي يا ذا الرجل أزيدك تبيانا، إنه لابد لكل عامل من أن يوفى في القيامة أجر عمله، وعامل الدنيا إنما أجره النار، ثم خرج من السوق، والناس في رنة من البكاء، إذ مر بواعظ يعظ الناس، فلما بصر بأمير المؤمنين عليه السلام سكت ولم يتكلم بشيء، فقال عليه السلام: فكم، وإلى كم توعظون فلا تتعظون؟ قد وعظكم الواعظون، وزجركم الزاجرون، وحذركم المحذرون، وبلغكم المبلغون، ودلت الرسل على سبل النجاة، وقامت الحجة وظهرت المحجة، وقرب الأمر والأمد، والجزاء غدا {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] يا أيها الناس، إنه لم يكن لله تبارك وتعالى في أرضه حجة ولا حكمة أبلغ من كتابه، ولا مدح الله منكم أحدا إلا من اعتصم بحبله، وإنما هلك من هلك عندما عصاه، وخالفه واتبع هواه، واعلموا أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر، والله ما هو شيء قلته من تلقاء نفسي، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ما من عبد جاهد نفسه، فردها عن معصية الله إلا باهى الله به كرام الملآئكة، ومن باهى الله به كرام الملآئكة فلن تمسه النار))، ثم قال: {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 21].

وروينا أنه لما قفل أمير المؤمنين من صفين، وأكثر كثير من أصحابه والمحكمة القول في الحكمين، أمر فنودي بالصلاة جامعة، ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: اللهم هذا مقام من فلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة، ومن نطف أو أوعث أو أسرف فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا، نشدتكم الله، هل تعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله فقلت لكم: إنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن، ولقد صحبتهم وعرفتهم أطفالًا ورجالًا، وهم شر أطفال ورجال، امضوا على صدقكم وحقكم، فإنما رفعوا المصاحف خديعة ومكيدة، فرددتم قولي، وقلتم: لا بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي لكم، ومعصيتكم إياي، وإذا أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين، أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن؛ لأنهما إن حكما بحكم القرآن لم يكن لنا خلاف على من حكم بما في القرآن، وإن أبيا كنا من حكمهما برآء، وكنا على رأس أمرنا، قالوا: أفعدل يحكم الرجال في الدماء، قال: إنا لسنا الرجال حكمنا، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مخطوط مستور بين الدفتين، وإنما ينطق بحكمه الرجال. قالوا: فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه المدة أمر هذه الأمة، ادخلوا مصركم فدخل أصحابه عن آخرهم.

وروينا أنه عليه السلام لما فتح البصرة صلى بالناس الظهر، ثم التفت إليهم فقال: سلوا، فقام إليه رجل فقال: والله ما قسمت بيننا بالسوية إذ تقسم بيننا ما حوى عسكرهم، وتدع أبناءهم ونساءهم؟ فقال علي عليه السلام: إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى تدرك غلام ثقيف، ثم قال عليه السلام: ويحك إنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير، وقد اجتمع أبواه على رشده، وولد على الفطرة، ولكنا نربيه من الفيء، ونتأنى به الكبر، فإن عدا علينا أخذناه بذنبه، وإن لم يعد لم نأخذه بذنب غيره، ويحك أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها، وأن دار الهجرة يحرم ما فيها.

وروينا عن السيد أبي طالب عليه السلام فيما رواه أن عقيلا (رضي الله عنه) كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام لعبدالله أمير المؤمنين من عقيل سلام عليك أما بعد:

فإن الله جارك من كل سوء، وعاصمك من كل مكروه، أعلمك أني خرجت معتمرا، فلقيت عبدالله بن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا من أبناء الطلقاء مصدرين ركابهم من قديد، فقلت لهم -وعرفت المنكر في وجوههم-: أين يا أبناء الطلقاء، أبالشام تلحقون عداوة تريدون بها إطفاء نور الله وتغيير أمره؟ فأسمعني القوم وأسمعتهم، فسمعتهم يقولون: إن الضحاك بن قيس الفهري أغار على الحيرة، وأصاب من أموال أهلها ما شاء ثم انكفأ راجعًا، فأف لحياة في دهر جر عليك ما أرى، وما الضحاك إلا فقع بقرقر، وقد ظننت حين بلغني ذلك أن أنصارك خذلوك، فاكتب إلي يا ابن أبي برأيك وأمرك، فإن كنت الموت تريد تحملت إليك ببني أخيك وولد أبيك، فعشنا معك ما عشت، ومتنا معك ما مت، فوالله ما أحب أن أبقى بعدك فواقا، وايم الله الأعز الأجل إن عيشا أعيشه في هذه الدنيا لغير هنيء ولامريء والسلام.

فأجابه علي عليه السلام أما بعد: فكلأك الله كلاءة من يخشاه بالغيب إنه حميد مجيد، قدم علي عبيدالله بن عبدالرحمن الأزدي بكتابك، تذكر أنك لقيت ابن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا متوجهين إلى المغرب، وإن ابن أبي سرح طال والله ما كاد الإسلام، وضل عن كتاب الله وسنة نبيه وبغاها عوجا، فدع ابن أبي سرح وقريشا وتراكضهم في الضلالة، وتجاولهم في الشقاق، فإنها اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وأما الذي ذكرت من إغارة الضحاك على الحيرة فهو أذل من أن يكون مر بجنباتها، ولكن جاء في جريدة خيل فلزم الظهر، وأخذ على السماوة حتى مر بواقصة، فسرحت إليهم جندا من المسلمين، فلما بلغه ذلك ولى هاربا، فتبعوه ولحقوه في بعض الطريق، وقد أمعن حين طفلت الشمس للإياب، ثم اقتتلوا فلم يصبروا إلا قليلا، فقتل من أصحاب الضحاك بضعة عشر رجلا، ومضى جريحا بعد ما أخذ منه بالمخنق.

وأما ما سألتني أن أكتب إليك برأيي فإن رأيي جهاد القوم مع المسلمين حتى ألقى الله لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا نفورهم عني وحشة؛ لأني محق والله مع المحق، والله ما أكره الموت على الحق، لأن الخير كله مع الموت لمن عقل ودعا إلى الحق.

وأما ما عرضته علي من مسيرك إلي ببنيك وولد أخيك، فإنه لا حاجة لي في ذلك، أقم راشدا مهديا، فو الله ما أحب أن يهلكوا معي لو هلكت، فلا تحسبن ابن أمك وإن أسلمه الناس يخشع أو يتضرع، وما أنا إلا كما قال أخو بني سليم:

فإن تسأليني كيف أنتَ؟ فإنني ... صبورٌ على ريب الزمان صليبُ

يَعِزُّ عليَّ أن تُرى بي كآبةُ ... فيشمَتَ عاد أو يُسَاءَ حبيب

وروينا عن السيد أبي طالب فيما رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لم أزل مظلوما في صغري وكبري، فقيل له: قد عرفنا يا أمير المؤمنين ظلم الناس إياك في كبرك، فما ظلمهم في صغرك: فقال: إن عقيلا كان في عينه وجع، فإذا أرادت الأم أن تذر في عينه ذرورا امتنع عليها، وقال: ابدءوا بعلي أولا، فكانت تذر في عيني ذرورا من غير وجع بها.

وبالإسناد إلى السيد أبي طالب فيما رواه أن أمير المؤمنين عليه السلام قيل له: إنك يا أمير المؤمنين رجل مطلوب، فلو ركبت الخيل في الحرب، فقال عليه السلام: أنا لا أفر عمن كر، ولا أكر على من فر، والبغلة تزجيني.

وفسر أبو الحسن علي بن مهدي، وهو الذي انتهت إليه رواية السيد أبي طالب عليه السلام الإزجاء: بالسوق، واستشهد عليه بقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا} [النور: 43] أي: يسوقه فقال: تزجيني البغلة أي: تسوقني إلى ما أريد.

ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام: إني لأستحيي من الله أن يكون ذنب إلي أعظم من عفوي، أو جهل أعظم من حلمي، أو عورة لا يواريها ستري، أو خلة لا يسدها جودي.

وروينا بالإسناد أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليا عليه السلام في مسجد الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين هل تصف لنا ربنا؟ فنزداد له حبا وبه معرفة، فغضب علي عليه السلام ونادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله، ثم صعد المنبر، وهو مغضب متغير اللون، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال:

الحمد لله الذي لا يفره المنع، ولا يكديه الإعطاء، ثم كل معط ينتقص سواه، هو المنان بفوائد النعم، وعوائد المزيد، ضمن عيالة خلقه، وأنهج سبيل الطلب للراغبين إليه، وليس فيما سئل بأجود منه فيما لم يسأل، وما اختلف دهر فيختلف فيه الحال، ولو وهب ما شقت عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار، من فلز اللجين، وسبائك العقيان، ونثارة الدر، وحصائد المرجان لبعض عبيده؛ لما أثر ذلك في جوده، ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الإفضال ما لم ينفده مطالب السؤال، ولا يخطر لكثرته على بال؛ لأنه الجواد الذي لا ينقصه المواهب، ولا يبخله إلحاح الملحين، و {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] فما ظنكم بمن هو هكذا؟ سبحانه وبحمده.

أيها السائل اعقل ما سألتني عنه، ولا تسألن أحدا عنه بعدي، فإني أكفيك مؤنة الطلب، وشدة التعمق في المذهب، وكيف يوصف الذي سألتني عنه!؟ وهو الذي عجزت الملآئكة مع قربهم من كرسي كرامته، وطول ولههم إليه، وتعظيم جلال عزته، وقربهم من غيب ملكوت قدرته، أن يعلموا من علمه إلا ما علمهم، وهم من ملكوت القدس بحيث هم، ومن معرفته على ما فطرهم عليه، فقالوا: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32]. فعليك أيها السائل بما دلك عليه القرآن من صفته، وتقدمك فيه الرسل بينك وبين معرفته، فأتم به واستضىء بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عن أئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه؛ فإنه منتهى حق الله تعالى عليك.

اعلم أيها السائل أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من تفسير الغيب المحجوب، فقالوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] فمدح الله سبحانه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا، فاقتصر على ذلك. واعلم أن الله لم يحدث فيمكن فيه التغير والانتقال، ولم يتصرف في ذاته كرور الأحوال، ولم يختلف عليه عقب الأيام والليالي، وهو الذي خلق الخلق على غير مثال امتثله، ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله، بل أرانا من ملكوت قدرته، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمهم بتبليغ قوته، ما دلنا باضطرار قيام الحجة له علينا على معرفته، ولم تحط به الصفات فيكون بإدراكها إياه بالحدود متناهيا، وما زال هو الله الذي ليس كمثله شيء، عن صفة المخلوقين متعاليا، وانحسرت وجل عن أن تناله الأبصار، فيكون بالعيان موصوفا، وارتفع عن أن يحوي كنه عظمته فهاهات رويات المتفكرين، وليس له مثل فيكون بالخلق مشبهًا، وما زال عند أهل المعرفة عن الأشباه والأنداد منزها، كذب العادلون بالله إذ شبهوه بأصنافهم، وحلوه بحلية المخلوقين بأوهامهم.

وكيف لما لا يقدر قدره مقدار في رويات الأوهام؛ لأنه أجل من أن تحده ألباب البشر بتفكير، وهو أعلى من أن يكون له كفو فيشبه بنظير، فسبحانه وتعالى عن جهل المخلوقين، وسبحانه وتعالى عن إفك الجاهلين، فأين يتاه بأحدكم؟ وأين يدرك ما لا يدرك والله المستعان.

قال السيد أبو طالب الحسني (رضي الله عنه) ما تشتمل هذه الخطبة عليه من ذكر عجز المخلوقين عن المعرفة على جميع صفات الله تعالى، المراد به العجز عن معرفة معلوماته ومقدوراته، وعجائب صنعه وخلقه على التفصيل، ومقادير نعمه على خلقه، وما اختص به تعالى من علم الغيوب، الذي لم يطلع البشر عليه.

وروينا بالإسناد إلى محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) قال: لما قدم أمير المؤمنين عليه السلام من البصرة -بعد قتال الجمل - دعاه الأحنف بن قيس، فاتخذ له طعاما، وبعث إليه وإلى أصحابه، فأقبل إليه أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال له: يا أحنف، ادع أصحابي فدعاهم، فدخل قوم متخشعون كأنهم شنان بوال. فقال له الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي نزل بهم من قلة الطعام؟ أم من هول الحرب؟ قال: لا يا أحنف.

إن الله عز وجل إذا أحب قوما تنسكوا له في دار الدنيا تنسك من هجم على ما علم من فزع يوم القيامة من قبل أن يشاهدوها، فحملوا أنفسهم كل مجهودها، فكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على الله تعالى توهموا خروج عنق من النار تحشر الخلائق إلى ربهم عز وجل، وظهور كتاب تبدوا فيه فضائح ذنوبهم، فكادت أنفسهم تسيل سيلانًا، وتطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانًا، وتفارقهم عقولهم إذا غلت بهم مراجل المرد إلى الله عز وجل غليانًا، يحنون حنين الواله في دجى الظلم، ذبل الأجسام، حزينة قلوبهم، كالحة وجوههم، ذابلة شفاههم، خميصة بطونهم، تراهم سكارى وليسوا بسكارى، هم سمار وحشة الليالي، متخشعون قد أخلصوا لله أعمالهم سرًا وعلانية، فلو رأيتهم في ليلهم ونهارهم، وقد نامت العيون، وهدأت الأصوات، وسكنت الحركات من الطير في الوكور، وقد نهنههم يوم الوعيد، ذلك قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ} [الأعراف: 97] فاستيقظوا لها فزعين، وقاموا إلى مضاجعهم يعولون ويبكون تارة، ويسبحون ليلة مظلمة بهماء، فلو رأيتهم يا أحنف، قياما على أطرافهم، منحنية ظهورهم على أجزاء القرآن لصلاتهم، إذا زفروا خلت النار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صارت في أعناقهم.

فلو رأيتهم في نهارهم إذا لرأيت قوما يمشون على الأرض هونا، ويقولون للناس حسنا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وإذا مروا باللغو مروا كراما، أولئك يا أحنف انتجعوا دار السلام، التي من دخلها كان آمنا، فلعلك شغلك يا أحنف نظرك إلى وجه واحدة تبيد الأسقام غضارة وجهها، ودار قد اشتغلت بتقريب فراقها، وستور علقتها، والرياح والأيام موكلة بتمزيقها، وبئست لك دارا من دار البقاء، فاحتل للدار التي خلقها الله عز وجل من لؤلؤة بيضاء، فشق فيها أنهارها، وغرس فيها أشجارها، وأظل عليها بالنضيج من ثمارها، وكبسها بالعواتق من حورها، ثم أسكنها أولياءه وأهل طاعته. فإن فاتك يا أحنف ما ذكرت لك لترفلن في سرابيل القطران، ولتطوفن بينها وبين حميم آن، فكم يومئذ في النار من صلب محطوم، ووجه مشؤوم، ولو رأيت وقد قام مناد ينادي: يا أهل الجنة ونعيمها، وحليها وحللها، خلودا ولا موت، ثم يلتفت إلى أهل النار فيقول: يا أهل النار، يا أهل السلاسل والأغلال، خلودا ولا موت، فعندها انقطع رجاؤهم، وتقطعت بهم الأسباب، فهذا ما أعد الله عز وجل للمجرمين، وذلك ما أعد الله عز وجل للمتقين.

وروينا بالإسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن عليًا عليه السلام سمع رجلا يذم الدنيا فأطنب في ذمها، فصرخ به علي عليه السلام فقال: هلم أيها الذام للدنيا، فلما أتاه قال له عليه السلام: أيها الذام للدنيا ويحك لم تذمها؟ أنت المجترم عليها أم هي المجترمة عليك؟ فقال: بل أنا المجترم عليها يا أمير المؤمنين، قال: ويحك فيم تذمها؟ أليست منزل صدق لمن صدقها؟ ودار غنىً لمن تزود منها؟ ودار عافية لمن فهم عنها؟ مسجد أحبآء الله عز وجل، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بانقطاعها، ومثلت ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور؟ راحت بفجيعة، وابتكرت بعافية، بتحذير وترغيب وتخويف، فذمها رجال غداة الندامة، حدثتهم فلم يصدقوا، وذكرتهم فلم يذكروا، وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا، وحدثتهم فصدقوا. فأيها الذام للدنيا، المغتر بتغريرها، متى استذمت إليك؟ بل متى غرتك؟ أبمضاجع آبائك من البلى؟ أم بمصارع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بيدك؟ وكم مرضت بكفك؟ تلتمس له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، لم ينفعه شفاؤك، ولم تغن عنه طلبتك، مثلت لك ويحك الدنيا بمضجعه مضجعك، حين لا يغني بكاؤك، ولا ينفع أحباؤك.

وروى السيد أبو طالب عليه السلام هذه الرواية بطريق أخرى، وذكر أنهما لا يختلفان إلا في أحرف يسيرة. وفيها قال: ثم التفت إلى أصحابه، فقال: عباد الله، انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها والله عن قليل تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المترف الآمن، لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها إلى الضعف والوهن، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها؛ لقلة ما يصحبكم منها، رحم الله عبدا تفكر فاعتبر، وأبصر فازدجر، وعاين إدبار ما أدبر، وحضور ما حضر، فكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وكأن ما هو كآئن من الآخرة لم يزل، وكل ما هو آت قريب، واعلموا أنه إنما أهلك من كان قبلكم خبث أعمالهم لما لم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك. فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر؛ فإن ذلك لن يقدم أجلا، ولن يؤخر رزقا، فإذا رأى أحدكم نقصا في نفس أو أهل أو مال ورأى لأخيه صفوة فلا يكونن ذلك فتنة له، فإن المسلم البريء من الخيانة، ما لم يخش دناءة يخشع لها إذا ذكرت، ويغرى بها لئام الناس كان كالفالج الذي ينتظر أول فوزة من قداحه، تذهب عنه المغرم، وتوجب له المغنم. وكذلك المرء المسلم ينتظر إحدى الحسنيين، إما رزقا من الله تعالى، فإذا هو ذو أهل ومال، ومعه دينه وحسبه، وإما داعي الله فما عند الله خير للأبرار، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والعمل الصالح حرث الدنيا وقد يجمعهما الله لأقوام.

وروينا من كتاب جلاء الأبصار عن الحاكم رحمه الله تعالى بإسناده إلى أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر صاحب أبي عثمان الجاحظ قال: كان الجاحظ يقول لنا زمانا: إن لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مائة كلمة، كل كلمة منها تفي بألف كلمة من محاسن كلام العرب، قال: وكنت أسأله دهرا بعيدا أن يجمعها لي ويمليها علي، وكان يعدني بها ويتغافل عنها ضنا بها. قال: فلما كان آخر عمره أخرج يوما جملة من مسودات مصنفاته، فجمع منها تلك الكلمات، وأخرجها إلي بخطه، فكانت الكلمات المائة هذه:

لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا. الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. ما هلك امرؤ عرف قدره. قيمة كل امرئ ما يحسن. من عرف نفسه فقد عرف ربه. المرء مخبوء تحت لسانه. من عذب لسانه كثر إخوانه. بالبر يستعبد الحر. بشر مال البخيل بحادث أو وارث. لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال. الجزع عند البلاء تمام المحنة. لا ظفر مع بغي. لا ثناء مع كبر. لا بر مع شح. لا صحة مع نهم. لا شرف مع سوء أدب. لا اجتناب لمحرم مع حرص. لا راحة لحسود. لا سؤدد مع انتقام. لا محبة مع مرآء. لا زيارة مع زعارة. لا صواب مع ترك المشورة. لا مروءة لكذوب. لا وفاء لملول. لا كرم أعز من التقى. لا شرف أعلى من الإسلام. لا معقل أحرز من الورع. لا شفيع أنجح من التوبة. لا لباس أجمل من السلامة. لا داء أعيى من الجهل. لا مرض أضنى من قلة العقل. لسانك يقتضيك ما عودته. المرء عدو ما جهله. رحم الله امرءا عرف قدره ولم يتعد طوره. إعادة الاعتذار تذكير بالذنب. النصح بين الملأ تقريع. إذا تم العقل نقص الكلام. الشفيع جناح الطالب. نفاق المرء ذلة. نعمة الجاهل كروضة على مزبلة. الجزع أتعب من الصبر.

المسئول حر حتى يعد. أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة. من طلب ما لا يعنيه فاته ما يعينه. السامع للغيبة أحد المغتابين. الذل مع الطمع. الراحة مع اليأس. الحرمان مع الحرص. من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه أو استخفاف به. عبد الشهوة أذل من عبد الرق. الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له. كفى بالظفر شفيعا للمذنب. رب ساع فيما يضره. لا تتكل على المنى فإنها بضائع النوكا. اليأس حر والرجاء عبد. ظن العاقل كهانة. من نظر اعتبر. العداوة شغل القلب. القلب إذا أكره عمي. الأدب صورة العقل. لا حيآء لحريص. من لانت أسافله صلبت أعاليه. من أتي في عجانة قل حياؤه، وبذأ لسانه. السعيد من وعظ بغيره. الحكمة ضآلة المؤمن. الشر جامع لمساوئ العيوب. كثرة الوفاق نفاق، وكثرة الخلاف شقاق. رب آمل خائب، ورب رجاء يؤدي إلى الحرمان. رب أرباح تؤدي إلى الخسران. رب طمع كاذب. البغي سائق إلى الحين. في كل جرعة شرقة، ومع كل أكلة غصة. من كثر فكره في العواقب لم يشجع. إذا حلت المقادير ضلت التدابير. إذا حل المقدور بطل التدبير. إذا حل القدر بطل الحذر. الإحسان يقطع اللسان. الشرف العقل والأدب، لا الأصل والحسب. أكرم الحسب حسن الخلق. أكرم النسب حسن الأدب. أفقر الفقر الحمق. أوحش الوحشة العجب. أغنى الغنى العقل. الطامع في وثاق الذل. احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود. أكثر مصارع ذوي العقول تحت بروق الأطماع. من أبدى صفحته للحق هلك. إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة. من لان عوده كثفت أغصانه. قلب الأحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه. من جرى في عنان أمله عثر بأجله. إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر. إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكر القدرة عليه. ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر منه في فلتات لسانه وصفحات وجهه. اللهم اغفر رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وشهوات الجنان، وهفوات اللسان.

البخيل مستعجل للفقر يعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء. لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه.

قال الجاحظ معناه: أن العاقل لا يطلق لسانه إلا بعد مراجعة فكره، ومفاحصة رأيه، فكأن لسان العاقل تابع لقلبه، وكأن قلب الأحمق وراء لسانه.

وروينا بالإسناد إلى السيد أبي طالب (رضي الله عنه) بإسناده عن كميل بن زياد أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام قال: يا سبحان الله! ما أزهد كثير من الناس في الخير! عجبت لرجل يأتيه أخوه المؤمن في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا! فوالله لو كنا لا نرجو جنة ولا ثوابا، ولا نخشى نارًا ولا عقابًا لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق؛ فإنها تدل على سبل النجاح.

فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: نعم. وما هو خير منه، لما أتانا سبايا (طي) وقعت جارية حماء، حواء، لعساء، لمياء، عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة، ردما الكعبين، خدلجة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، فلما رأيتها أعجبت بها، وقلت: لأطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعلها في فيئي، فلما تكلمت نسيت جمالها لما رأينا فصاحتها، فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي العرب، فإني ابنة سرة قومي، كان أبي يفك العاني، ويشبع الجائع، ويقري الضيف، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، وما رد طالب حاجة قط عنها، أنا ابنة حاتم الطائي، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك إسلاميا ترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق، فقام أبو بردة فقال: يا رسول الله تحب مكارم الأخلاق؟ فقال: نعم يا أبا بردة لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق.

قال الحاكم الإمام (رضي الله عنه): حماء أي: سمراء، وكذلك الحواء: من الحوة في اللون، وقيل: منه سميت امرأة آدم عليه السلام حواء. وفي الحديث ((خير الخيل الحواء)) يعني: الكميت التي يعلوها سواد، وقد حوى الفرس حوه.

وقوله: لمياء لعساء، اللماء واللعس: سواد مستحسن في الشفة، يقال: جارية لعساء، إذا كان في لونها أدنى سواد وشربة من الحمرة.

قال ذو الرمة:

لمياءُ في شفتيها حُوَّةٌ لعِسٌ ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب

وقوله: عيطاء: هي الطويلة في اعتدال، والشماء: من الشمم في الأنف، وهو تطامن القصبة، وقوله: ردما: هي التي خفي العظم في ساقها غمض من كثرة اللحم وامتلائه، والخدلجة: الممتلئة الساقين سمنا. وقوله: لفاء: هي من اللفف وهو اجتماع اللحم على الفخذ، ومنه الشجر الملتف الأغصان، والكشح والخصر واحد، ومنه الكاشح العدو، الذي يضمر العداوة في كشحه، وقولها: سرة قومي: أي خالصهم وصميمهم. ومنه حديث ظبيان قال لما وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نحن قوم من سرة مذحج: أي خيارهم، وقولها: ويفك العاني: أي يطلق الأسير، ومنه: {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 13]، ومنه الحديث: ((أعتق النسمة، وفك الرقبة)) قيل: أو ليسا واحدة؟ قال: لا، عتق النسمة: أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة: أن تعين في عتقها.

وروينا عن السيد أبي طالب عليه السلام رواه عن عقبة بن أبي الصهباء قال: لما ضرب ابن ملجم لعنه الله عليا عليه السلام دخل الحسن عليه السلام وهو باك، فقال له علي عليه السلام: ما يبكيك يا بني؟ قال الحسن عليه السلام: ومالي لا أبكي وأنت في أول يوم من الآخرة وأخر يوم من الدنيا، فقال: يا بني احفظ عني أربعا لا يضرك ما عملت معهن شيء فقال عليه السلام: ما هن يا أمير المؤمنين؟ فقال: ((اعلم أن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكبر من الحسب حسن الخلق)) فقال الحسن عليه السلام: يا أبة هذه الأربع فأعطني الأربع قال: يا بني إياك ومصادقة الأحمق فإنه يريد: أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب إليك البعيد ويباعد عنك القريب، وإياك ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه اليسير.

وروينا بالإسناد إلى السيد أبي طالب عليه السلام بإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عن أبيه عليهم السلام أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كتب إلى ابنه الحسن عليه السلام بعد انصرافه من صفين إلى قناصرين:

من الوالد الفان، المقر للزمان، المستسلم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن منها إليهم غدا، إلى الولد المؤمل في دنياه ما لا يدرك، السالك في الموت سبيل من هلك، غرض الأسقام، ورهينة الأيام، وقرين الأحزان، ورمية المصائب، وتاجر الغرور، وغريم المنايا، وأسير الموت، ونصب الآفات، وخليفة الأموات. أما بعد، يا بني: فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني، وجنوح الدهر علي، وإقبال الآخرة إلي ما ينزع بي عن ذكري سواي، والاهتمام بما ورائي، غير أني تفرد بي دون هموم الدنيا هم نفسي، فصدقني رأيي، وصرفني عن هواي، وصرح لي محض أمري، وأفضى بي إلى جد لا يزري بي لعب، وصدق لا يشوبه كذب.

وجدتك يا بني بعضي، بل وجدتك كلي، حتى كأن لو شيئا أصابك أصابني، وحتى لو أن الموت أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، كتبت إليك كتابي هذا إن بقيت أو فنيت.

أوصيك بتقوى الله، ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، فإن الله تعالى يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] وأي سبب أوثق من سبب يكون بينك وبين الله، فأحي قلبك بالموعظة، ونوره بالحكمة، ومرنه على الزهد، وقوه باليقين، وذلله بالموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الأيام والليالي، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من قبلك، وسر في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا، وأين حلوا، وعما انقلبوا؟ فإنك تجدهم انقلبوا عن الأحبة، ونزلوا دار الغربة، فكأنك عن قليل صرت كأحدهم؛ فأصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والنظر في ما لم تكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإن الوقوف عند حيرة الطريق خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف، وكن من أهله، وأنكر المنكر بلسانك ويدك، وباين من فعله بجهدك، وجاهد في الله حق جهاده، ولا يأخذك في الله لومة لائم.

وفي رواية أخرى: وعود نفسك الصبر على المكروه، ونعم الخلق الصبر وألجئ نفسك في أمورك كلها إلى إلهك؛ فإنك تلجئها إلى كهف حريز، ومانع عزيز، واخلص المسألة لربك؛ فإن في يديه العطاء والحرمان، وأكثر من الاستخارة، واحفظ وصيتي.

ومن هاهنا اتفقت الروايتان: ولا تذهبن عنك صفحا؛ فإن خير القول ما نفع.

واعلم يا بني أنه لا غناء بك عن حسن الارتياد، وبلاغ الزاد، مع خفة الظهر، فلا تحمل على ظهرك فوق بلاغك، فيكون عليك ثقلا ووبالا، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل زادك فيوافيك به حيث ما تحتاج إليه فاغتنمه؛ فإن أمامك عقبة كؤودا لا محالة، وإن مهبطها يكون على جنة أو على نار، فارتد يا بني لنفسك قبل نزولك، وأحسن إلى غيرك كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضى لهم، ولرب بعيد أقرب من قريب، والغريب من ليس له حبيب، ولربما أخطأ البصير قصده، وأبصر الأعمى رشده.

يا بني: قطيعتك الجاهل تعدل مواصلة العاقل، قلة التوقي أشد زلة، وعلة الكاذب أقبح علة، وليس مع الاختلاف ائتلاف، من أمن الزمان خانه، ومن تعاظم عليه أهانه، ومن لجأ إليه أسلمه. رأس الدين صحة اليقين، وخير المقال ما صدقه الفعال، سل يا بني عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، واحتمل ضيم المدل عليك، واقبل عذر من اعتذر إليك، وكن من أخيك عند صرمه لك على الصلة، وعند تباعده على الدنو منه، وعند جموده على البذل، حتى كأنه ذو نعمة عليك، وإياك أن تفعل ذلك في غير موضعه، أو تصنعه بغير أهله. لِنْ لمن غالطك فيوشك أن يلين لك، ولا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم.

واعلم أن الانحراف عن القصد ضد الصواب وآفة ذوي الألباب، فإذا اهتديت لقصدك فكن أخشى ما تكون لربك.

وفي رواية أخرى: وإياك والاتكال على الأماني؛ فإنها بضائع النوكا، وتثبيط عن الآخرة والأولى، وخير حظ المرء قرين صالح. قارب أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، ولا يغلبن عليك سوء الظن، فإنه لا يدع بينك وبين خليلك صلحا، وذك قلبك بالأدب كما تذك النار بالحطب. كفر النعمة لؤم، وصحبة الأحمق شؤم، واعلم أن الذي بيده خزآئن السموات والأرض قد أذن بدعائك، وتكفل بإجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وهو رحيم بصير، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، وفتح لك باب المتاب والأسباب، فمتى شئت سمع دعاءك ونجواك؛ فافض إليه بحاجتك، وبث ذات نفسك، وأسند إليه أمورك، ولا تكن مسألتك فيما لا يعنيك، ولا مما يلزمك خباله، ويبقي عليك وباله، فإنه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو قبيحا.

واعلم يا بني أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللبقاء لا للفناء، وللحياة لا للموت، وأنك في منزل قلعة، وطريق إلى الآخرة، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو هاربه، فأكثر ذكر الموت، وما تهجم عليه، وتفضي بعد الموت إليه، واجعله أمامك حيث تراه، فيأتيك وقد أخذت حذرك، واذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم؛ فإن ذلك يزهدك في الدنيا، ويصغرها عندك، مع أن الدنيا قد نعت إليك نفسها، وتكشفت لك عن مساوئها، وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها، وتكالبهم عليها، فإنما هم كلاب عادية، وسباع ضارية، يهر بعضها على بعض، يأكل عزيزها ذليلها، وكثيرها قليلها.

واعلم يا بني أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن لم يسر، وأن الله قد أذن بخراب الدنيا وعمارة الآخرة، فإن تزهد فيما زهدتك فيه منها ورغبت عما رغبت عنها فأنت أهل لذلك، وإن كنت غير قابل نصيحتي فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وإنك في سبيل من كان قبلك، فاخفض في الطلب، وأجمل في المكتسب، فرب طلب جر إلى حرب.

وانظر إلى إخوانك الذين كانوا لك في الدنيا مواسين، ومعك لله ذاكرين متكاتفين، قد خلوا عن الدور، وأقاموا في القبور إلى يوم النشور، وكأن قد سلكت مسلكهم، ووردت منهلهم، وفارقت الأحبة، ونزلت دار الغربة، ومحل الوحشة، وجاورت جيرانا افترقوا في التجاور، واشتغلوا عن التزاور، فاعمل لذلك المصرع، وهول المطلع، فيوشك أن تفارق الدنيا، وتنزل بك العظمى، وتصير القبور لك مثوى، واعمل ليوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويجيء فيه بصفوف الملآئكة المقربين، حول العرش يجمعون على إنجاز موعد الآخرة، وزوال الدنيا الفانية، وتغير الأحوال، وتبدل الآمال من عدل القضاء، وفصل الجزاء في جميع الأشياء، فكم يومئذ من عين باكية، وعورة بادية، تجر إلى العذاب الأليم، وتسقى ماء الحميم، في مساكن الجحيم، إن صرخ لم يرحم، وإن صبر لم يؤجر، فاعمل لتلك الأخطار تتخلص من النار، وتكون مع الصالحين الأبرار.

يا بني: كن في الرخاء شكورا، وعند البلاء صبورا، ولربك ذكورا، وليكن ما بينك وبينه معمورا، يا بني لن تزال بخير ما حمدت ربك، وعرفت موعظته لك، فإن قلوب المؤمنين رقيقة، وأعمالهم وثيقة، ونياتهم صدق وحقيقة، فالزم محاسن أخلاقهم، وجميل أفعالهم، لعلك تحاسب حسابهم، وتثاب ثوابهم.

يا بني: أزحت عنك العلة، وألزمتك الحجة، وكشفت عنك الشبهة، وظهرت لك الآثار، ووضحت لك البينات، وما أنت بمخلد في الدنيا، فعيشها غرور، ما يتم فيها لذي لب سرور، يوشك ما ترى أن ينقضي وتمر أيامه، ويبقى وزره وآثامه.

إن الدار التي أصبحنا فيها بالبلاء محفوفة، وبالفناء موصوفة، كلما ترى فيها وبين أهلها دول سجال، وعوار مقبوضة، بينا أهلها فيها في رخاء وسرور إذ هم في بلاء وغرور، تتغير فيها الحالات، وتتابع فيها الرزيات، ويساق أهلها للمنيات، فهم فيها أغراض ترميهم سهامها، ويغشاهم حمامها، قد أكلت القرون الماضية، وأشرعت في الأمم الباقية، أكلهم ذعاق ناقع، وحمام واقع، ليس عنه مذهب، ولا منه مهرب، إن أهل الدنيا سفر نازلون، وأهل ظعن شاخصون، فكأن قد انقلبت بهم الحال، ونودوا بالارتحال، فأصبحت منهم قفارا، ومن جميعهم بوارا، والسلام عليك.

ومن كلامه عليه السلام: أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل كن لها أهلا: لا يرجون أحد منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحيين أحد منكم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، ولا يستحيين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه، وعليكم بالصبر فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه.

وقال عليه السلام: المغبون من غبن نفسه، والمغبوط من سلم له دينه، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من انخدع لهواه وغروره.

وقال عليه السلام: بؤسا لنعمة تذهب لذتها وتبقى تبعتها.

وقال عليه السلام: ثلاث من كنوز الجنة: كتمان الصدقة، وكتمان المصيبة، وكتمان المرض.

وقال عليه السلام: جميع الخير كله في ثلاث: النظر، والسكوت، والكلام. فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة، فطوبى لمن كان نظره عبرة، وسكوته فكرا، وكلامه ذكرا، وبكى على خطيئته، وأمن الناس شره.

وكتب عليه السلام إلى الأشتر: صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق على نفسك.

وروي عن الجاحظ أنه قال: صنفت ألف كتاب ما سمعت كلمة إلا أتيت بنظيرها إلا تسع كلمات لأمير المؤمنين صلوات الله عليه: ثلاث في المناجاة، وثلاث في الحكمة وثلاث في الأدب. أما التي في المناجاة: إلهي كفى لي فخرا أن تكون لي ربا، إلهي كفى لي عزا أن أكون لك عبدا، إلهي أنت كما أحب فاجعلني كما تحب.

وأما التي في الحكمة فقوله: استغن عمن شئت تكن نظيره، وارغب إلى من شئت تكن أسيره، وتفضل على من شئت تكن أميره.

وأما التي في الأدب فقوله: قيمة كل امرئ ما يحسنه، والمرء مخبوء تحت لسانه، وما هلك امرؤ عرف قدره.

ومن شعره عليه السلام قوله وقد توفيت فاطمة (ع):

نفسي على زفراتها محبوسة ... يا ليتها خرجت مع الزَّفرات

لا خير بعدَكِ في الحياة وإنما ... أبكي مخافة أن تطول حياتي

ثم أخذ في جهازها ودفنها وهو يقول:

وإنّ افتقادي فاطمًا بعد أحمد ... دليلٌ على أن لا يدوم خليل

لكل اجتماع من خليلين فرقةً ... وكل الذي دون الفراق قليل

ولما أقبل من قبرها زار قبر رسول الله عليه السلام، وقال: إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن المصيبة بك لجليل، وأما بعدك فجلل، ثم أنشأ يقول:

ما غاض دمعي عند نازلة ... إلا جعلتُك للبكا سببا

فإذا ذكرتُك سامَحَتْك به ... مني الجفونَ ففاض وانسكَبا

وروى سعيد بن المسيب قال: دخلنا مقابر المدينة مع جنازة، فمال علي عليه السلام إلى قبر فاطمة عليها السلام وانصرف الناس فبكى وأنشأ يقول:

لكل اجتماع من خليلين فُرقة ... وإن الذي دون الفراق قليلُ

أرى علل الدنيا علي كثيرةً ... وصاحبها حتى الممات عليلُ

إذا انقطعت يومًا من العيش مدتي ... فإن غناء الباكيات قليلُ

وإن افتقادي فاطمًا بعد أحمدٍ ... دليلٌ على أن لا يدوم خليلُ

وروي: وإنّ افتقادي واحدًا بعد واحدٍ.

ثم نادى: يا أهل القبور، تخبرونا أخباركم، أم تريدون أن نخبركم، أم عن الجواب مُنِعْتُم، يا معشر الإخوان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قال: فسمعنا صوتًا يقول: وعليك السلام ورحمة الله يا أمير المؤمنين، خبِّرنا بأخبارك، ما عندك؟ فقال عليه السلام: أما أزواجكم فقد زُوِّجوا، وأما أموالكم فقد اقتُسمت، وقد حشر في زمرة اليتامى أولادكم، والمنازل التي شيَّدتم وبنيتم قد سكنها أعداؤكم، فهذه أخباركم عندنا، فما أخبارنا عندكم؟ قال: فأجابه مجيبٌ وهو يقول: تخرَّقت الأكفان، وتناثرت الشعور، وتمغَّطت الجلود، وسالت الأحداق على الخدود، وسالت المناخر والأفواه بالقيح والصديد، وما قدَّمنا وجدناه، وما أبقينا خسرناه، ونحن مرتهنون بالأعمال.

وله عليه السلام يعظ ابنه محمدًا عليه السلام:

إنْ عضَّك الدَّهرُ فانتظر فرجًا ... فإنه ناظرٌ لمنتظره

أو مسَّكَ العُسرُ فابتُليتَ به ... فاصبر فإن الرخاء في أثَره

ربَّ معافىً شكا تقلُّبَه ... ومُشَتَكٍ ما ينام من سهَره

وآمِنٍ في عشاء ليلته ... دبَّ إليه البلاء في سَحَره

من صحبَ الدهر ذمَّ صحبَتَه ... ونال من صفوه ومن كدره

وله عليه السلام:

رضيت بما قسم الله لي ... وفوّضت أمري إلى خالقي

لقد أحسن الله فيما مضى ... كذلك يُحسن فيما بقي

وله عليه السلام:

انظر لنفسك هل ترى من ظالم ... إلاَّ وصافي عيشه متكدِّرُ

الله يمهل ثم يأخذ بغتةً ... وله جزاء عاجل ومؤخَّرُ

وله عليه السلام:

ما أحسن الدنيا وإقبالها ... إذا أطاع اللهَ من نالها

من لم يواس الناس من فضله ... عرَّض للإدبار إقبالها

وقال عليه السلام في رجل ضعيف يقال له: وَبرَةٌ، ذي مال:

سبحان ربِّ العباد يا وبرة ... ورازق المسلمين والفَجَرة

لو كان رزق العباد من جَلَدٍ ... ما نلت من رزق ربنا وَبَرة

وقال عليه السلام

لئن ساءني دهرٌ لقد سرَّني دهرُ ... وإن مسني عسرٌ لقد مسني يُسرُ

لكلٍّ من الأيام عندي عادةٌ ... فإن ساءني صبرٌ وإن سرني شكرُ

وله عليه السلام:

ما أكثرَ الناس لا بل ما أقلَّهُمُ ... اللهُ يعلم أني لم أقل فنَدا

إني لأطبق جَفني ثم أفتحُه ... أرى كثيرًا ولكن لا أرى أحدا

وله عليه السلام يخاطب جابرًا:

لا تخضعنَّ لمخلوقٍ على طمعٍ ... فإنَّ ذلك نقصٌ منك في الدين

واسترزق الله مما في خزائنه ... فإن ذلك بين الكاف والنون

روينا ما بعد وصية أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب السفينة إلى ها هنا.

وروينا من غيرها مما هو مسموعٌ لنا أيضا لأمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يقول:

إذا يقضي لك الرحمنُ رزقًا ... يُعِدُّ لرزقه المقضيِّ بابا

وإن يحرمك لا تَسطع بحولٍ ... ولا رأي الرجال له اكتسابا

فأقصر في خُطاك فلست تعدو ... بحيلتك القضاء ولا الكتابا

وله عليه السلام:

لا تعتبنَّ على العباد فإنما ... يأتيك رزقك حين يؤذن فيه

سبق القضاء بوقته فكأنما ... يأتيك حين الوقت أو تأتيه

وَثِقَنْ بمولاك اللطيف فإنه ... بالعبد أرأف من أب ببنيه

وأَشِعْ غناك وكن لفقرك صائنًا ... تُضني حشاك وأنت لا تبديه

فالحرُّ يكتم جاهدًا إعدامه ... فكأنما عن نفسه يُخفيه

وله عليه السلام:

لو كانت الأرزاق تجري على ... مقدار ما يستوجب العبدُ

لكان من يُخدَم مستخدمًا ... وغاب نِحسٌ وبدا سعدُ

واعتذر الدهرُ إلى أهله ... واتصل السؤدد والمجدُ

لكنها تجري على سمتها ... بما يريد الواحد الفردُ

ومن كلامه عليه السلام رواه مصنف نهج البلاغة: واعجبًا أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة!

وروي له عليه السلام في هذا المعنى:

لئن كنتَ بالشورى ملكتَ أمورهم ... فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ

وإن كنت بالقربى حججتَ خصيمهم ... فغيرُك أولى بالنبي وأقربُ

ومن دعائه عليه السلام رواه أيضًا:

اللهم اغفر لي ما أنت أعلم به مني، فإن عدتُ فعد لي بالمغفرة. اللهم اغفر لي ما رأيت من نفسي ولم تجد له وفاء عندي. اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك ثم خالفه قلبي. اللهم اغفر لي رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ وشهوات الجنان، وهفوات اللِّسان.

ومن كلام له عليه السلام رواه أيضًا: اللهم لك الحمد على ما تأخذ وتعطي، وعلى ما تعافي وتبتلي، حمدًا يكون أرضى الحمد لكَ، وأحبَّ الحمد إليك، وأفضلَ الحمد عندك، حمدًا يملأ ما خلقت، ويبلغ ما أردت، حمدًا لا يُحجبُ عنك، ولا يَقصُرُ دونك، حمدًا لا ينقطع عدده، ولا يفنى مَددُه، فلسنا نعلم كنه عظمتك، إلا أنا نعلم أنك حيٌّ قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، لم ينته إليك نظر، ولم يدركك بصر، أدركتَ الأبصار، وأحصيتَ الأعمار، وأخذتَ بالنواصي والأقدام، وما الذي نرى من خلقك ونعجب له من قدرتك، ونَصِفُه من عظيم سُلطانك، وما تغَيّبَ عنَّا منه، وقصرت أبصارنا عنه، وانتهت عقولنا دونه، وحالت سواتر الغيوب بيننا وبينه أعظم، فمن فرَّغ قلبه، وأعمل فكْرَه؛ ليعلم كيف أقمت عرشك، وكيف ذرأت خلقك، وكيف عُلّقت في الهواء سماواتك، وكيف مددت على مَورِ الماء أرضك رجع طرفُه حسيرًا، وعقله مبهورًا، وسمعه وَالِهًا، وفكره حائرًا.

ومن كلامه عليه السلام: اللهمَّ أنت أهل الوصف الجميل، والتعداد الكثير، إن تؤمَّلْ فخيرُ مأمول، وإن تُرْجَ فخيرُ مرجوٍّ، اللهم وقد بسطت لي فيما لا أمدح به غيرك، ولا أثني به على أحد سواك، ولا أوجِّهه إلى معادن الخيبة، ومواضع الريبة، وعدلت بلساني عن مدائح الآدميين، والثناء على المربوبين المخلوقين.

اللهمّ ولكل مُثنٍ على من أثنى عليه مثوبةٌ من جزاء، أو عارفة من عطاء، وقد رجوتك دليلاً على ذخائر الرحمة، وكنوز المغفرة. اللهمَّ وهذا مقام من أفردك بالتوحيد الذي هُوَ لك، ولم يَرَ مستحِقًّا لهذه المحامد والممادح غيرَك، وبي فاقة إليك لا يَجْبرُ مسكنتها إلا فضلك، ولا يُنعِشُ منْ خَلَقِهَا إلا مَنُّك وجودُك؛ فهب لنا في هذا المقام رضاك، وأغننا عن مدِّ الأيدي إلى سواك، إنك على كل شيء قدير.

وبالإسناد الموثوق به من كتاب آخر أنه قال في مناجاته عليه السلام: إلهي ارحمنا إذا تضمنتنا بطونُ لحودنا، وأغميتْ بِالَّلبِنِ سقوفُ بيوتنا، واضطجعنا مساكين على الأيمان في قبورنا، وخُلِّفنا فرادى في أضيق المضاجع، وصرعتنا المنايا في أعجب المصارع، وصرنا في دار قوم كانت مأهولة وهي منهم بلاقع. إلهي لقد رجوتُ ممن ألبسني من بين الأحياء ثوب عافيته ألا يعريني منه من بين الأموات بجود رأفته.

ومن كلام له عليه السلام في صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم بالطويل الْمُمَّغِط، ولا بالقصير المتردِّد. كان رَبْعة من القوم، ولم يكن بالْجَعْدِ القَطَط ولا السَّبْط، كان جَعْدًا رجْلاً، لم يكن بالمطهّم ولا الْمُكَلْثم، وكان أبيضَ مُشربًا بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، دقيق المسربة، أجرد، شثن الكفَّين والقدمين، إذا مشى تقلَّع كأنه يمشي في صَبَب، وإذا التفت التفت معًا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين، أجود الناس كفًّا، وأجرأ الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبَّه. يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وآله وسلم. رويناه من سيرة ابن هشام.

ومن كلامه عليه السلام في تعليم الناس الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم داحي المدحوَّات، وداعم المسموكات، وجابلَ القلوب على فطرتها، شَقِيِّها وسعيدها: اجعل شرآئف صلواتِك، ونوامي بركاتك على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتِح لما انغلق، والمعلن الحقِّ بالحقِّ، والدَّافع جيشات الأباطيل، والدامغ صولات الأضاليل، كما حُمِّل فاضطلع قائمًا بأمرك، مُستوفزًا في مرضاتك، غير ناكلٍ عن قُدُمٍ، ولا واه في عزم، واعيًا لوحيك، حافظًا لوعدك، ماضيًا على نفاذ أمرك، حتى أورى قبس القابس، وأضاء الطريق للخابط، وهدنت به القلوب بعد خوضات الفتن، وأقام مُوضِحات الأعلام، ونيِّرات الأحكام، فهو أمينُك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك بالحق، ورسولك إلى الخلق.

اللهم افسح له مفسحًا في ظلِّك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك.

اللهمَّ أعل على بنآء البانين بنآءه، وأكرم لديك منزلته، وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثكَ له مقبولَ الشهادة، ومرضيَّ المقالة، ذا منطق عدل، وخطةٍ فصل.

اللهمَّ اجمع بيننا وبينه في برد العيش، وقرار النعمة، ومُنَى الشهوات، وأهواء اللذات، ورخاء الدعة، ومنتهى الطمأنينة، وتحف الكرامة.

رواه في نهج البلاغة، ولنقتصر على حكاية هذا القدر، وإن كان قليلاً من كثير من كلامه عليه السلام، وهو كلُّه في الرفيع من منازل الفصاحة، والعالي من درجات البلاغة رضي الله عنه وأرضاه.

قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة

أمَّا نسبه: فهو علي بن أبي طالب، واسمه عبد مناف بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وهو زيد بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن مُدركة بن الياس بن مضر ابن نزار بن مَعدَّ بن عدنان. شعر:

نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى … رأدًا ومن فلق الصباح برودا

وأمُّه عليه السلام: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وهي أول هاشمية وَلَدت لهاشمي، فهو شريك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نسبه الشريف، وقسيمه في جوهره العالي المنيف، كما قال الشاعر:

إنَّ علي بن أبي طالب … جدَّا رسول الله جدَّاهُ

أبو علي وأبو المصطفى … من طينةٍ طهَّرها اللهُ

ولدته أمه عليه السلام في الكعبة، وذلك أنها لما اشتكت المخاض التجأت إلى الكعبة تبركا بها، فطلقت طلقة فولدته عليه السلام، فحصل له هذا الشرف العظيم بولادته في أشرف بقعة في الأرض، ثم حمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى منزلها، وكان قد سار مع عمه أبي طالب حين دخل الكعبة، وأجلس أبو طالب فاطمة بنت أسد رحمها الله في الكعبة، وهي أوَّلُ امرأة بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت من المهاجرات ودفنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالروحا مقابل حمام أبي قطيفة، ولما ماتت رحمها الله دفنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكفنها في قميصه ونزل في قبرها، وفي بعض الأخبار وتمرغ في لحدها فقيل له في ذلك؟ فقال: إن أبي هلك وأنا صغير، فأخذتني هي وزوجها فكانا يوسعان عليِّ، ويؤثراني على أولادهما، فأحببت أن يوسع الله في قبرها. وفي بعض الأخبار: أما قميصي فأمان لها يوم القيامة، وأما اضطجاعي في قبرها فليوسِّع الله عليها.

وهو أصغر أولادها، وولدت أربعة ذكور بين كل ذكرين عشر سنين: طالب وعقيل وجعفر وعلي.

كنيته عليه السلام: كان عليه السلام يكنى بأبي الحسن ويكنى بأبي تراب كنَّاه بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك فيما رويناه بالإسناد الصحيح إلى عمار بن ياسر (رضي الله عنه) قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب عليه السلام رفيقين في غزوة العُشيرة، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقامَ بها، وإذ هناك ناس من بني مُدْلِج يعملون في عين لهم في نخل، فقال علي عليه السلام: يا أبا اليقظان هل لك في أن نأتي إلى هؤلاء فننظر كيف يعملون؟ قال: قلت إن شئت، قال: فجئناهم ثم نظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعليٌّ عليه السلام حتى اضطجعنا في صَوْرٍ من النخل ودقعائها فوالله ما أهبَّنا إلا رسول الله عليه السلام يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: ((مالك يا أبا تراب!؟ لما يرى عليه من التراب، ثم قال: ((ألا أحدثكم بأشقى الناس؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: أُحَيمِرُ ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا عليُّ على هذه – ووضع يده على قرنه حتى تُبل منها هذه وأخذ بلحيته. هذه طريق في تكنيته بأبي تراب.

وفي راوية أخرى بالإسناد الموثوق به أنه وقع بينه وبين فاطمة عليها السلامُ كلامٌ فخرج، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإنسان: ابغِ عليًّا، قال: هو ذاك في المسجد، قال: فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والريح تسفي عليه التراب، فقال: ((قم يا أبا تراب))، قال سهل بن سعد: وهو الذي انتهت إليه الروايةُ – فوالله إن كانت لأحب الأسماء إلى علي عليه السلام وفي طريق أخرى فقال سهل: فكنا نمدحه بهذا فإذا ناسٌ يعيبونه، قال الشاعر وهو السوسي:

أنا وجميعُ مَنْ فوقَ الترابِ … فداءُ ترابِ نَعْلِ أبي ترابِ

وأقام مدة مع أبويه حتى وقعت أزمة شديدة، فضمَّه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه تخفيفًا عن أبي طالب، فتأدب بآدابه الكريمة، وتخلق بأخلاقه الشريفة حتى ظهرت فيه آثاره المطهرة.

صفته (ع)

صفته وحليته عليه السلام:

ذكر السيد أبو طالب عليه السلام في كتاب الإفادة وقد أخبرنا الفقيه الأجل تاج الدين أحمد بن أحمد بن الحسن البيهقيُّ بحُوثٍ، قدمها سنة عشر وستمائة عن عالم الزيدية وزاهدهم في وقته شعيب بن دابسون الجيلي رحمه الله بإسناده إلى السيد الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني عليه السلام قال: قال أبو إسحاق السبيعي فيما روينا عنه -: أدخلني أبي المسجد يوم جمعة فرفعني حتى رأيت عليا عليه السلام شيخًا أصْلَعَ، ناتىء الجبهة، عريضَ ما بين المنكبين، له لحية قد ملأت صدره، وفي عينيه اطرغشاش، قال داوود بن عبد الجبار راوي الخبر عن أبي إسحاق يعني لينا في العين، فقلت لأبي: مَنْ هذا يا أبه؟ فقال: علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخَتْنُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين.

وروينا بالإسناد الموثوق به إلى السيد الإمام الموفق بالله أبي عبدالله الحسين ابن إسماعيل الحسني الجُرجَانِي عليه السلام يرفعه إلى زياد المخارقي قال: سألت محمد ابن الحنفية فقلت: صف لي عليا عليه السلام؟ فقال: كان ضخم الهامة، عريض المنكبين، عظيم المشاش، ضخم البدن، حمش الساقين، كأنما كُسِّرَتْ عظامه ثم جُبِّرَتْ، والله لو أخذ الأسد لافترسه.

صفة إسلامه عليه السلام وزواجه بفاطمة عليها السلام:

لما أن بعث الله نبيه عليه السلام يوم الاثنين أسلم علي عليه السلام يوم الثلاثاء، فهو أول ذكر أسلم على الصحيح من النقل وفيه إجماع العترة عليهم السلام. واختلف في سنِّه يوم أسلم، فقيل: إنه أسلم وله اثنتا عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة.

وفي سبقه إلى الإسلام آثار كثيرة فمنها:

ما رويناه بالإسناد إلى أبي ذر رحمة الله عليه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: عليٌّ أوَّلُ من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصديق الأكبر، والفاروق يفرق بين الحق والباطل.

وعن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أول الناس ورودًا عليَّ الحوض أولهم إسلامًا علي بن أبي طالب)).

وروينا عن ابن عباس (رضي الله عنه) أنه قال: أوَّل من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الرجال عليٌّ، ومن النساء خديجة رضي الله عنهما.

وعن سلمان رحمة الله عليه: أن أول هذه الأمة ورودًا على نبيها صلى الله عليه وآله وسلم أولهم إيمانا علي بن أبي طالب عليه السلام.

وروينا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال على المنبر: أنا عبدالله وأخو رسول الله لا يقولها بعدي إلا مفتر كذاب)، فقالها رجل فأصابته جنة، وكان يضرب برأسه الجدران حتى هلك، وقد ذكر عليه السلام سبقه إلى الإسلام في يوم الشورى بحضرة من المهاجرين والأنصار فقال:

محمدٌ النبيُّ أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي

وجعفرٌ الذي يُمسي ويُضحي ... يطير مع الملآئكة ابنُ أمي

وبنت محمد سكني وعرسي ... مشوط لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ولداي منها ... فأيكم له سهم كسهمي

سبقتكمُ إلى الإسلام طُرًا ... غلامًا ما بلغت أوان حُلْمِي

وأوجب بالولاية لي عليكم ... رسول الله يوم غدير خُمِّ

فويل ثم ويل ثم ويل ... لمن يلقى الإله غدًا بظلمي

وزوَّجه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمةَ عليها السلام في صفر سنة اثنتين من الهجرة عَقْدًا من غير دخول بها - بعد أن طلبها أبو بكر فامتنع وطلبها عُمر فامتنع في أسانيد كثيرة يطول ذكرها: منها ما رويناه بالإسناد الموثوق به من كتاب المناقب لابن المغازلي الشافعي بإسناده إلى أنس بن مالك أنَّ أبا بكرٍ خطب فاطمة عليها السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يَرُدَّ إليه جوابًا، ثم خطبها عُمر فلم يَرُدَّ إليه جوابًا، ثم جمعهم فزوجها علي بن أبي طالب عليه السلام، وقيل: أقبل على أبي بكر وعمرَ فقال: إن الله عز وجل أمرني أن أزوجها من علي، ولم يأذن لي في إفشائه إلا هذا الوقت، ولم أكن لأفشي ما أمر الله عز وجل به. وابتنى علي عليه السلام بفاطمة عليها السلام في سنة ثلاث من الهجرة في شهر صفر.

وروينا بالإسناد الموثوق به إلى أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كنت ذات يوم في المسجد أصلي إذ هبط علي ملك له عشرون رأسا فوثبت لأقبل رأسه فقال: مه! يا محمد أنت أكرم على الله من أهل السموات وأهل الأرض أجمعين، وقبل رأسي ويدي فقلت: حبيبي جبريل ما هذه الصورة التي لم تهبط علي بمثلها قط؟ قال: ما أنا بجبريل ولكن أنا ملك يقال لي: محمود، بين كتفي مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، بعثني الله أزوج النور بالنور. قلت: من النور؟ قال: فاطمة من علي، وهذا جبريل وإسرافيل وإسماعيل صاحب السماء الدنيا وسبعون ألف ملك من الملآئكة قد حضروا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي قد زوجتك على ما زوجك الله من فوق سبع سمواته)).

ثم التفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى محمود فقال: منذ كم كتب هذا بين كتفيك؟ فقال: من قبل أن يخلق الله آدم بألفي عام، وناوله جبريل قدحا فيه خلوق من الجنة، وقال: حبيبي مر فاطمة تلطخ رأسها وبدنها من هذا الخلوق، فكانت فاطمة عليها السلام إذا حكت رأسها شم أهل المدينة رائحة الخلوق. وروينا بالإسناد الموثوق به إلى جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: دخلت أم أيمن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي تبكي فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما يبكيك؟ لا أبكى الله لك عينا، قالت: بكيت يا رسول الله؛ لأني دخلت منزل رجل من الأنصار، وقد زوج ابنته رجلا من الأنصار فنثر على رؤوسهم لوزا وسكرا فذكرت تزويجك لفاطمة من علي عليهما السلام، ولم تنثر عليهما شيئًا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تبكي يا أم أيمن، فوالذي بعثني بالكرامة، واستخصني بالرسالة ما أنا زوجته، ولكن الله تبارك وتعالى زوجه من فوق عرشه، وما رضيت فاطمة حتى رضي الله رب العالمين، يا أم أيمن لما زوج الله تبارك وتعالى فاطمة من علي؛ أمر الملآئكة المقربين أن يحدقوا بالعرش، وفيهم جبريل وميكائيل وإسرافيل فأحدقوا بالعرش، وأمر الحور العين أن تتزين، وأمر الجنان أن تزخرف؛ فكان الخاطب الله تبارك وتعالى، والشهود الملآئكة، ثم أمر الله شجرة طوبى أن تنثر عليهم فنثرت اللؤلؤ الرطب مع الدر الأخضر مع الياقوت الأحمر مع الدر الأبيض، فتبادرت الحور العين يلتقطن من الحلي والحلل ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت محمد عليهما السلام.

وروينا بالإسناد الموثوق به إلى جابر بن عبدالله (رضي الله عنه) قال: لما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة من علي عليهما السلام، أتاه ناس من قريش فقالوا: إنك زوجت عليا بمهر خسيس! فقال: ما أنا زوجت عليا ولكن الله زوجه ليلة أسري بي عند سدرة المنتهى، أوحى الله عز وجل إلى سدرة المنتهى أن انثري ما عليك، فنثرت الدر والجوهر والمرجان، فابتدرت الحور العين فالتقطنه فهن يتهادينه ويتفاخرن، ويقلن: هذا نثار فاطمة بنت محمد عليهما السلام. فلما كانت ليلة الزفاف أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببغلته الشهباء، وثنى عليها قطيفة، وقال لفاطمة: اركبي وأمر سلمان أن يقودها والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يسوقها، فبينا هو في بعض الطريق إذ سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجبة فإذا هو بجبريل صلى الله عليه في سبعين ألفا وميكائيل عليه السلام في سبعين ألفا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما أهبطكم إلى الأرض؟ قالوا: جئنا نزف فاطمة إلى زوجها علي بن أبي طالب، فكبر جبريل، وكبر ميكائيل، وكبرت الملآئكة، وكبر محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوقع التكبير على العرائس من تلك الليلة.

ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)

اعلم أن التشاغل بمناقبه يخرجنا عن الغرض المقصود، ومناقبُه عليه السلام أشهر من النهار لذوي الأبصار، وإنما نذكر اليسير على وجه الرعاية لحقه عليه السلام إذ كنا قد روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ذكر علي عبادة)).

وقالت عائشة: ((زينوا مجالسكم بذكر علي عليه السلام)). فمن ذلك ما روينا بالإسناد الموثوق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما قدم علي بن أبي طالب عليه السلام بعد فتح خيبر قال: ((يا علي لولا أن تقول طائفة من أمتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالا لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت رجليك، وفضل طهورك يستشفون بهما، ولكن حسبك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأنت تبرئ ذمتي، وتستر عورتي، وتقاتل على سنتي، وأنت غدا في الآخرة أقرب الخلق مني، وأنت على الحوض خليفتي، وإن شيعتك على منابر من نور، مُبْيضَةٌ وجوههم حولي أشفع لهم، ويكونون في الجنة جيراني؛ لأن حربك حربي، وسلمك سلمي، وسريرتك سريرتي، وإن ولدك ولدي، وأنت تقضي ديني، وأنت تنجز وعدي، وإن الحق على لسانك وفي قلبك ومعك وبين يديك ونصب عينيك، الإيمان مخا لط لِلحمِكَ ودمك كما خالط لحمي ودمي، لا يَرِدُ عليَّ الحوض مبغضٌ لك، ولا يغيب عنه محبٌ لك، فخرَّ عليٌّ عليه السلام ساجدًا وقال: الحمد لله الذي منَّ عليَّ بالإسلام، وعلمني القرآن، وحببني إلى خير البرية، وأعزّ الخليقة، وأكرمِ أهل السموات والأرض على ربه، خاتِم النبيين وسيد المرسلين، وصفوة الله في جميع العالمين، إحسانًا من الله إليَّ، وَتَفَضُّلاً منه عليَّ. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لولا أنت يا علي ما عرف المؤمنون بعدي، لقد جعل الله عز وجل نسل كل نبي من صلبه، وجعل نسلي من صلبك يا علي؛ فأنت أعز الخلق وأكرمهم علي وأعزهم عندي، وَمُحِبُّكَ أكرم من يرد علي من أمتي)).

وروينا عن عبدالله قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرضةً، فغدا إليه علي ابن أبي طالب عليه السلام في الغلس، وكان لا يحب أن يسبقه أحد، فإذا هو بصحن الدار، ورأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي، فقال: السلام عليك. قال: وعليك السلام ورحمة الله، أما أني أُحِبُّكَ ولك عندي مديحة أزفها إليك قال: قل. قال: أنت أمير المؤمنين، وأنت قائد الغر المحجلين، وأنت سيد ولد آدم يوم القيامة ما خلا النبيين والمرسلين، لواء الحمد بيدك، تزف أنت وشيعتك إلى الجنان زفًا زفًا، أفلح من تولاك وخاب وخسر من تخلاك، بِحُبِّ محمد أحبُّوك، وببغضك لم تنلهم شفاعة محمد، ادن إلى صفوة الله أخيك وابن عمك فأنت أحق الناس به قال: فدنا علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ برأس رسول الله أخذا رفيقًا وصيَّره في حجره فانتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا علي ما هذه الهمهمة؟ فأخبره علي عليه السلام الحديث، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم يكن ذلك دحية بن خليفة، كان ذلك جبريل عليه السلام سمَّاك بأسماء سمَّاك الله بها، وهو الذي ألقى محبتك في صدور المؤمنين، وهيبتك في صدور الكافرين، ولك يا علي عند الله أضعاف كثيرة)).

وروينا عن أنس بن مالك قال: أُهديَ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طائر فوضعه بين يديه، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، قال: فجاء علي بن أبي طالب فدق الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا علي، فقلت: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حاجة، فعل ذلك ثلاثا، فجاء الرابعة فضرب الباب برجله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما حَبسَكَ؟ فقال: قد جئت ثلاث مرات [يردني أنس]، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما حملك على ذلك؟ قال: كنت أحب أن يكون رجلا من قومي.

وروينا عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بالكعبة إذ بدت رمانة من الكعبة، فاخضرَّ المسجدُ لحسن خضرتها، فمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده إليها فتناولها ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طوافه، فلما انقضى طوافه صلى بالمقام ركعتين، ثم فلق الرمانة نصفين كأنها قدت، فأكل النصف وأطعم عليا عليه السلام النصف فرنخت [أي استرخت] أشداقهما لعذوبتها، ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه فقال: ((إن هذه قطف من قطوف الجنة لا يأكله إلا نبي أو وصي نبي ولولا ذلك لأطعمناكم)).

وروينا عن زيد الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين المسلمين وقال: يا علي أنت أخي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، أما علمت يا علي أن أول من يُدعى به يوم القيامة يُدعى بي، فأقوم عن يمين العرش في ظله فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على بعض فيكونون سِمَاطَينِ عن يمين العرش، ثم يكسون حللاً خضرًا من حلل الجنة، وإني أخبرك يا علي أن أمتي أول الأمم يحاسبون، ثم إنه أول من يدعى بك لقرابتك مني ومنزلتك عندي، ويدفع إليك لوآئي وهو لواء الحمد، وتسير به بين السماطين، آدم عليه السلام وجميع خلق الله يستظلون بظل لوائي يوم القيامة طوله مسيرة ألف سنة، سنانه ياقوتة حمراء، قصبته من فضة بيضاء، زُجُّه درة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور: ذؤابة في المشرق، وذؤابة في المغرب، والثالثة وسط الدنيا، مكتوب عليه ثلاثة أسطر: الأول بسم الله الرحمن الرحيم، والثاني الحمد لله رب العالمين، والثالث لا إله إلا الله محمد رسول الله، طول كل سطر مسيرة ألف سنة، وعرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء والحسن عن يمينك والحسين عن يسارك حتى تقف بين يدي إبراهيم عليه السلام في ظل العرش، ثم تكسى حلة خضراء، ثم ينادي مناد من تحت العرش نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي، أبشر يا علي إنك تكسى إذا كُسيتُ، وتُدعى إذا دُعيتُ، وتحبى إذا حُبيتُ.

وروينا بالإسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي أنت فارس العرب، وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، وأنت رفيقي في الجنة، وأنت أخي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وأنت سيف الله الذي لا يخطئ)).

وروينا بالإسناد عن عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى إذ دخل علي عليه السلام وأهل الشورى وحضرهم عبدالله بن عمر فسمعت عليّا عليه السلام يقول: بايع الناس أبا بكر، فسمعت وأطعت، ثم بايعوا عمر فسمعت وأطعت، ثم يريدون أن يبايعوا عثمان إذا أسمع وأطيع، ولكني محتج عليكم: أنشدكم الله هل تعلمون فيكم أحدا أحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني؟ قالوا: اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم من أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وعم رسوله وسيد الشهداء؟ قالوا: اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم من أحد له أخ كأخي جعفر له جناحان أخضران يطير بهما مع الملآئكة؟ قالوا: اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم من أحد له زوجة مثل زوجي فاطمة سيدة نساء الجنة؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم هل فيكم من أحد له سبطان مثل سبطيَّ الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم هل فيكم من أحد وحَّد الله قبلي؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم أيها النفر جميعا هل فيكم من أحد صلى القبلتين غيري؟ قالوا: اللهم لا نعمله. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد نصر أبوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مشرك غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرًا غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد أقتل لمشركي قريش في حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإخراجه ناجزا عنه عند كل شديدة تنزل مني؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.

قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من أحد مسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عينيه وأعطاه الراية يوم خيبر وقال: ((لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله عل يده، ليس برعديد ولا جبان)) غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس ولكم يوم غدير خم، فقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)) غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من أحد واخاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم آخى بين المسلمين وقال له: أنت أخي وأنا أخوك ترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد بارز عمرا بن عبد ود .. يوم الخندق وقتله غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل فيكم من أحد وقف مع الملآئكة يوم حنين غيري - حين ذهب الناس -؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد اشتاقت الجنة إلى رؤيته بقول نبيكم غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد هو وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أهله غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من أحد له سبق مثل سبقي في الإسلام؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد ورث سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودوابه عند موته غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد له شقيق مثل شقيقي، ووزير مثل وزيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.

قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد هو أغنى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني حين اضطجع في مضجعي، وأضجعني في مضجعه، وبذلت له مهجة دمي وأقيه بنفسي؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم هل فيكم من أحد له سهمان كسهمي سهم في الخاصة، وسهم في العامة؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم هل فيكم من أحد هو أحدث عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم، هل فيكم من أحد ولي غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالروح والريحان مع الملآئكة المقربين غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم، هل فيكم من أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اغسلني فإنه لا يرى أحد شيئا من عورتي إلا عمي غيرك يا علي))؟، قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حفرته ولف عليه أكفانه غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم، هل من أحد أمر الله بمودته من السماء حيث يقول: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23] غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد جار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده، يحل له فيه ما يحل لرسول الله، ويحرم عليه ما يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر الله نبيه بسد أبواب المهاجرين، وأخرجهم غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.

قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال له ذووا قرابته: سددت أبوابنا وأخرجتنا من مسجدك، وتركت عليا صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنا أخرجتكم، ولا سددت أبوابكم ولا تركت عليا، لكن الله أمرني بإخراجكم، وترك عليا ولم يخرجه؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.

قال علي عليه السلام: اللهم اشهد، وكفى به شهيدا بيني وبينكم، أسمع وأطيع وأتبع وأصبر حتى يأتي الله بالفتح من عنده، شأنكم فاصنعوا ما بدا لكم، ثم قال هذه الأبيات:

محمدٌ النبيُّ أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي

وجعفرٌ الذي يُضحي ويُمسي ... يطير مع الملآئكة ابنُ أمي

وبنت محمد سكني وعرسي ... مشوط لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ولداي منها ... فأيكم له سهم كسهمي

سبقتكمُ إلى الإسلام طُرًّا ... غلامًا ما بلغت أوان حُلْمِي

وأوجب بالولاية لي عليكم ... رسول الله يوم غدير خُمِّ

وروينا بالإسناد عن أبي الفرج عبد الواحد بن محمد المخزومي الشاعر المعروف بالببغاء، قال: كنت بصور في سنيِّ نيف وخمسين وثلاثمائة عند أبي علي محمد بن علي المستأمن، وإنما لقب بذلك لأنه استأمن من عسكر القرامطة إلى أصحاب السلطان بالشام وهو على حماية البلد، فجاءه قاضيها أبو القاسم بن إبان وكان شابا أديبا فاضلاً جليلاً واسع المال عظيم الثروة ليلاً فاستأذن عليه فأذن له، فلما دخل عليه، قال: أيها الأمير قد حدث الليلة أمر ما لنا بمثله عهد، وهو أن في هذه البلد رجلاً ضريرًا، يقوم كل ليلة في الثلث الأخير فيطوف في البلد ويقول بأعلى صوته: يا غافلين اذكروا الله، يا مذنبين استغفروا الله، يا مبغض معاوية عليك لعنة الله، وأن رابَّتي التي ربتني كانت لها عادة في أن تنتبه على صياحه، فجاءتني الليلة وأيقظتني قالت: كنت نائمة فرأيت في منامي كأن الناس يهرعون إلى المسجد الجامع فسألت عن السبب، فقالوا: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هناك؛ فتوجهت إلى المسجد فدخلته ورأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر وبين يديه رجل واقف، وعن يمنيه ويساره غلامان واقفان، والناس يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويردُّ عليهم السلام، حتى رأيت ذلك الضرير الذي يطوف في البلد ويذكر، ويقول: كذا وكذا وأعادت ما يقوله في كل ليلة - قد دخل فسلَّم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعرض عنه، وعاوده فأعرض عنه، فقال الرجل الواقف: يا رسول الله رجل من أمتك ضرير يحفظ القرآن يسلَّم عليك فلِمَ حرمته الرد عليه؟ فقال له: يا أبا الحسن هذا يلعنك ويلعن ولدك منذ ثلاثين سنة، فالتفت الرجل الواقف فقال: يا قنبر، فإذا أنا برجل قد برز، فقال: اصفعه فصفعه صفعة فخر على وجهه، ثم انتبهت فلم أسمع له صوتا! وهذا هو الوقت الذي جرت عادته بالصياح والطواف والتذكير.

قال أبو الفرج: فقلت أيها الأمير تنفذ من يعرف خبره، فأنفذنا في الحال رسولاً قاصدًا ليخبر أمره، فجاءنا يُعرِّفنا أن امرأته ذكرت أنه عرض له في هذه الليلة حكاك شديد في قفاه فمنعه من التطواف والتذكير، فقلت لأبي علي المستأمن: أيها الأمير هذه آية ونحب أن نشاهدها، فركبنا وقد بقيت من الليل بقية يسيرة، وجئنا إلى دار الضرير فوجدناه نآئما على وجهه يخور، فسألنا زوجته عن حاله، فقالت: انتبه وحك هذا الموضع، وأشارت إلى قفاه، وكان قد ظهر فيه مثل العدسة، وقد اتسعت الآن وانتفخت وتشققت، وهو الآن على ما تشاهدون يخور ولا يعقل، فانصرفنا وتركناه، فلما أصبح توفي فأكب أهل صور على تشييع جنازته وتعظيمه. قال أبو الفرج: واتفق أني لما وردت إلى باب عضد الدولة بالموصل في سنة ثمان وستين وثلاثمائة لزمت دار خازنه أبي نصر خرشيذ يزديار بن مافنة، وكان يجتمع فيها كل يوم خلق كثير من طبقات الناس، فحدثت بهذه الحكاية جماعة في دار أبي نصر: منهم القاضي أبو علي التنوخي رحمه الله، وأبو القاسم الحسين بن محمد الجنَّابيّ، وأبا إسحاق النصيبي، وابن طرخان وغيرهم، فكلهم ردَّ عليَّ واستبعد ما حكيته على أشنع وجه غير القاضي أبي علي رحمه الله فإنه جوَّز أن تكون هذه الحكاية صحيحة وشيدها وحكى في مقابلتها ما يقاربها، ثم مضت على هذه مُديدة يسيرة، فحضرت دار أبي نصر على العادة واتفق حضور أكثر الجماعة، فلما استقر بي المجلس سلم عليَّ فتىً شاب لم أعرفه فاستثبته. فقال: أنا ابن أبي القاسم بن أبان قاضي صور، فبدأت فأقسمت عليه بالله يمينًا مكررة مؤكدة وبأيمان كثيرة مغلظة محرجة إلا صدق فيما أسأله عنه، فقال: نعم عندي أنك تريد أن تسألني عن المنام والضرير المذكِّرْ وميتته الطريفة، فقلت: نعم هو ذاك فبدأهم وحدثهم بمثل ما حدثتهم به، فعجبوا من ذلك واستطرفوه وأنشد الساري قال أنشدنا والدي لنفسه:

لن يبلغوا مدح النبي وآله ... قوم إذا ما بالمدائح فاهوا

رجل يقول إذا تحدث قال لي ... جبريل أرسلني إليك الله

وهو عليه السلام في الجهاد السابقُ في الميدان، المبيدُ للأقران، المقطِّر للشجعان. روينا عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال لي معاوية: أتحب عليا؟ قلت: وكيف لا أحبه وقد سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، ولقد رأيته بارز يوم بدر وهو يحمحم كما يحمحم الفرس، ويقول:

ما تنقم الحرب العَوانُ مني ... بازل عامين حديثٌ سِّني

سنحنح الليل كأني جني

ثم قال: لمثل هذا ولدتني أمي

فما رجع حتى خضَّبَ سيفه دمًا. وروينا عن عبدالله قال: دخل علي بن أبي طالب عليه السلام يوم قتل عمرو بن عبد ودٍّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيفه يقطر دما فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أتحف عليا بتحفة لم تتحف بها أحدا قبله، ولا تتحف بها أحدا بعده، قال: فهبط جبريل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأترجة، فإذا فيها سطران مكتوبان: هدية من الطالب الغالب إلى علي بن أبي طالب، وأنشد عليه السلام في قتل عمرو بن عبد ودّ:

أعليَّ تقتحم الفوارس هكذا ... عني وعنهم أخبروا أصحابي

اليوم يمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمِّمٌ في الهام ليس بناب

آلى ابن عبد حين شدَّ أليَّةً ... وحلفت فاستمعوا مِنَ الكذاب

أن لا يصد ولا يهلل فالتقى ... رجلان يضطربان أي ضراب

فصددت حين رأيته متقطرًا ... كالجذع بين دكادكٍ وروابي

وعففت عن أثوابه ولو انني ... كنتُ المقطَّرَ بزَّني أثوابي

وروينا عن سعيد بن المسيب قال: لقد أصابت عليا عليه السلام يوم أحد ست عشرة ضربة، كل ضربة تلزمه الأرض، فما كان يرفعه إلا جبريل عليه السلام.

وروينا عن المنتجع بن قارض النهدي أن أباه حدثه، وكان جاهليا قال: شهدت هوازن يوم هوازن، وكنت امرأ ندبا يسودني قومي، ولقينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرأيت في عسكره رجلا لا يلقاه قرن إلا دهدهه، ولا يبرز إليه شجاع إلا أرداه، فصمد له وبرز إليه الجلموز بن قريع، وكان والله ما علمته حوشي القلب، شديد الضرب، فأهوى له الرجل بسيفه، فاختلى قحف رأسه على أم دماغه، فحدت عنه وجعلت أرمقه وهو لا يقصد ركاكة، ولا يؤم إلا صناديد الرجال، لا يدنو من رجل إلا قتله، وكانت الدائرة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم علينا، فأسلمت بعد ذلك، فتعرفت الرجل، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام، وتالله لقد رأيت زنده فخلته أربع أصابع، وإن أول خنصره كأخر مفصل من مرفقه. وروينا عن عبدالله ابن الحسن عليه السلام قال: بارز علي بن أبي طالب عليه السلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنين وسبعين مبرزا.

وروينا في خبر أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما قفل من غزوة تبوك، وقسم للناس الغنائم، دفع إلى علي عليه السلام سهمين، فأنكر ذلك قوم! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيها الناس هل أحد أصدق مني؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: أيها الناس أما رأيتم صاحب الفرس الأبلق أمام عسكرنا في الميمنة مرة، وفي الميسرة؟ قالوا: رأيناه يا رسول الله. فماذا؟ قال: ذلك جبريل عليه السلام قال لي يا محمد: إن لي سهما مما فتح الله عليك، وقد جعلته لابن عمك علي بن أبي طالب فسلمه إليه، قال أنس: فكنت فيمن بشر عليا عليه السلام بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وكان عليه السلام في العلم البحر الذي لا ينتهى إلى قراره، والغمام الذي لا يقلع ديمة مدرارة.

وقد روينا بالإسناد الموثوق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، فمن أراد الحكمة، فليأت الباب)).

وعن عمر أنه قال: لا أبقاني الله لمعضلة لا أرى فيها ابن أبي طالب، وعنه: لولا علي لهلك عمر. وعن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: وجدنا العلم على ستة أسداس: لعلي منها خمسة أسداس خاصة، ولسائر الناس سدس واحد، ويشاركهم فيه. وعنه رحمه الله تعالى قال: لعلي عليه السلام خصال قواطع: بسطة في العشيرة، وصهر بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعلم بالتنزيل، وفقه بالتأويل، وصبر إذا دعيت نزال.

وعنه في صفة أمير المؤمنين عليه السلام: كان والله يشبه القمر الباهر، والحسام الباتر، والربيع الباكر، والفرات الزاخر، والليث الخادر، فأشبه من القمر ضوءه وبهاءه، ومن الحسام حده وجلاءه، ومن الربيع خصبه وحياءه، ومن الفرات جوده وسخاءه، ومن الليث شجاعته ومضاءه.

 

وروينا عن سعيد بن كلثوم قال: كنت عند جعفر بن محمد، فذكر علي بن أبي طالب عليه السلام فأطراه، ثم قال: والله ما أكل عليٌّ من الدنيا حراما قط حتى مضى لسبيله، وما عرض له أمران قط هما لله برضى إلا أخذ بأشدهما عليه في دينه، وما نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نازلة إلا دعاه فقدمه أمامه ثقة به، وما أطاق عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة غيره، وإن كان ليعمل عمل رجل كأن وجهه بين الجنة والنار، يرجو ثواب هذه، ويخاف عقاب هذه، ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله، والنجاة من النار، مما كد بيده، ورشح منه جبينه، وإن كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة، وما كان لباسه إلا الكرابيس، إذا فضل شيء عن يده من كمه دعا بالجلم فقصه، وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد، وإن كان أقرب القوم شبها به في لباسه وفقهه علي بن الحسين عليهما السلام.

وعن عروة بن الزبير قال: كنا جلوسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتذاكرنا أعمال بدر، وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: ألا أخبركم بأقل القوم مالا، وأكثرهم ورعا، وأشدهم اجتهادا في العبادة؟ قالوا: من هو؟ قال: علي ابن أبي طالب، قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه، ثم ابتدر له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها فقال أبو الدرداء: يا قوم إني قائل ما رأيت، وليقل كل امرئ ما رأى؛ شهدت عليا عليه السلام، وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممن يليه، واستتر بفسلان النخل، فافتقدنه فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين، ونغمة شجي، وهو يقول: إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنعمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك، فشغلني الصوت، واقتفيت الأثر، فإذا هو علي عليه السلام بعينه، فاستترت منه، وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثم فزع إلى الدعاء والاستغفار والبكاء، والبث والشكوى، فكان مما ناجى به ربه أن قال: إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليه بليتي، ثم قال: آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء، ثم قال: آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من ملهبات لظى.

قال: ثم أنعم في البكاء فلم أسمع له حسا ولا حركة، فقلت: غلبه النوم بطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر فأتيته، فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك، فزويته فلم ينزو، فقلت: إنا لله وإنا لله راجعون، مات والله علي بن أبي طالب، قال: فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم، فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبا الدردآء هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثم أتوه بمآء فنضحوه على وجهه فأفاق، فنظر إلي وأنا أبكي، فقال: ما بكاؤك؟ فقلت: مما أراه تنزله بنفسك، فقال: يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني وقد دعيت إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعقاب، واحتوشتني ملآئكة غلاظ، وزبانية أفظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار قد أسلمني الأحباء، ورحمني أهل الدنيا؛ لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية!

قال أبو الدرداء: ما رأيت أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك.

وروينا عن محمد بن السائب عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية، فقال له: صف لي عليا، فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: إذ لا بد، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، وكان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفيه، ويحاسب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن. كان والله كأحدنا يدنينا إذا آذناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع قربه منا لا نكلمه هيبة منه، وإن تبسم فمثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، ممثلا في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: أبي تعرضت، أم بي تشوقت، هيهات هيهات غري غيري لا حان حينك، قد بنتك ثلاثا، فعمرك قصير، وخطرك كبير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، قال: فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن فكيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها، لا ترقأ دمعتها، ولا يسكن حزنها، ثم قام فخرج.

وروينا عن زيد بن علي عليهما السلام قال: اجتمع نفر من قريش فيهم علي ابن أبي طالب عليه السلام فتفاخروا، فقالوا شيئا من الشعر حتى انتهوا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا: يا أبا الحسن قل فقد قال أصحابك، فقال عليه السلام:

الله أكرمنا بنصر نبيه ... وبنا أقام دعائم الإسلام

وبنا أعز نبيه وكتابه ... وأعزه بالنصر والإقدام

في كل معترك تطير سيوفنا ... فيها الجماجم من قراح الهام

ينتابنا جبريل في أبياتنا ... بفرائض الإسلام والأحكام

فنكون أول مستحلّ حلَّه ... ومحرِّمٍ لله كل حرام

نحن الخيار من البرية كلها ... ونظامها وزمام كل زمام

الخائضوا غمرات كل كريهة ... والضامنون حوادث الأيام

والمبرمون قوى الأمور بعزمهم ... والناقضون مراير الإبرام

سائل أبا كرب وسائل تُبّعًا ... عنا وأهل العير والأزلام

إنا لنمنع من أردنا منعهم ... ونجود بالمعروف والإنعام

وترد عادية الخميس سيوفنا ... وتقيم رأس الأصيد القمقام

وروينا عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: قال أهل الشام لمحمد بن الحنفية، وقد برز في بعض أيام صفين: هذا ابن أبي تراب، هذا ابن أبي تراب، فقال لهم محمد بن الحنفية: إخسئوا ذرية النار، وحشو النفاق، وحصب جهنم أنتم لها واردون، عن الأسل النافذ، والنجم الثاقب، والقمر المنير، ويعسوب المؤمنين، من قبل أن تطمس وجوه فترد على أدبارها، وتلعنوا كما لعن أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا.

أو لا تدرون أي عقبة تتسنمون، بل ينظرون إليك وهم لا يبصرون، أصنو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تستهدفون؟ ضلة بكم، هيهات برز والله بسبق، وفاز بخصل محرزا القصبات سبقه، فانحسرت عنه الأبصار، وتقطعت دونه الرقاب، واحتفزت دونه رجال، وكرثهم السعي، وفاتهم الطلب، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. فخفضا أقلوا لا أبا لأبيكم من اللوم، أو سدوا المكان الذي سدوا، وأنى تسدون مسد أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ شفعوا، وشبيه هارون إذ منحوا، والبادي ببدر إذ ابتدروا، والمدعو إلى خيبر إذ نكلوا، والصابر مع هاشم يوم هاشم إذ حصلوا، والخليفة على المهاد ومستودع الأسرار!

تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

وأنى يبعد عن كل مكرمة وعلا وقد نمته ورسول الله أبوة، وتفيئا في ظل، ودرجا في سكن، وربيا في حجر، منتجبان مطهران من الدنس، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنبوءة، وأمير المؤمنين عليه السلام للخلافة، خلافة قد رفع الله عنها سنة الاستبداد، وطمس عنها وسم الذلة فقد حلأها عن شربها أخذا بأكظامها، يرحضها عن مال الله حتى عضها الثقاف، ومضها فرض الكتاب، فجرجرت جرجرة العود، فلفظته أفواهها، ومجته شفاهها، ولم يزل على ذلك وكذلك، حتى أقشع عنكم ريب الذلة، واستنشقتم ريح النصفة، وتطعمتم قسمة السوآء، سياسة مأمون الخرفة، مكتهل الحنكة، طب بأدوائكم، قمن بدوائكم، يبيت بالربوة، كاليا لحوزتكم، جامعا لقاصيتكم، يقتات الجريش، ويلبس الهدم، ويشرب الخمس، وأنتم تريدون أن تطفئوا نور الله بأفواهكم، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] ثم إذا تكافح السيفان، وتبادرت الأقران، وطاح الوشيج، واستسلم الوشيظ، وغمغمت الأبطال، ودعت نزال، وغردت الكماة، وقلصت الشفاه، وقامت الحرب على ساق، وسألت عن أبراق، الفيت أمير المؤمنين مثبتا لقطبها، مديرا لرحاها، دلافا للبهم، ضرابا للقلل، سلابا للمهج، ترّاكًا للونية، مُثكِل أمهات، ومؤيم أزواج، ومؤتم أطفال، طامحا في الغمرة، راكدا للجولة، يهتف بأولاها فتنكفئ على أخراها، فآونة يكفاها، وفينة يطويها طي الصحيفة، وتارة يفرقها فرق الوفرة، فبأي مناقب أمير المؤمنين تكذبون، وعن أي امرئ مثل حديثه تروون، وربنا المستعان على ما تصفون.

وتفصيل مناقبه عليه السلام تخرجنا عن المراد وإنما نبهنا عن اليسير دون الكثير.

وقد روينا في مثل هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لو أن الغياض أقلام، والبحار مداد، والجن كتاب، والإنس حساب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب))، فكيف يروم أحد مع ذلك الإحاطة بمناقبه والإحصاء لمكارمه.

هذا وقد روينا في قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [آل عمران: 61] أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليا وفاطمة عليهما السلام، والحسن والحسين، فكانت الأنفس المراد بها نفس النبي ونفس علي صلوات الله عليهما، والنساء المراد بها فاطمة عليها السلام، والأبناء المراد بها الحسن والحسين عليهما السلام، وهذا شرف لا يسامى، وفضل لا يدانى. ومن مدحه محكم التنزيل؛ اكتفي في ظهور فضله عن التطويل، ولله القائل:

يفنى الكلام ولا يحاط بمدحكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفد

ذكر بيعته ونبذ من سيرته عليه السلام

بُويِعَ له عليه السلام بالخلافة يوم الجمعة بعد العصر بالمدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة. وهو اليوم الذي قُتِلَ فيه عثمان، وبويع له في الغد يوم السبت، وامتدت البيعة على ما قيل ثلاثة أيام، وأول من بايعه طلحة، ثم الزبير، ثم من حضر من المهاجرين والأنصار وسواهم، وكان يأخذ البيعة على الناس عمار بن ياسر، وأبو الهيثم بن التيهان، ولما بويع له على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف خزيمة بن ثابت الأنصاري بين يدي المنبر وأنشأ يقول:

إذا نحن بايعنا عليًّا فحسبنا ... أبو حَسَنٍ مما نخاف من الفتن

وجدناه أولى الناس بالناس إنه ... أطب قريش بالكتاب وبالسنن

وإن قريشًا ما تشق غباره ... إذا ما جرى يومًا على الضمَّر البُدن

وفيه الذي فيهم من الخير كله ... وما فيهم كل الذي فيه من حسن

وقال خزيمة بن ثابت رحمه الله أيضًا عند اختلاف الناس على علي عليه السلام بعد البيعة وكان يسمَّى ذا الشهادتين، قطع به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحده:

ويلكم إنه الدليل على اللـ ... ـه وداعيه للهدى وأمينه

وابن عم النبي قد علم النا ... س جميعا وصنوه وخدينه

كل خير يزينهم هو فيه ... وله دونهم خصال تزينه

ثم ويل لمن يبارز في الرو ... ع إذا ضمت الحسام يمينه

ثم نادى أنا أبو الحسن القر ... م فلا بد أن يطيح قرينه

 (وقعة الجمل)

ولما استقرت له البيعة عليه السلام أتاه طلحة والزبير فاستأذناه للحج، فقال: ما الحج تريدان! ولكن اذهبا فذهبا، والتقوا بعائشة مقبلة من الحج، وعبدالله بن عامر، وجاء يعلى بن مُنية من اليمن وكان عاملاً فيه لعثمان، فاشتَوَرُوا واتفقت آراؤهم على الخروج إلى البصرة لمخالفة علي عليه السلام، والطلب بدم عثمان، وهؤلاء من عيون أهل عصرهم في الدنيا والدين، ولهذا قال علي عليه السلام: في حربهم بليت بأشجع الناس في الناس يعني الزبير، وأطوع الناس في الناس يعني عائشة، وأغنى الناس في الناس يعني يعلى بن منية، وراودوا أم سلمة رضي الله عنها على الخروج معهم فأبت.

وكتبت عائشة إلى زيد بن صوحان العبدي: بسم الله الرحمن الرحيم من عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أما بعد: إذا جاءك كتابي هذا فأقم في بيتك، واخذل الناس عن علي حتى يبلغك أمري، وَلْيَبْلُغْنِي عنك ما أُسَرُّ به، فإنك من أوثق أهلي عندي والسلام.

 

فلما قرأ كتابها قال: أُمِرَتْ بأمر وأمِرْنا بغيره، أُمِرَتْ أن تجلس في بيتها، وأن تَقَرَّ فيه، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فركبت ما أمرنا، وتأمرنا أن نركب ما أمرت به. ثم إن عائشة وطلحة والزبير ومن انضاف إليهم ساروا حتى نزلوا البصرة، وفيها عامل علي عليه السلام عثمان بن حنيف رحمه الله تعالى، فهموا بقتله، ثم حبسوه وحلقوا لحيته، وقتلوا رجالا كثيرا كانوا معه على بيت المال وغير ذلك من أعماله، فلما بلغ عليا عليه السلام مسيرهم خرج مبادرا إليهم واستنجد أهل الكوفة، ثم سار بهم إلى البصرة وهم بضعة عشر ألفا، فخرج إليهم طلحة والزبير وعائشة بأهل البصرة فاقتتلوا قتالا شديدا، وهزم عسكر عائشة، وأمر أمير المؤمنين صلوات الله عليه بردها إلى المدينة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: ((إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر، فإذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها)). وروينا أن عليًّا عليه السلام خرج على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنادى بأعلى صوته: ادعوا لي الزبير، فدعي به، فقال علي: أنشُدُك الله، أتذكر يوم مر بك رسول الله عليه السلام، ونحن في مكان كذا؟ فقال: يا زبير أتحب عليا؟ فقلت: ألا أحِبَّ ابن خالي وابن عمي، وَمَنْ على ديني! فقال: يا علي أتحبه؟ فقلت: ألا أحب ابن عمتي، ومن على ديني! فقال: يا زبير أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم، فقال الزبير: بلى والله لقد نسيت منذ سمعته، ثم تذكرته الآن، والله لا أُقَاتِلَكَ، فرجع الزبير يشقَّ الصفوف، فعرض له ابنه عبدالله، فقال: مالك؟ قال: ذكرني عليٌّ عليه السلام حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لَتُقَاتِلَنّهُ وأَنْتَ لَهُ ظَالِم)) فلا والله لا أقاتله، ثم ولى وأنشد:

تَرْكُ الأمور التي تُخشَى عواقبُها ... لله أجمل في الدنيا وفي الدين

نادى عليٌّ بأمرٍ لستُ أُنكرُه ... قد كان عَمرُو أبيك الخيرَ مُذْحِين

فاخترت عارًا على نارٍ مؤجَّجَةٍ ... أَنَّى يقوم لها خلق من الطين

ثم ذهب حتى نزل بوادي السباع، فقتله ابن جرموز وأتى برأسه عليا عليه السلام فقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ((بشر قاتل ابن صفية بالنار)) فقال ابن جرموز:

أتيت عليًّا برأس الزبير ... وقد كنت أرجو به الزلفة

فبشر بالنار قبل العيان ... فبئست بشارة ذي التحفة

فسيان عندي قتل الزبير ... وضرطة عنز بذي الجُحْفَة

ودعا عليٌّ عليه السلام أيضا بطلحة فقال له: نشدتك الله، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((مَنْ كُنْتُ مولاهُ فعليٌّ مَولاهُ، اللهم وَالِ منْ والاه، وعاد من عاداه))؟ قال: نعم. قال: فَلِمَ تُقَاتِلُني؟ قال: لم أذكر، وانصرف.

وروي أنه لما رُمِيَ بسهم قال بعد ما أفاق من غشيته: ما رأيت مصرع قرشي أضل من مصرعي.

وروي أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه دفع رايته يوم الجمل إلى محمد بن الحنفية، وقال: تقدم يا بني، فتقدم، ثم وقف ساعة، فصاح به: اقتحم لا أم لك، فحمل مُحَمدٌ وطعن بها في أصحاب الجمل طعنًا منكرًا فأُعجب به عليه السلام، فجعل يُنشِدُ:

اطعن بها طعن أبيك تُحمد ... لا خير في الحرب إذا لم توقد

ورجع ثم استل أمير المؤمنين عليه السلام سيفه وحمل على القوم فضرب فيهم يمينًا وشمالاً ورجع وقد انحنى سيفه فجعل يسويه بركبتيه، فقيل له: نحن نكفيكها يا أمير المؤمنين، فلم يجب أحدا حتى سواه، ثم حمل ثانيًا حتى اختلط بهم، ثم رجع، وقد انحنى سيفه فوقف يسويه بركبتيه، ويقول: والله ما أريد بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة، ثم التفت إلى ابنه محمد وقال: هكذا فاصنع يا بني. وخرج عمرو بن اليثربي وقتل ثلاثة من أصحاب أمير المؤمنين، وطلب البراز، فخرج إليه عمار، وألقاهُ عن فرسه وجرَّه حتى ألقاه بين يدي أمير المؤمنين، فأمر بضرب عنقه، فقال: استبقني لأقتل منهم مثل ما قتلت من أصحابك، فقال: أبعد ثلاثة من أصحابي! فقال: أدْنِ مني أُذُنك أكلمك، فقال: أنت رجل متمرد، وقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكل متمرد، فقال: لو أدنيت مني لقطعت أُذُنك، وَقُتِلَ، فخرج أخوه عبدالله بن اليثربي يرتجز ويقول:

أضربكم ولو أرى عليًا ... عممته أبيض مشرفيا

فخرج عليٌّ عليه السلام وهو يقول:

أُثبت لتلقاه به مليّا ... مهذبًا سميدعًا كميا

فحمل عليه علي عليه السلام فضربه ضربة رمى بنصف رأسه فقتله وانصرف. فصاح صائح من خلفه، فالتفت فإذا بعبد الله بن خلف الخزاعي صاحب منزل عائشة، فقال: ما تشاء يا ابن خلف؟ فقال: هل لك في المبارزة؟ قال: ما أكره ذلك، ولكن ما راحتُك في القتل؟ فقال: تُرَى أيُّنا يقتل صاحبه؟ ثم جعل يرتجز:

إن تدن مني يا علي فترا ... فإنني دانٍ إليك شبرا

بصارم يسقيك كأسًا مرّا ... ها إِنَّ في صدري عليك وِتْرا

فَثَنَى عليٌّ عليه السلام عنانه، وأنشأ يقول:

يا ذا الذي يطلب مني الوَتْرا ... إن كنت تبغي أنْ تزور القبرا

حقًّا وتصلى بعد ذاك الجمرا ... فادْنُ تجدني أسدًا هِزَبْرا

أسْعِطك اليوم زعافًا مُرّا

وتطاعنا وتضاربا فضربه علي عليه السلام ضربة رمى بيمينه، ثم ثناه ضربة أخرى فأطار قحف رأسه، ثم وقف عليه وجعل يرتجز:

إياي تدعو في الوغى يا ابن الأرب ........ من أبيات

ولما عُرْقِبَ الجمل ووقع، دنا أمير المؤمنين على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرع الهودج برمحه وقال: يا عائشة، أهكذا أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقالت عائشة: قد ظفرت فأحْسِنْ، فقال لمحمد بن أبي بكر: شأنك بأختك، فأدْخلها البصرة ثم ردها إلى المدينة.

وروي عن أبي جعفر عليه السلام أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم الجمل كان في خمسة عشر ألفا، وطلحة والزبير في خمسة وثلاثين ألفا، فما كان إلا ثلاث ساعات أو أربع حتى قتل من الفريقين زُهَاء نيف وعشرين ألفًا، ولما انهزم أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين ابن عباس إلى عائشة في خمسين نسوة من أهل البصرة يأمرها بالانصراف إلى بيتها بالمدينة الذي تركها فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال له: قل لها: إن الذي يردها خير من الذي يخرجها، ثم نادى مناديه: لا تجيزوا على جريح، ولا تَتْبَعُوا مدبرًا، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا امرأة: من دخل داره وألقى سلاحه فهو آمن، وما حوت المنازل والدور فهو ميراث. وإنما فعله لأنه لم يكن لهم فَيَئة.

وروينا بالإسناد إلى السيد أبي العباس أحمد بن إبراهيم الحسني (رضي الله عنه) بإسناده إلى ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله من يغسلك إذا مِتّ؟ قال: يغسّل كلَّ نبي وصيُّه، قال: قلت: يا رسول الله من وصيك؟ قال: علي بن أبي طالب، قلت: يا رسول الله كم يعيش بعدك؟، قال: ثلاثين سنة، وإن يوشع بن نون عاش بعد موسى ثلاثين سنة، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى، وقالت: أنا أحق بالأمر منك، فقاتلها وقاتل مقاتلتها، وأسرها وأحسن أسرها، وإن بنت أبي بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من أمتي، فيقاتلها ويقاتل مقاتليها، ويأسرها ويحسن أسرها، وفيها وفي صفراء أنزل الله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] يعني صفراء في خروجها على يوشع بن نون.

وروينا عنه (رضي الله عنه) رواه بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأذنب؟ لا تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها، وعن يسارها قتلى كثير في النار.

قال الشيخ العالم أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد الزيدي (رضي الله عنه) في كتاب المحيط بالإمامة: ولا شبهة عند أهل النقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أخبر عائشة أن كلاب الحوأب تنبحها في سيرها، وأنها لما بلغت الحوأب ونبحتها كلابه، سألت الجمال عن ذلك الموضع فعرفها أنه الحوأب، فأمرت أن يناخ بعيرها واضطربت، حتى جاء أصحابها، وحلف على ما في الخبر نحو ثلاثين رجلا، وفي رواية أخرى خمسين رجلا أن ذلك الموضع ليس بالحوأب، واشتهرت القصة في ذلك حتى ذكر أهل اللغة كلاب الحوأب في كتبهم.

قال الخليل في كتاب العين: الحوأب موضع حيث نبحت الكلاب على عائشة، وقال ثعلب في كتاب الفصيح: وهي كلاب الحوأب مهموز، وذكر القتيبي في أدب الكتاب: ولشهرته استدل بذلك على معجز النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه كان أخبر أن كلاب الحوأب تنبحها في مسيرها، وأن الأمر كان كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.

وروينا بالإسناد عن السيد أبي العباس (رضي الله عنه) بإسناده عن أم هانئ: (قد علم من جرت عليه المواسي أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي، وقد خاب من افترى.

وبالإسناد إليه (رضي الله عنه) بإسناده إلى علي عليه السلام قال: (لقد علمت صاحبة الجمل أن أصحاب النهروان وأصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم).

وروى صاحب المحيط في الإمامة (رضي الله عنه) بإسناده عن ابن عباس قال: مرض علي بن أبي طالب عليه السلام، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليعوده في مرضه فرأى طلحة عند رأسه والزبير عند رجليه فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يشتد عليكما مرض علي؟)) فقالا: سبحانه الله! وكيف لا يشتد علينا مرض علي؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده إنكما لا تخرجان من الدنيا حتى تقاتلاه وأنتما له ظالمان)). وقتل طلحةَ مروانُ بن الحكم. وفي الرواية لما صرع مر به رجل من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أمن أصحابنا؟ أم من أصحاب أمير المؤمنين؟ فقال: بل من أصحاب أمير المؤمنين فقال: ابسط يدك لأبايعك لأمير المؤمنين فألقى الله على بيعته، أما والله ما كفتنا آية من كتاب الله، وهي قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] فوالله لقد أصابت الذين ظلموا منا خاصة.

وكانت وقعة الجمل لعشر خلون من شهر جمادى الأخرى سنة ست وثلاثين، وكانت عدة القتلى ثلاثين ألفا برواية وكيع، ولما انقضى حرب الجمل بالفتح المبين لأمير المؤمنين عليه السلام، وبلغ إلى معاوية ذلك؛ كتب إلى علي عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم

لعلي بن أبي طالب من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فو الله ما بقي أحد أحب أن يكون هذا الأمر إليه منك، ولقد عرفت رأي أبي قبل، لقد جاءك يوم توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوك إلى البيعة، فأنا إلى ذلك اليوم أسرع إن أعطيتني النصف، أو تحاملت على نفسك لقرابتي؛ إن استعملتني على الشام، وأعطيتني ما أثلج به لا تعزلني عنه بايعت لك ومن قبلي وكنا أعوانك، فقد رأيت عمر قد ولاني فلم يجد علي، وإن لم تفعل فوالله لأجلبن عليك خمسين ألف حصان قارح في غير ذلك من الخيل. فلما قرأ علي عليه السلام الكتاب استشار فيه عبدالله بن عباس، والحسن بن علي، وعمار بن ياسر رجلًا رجلًا، فقال عمار: والله ما أرى أن تستعمله على الزرقاء وإنما بها خمسة أنفس، فقال علي عليه السلام: اطو ذلك، ثم دعا الحسن وابن عباس، فقالا قد كنا أشرنا عليك أن تقره على عمله ولا تحركه حتى إذا بايع الناس أخذت ما أردت وأقررته إن رأيته أهلا لذلك.

وروينا عن السيد أبي العباس بإسناده أن عليا عليه السلام قال: كان المغيرة بن شعبة قد أشار علي أن استعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة فأبيت عليه؛ ولم يكن الله ليراني أن اتخذ المضلين عَضُدا، قال: قال الواقدي في حديثه: فلما علم معاوية ذلك من علي عليه السلام قال: والله ما كتبت إليه وأنا أريد أن ألي له شيئا، ولا أبايعه، ولكن أردت أن أخدعه وأقول لأهل الشام انظروا إلى علي، وإلى ما عرض علي فيزيدهم بصيرة، ويختلف أهل العراق عليه، فاحضر العشية حتى تسمع كلامي، فقام فحمد الله وأثنى عليه وقال: وكان إمامكم إمام الرحمة، والعفو، والبر، والصلاة، والصلة عثمان بن عفان، فبطر علي بن أبي طالب النعمة، وطالت عليه المدة، واستعجل أمر الله قبل حينه، وأراد أن يكون الأمر له فقتل إمامكم، وفرق جماعتكم، وأطمع عدوكم فيكم.

ومعه قميص عثمان وهو يقول: يا أهل الشام ذبح على هذا القميص كما تذبح الشاه، ثم بكى وأبكى أهل الشام ساعة طويلة، ثم قال: يا أهل الشام عمد ابن أبي طالب إلى البصرة، فسار إليها فلقي رجالا لا يعرفون قتاله، وأنتم أهل مناصحة في الدين، وأهل طاعة للخلفاء، يا أهل الشام إن الله تعالى يقول في كتابه: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33] وأنتم ولاة دم خليفتكم، والقائمون به، وأنا معكم، فأجابه أهل الشام: سر بنا حيث ننصر إمامنا ونطلب بدمه، والذي أمره بذلك في حديث نصر بن مزاحم - عمرو بن العاص، قال نصر: حدثنا محمد بن عبيد الله، وعمر بن سعد، أن معاوية كتب إلى عمرو بن العاص وهو بفلسطين أما بعد: فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقدم إلينا جرير بن عبدالله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، فلما قدم الكتاب على عمرو استشار ابنيه عبدالله ومحمدا فقال عبدالله: قر في منزلك ولاتكن حاشية لمعاوية على دنيا قليلة، وقال محمد: إنك شيخ قريش، وإن يضرم هذا الأمر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك، فالحق بجماعة أهل الشام، واطلب بدم عثمان، فسار حتى قدم على معاوية، فقال: أبا عبدالله إن عليا نزل بالكوفة متهيئا للمسير إلينا، فقال: والله ما تسوي العرب بينك وبينه في شيء إلا أن تظلمه.

وفي حديث عمر بن سعد أنه قال: أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه، وشق عصى المسلمين، وقتل الخليفة، فقال عمرو: والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير، فما تجعل لي أن أبايعك على ما تسمع من العز والخطر.

وفي حديث عمر بن سعد أنه قال: أبا عبدالله، إني أكره أن تحدث العرب أنك دخلت في هذا الأمر لغرض دنيا، قال عمرو: دعني منك فإن مثلي لا يخدع لأنا أكيس من ذلك، فما تعطيني؟ قال: مصر طعمة. فخرج عمرو من عنده، فقال ابناه: ما صنعت؟ قال: أعطانا مصر. قالا: وما مصر في ملك العرب؟ قال: لا أشبع الله بطونكما إن لم تشبعا بمصر.

ثم إن أمير المؤمنين عليه السلام أمر مناديه، فنادى في الناس أن اخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة فأجابوه، ولم يبرح في النخيلة حتى قدم إليه ابن عباس مع أهل البصرة، ثم سار حتى إذا جاوز الجسر نزل في مسجد أبي سبرة فقصر فيها صلاة الظهر، ثم سار حتى نزل دير أبي موسى على فرسخين من الكوفة فصلى العصر، وقدم زياد بن النضر الحارثي في ثلاثة آلاف، وشريح بن هاني في ألفين فمضيا حتى إذا جازا عرض الجزيرة فلقيهما أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي في حد الشام في خيل عظيمة، فدعواه إلى الطاعة فأبى إلا القتال، فراسلا أمير المؤمنين، فدعا علي عليه السلام مالك بن الحارث الأشتر رحمه الله، وقال: إذا قدمت عليهم فأنت أمير، ولا تبدأ القوم بالقتال إلا أن يبدؤك، واجعل على ميمنتك زيادا، وعلى ميسرتك شريحا، ولا تحاربهم حتى نقدم عليك، فمضى الأشتر، وخرج أمير المؤمنين عليه السلام في أثره حتى بلغ صفين وهو من الرقة على عشرة أو خمسة فراسخ.

وروينا من غير طريق السيد أبي العباس أن عليا عليه السلام لما سار جعل يقول: سيروا إلى قتال أهل الشام العتاة الطغاة، سيروا إلى أولياء الشيطان، وأعداء السنة والقرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، سيروا إلى الكذبة الفجار وقتلة المهاجرين والأنصار، وجعل عمار بن ياسر يرتجز ويقول:

سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي ... سيروا فخير الناس أتباع علي

هذا أوانٌ طاب سل المشرفي ... وَقَودُنا الخيل وهَزُّ السَّمْهَرِيَ

ولما خرج عليه السلام من الأنبار سائرا أخرج في طريقه عينا بقرب دير، فسئل الراهب؟ فقال: إنما بني هذا الدير لهذه العين، وإنه عين راحوما ما استخرجها إلا نبي أو وصي نبي، ولقد شرب منها سبعون نبيئا، وسبعون وصيا، فأخبروا بذلك عليا عليه السلام.

وكانت تعبئة أمير المؤمنين عليه السلام لعسكره: على خيل ميمنته الحسن والحسين، وعلى رجالتها عبدالله بن جعفر ومسلم بن عقيل، وعلى خيل الميسرة محمد بن الحنفية ومحمد بن أبي بكر، وعلى رجالتها هاشم بن عتبة، وعلى جناح القلب عبدالله بن العباس، وعلى رجالته الأشتر والأشعث، وعلى الكمين عمار بن ياسر.

وروي أنه عليه السلام كان في تسعين ألفا، ومعاوية لعنه الله في مائة وعشرين ألفا، وكان في عسكره عليه السلام من الأنصار، ثمانمائة أو تسعمائة ممن بايع تحت الشجرة، وثمانون بدريا، وأول وقائعهم وقعة الأشتر مع أبي الأعور السلمي وكانا قد سبقا: العسكرين، ثم وقعة الماء عند نزول العسكر بصفين. قال السيد أبو العباس (رضي الله عنه) قتل في اليوم الأول زيادة على ألف رجل سوى الجرحى، وأميرهم يومئذ عمار بن ياسر رحمه الله في خمسة عشر ألفًا.

قال: وفي حديث أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي أن أمير المؤمنين عليه السلام شخص من النخيلة لخمس مضين من شوال، ولم يقاتلوا إلا غرة صفر، إلا ما كان من القتال حين وردوا الماء أولا، ثم اتصل القتال شهر صفر كله إلى ليلة الهرير من ربيع الأول، وكانت في صفين أخبار يطول ذكرها.

فمن ذلك ما روي أن عليا عليه السلام خطب في بعض أيام صفين وحث الناس على القتال، فقام قيس بن سعد بن عبادة فتكلم، فلامه المشيخة على أن تكلم أولا فقال: إنكم لسادتي وعمومتي ولكن وجدت الدين في صدري قد جاش فلم أجد بدا من الكلام، وكتب إلى معاوية كتابا أوله:

معاوي قد كنت رخو الخناق ... فألقَحْتَ حربًا تُضِيقُ الخناقا

من قصيدة. وخرج في بعض أيام صفين يرتجز ويقول:

أنا ابن سعد وأبي عبادة ... والخزرجيُّون رجالٌ سادة

ليس فراري في الوغى بعادة ... يا ذا الجلال لقِّنِي الشهادة

شهادة تتبعها سعادة ... حتى متى تثنى لي الوسادة

فخرج إليه بسر، فجرحه قيس وانهزم بسر، وروي أن معاوية دعا بالنعمان ابن بشير وسلمة بن مجالد، وذم الأنصار، وقال: ما لقيت منهم؟ لا أسأل عن رجل إلا قيل: قتله فلان الأنصاري، فبلغ ذلك قيسا، فقال بعد كلام: بلغني أن ابن آكلة الأكباد قال: كذا وكذا، وقد أجاب عنكم صاحبكم النعمان بن بشير، ولعمري لأن وترتموه في الإسلام لقد وترتموهم في الجاهلية، وأنتم اليوم مع ذلك اللواء الذي كان يقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والقوم يقاتلون مع لواء أبي جهل والأحزاب، وقال قصيدة يذم معاوية أولها:

يا ابن هند دع التوثب في الحر ... ب إذا نحن في الحروب دنونا

ثم خرج من الغد وحمل عليهم وأثر أثرا منكرا حتى قال معاوية: إذا رأيتم هذا الرجل فاحترسوا عنه فإنه الأسد الضرغام.

وروينا بالإسناد عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: ما رأيت رئيسا كأمير المؤمنين علي عليه السلام، ولقد رأيته يوم صفين وعلى رأسه عمامة بيضاء، وكأن عينيه سراجا سليط وهو يحمش أصحابه إلى أن انتهى إلي وأنا في كثف من المسلمين، فقال معشر المسلمين: استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، وأخملوا اللوم، وأخفوا الْجُبْنَ وأقلقوا السيوف في الغمد قبل السلة، والحظوا الشَّزْرَ، واطعنوا النثر، ونافحوا بالظباء، وصلوا السيوف بالخطاء، وامشوا إلى الموت سجحا، وعليكم بالرواق المطنب فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان راكد في كسْرِه، نافج حضنيه، مفترش ذراعيه، قد قدم للوثبة يدا، وأخر للنكوص رجلًا.

وروينا أنه كان لمعاوية مولى يقال له: حريث. وكان من أشجع الناس وأشبههم بمعاوية، وكان إذا حمل أيام صفين قال الناس: حمل معاوية، وكان لا يقوم له قائم، وكان معاوية مسرورا بموضعه، فقال له يوما: يا حريث، بارز كل من بارزك، وقاتل كل من قاتلك؛ إلا عليا فإنه لا طاقة لك به، فحسد عمرو ابن العاص حريثا؛ لما يظهر من نجدته وبسالته فقال له: يا حريث، إن معاوية نفس عليك بقتل علي؛ لأنك عبد، ولو كنت عربيا وذا شرف لرضيك لهذا الأمر والمنزلة، فإن قتلت عليا انصرفت براية الفخر، وأعلا ذروة الشرف، فعمل في حريث قول عمرو. فلما برز علي عليه السلام أحجم الناس عنه، فتقدم إليه حريث، فضرب عليا عليه السلام ضربة لم تؤثر فيه، وضربه علي عليه السلام فقتله، فاتصل الخبر بمعاوية فقلق وجزع، وقال: من أين أتي حريث وقد كنت حذرته عليا، ومنعته من قتاله؟ فقيل: إن عمرا أشار عليه بذلك، فأنشأ معاوية يقول:

حريث ألم تعلم وعلمك ضائع ... بأن عليًّا للفوارس قاهر

وأن عليًّا لم يبارزه واحدٌ ... من الناس إلاَّ أقعصته الأظافر

أمرتك أمرًا حازمًا فعصيتني ... فخدك إذ لم تقبل النصح عاثر

ودلاك عمرو والحوادث جمة ... فلله ما جرَّت عليك المقادر

وظن حريث قول عمرو نصيحةً ... وقد يهلك الإنسان ما لا يُحاذر

وخرج المخارق بن عبدالرحمن من أصحاب معاوية، فقتل أربعة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وكشف عوراتهم، واحتز رؤوسهم، فتنكر علي عليه السلام، وخرج فقتل ثمانية نفر من أصحاب معاوية واحتز رؤوسهم، ولم يكشف العورة، فقال معاوية لغلام له بطل: اكفني هذا الرجل، فقال: إني أرى رجلا لو برز إليه جميع عسكرك لأفناهم، ولم يخرج، فجال علي عليه السلام ساعة ثم رفع المغفر وقال: أنا أبو الحسن. وخرج مولى لعثمان يقال له: أحمر للمبارزة، فخرج إليه كيسان مولى لعلي عليه السلام فحمل عليه أحمر فقتله، فقال علي عليه السلام: قتلني الله إن لم أقتلك، فحمل عليه فاستقبله أحمر وهو لا يعرفه فمد علي عليه السلام يده إليه وقبض على ثوبه فضرب به الأرض وكسر منكبه وأضلاعه.

وحمل أمير المؤمنين عليه السلام في بعض المواقف على عمرو بن العاص فأسقطه عن فرسه فرفع عمرو رجله وأبدى عورته، فأعرض عنه أمير المؤمنين ورجع. ومعاوية يضحك فقال: مم تضحك؟ فقال: منك ومن علي، والله لقد وجدته هاشميا مليا بالنزال، لا ينظر إلى عورات الرجال، وقال احمد الله يا عمرو وعورتك، فقال عمرو: يا معاوية، أما والله لو بدا له من صفحتك لأوجع قذالك وأيتم عيالك، وأنهب مالك.

وفي بعض الأخبار أن معاوية ضحك، فقال عمرو: مم تضحك؟ فقال: يضحكني دفعك عليا عن نفسك بالإستاة، ولقد كان كريما لا ينظر إلى عورات الرجال، فقال له: هلا ضحكت إذ دعاك علي إلى البراز، فَاحْوَلَّتْ عيناك، ومالت شدقاك، وارتعدت فرائصك، وبدا من أسفلك شيء أكره ذكره.

وخرج بعد أيام بسر بن أرطأة إلى علي عليه السلام وهو لا يعرفه، فلما بصر به عرفه، وحمل عليه علي عليه السلام، فسقط عن فرسه، ورفع رجله، وكشف عورته، وصرف علي عليه السلام وجهه، ووثب بسر هاربا، فضحك معاوية من بسر، وقال: لا عليك، فقد نزل بعمرو ما نزل بك، وصاح فتى من أهل الكوفة ويلكم يا أهل الشام أما تستحيون لقد علمكم عمرو بن العاص في الحرب كشف الإستاه، ثم أنشأ يقول:

أفي كل يوم فارس ذو كريهة ... له عورة وسط العجاجة باديه

يكف له عنه علي سنانه ... ويضحك منه في الخلاء معاويه

بدت أمس من عمرو فقنع رأسه ... وعورة بسر مثلها حذو حاذيه

فقولا لعمرو وابن أرطأة انظرا ... سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه

فلا تحمدا إلا الخنا وخصاكما ... هما كانتا والله للنفس واقيه

فلولا هما لم تنجوا من سنانه ... وتلك بما فيها عن العود ناهيه

وكان بسر مرة يضحك من عمرو، وعمرو يضحك من بسر.

وتحامى أهل الشام عليا عليه السلام وخافوه خوفًا شديدًا، وصار حديث عمرو مثلا حتى قال أبو فراس:

ولا خير في دفع الردى بمذلة ... كما ردها يوما بسوءته عمرو

وخرج علي عليه السلام يوما ووقف وأنشأ يقول:

أنا عليُّ فاسألوني تخبروا ... ثم ابرزوا لي في الوغى أو أدبروا

سيفي حسام وسناني يزهر ... منا النبي الطاهر المطهَّر

وحمزة الخير ومنا جعفر ... وفاطم عرسي وفيها مفخر

هذا لهذا وابن هند مُحْجَر ... مذبذب مطرد مؤخَّر

فقال معاوية: إنه ليدعوني أبدا إلى البراز حتى لقد استحييت من قريش. فقال أخوه عتبة: اله عن كلامه فإنك تعلم أنه قتل حريثا، وفضح عمرا، ولا تقدم إليه امرؤ إلا وقد أيس من نفسه، ولو برزت إليه لا شممت رائحة الحياة أبدا.

وروى الحاكم (رضي الله عنه) عن علقمة والأسود بن يزيد، قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري فقلنا له: يا أبا أيوب إن الله تعالى أكرمك بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم إذ أوحى إلى راحلته فبركت على باب دارك، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضيفا لك فضيلة من الله فضلك بها، أخبرنا بمخرجك مع علي عليه السلام يقاتل أهل لا إله إلا الله، فقال أبو أيوب: فإني أقسم لكما بالله تعالى لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معي في هذا البيت الذي أنتما معي فيه، وما في البيت غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام جالس عن يمينه، وأنا جالس عن يساره، وأنس قائم بين يديه، إذ حرك الباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أنس انظر من بالباب فخرج أنس فنظر، ثم رجع فقال: يا رسول الله هذا عمار بن ياسر، فقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: افتح لعمار الطيب المطيب، ففتح أنس الباب فدخل عمار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرحب به، ثم قال لعمار: ((إنه سيكون في أمتي من بعدي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضا، وحتى يتبرأ بعضهم من بعض، فإذا أنت رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني يعني علي بن أبي طالب فإن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي، وخل عن الناس، يا عمار إن عليا لا يردك عن هدى، ولا يدلك على ردى، يا عمار طاعة علي طاعتي، وطاعتي طاعة الله)).

ولما قتل عمار (رضي الله عنه) قويت بصائر المسلمين في الجهاد بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، وكان خزيمة بن ثابت كافا لسلاحه حتى قتل عمار فسل سيفه، وقال: قد حل لي القتال فقاتل حتى قتل رحمه الله.

وقال عبدالله بن عمرو بن العاص: اليوم صح لي أنك يا معاوية على الباطل؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) فقال معاوية: أنحن قتلناه؟ إنما قتله من جاء به. قال: فإنما قتل حمزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولما رأى علي عمارا مقتولا وقف عليه وقال: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، إن امرءا لم تدخل عليه مصيبة من قتل عمار فما هو من الإسلام في شيء)) ثم قال: ((رحم الله عمارا يوم قتل، ويوم يبعث، ويوم يسأل)) فوالله لقد رأيت عمارا، وما يذكر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة إلا كان رابعهم، ولا أربعة؛ إلا كان خامسهم، إن عمارا وجبت له الجنة في غير موطن، فهنيئا له الجنة، ولقد قتل مع الحق، والحق معه، فقاتل عمار وسالب عمار وشاتم عمار في النار، وصلى عليه علي ودفنه.

وروى الحاكم (رضي الله عنه) عن عبدالله بن سلمة قال: رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم طوالا أخذ الحربة بيده، ويده ترتعد وهو يقول: والذي نفسي بيده لقد قاتلت هذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفنا أنا على الحق وهم على الضلالة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) وآخر زادك ضَياحٌ من لبن، فلما كان اليوم الذي قتل فيه شرب شربة من لبن، ثم كان يقول الجنة الجنة تحت الأسنة، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه.

وممن كان مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين أويس القرني المشهور فضله، رحمة الله عليه ورضوانه، وكانت الوقائع بصفين تسعين وقعة، وأقام أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ومعاوية مائة يوم وعشرة أيام حتى أفضى الأمر إلى التحكيم.

قال السيد أبو العباس (رضي الله عنه) بإسناده عن الحارث بن أدهم: إن الناس بصفين زحف بعضهم إلى بعض وارتموا بالنبل حتى فنيت، ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت، ثم مشى بعضهم إلى بعض بالسيوف وعمد الحديد فلم يسمع السامعون إلا وقع الحديد بعضه على بعض لهو أشد هولا في صدور الرجال من الصواعق.

وأخذ الأشتر رحمة الله عليه فيما بين الميمنة والميسرة فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل لم يصلوا لله صلاة، فلم يزل يفعل ذلك الأشتر بالناس حتى أصبح من المجالدة، وهي ليلة الهرير.

وفي رواية من غير السيد أبي العباس رحمه الله، أن عليا عليه السلام قتل في ليلة الهرير خمسمائة ونيفا وثلاثين رجلًا. قال السيد أبو العباس: قال نصر عن عمر ابن سعد عن عمارة بن ربيعة قال: مر بي والله الأشتر فأقبلت معه فقال: شدوا فداكم عمي وخالي شدة ترضون الله بها وتعزون بها الدين، ثم شد بالقوم حتى انتهى بهم إلى عسكرهم، ثم قاتلوا عند العسكر قتالا شديدا، وأخذ علي عليه السلام لما رأى الظفر قد جاء من قبله يمده بالرجال، وجعل علي عليه السلام يقول لم يبق منهم إلا آخر نفس، فدعا معاوية عمرو بن العاص فقال: ما ترى، فقال: إن رجالك لا يقومون برجاله، ولست مثله يقاتلك على أمر وتقاتله على غيره، أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهل الشام لا يخافون من علي إن ظفر بهم، ولكن ألق إليهم أمرا إن قبلوه اختلفوا، وإن ردوه اختلفوا، ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك وبينهم، فإنك بالغ به حاجتك.

قال نصر: حدثنا عمرو بن سمرة بإسناده عن جابر قال: سمعت تميم بن خزيم يقول: لما أصبحنا من ليلة الهرير، نظرنا فإذا المصاحف ربطت على رؤوس الرماح.

قال أبو جعفر وأبو الطفيل: وضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف، فكان جميعها خمسمائة مصحف، ثم نادوا هذا كتاب الله بيننا وبينكم، وأقبل الأشتر على فرس كميت قد وضع مغفره على قربوس السرج يقول: اصبروا يا معشر المسلمين، قد حمي الوطيس واشتد القتال. قال نصر في حديث عمر بن سعد: فلما رفع أهل الشام المصاحف قال علي عليه السلام: أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني لأعرف بهم منكم، صحبتهم صغارا ورجالا، وكانوا شر صغار، وشر كبار، وما رفعوها إلا خديعة، فجاءه من أصحابه قدر عشرين ألفا مقنعين في الحديد، سالي سيوفهم على عواتقهم، قد اسودت جباههم من أثر السجود، فقالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب الله أو نقتلك كما قتلنا ابن عفان، وابعث إلى الأشتر فيأتيك، فقال الأشتر: أمهلوني فواق ناقة لقد أحسست بالظفر، فقالوا له: تحب أنك ظفرت ويقتل أمير المؤمنين، أو يسلم إلى عدوه، فأقبل حتى انتهى إليهم، فصاح: يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم فظنوا أنكم قاهرون رفعوا المصاحف، حدثوني عنكم فقد قتل أماثلكم، متى كنتم محقين؟ أحين قتل خياركم! فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلين! أم أنتم محقون؟ فقتلاكم الذين كانوا خير منكم في النار! قالوا: دعنا منك يا أشتر، قال: خدعتم فانخدعتم، فسبوه وسبهم، وضربوا بسياطهم وجه دابته، وضرب دوابهم، وصاح بهم علي عليه السلام فكفوا، فبعث علي عليه السلام نفرًا قرآء من أهل العراق، وبعث معاوية من أهل الشام، فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصاحف، واجتمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن، ويميتوا ما أماته، وعلى أن يحكموا رجلين أحدهما من أصحاب علي عليه السلام والآخر من أصحاب معاوية، فقال أهل الشام: اخترنا عمرا بن العاص، فقال الأشعث والخوارج: رضينا بأبي موسى، فقال علي عليه السلام: إني لا أرضى به وليس برضى، وقد فارقني وخذل الناس عني، ثم هرب مني ولكن هذا ابن عباس، قال: والله ما نبالي أنت كنت أو ابن عباس، قال: فإني أجعل الأشتر. فقال الأشعث: وهل ضيق سعة الأرض علينا إلا الأشتر، فقال علي عليه السلام: فإني أخاف أن يخدع يمنيكم، فإن عمرا ليس من الله في شيء، قال الأشعث: هو أحب إلينا، فقال قد أبيتم إلا أبا موسى؟! قالوا: نعم. فبعثوا إلى أبي موسى، فجاء الأحنف بن قيس إلى علي عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت أن تجعلني حكما، أو ثانيا، أو ثالثا فإنه لا يعقد عقدة إلا حللتها، ولن تحل إلا عقدت، فأبى الناس ذلك، ثم إن أبا موسى وعمر ابن العاص أخذا على علي عليه السلام ومعاوية عهد الله بالرضى بما حكما به من كتاب الله تعالى وسنة نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم، على أن الحكمين أن يحكما بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن لم يفعلا برئت الأمة من حكمهما، وللحكمين أن ينزلا منزلًا عدلًا بين أهل العراق والشام لا يحضرهما فيه إلا من أحبا عن ملأ منهما وتراض، والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم، وأموالهم إلى انقضاء مدة الأجل، والسلاح موضوع، والسبيل مخلاة، وكان الكتاب في صفر، والأجل الذي يلتقي إليه الحكمان شهر رمضان، ثم إن الأشعث خرج بالكتاب يقرؤه على الناس، فرضي به أهل عليه السلام الشام، ثم مر برايات عنزة وكان منهم مع علي عليه السلام أربعة آلاف مجفف، فلما قرأه عليهم قال معدان وجعد (أخوان): لا حكم إلا لله، فهما أول من حكم، ثم حملا على أهل الشام، ثم مرا به على مراد، فقال صالح بن شقيق:

ما لعلي في الدماء قد حكم ... لو قاتل الأحزاب يومًا ما ظلم

لا حكم إلا لله ورسوله، وقال بنو راسب كذلك، وكذلك رجل من تميم، وآخر يقال له: عروة بن أذية حتى قالوا: يحكمون الرجال، وقالوا لعلي: ارجع وتب كما تبنا وإلا برئنا منك فإنا لسنا نرضى بما في الصحيفة، ولا نرى إلا قتالهم، فقال علي عليه السلام: ولا أنا رضيت لكن لا رأي لمن لا يطاع، ولا يصلح الرجوع إلا أن يعصى الله ويتعدى حدود ما في كتابه فيقاتل من ترك أمره، ثم إن الناس أقبلوا على قتلاهم يدفنونهم. ثم إن عليا عليه السلام بعث شريح بن هاني في أربع مائة، وعبدالله بن عباس يصلي بهم، ومعهم أبو موسى. وجاء عمرو بن العاص في أربعمائة إلى دومة الجندل، فنزل عمرو بأصحابه، وابن عباس وشريح وأبو موسى مقابلهم. وكتب النجاشي شاعر علي عليه السلام عند ذلك إلى أبي موسى قصيدة منها:

أبا موسى جزاك الله خيرًا ... عراقك إن حظك بالعراق

وإن الشام قد نصبوا إمامًا ... من الأحزاب معروف النفاق

وإنا لا نزال لهم عدوًا ... أبا موسى إلى يوم التلاق

فلا تجعل معاوية بن صخر ... إمامًا ما مشى قدم بساق

ولا يخدعك عمرو إن عمرًا ... أبا موسى لداهية الرفاق

وكان ابن عباس يعظ أبا موسى ويقول: إنما هو عمرو فلا تغترن بقوله، فتدافعا قريبا من شهرين يجتمعون بين يومين وثلاثة، وكان رأي أبي موسى في ابن عمر، فقال له عمرو: يا أبا موسى كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر نجاهد ونقاتل المشركين، واليوم كما ترى وبكى، ثم نال من معاوية وذكر أنه لا يرضى بشيء من فعله. فقال أبو موسى: وأنا كذلك لا أرضى بعلي وذمه. وجعل ابن عباس يستقره ما يجري بينهما، ويكتمه أبو موسى، ثم إن أبا موسى أتى عمرا واستخبره ما يريد، فقال: إن شئت أحيينا سنة عمر، فقال: إن كنت تريد أن تبايع ابنه فما يمنعك في ابني؟ فقال: إنه رجل صدوق ولكنك غمسته في الفتنة، قال: صدقت، واتفقا على أن يخلعا عليا عليه السلام ويجعلا الأمر في عبدالله بن عمر، وبذلك خدع عمرو أبا موسى، ثم أقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، وقال له عمرو: اصعد وتكلم، وقد كان ابن عباس قال له: قدم عمرا قبلك ثم تكلم بعده فإنه رجل غدار، فصعد أبو موسى المنبر بين العسكرين فقال: اشهدوا أني قد خلعت عليا ونزع خاتمه، وقال: كما ترون ... خلعت هذا الخاتم، ثم صعد عمرو .. فحمد الله وأثنى عليه، وقال: سمعتم خلعه صاحبه وقد خلعته أنا وبيده خاتم، وقال: وأثبت صاحبي كما أثبت الخاتم في إصبعي هذه وأدخل إصبعه، فقال أبو موسى: لا وفقك الله ... غدرت وخنت، مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال عمرو: ومثلك مثل الحمار يحمل أسفارا، والتمس أصحاب علي عليه السلام أبا موسى، فركب ناقته ولحق بمكة. فكان ابن عباس يقول: قبح الله أبا موسى قد حذرته فما عقل، فكان أبو موسى يقول: حذرني ابن عباس غدرة الفاسق. وقال بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك قصيدة أولها:

لعمركَ لا أُلفَى مدى الدهر خالعا ... عليًا بقول الأشعري ولا عمرو

وقال بعضهم:

لو كان للقوم رأيٌ يعصمون به ... عند الخطاب رموكم بابن عباس

لله درَّ أبيه أيما رجل ... ما مثله لقضاء الحكم في الناس

لكن رموكم بشيخ من ذرى يمن ... لم يدر ما ضرْبُ أخماسٍ لأسداس

وروي أن أبا الأسود كان عند معاوية فذكر الحكمين، فقال: لو كنت مكان أبي موسى ما صنعت ما صنع، فقال له معاوية: فما كنت تصنع؟، قال: كنت أجمع عدة من المهاجرين والأنصار، فأنشدهم بالله المهاجرون أحق بالخلافة أم الطلقاء؟ قال له معاوية: أقسمت بالله عليك لا تذكر هذا ما عشت.

وبلغ القتلى في أيام صفين من أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا، ومن أصحاب علي عليه السلام خمسة وعشرون ألفا، فيهم خمسة وعشرون بدريا، وفيهم عمار بن ياسر رحمه الله، وهاشم بن عتبة، وعبدالله بن بديل بن ورقاء، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين في آخرين رحمة الله عليهم.

 

ثم كان أمر الخوارج وقتالهم. وقد بينا أنهم أنكروا التحكيم الذي كان، واعتقدوا تكفير أمير المؤمنين صلوات الله عليه وكفر أنفسهم، وطلبوا من علي عليه السلام التوبة، فقال علي عليه السلام: توبوا فلم تكفروا، وارجعوا إلى حرب عدوكم، فقالوا: لا حتى تقر على نفسك، فقال: ويحكم أنتم فعلتم بأنفسكم وتركتم أمري.

فخرج اثنا عشر ألفا من العراقين، رئيسهم شبث بن ربعي، وعبدالله بن الكوا وعبدالله بن أوفى، ووهب الراسبي أصحاب الصوف والبرانس، فأرسل علي عليه السلام إليهم أبا أيوب الأنصاري، وصعصعة بن صوحان، ثم سار إليهم بنفسه في اليوم الثالث، واحتج عليهم فندموا على ذلك وانصرفوا إلى الكوفة، وأجمع أمير المؤمنين عليه السلام على المسير إلى الشام، ووافقوه على ذلك، فجمع من الحجاز والبصرة ومن نواحيها أربعين ألفا، وأنفذ على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة في ستة آلاف، فمضى إلى أرض الجزيرة، وسار أمير المؤمنين صلوات الله عليه حتى نزل أرض مسكن، فلما كان في بعض الطريق من الليل خرج من أهل الكوفة والبصرة سبعة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف رجل فأغاروا وقتلوا عبدالله بن خباب ابن الأرت والي المدآئن وأم ولده وولدا له صغيرا ورجلا من بني أسد كان يحمل الميرة إلى عسكر علي عليه السلام فقيل لعلي عليه السلام: كيف تخرج وعدونا في مكاننا يغير علينا! فانصرفوا وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة، ومضى الخوارج إلى شهرزور ونواحيها، يغيرون، ويقتلون، ويسبون، ورئيسهم من أهل الكوفة عبدالله بن وهب وزيد بن حصين، ومن أهل البصرة مسْعَرْ بن فَدَكي والمستورِدْ ابن علقمة، فسار إليهم علي عليه السلام مع قيس بن سعد وسهل بن حنيف ومعقل بن قيس وشريح بن هاني، ومالك الأشتر في زهاء عشرة آلاف حتى انتهى إلى النهروان في عسكره فوجد القوم قد تجردوا للقتال واستقبلوه بصدور الرماح؛ فنادى أمير المؤمنين عليه السلام قنبرا فقال: يا قنبر ناد القوم ما نقمتم على أمير المؤمنين؟ ألم يعدل في قسمتكم، ويقسط في حكمكم، ويرحم مسترحمكم، لم يتخذ أموالكم دولا، ولم يأخذ منكم إلا السهمين اللذين جعلهما الله سهما في الخاصة وسهما في العامة، فقالت الخوارج: يا قنبر إن مولاك رجل جدل، وهو رجل خصم، وقد قال الله تعالى: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] وهو منهم، وقد ردنا بكلامه الحلو في غير موطن. وجعلوا يقولون والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، فقال علي عليه السلام: يا ابن عباس، انهض إلى القوم فادعهم بمثل الذي دعاهم به قنبر، فإني أرجو أن يجيبوك، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين ألقي علي حلتي، أو ألبس على سلاحي فإني أخافهم على نفسي، قال: بلى، فانهض إليهم في حُلَّتك،

من أي يوميك من الموت تفر ... من يوم لم يقدر أم يوم قدر

قال: فنهض ابن عباس إليهم وناداهم بمثل الذي أمره به، فقالت طائفة: والله لا نجيبه حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وقال أصحاب الحجج في أنفسهم: والله لنجيبنه ولنخصمنه، ولنكفرنه، وصاحبه لا ينكر ذلك، فقالوا: ننقم عليه خصالا كلها موبقة مكفرة: أما أولاهن فإنه محى اسمه من أمير المؤمنين حيث كتب إلى معاوية؛ فإن لم يكن أمير المؤمنين فإنه أمير الكافرين؛ لأنه ليس بينهما منزلة، ونحن مؤمنون ولسنا نرضى أن يكون علينا أميرًا.

ونقمنا عليه أن يُقَسِّمَ علينا يوم البصرة ما حوى العسكر. وسفك الدماء ومنعنا النساء والذراري فلعمري إن كان حل هذا فما حرم هذا!

ونقمنا عليه يوم صفين أنه أحب الحياة وركن إلى الدنيا حبا بينا أن نقاتل معه وأن ننصره حيث رفعت لنا مصاحف أهل الشام، فهلا ثبت وحرض على قتال القوم وضرب بسيفه حتى نرجع إلى أمر الله ونقاتلهم، والله تعالى يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]

وننقم عليه أنه حكم الحكمين فحكما بجور لزمه وِزْرُه.

ونقمنا عليه أنه ولى الحكم غيره وهو عندنا من أحكم الناس.

ونقمنا عليه أنه شك في نفسه حين أمر الحكمين أن ينظرا، فإن كان معاوية أولى بالأمر ولوه، فإن شك في نفسه فنحن أعظم فيه شكًا.

ونقمنا عليه أنه كان وصيا فضيع الوصية، ونقمنا عليك يا ابن عباس حيث جئت ترفل إلينا في حلة حسنة تدعونا إليه.

فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين سمعت ما قال القوم، فقال علي عليه السلام: قد لا ترتابن ظفرت بهم والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، نادهم: ألستم ترضون بما أتيتكم به من كتاب الله لا تجهلون به، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تنكرونه؟ قالوا: اللهم بلى، قال: أبدأ بما بدأتم به على مدار الأمر أنا كاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث كتب: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى سهيل بن عمرو وصخر بن حرب ومن قبلهما من المشركين عهدا إلى مدة، فكتب المشركون: إنا لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، فاكتب إلينا باسمك فإنه الذي نعرف، واكتب إلينا ابن عبدالله، فأمرني فمحوت رسول الله وكتبت ابن عبدالله، وكذلك كتبت إلى معاوية من علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومن قبلهما من الناكثين عهدا إلى مدة فكتبوا إنا لو علمنا أنك أمير المؤمنين ما قاتلناك؛ فاكتب إلينا من علي بن أبي طالب نجبك؛ فمحوت أمير المؤمنين وكتبت ابن أبي طالب كما محى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكما كتب، فإن كنتم تلغون بسم الله الرحمن الرحيم أن محاها وتلغون رسول الله أن محاها ولا تثبتونه فالغوني ولا تثبتوني، وإن أثبتموه فإن الله تعالى يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] فاستننت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: صدقت هذه بحجتنا هذه.

قال: وأما قولكم: إني قسمت بينكم ما حوى العسكر يوم البصرة وأحللت الدماء ومنعتكم النساء والذرية؛ فإني مننت على أهل البصرة لما افتتحتها وهم يدعون الإسلام كما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهل مكة وهم مشركون لما افتتحها، وكان أولادهم ولدوا على الفطرة قبل الفرقة بدينهم وإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم، ولم نأخذ صغيرا بذنب كبير، وقد قال تعالى في كتابه: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لو أن رجلًا غل عقالًا من الحرب لأتى يوم القيامة وهو مغلول به حتى يؤديه)). وكانت أم المؤمنين أثقل من عقال، فلو غللتها وقسمت سوى ذلك فإنه غلول، ولو قسمتها لكم وهي أمكم لاستحل منها ما حرم الله، فأيكم كان يأخذ أم المؤمنين في سهمه وهي أمه؟ قالوا: لا أحد وهذه بحجتنا هذه.

وأما قولكم: إني حكَّمت الحكمين، فقد عرفتم كراهتي لهما إلا أن تكذبوا.

وقولي لكم: ولوها رجلًا من قريش، فإن قريشا لا تخدع فأبيتم إلا أن وليتموها من وليتم. فإن قلتم: سكت حيث فعلنا ولم تنكر، فإنما جعل الله الإقرار على النساء في بيوتهن، ولم يجعله على الرجال في بيوتهم. فإن كذبتم وقلتم: أنت حكمت ورضيت، فإن الله قد حكم في دينه الرجال وهو أحكم الحاكمين، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] الآية، وقال: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35] فإنما على الإنسان الاجتهاد في استصلاح الحكمين، فإن عدلا كان العدل فيما رأياه أولى، وإن لم يعدلا فيه وجارا كان الوزر عليهما، ولا تزر وازرة وزر أخرى، قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.

وأما قولكم: إني حكَّمتُ وأنا أولى الناس بالحكم فقد حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن معاذ يوم اليهود فحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وجعل أموالهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.

وأما قولكم: إني قلت للحكمين: انظرا في كتاب الله فإن كان معاوية أحق بها مني فأثبتوه وإن كنت أولى بها فأثبتوني، فلو أن الحكمين اتقيا الله ونظرا إلى القرآن عرفا أنني كنت من السابقين بإسلامي قبل معاوية، ومعاوية مشرك، وعرفت أنهم إذا نظروا في كتاب الله وجدوني يجب لي على معاوية الاستغفار؛ لأني سبقته بالإيمان، ولا يجب لمعاوية علي الاستغفار، ووجدوني يجب لي على معاوية خمس: ما غنمتم؛ لأن الله تبارك وتعالى أمر بذلك إذ يقول: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]، فإذا حكما بما أنزل الله أثبتوني، ولو قلت: احكموا وأثبتوني أبى معاوية، ولكني أظهرت لهم النصفة حتى رضي. كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو قال: أجعل لعنة الله عليكم أبوا أن يباهلوا، ولكن جعل لعنة الله على الكاذبين، فهم الكاذبون واللعنة عليهم، ولكن أظهر لهم النصفة فقبلوا، قالوا: صدقت هذه بحجتنا هذه.

وأما قولكم: إن كان معاوية أهدى مني فأثبتوه، فإنني قد عر فت أنهم لا يجدونه أهدى مني، وقد قال الله تبارك وتعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] فقد عرفت أنهم لا يجدون معاوية أهدى مني.

وأما قولكم: إن الحكمين كانا رجلي سوء فلم حكمتهما؟ فإنهما لو حكما بالعدل لدخلا فيما نحن فيه وخرجا من سوئهما، كما أن أهل الكتاب لو حكموا بما أمر الله سبحانه حيث يقول: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47] خرجوا من كفرهم إلى ديننا، قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه. وأما قولكم: إني كنت وصيا فضيعت الوصية، فإن الله تعالى قال في كتابه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] ولو ترك الحج من استطاع إليه سبيلا كفر ولم يكن البيت ليكفر، ولو تركه الناس لا يأتونه، ولكن كان يكفر من يستطيع إليه السبيل ولا يأتيه، وكذلك أنا إن أكن وصيا فأنتم كفرتم لا أنا كفرت بكم وبما تركتموني قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.

وأما قولكم: إن ابن عباس جاء يرفل في حلة حسنة يدعوكم إلى ما ندعوكم إليه، فقد رأيت أحسن منها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حرب.

فرجع إليه من الخوارج أكثر من أربعة آلاف، وثبت على قتاله أربعة آلاف، وأقبلوا يحكمون، فقال علي عليه السلام حكم الله أنتظر فيكم. يا هؤلاء أيكم قتل خباب بن الأرت وزوجته وابنه يظهر لي أقتله بهم، وانصرف عهدا إلى مدة حكم الله أنتظر فيكم؟ فنادوا: اللهم كلنا قتل خبابا وزوجته وابنه واشترك في دمائهم. فناداهم أمير المؤمنين عليه السلام: أظهروا لي كتابا وشافهوني بذلك فإني أكره أن يقر به بعضكم في الضوضاء ولا يقر بعض، ولا أعرف ذلك في الضوضاء، ولا استحل قتل من لم يقر بقتل من أقر، لكم الأمان حتى ترجعوا إلى مراكزكم كما كنتم، ففعلوا وجعلوا كلما جاء كتيبة سألهم عن ذلك، فإذا أقروا عزلهم ذات اليمين حتى أتى على آخرهم، ثم قال: ارجعوا إلى مراكزكم، فلما رجعوا ناداهم ثلاث مرات رجعتم كما كنتم قبل الأمان من صفوفكم، فنادوا كلهم نعم. فالتفت إلى الناس فقال: الله أكبر لو أقر بقتلهم أهل الدنيا وأقدر على قتلهم لقتلتهم، ثم شد عليهم مرة بعد مرة، يرجع بسيفه يسويه على ركبتيه من اعوجاجة. ثم شد الناس عليهم فقتلوهم فلم ينج منهم تمام عشرة، فقال: ائتوني بذي الثدية فإنه في القوم، فقلب الناس القتلى فلم يقدروا عليه، فأتي فأخبر بذلك، فقال: الله أكبر، والله ما كذبت ولا كذبت وإنه لفي القوم، ثم قال: ائتوني بالبغلة فإنها هادية، فركبها ثم انطلق حتى وقف على قليب، ثم قال: قلبوا فقلبوا سبعة من القتلى فوجدوه ثامنهم، فقال: الله أكبر هذا ذو الثدية، والذي خبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه يقتل مع شر جيل، ثم قال: تفرقوا فلم يقاتل معه الذين كانوا اعتزلوا، كانوا وقوفا على حدة، وقد كان عليه السلام قال لأصحابه: إنه لا يقتل منكم عشرة، ولا ينجو منهم عشرة، فكان الأمر كما قال.

وقد روينا في الخوارج عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((تمرق مارقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق))

وروينا عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كلاب أهل النار (الخوارج)).

وروينا بالإسناد إلى عبدالله بن مسعود قال: أمر علي عليه السلام بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين. وعن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين فمع من؟ قال: مع علي بن أبي طالب)).

والمراد بالناكثين: طلحة والزبير وأصحابهم؛ لأنهم نكثوا بيعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وبالقاسطين: معاوية وأصحابه؛ لأنهم قسطوا عن الحق أي جاروا وعدلوا. وبالمارقين: الخوارج؛ لأنهم مرقوا عن طاعة أمير المؤمنين عليه السلام.

مُدَّة خِلافَتِهِ بَعْدَ البَيْعَة

كانت البيعة كما ذكرنا يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وضرب عليه السلام لتسع عشرة، وقيل: لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، وتوفى ليلة إحدى وعشرين من الشهر على أثبت الروايات سنة أربعين من الهجرة؛ فكانت مدة الخلافة أربع سنين وتسعة أشهر وأياما على أصح الروايات، ذكره السيد أبو طالب عليه السلام في الإفادة.

ذكر أولاده ووفاته (ع)

أولاد أمير المؤمنين عليه السلام الحسن والحسين صلوات الله عليهما والمحسن درج صغيرًا، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى، أمهم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأبو القاسم محمد، أمه خولة بنت جعفر بن قيس من بني بكر بن وائل ثم من بني حنيفة.

والعباس وعثمان وجعفر وعبدالله قتلوا مع الحسين صلوات الله عليه، أمهم أم البنين بنت حزام من ولد عامر بن صعصعة. وأبو بكر وعبيد الله، أمهما ليلى بنت مسعود الدارمية. وعمر ورقية، أمهما الصهباء وهي أم حبيب بنت ربيعة من بني تغلب بن وائل من سبي خالد بن الوليد. وعمر الأصغر أمه المصطلقية. ومحمد الأوسط، ومحمد الأصغر، وعمر الأوسط على قول بعضهم، والعباس الأصغر، وجعفر الأصغر لأمهات شتى. وعبدالرحمن، وأمه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي ابنة أخت فاطمة عليها السلام. وكانت أوصت إليه عليه السلام بأن يتزوج بها بعدها. ويحيى وعون درجا صغيرين، وأمهما أسماء بنت عميس من ولد خثعم بن أنمار بن نزار. فهؤلاء عشرون ابنًا. هم أكثر المعدودين من أولاده الذكور.

ومن أصحاب الأنساب من لم يعد محمد الأوسط والأصغر، ولم يذكر عمر الأوسط، ومنهم من لم يذكر إلا عمر المعقب. والعقب لخمسة منهم: وهم الحسن، والحسين عليهما السلام، ومحمد، والعباس، وعمر.

والبنات اثنتان وعشرون بنتا على اختلاف في ذلك بين أهل النسب. زينب الكبرى قد روت عن أمها فاطمة عليها السلام غير حديث، والصغرى. وأم كلثوم الكبرى، والصغرى، ورملة الكبرى، والصغرى، ورقية الكبرى، والصغرى، وأم هاني الكبرى، والصغرى، وأم الكرام واسمها الجمانة، وأم جعفر، وقد اختلف أهل النسب فيها. فمنهم من يقول: جمانة هي أم جعفر، وهو قول يحيى ابن الحسن العقيقي. ابن الكلبي يقول: الجمانة غير أم جعفر. وأم سلمة. ونفيسة هي أم كلثوم الصغرى. وقال غيره: هي غيرها. وميمونة، وليلى، وأم الحسن، وفاطمة، وخديجة، وأمامة.

والعقب لأربع منهن: وهن زينب الكبرى عقبها في ولد عبدلله بن جعفر بن أبي طالب، وزينب الصغرى عقبها في ولد محمد بن عقيل ولدت له عبدالله بن محمد بن عقيل، وأم الحسن عقبها في ولد جعدة بن هبيرة ابن أخت علي عليه السلام، وفاطمة عقبها في ولد سعد بن الأسود بن أبي البختري. والبواقي منهن لم يتزوجن، ومنهن مزوجات من ولد عقيل والعباس بن عبد المطلب وقد انقرض عقبهن.

: عمّاله عليه السلام: كاتبه عبيدالله بن أبي رافع. وحاجبه قنبر مولاه. وعامله على مكة مَعْبِدْ بن العباس بن عبدالمطلب. وعلى المدينة قثم بن العباس. وعلى اليمن عبيدالله بن العباس هذه رواية الزبير بن بكار. وروى غيره أن مكة والطائف ونواحيها كان عليها قثم بن العباس. وكان على المدينة أبو أيوب الأنصاري، وهذا أظهر. وعلى مصر قيس بن سعد. ثم ولى محمد بن أبي بكر عليها. ثم ولى الأشتر عليها فلم يصل إليها وسم في الطريق بحيلة من معاوية. وعلى البصرة عثمان بن حنيف قتل في وقعة الجمل، ثم عبدالله بن العباس بعدها. وأبو الأسود الدؤلي كان على القضاء بها. وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث. وعلى فارس وكرمان ونواحيها زياد. وعلى خراسان جعدة بن هبيرة. ثم خالد بن قرة اليربوعي. وعلى المدآئن سعيد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد.

ذِكْرُ مَقْتَلِهِ وَمَبْلَغ عُمُرِهِ وَمَوْضِعَ قَبْرِهِ عليه السلام:

روينا عن قيس بن الربيع قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يفطر عند الحسن بن علي عليهما السلام فلا يزيد على ثلاثة لقم قال: فيقولُ: يا أبه لو زدت، فيقول: أحب أن ألقى الله خميصا. وعن عثمان بن المغيرة قال: لما دخل رمضان جعل علي يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبدالله بن جعفر، لا يزيد على ثلاث لقم يقول: يأتيني أمر الله حين يأتيني وأنا خميص، وإنما هي ليلة أو ليلتان. ورأى أمير المؤمنين علي عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، قال علي: فشكوت إليه ما لقيت من أهل العراق فوعدني الراحة عن قريب، فما لبث بعد ذلك إلا جمعة أو جمعتين.

وروينا عن عبدالرحمن بن زيد بن أس لم عن أبيه قال: قال علي عليه السلام: واشتكى شكوى، فلما أفاق قالوا: لقد خفنا عليك، قال: ما خفتم علي؟ قالوا: لم نأمن عليك الموت، قال: لا، لعمري ما من الموت أمان، ولكن حدثني الصادق المصدوق البار صلى الله عليه وآله وسلم أني لن أموت حتى تخضب لحيتي هذه من دم رأسي، يضربني أشقى هذه، كما عقر ناقة الله أشقى ثمود.

وروى الحاكم رضي الله عنه عن عبدالله بن سبع قال: خطبنا علي عليه السلام وقال: فيما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لتخضبن هذه من دم هذا، فقالوا: ألا تخبرنا به فنبيد عترته، فقال: أنشد الله رجلا قتل غير قاتلي.

وروى رضي الله عنه عن أبي الأسود الدؤلي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: أتاني عبدالله بن سلام وقد أدخلت رجلي في الغرز، فقال: أين تريد؟ فقلت العراق، فقال: أما إنك لو جئتها ليصيبنك بها ذباب السيف، ثم قال علي عليه السلام: وايم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قبله، قال أبو الأسود: فتعجبت منه؛ رجل محارب يحدث بمثل هذا عن نفسه!

وروي عنه أنه عليه السلام لما أراد أن يخرج من الدار في الليلة التي ضرب فيها تعلق مئزره بالباب فانشأ يقول:

 

اشدد حيازيمك للمو ... ت فإن الموت لاقيكا

ولا تجزع من الموت ... إذا حلّ بواديكا

ثم مضى إلى المسجد وهو يقول:

خلوا سبيل المؤمن المجاهد ... في الله لا يعبد غير الواحد

ويوقظ الناس إلى المساجد

وروينا أن عبدالرحمن بن ملجم، والبرك بن عبدالله، وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا بمكة فذكروا أمر الناس، وعابوا عمل ولاتهم، ثم ذكروا أمر أهل النهر فترحموا عليهم وقالوا: والله ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا، فلو اشترينا أنفسنا وأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم وأرحنا منهم البلاد، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب، وقال البرك: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا على ذلك، واتعدوا ليلة تسع عشرة من رمضان، وهي. عليه السلام الليلة التي ضرب ابن ملجم فيها عليا عليه السلام فأقبل كل واحد منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه.

فأما ابن ملجم فلقي أصحابه بالكوفة فكاتمهم أمره حتى إذا أتى ذات يوم أصحابا له من تيم الرباب، وقد كان علي عليه السلام قتل منهم عدة يوم النهر، فلقي من يومه ذلك امرأة يقال لها: قطام، وكان علي عليه السلام قد قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت جميلة، فلما رآها التبست بقلبه فخطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفي لي. قال: وما تشائين؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة، وقتل علي بن أبي طالب، فقال: والله ما جاء بي إلا قتل علي بن أبي طالب، قالت: فإني أطلب لك من يساعدك، وبعثت إلى رجل يقال له: وردان فكلمته فأجابها. وأتى ابن ملجم شبيب بن بجره ويقال: شبث، وقال: هل لك في قتل علي؟ فقال: ثكلتك أمك! كيف تقدر عليه؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه، قال: ويحك! لو كان غير علي كان أهون، قال: أما تعلم بأنه قتل أهل النهر العباد المصلين، قال: بلى، قال نقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه، فجاءوا حتى دخلوا على قطام، وقال: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبي أن يقتل كل واحد منا صاحبه.

وروي أنها أعدت له سيفا، فلما دفعته إليه قالت: اقتل عليا وارجع قرير العين مسرورا، فقال: لا بل أرجع سخين العين مثبورا، ثم إنهم أخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي عليه السلام، فخرج صلوات الله عليه لصلاة الغداة فشد عليه شبث فوقع سيفه بعضادة الباب وبالطاق ولم يصبه، وضربه ابن ملجم على رأسه، وهرب وردان حتى دخل منزله، فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع السيف والحريرة، وأخبره بما كان، فذهب إلى منزله وأخذ سيفه وعلاه به حتى قتله، وخرج شبث ونجا، وشدوا على ابن ملجم وأخذوه.

وروي أن الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن جبلة بن معاوية كان تلك الليلة بناحية من المسجد، وحجر بن عدي رحمه الله كان يصلي، فسمع الأشعث يقول له: النجا، فضحك الصبح، فقال: قتلته يا أعور قتلك الله، وكان الأشعث أعور، وكان ابن ملجم حليفا لبني جبلة وابن أخت لهم، وجبلة هو الذي ينتمي إليه الأشعث، كما قدمنا نسبه، فلما قتل علي عليه السلام قال قيس بن ربيعة الكندي يرثيه ويهجو الأشعث:

قتلت أمير المؤمنين تَخَوُّنًا ... على غير شيء يا بن واهصة الخصى

وأنت لعلج من هرابذ فارس ... تؤول لعلج ما تبوء لذي العلا

لشنجيت ترمى شر أبناء فارس ... إلى شر منجول وألأمَ مُنتمى

غدرت بميمون النقيبة حازم ... وأكرم من ضمت حصاب ومن مشى

أخي الدين والإسلام والبر والتقى .. وصهر الذي أصفى له الدين بالهدى

أبرَّ بذي قربى وأبعد من خنا ... وأتقى لرب حين ميْزَ ذوو النهى

وأشجع من ضرغامة ذي مهابة ... وأجود من نوء السماك إذا سقى

أخا أحمد والوارث العلم بعده ... وصي له في الغابرين ومن مضى

فأبشر أخا الإتراف والحوب والخنا ... بما إن تلاقي أن تحش لكم لظى

مقارن إبليس بها عرف نارها ... وقود لحاميها ليهْنَ لك السقا

فلا زلت موزوعًا لعِينًا مُبَغَّضًا ... وأبعدك الرحمان واجتاحك الردى

وكان الأشعث دعيا في كندة؛ ولذلك قال علي عليه السلام فيما حكى الأسود بن قيس الهمداني: أن عليا عليه السلام كان جالسا في الرحبة إذ طلع الأشعث بن قيس فسلم ثم جلس فقال: يا أمير المؤمنين جئت خاطبا، قال: لمن؟ قال: إليك. قال: أحمقة كحمقة أبي بكر يا أشعث، يأبى ذلك عليك شنجيت، فقال الأشعث: وما شنجيت؟ قال رجل من الفرس لما تمزق ملك بني عمرو بن معاوية شخص مع كندة إلى اليمن، وابنه خرزاذ معه غلام، فلما انتهوا إلى حضرموت هلك شنجيت، فانتسب خرزاذ جدك الذي يقال له: معدي كرب إلى جبلة بن معاوية. وكان الأشعث لما ارتد عن الإسلام وتحصن بحصنه النحير بعث إليه أبو بكر زياد بن لبيد البياضي، فأخذه فمن عليه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة؛ فلذلك قال علي عليه السلام: أحمقة كحمقة أبي بكر.

وروي عن محمد بن حنيف قال: والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها ابن ملجم عليا عليه السلام قريبا من السدة في رجال كثير من أهل البصرة، إذ خرج علي عليه السلام لصلاة الغداة، فنظرت إلى بريق السيف، وسمعت: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك، ثم سمعت عليا عليه السلام يقول: لا يفوتنكم الرجل، فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على علي عليه السلام فسمعته يقول: النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأي. فبينا هم عنده - وابن ملجم مكتوف بين يدي الحسن عليه السلام إذ نادت أم كلثوم بنت علي عليه السلام: إنه لا بأس على أبي، والله مخزيك يا عدو الله، فقال: فعلام تبكين؟ فوالله لقد شريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة لجميع الناس ما بقي منهم أحد. وأقبل علي عليه السلام على ابن ملجم، وقال: أرأيت إن سألتك عن ثلاث خصال تصدقني إن سألتك؟ قال: سلني، قال: سألتك بالله هل كنت تدعى وأنت صغير: ابن راعية الكلاب؟ قال: اللهم نعم. قال: فأسألك عن الثانية: أنشدك بالله أمر بك رجل وقد تحركت فقال: أنت شقيق عاقر ناقة ثمود؟ قال: اللهم نعم. قال: فإني سائلك عن الثالثة، وهي أشدهن عليك هل حدثتك أمك أنها حملت بك في حيضها؟ قال: اللهم نعم، ولو كنت كاتما شيئا لكتمته. وفي قطام وما كان منها يقول القائل وهو ابن مياس الفزاري:

ولم أر مهرًا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام من فصيح وأعجم

ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وقتل علي بالحسام المصمم

فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ... ولا فَتْكَ إلا دون فتك ابن ملجم

وأما صاحبا ابن ملجم لعنه الله تعالى: فإن البرك بن عبدالله انطلق تلك الليلة التي ضرب فيها علي عليه السلام إلى معاوية فوافقه يصلي بالناس فشد عليه فطعنه بالخنجر في أليته، فأخذ فقتل. ويقال: بل قطع يديه ورجليه وخلى عنه. ودووي معاوية وبريء، ثم بلغه أنه ولد له ولد، فبعث إليه فقتله، ثم اتخذ معاوية المقاصير والحرس، وهو أول من اتخذها في الإسلام خوفا على نفسه. وانطلق عمرو بن بكر إلى عمرو بن العاص، وكان عميدا يشتكي بطنه فلم يخرج تلك الليلة، وأمر خارجه قاضي مصر أن يصلي بالناس، فخرج يصلي بهم فوافقه ابن بكر فقتله، فأمسك فانطلق به إلى عمرو، وقال لعمرو: يا عدو الله والله ما أردت غيرك لكن الله أبى إلا خارجه، ثم أمر به فقتل وصلب.

وروينا عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهم السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يخرج إلى الصبح وفي يده درة يوقظ بها الناس، فضربه ابن ملجم، فقال علي عليه السلام: أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره، فإن عشت فالحق حقي، فإن شئت استقدت.

وفي بعض الأخبار كفوا عنه وأوثقوه، فإن أعش فالحق حقي أرى فيه رأيي، وإن أمت فرأيكم في حقكم.

وضرب عليه السلام ليلة تسع عشرة من شهر رمضان.

وروينا أنه عليه السلام لما ضرب جمع له أطباء أهل الكوفة فلم يكن فيهم أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السكوني، وكان متطببًا صاحب كرسي يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاما الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في بيعة عين التمر فسباهم. وأن أثيرا لما نظر إلى جرح أمير المؤمنين عليه السلام دعا برئة شاة حارة فاستخرج عرقا منها فأدخله الجرح ثم استخرجه فإذا عليه بياض الدماغ فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك.

وروينا عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: لما ضرب أمير المؤمنين علي عليه السلام الضربة التي توفي منها؛ استند إلى اسطوانة المسجد، والدماء تسيل على شيبته، وضج الناس في المسجد كهيئة يوم قبض فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فابتدأ خطيبا فقال- بعد الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: كل امرئ ملاق ما يفر منه، والأجل تساق إليه النفس، والهرب منه موافاته. كم اطردت الأيام ابحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله إلا ستره، وإخفاءه علما مكنونا. أما وصيتي بالله عز وجل: فلا تشركوا به شيئا، ومحمدا صلى الله عليه وآله وسلم فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، حمل كل أمرئ منكم مجهوده، وخفف عن العجزة رب كريم رحيم، ودين قويم، وإمام عليم، كنتم في إعصار وذرو رياح، تحت ظل غمامة اظمحل راكدها، ليعظكم خفوتي وسكون أطرافي، إنه لأوعظ لكم من نطق بليغ. ودعتكم وداع امرئ مرصد للتلاق، غدا ترون أيامي، ويكشف لكم عن سرائري، فعليكم السلام إلى يوم اللزام، كنت بالأمس صاحبكم، وأنا اليوم عظة لكم، وغدا أفارقكم. فإن أبق فأنا ولي دمي، وإن أفن فالقيامة ميعادي، عفى الله عني وعنكم.

توفى عليه السلام ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين. وولي غسله ابنه الحسن بن علي عليهما السلام، وعبيدالله بن العباس، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلى عليه ابنه الحسن بن علي عليهما السلام، وكبر خمس تكبيرات، ودفن عند صلاة الصبح أولا في الرحبة مما يلي باب كندة، ثم نقل ليلًا إلى الغري.

وذكر السيد أبو طالب أن المشهور أن زيد بن علي عليهما السلام قال لأصحابه وهم يسلكون معه طريق الغري: أتدرون أين نحن؟ نحن في رياض الجنة، نحن في طريق قبر أمير المؤمنين. قال: ومن المعلوم الذي لا يخفى على من نظر في الأخبار أن جعفر بن محمد حضر الموضع وزار القبر، وقال لابنه إسماعيل: هذا قبر جدك أمير المؤمنين.

وروي عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال: حملناه ليلًا ودفناه بالغري. فهذا كلام سادة العترة عليهم السلام، فكيف تدعى النواصب أن موضع القبر ليس بمعلوم! لولا عمى بصائرهم وشدة انحرافهم عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وروينا بالإسناد عن الأسود الكندي والأجلح قالا: توفي أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو ابن أربع وستين سنة، قال السيد أبو طالب عليه السلام: وهو الأصح. وعن جعفر بن محمد قال: قتل علي عليه السلام وهو ابن ثمان وخمسين، وعن محمد ابن الحنفية لما جاوز خمسا وستين سنة قال: جاوزت سن أبي بسنتين.

ولما دفن عليه الصلاة والسلام، دعا الحسن بن علي عليهما السلام - بعد دفنه أباه ابن ملجم لعنه الله فأتي به فأمر بضرب عنقه، فقال له: إن رأيت أن تأخذ علي العهود أني أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك بعد أن أمضي إلى الشام فأنظر ما صنع صاحبي بمعاوية فإن كان قتله وإلا قتلته، ثم عدت إليك فتحكم في بحكمك؟ فقال له الحسن عليه السلام: هيهات، والله لا تشرب الماء البارد أو تلحق روحك بالنار، ثم ضربت عنقه، فاستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته منه، فوهبها لها، فأحرقتها بالنار.

وروينا بالإسناد عن ابن شهاب قال: قدمت دمشق غازيًا فدخلت على عبدالملك بن مروان، فإذا هو على فرش يفوت القائم، والناس سماطين بين يديه فسلمت، فأخذت مجلسا، فقال: يا ابن شهاب، أتعرف ما كان في بيت المقدس صباح ليلة قتل فيها علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم، قال: هلم فدرت خلف السماط حتى أتيته من خلف القبة، فتحول إلي فولاني رأسه، فقال: ما كان؟ فقلت: ما رفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم! فقال: ما بقي أحد يعرف هذا غيري وغيرك فلا يخرجن منك، فما حدثت به حتى مات.

وروينا بالإسناد إلى الحاكم رضي الله عنه رواه عن جعفر بن محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: ((يا علي من زارني في حياتي، أو بعد وفاتي، أو زارك في حياتك، أو بعد موتك، أو زار ابنيك في حياتهما، أو بعد موتهما، ضمنت له يوم القيامة أن أخلصه من أهوالها وشدائدها حتى أصيره معي في درجتي))

وروي عن الرضى عليه السلام أنه قال: من زار قبر أمير المؤمنين فليصل عند رأسه ست ركعات؛ فإن في قبره عظام آدم، وجسد نوح، وأمير المؤمنين عليهم السلام، فمن زار أمير المؤمنين فقد زار آدم ونوحا وأمير المؤمنين. وعنه رضي الله عنه عن الصادق عليه السلام: إذا بعدت بأحدكم الشقة ونأت به الدار فليصل ركعتين، وليؤم بالسلام إلى قبورنا، فإن ذلك يصل إلينا.

وقالت أروى بنت الحارث بن عبدالمطلب ترثي أمير المؤمنين عليا عليه السلام:

ألا يا عين ويحك أسعدينا ... ألا تبكي أمير المؤمنينا

رُزِئنا خير من ركب المطايا ... وفارسها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمئينا

إذا استقبلت وجه أبي حسين ... رأيت البدر راع الناظرينا

فلا والله لا أنسَى عليًا ... وحُسْنَ صلاته في الراكعينا

يقيم الحد لا يرتاب فيه ... ويقضي بالفرائض مستبينا

أفي شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طُرًا أجمعينا

كأن الناس إذ فقدوا عليًا ... نَعَامٌ حال في بلد سنينا

وكُنَّا قبل مهلكه بخير ... نرى فينا وصي المسلمينا

أشاب ذؤابتي وأطال جُهْدِي ... أُمَامَةُ حين فارقتِ القرينا

وعَبْرَةُ أمِّ كلثوم بحزن ... تجرعها وقد رأت اليقينا

فلا تَشْمَتْ معاويةُ بن صخر ... فإن بقية الخلفاء فينا

ولما دفن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، قام صعصعة بن صوحان، وأخذ التراب ووضعه على رأسه، وأنشأ يقول:

ألا من لي بسرك يا أُخيّا ... ومن لي أن أبثك ما لديّا

طوتك منون دهرك بعد نشر ... كذلك دَأبُهُ نشرا وطَيَّا

فلو نشرت طواك لي المنايا ... شكرت إليك ما صنعت إليَّا

كفى حزنًا بفقدك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديّا

بكيتك يا عليّ بملء عيني ... فلم يغن البكاء عليك شيَّا

وكانت في حياتك لي عظاة ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا

وقال عمران بن حطان الخارجي في عبد الرحمن بن ملجم لعنهما الله -حين ضرب عليا عليه السلام:

يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يومًا فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا

أخْلقْ بقومٍ بطونُ الطير أقبرهم ... لم يخلطوا دينهم كفرًا وعدوانا

فأجابه القاضي أبو الطيب طاهر بن عبدالله بن طاهر الفقيه الشافعي بهذه الأبيات:

إني لأبرءُ مما أنت قائله ... عن ابن مُلْجَمٍ الملعون بهتانا

يا ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليهدم للإسلام أركانا

إني لأذكره يومًا فألعنه ... دينًا وألعن عمرانا وحطانا

عليك ثم عليه الدهر متصلا ... لعائن الله إسرارًا وإعلانا

فأنتما من كلاب النار جاء به ... نص الشريعة برهانًا وتبيانًا

وروى صاحب كتاب الاستيعاب الفقيه الحافظ أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النميري لبكر بن حماد التاهرتي يعارض ابن حطان:

قتلتَ أفضل من يمشي على قدم ... وأول الناس إسلامًا وإيمانا

وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سَنَّ الرسول لنا شرعًا وتبيانا

صهر النبي ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورًا وبرهانا

وكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بن عمرانا

وكان في الحرب سيفًا صارمًا ذكرًا ... ليثًا إذا لقي الأقران أقرانا

ذكرت قاتله والدمع منحدرٌ ... فقلت: سبحان رب الناس سبحانا

إني لأحسبه ما كان من بَشَرٍ ... يخشى المعاد ولكن كان شيطانا

أشقى مراد إذا عُدت قبائلها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا

قد كان يخبر هم أن سوف يخضبها ... قبل المنية أزمانا فأزمانا

فلا عفى الله عنه ما تحمله ... ولا سقى قبر عمران بن حطانا

لقوله في شقي ظل مجترمًا ... ونال ما ناله ظلمًا وعدوانا

يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

بل ضربة من غوي أوردته لظى ... مخلدًا قد أتى الرحمن غضبانا

كأنه لم يرد قصدًا بضربته ... إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا

وروي له أيضًا:

وهز عليٌّ بالعراقين لحيةً ... مصيبتها جلّت على كل مسلم

فقال: سيأتيها من الله حادثٌ ... ويخضبها أشقى البرية بالدم

فباكره بالسيف شلت يمينه ... لشؤم دعاه عند ذاك ابن ملجم

فيا ضربة من خاسر ظل سعيه ... تَبوَّءَ منها مقعدًا في جهنم

ففاز أمير المؤمنين بحظه ... وإن طرقت فيه الليالي بمعظم

ألا إنما الدنيا بلاءٌ وفتنة ... حلاوتها شِيْبَتْ بصابٍ وعلقم

ذِكْرُ نُكَتٍ مِنْ كَلامِهِ وَسِيْرَتِهِ عليه السلام

كلامه عليه السلام في الطبقة العالية في كل فن من فنونه لفظا ومعنى، وهو بحر يطمي تياره، ويتلاطم زخاره، وإنما نذكر مجة من لج زاخر، وقطرة من وابل ماطر. من ذلك ما رويناه بالإسناد الموثوق به عن الحارث أن عليا عليه السلام لما اختلف أصحابه خطبهم حين اجتمعوا عنده مبتديا بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: أما بعد:

فذمتي بذلك رهينة، وأنا به زعيم، من صرحت له العبر فيما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن ارتكاب الشبهات، وإنه لن يظمأ على التقوى زرع قوم ولن يبلى على الهدى سنخ أصل، وإن الخير والخيرة في معرفة الإنسان قدره، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره، وإن أحب خلق الله إلى الله عبد أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف، وأضمر اليقين، وزهرت مصابيح الهدى في قلبه، فسهل على نفسه الشديد، وقرب عليها البعيد، فلم يدع مبهمة إلا كشف غطاءها، ولا مظلمة إلا قصد جلاها، ولا معضلة إلا بلغ مداها، معاين طريقته، مشاهد من كل أمر حقيقته، شرب نهلا، وسلك طريقا سهلا، يحط حيث القرآن حط رحله، وأين نزل كان منزله، فهو من خاص أولياء الله.

وإن أبغض خلق الله إلى الله عبد وكله إلى نفسه جآئر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، فهو فتنة لمن افتتن بعبادته، ضال عن هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به، حمال خطايا غيره، رهين بخطيئته، قمش جهلا من الجهال فأوطأ الناس عشوة، غارا بأوباش الفتنة، قد لهج بالصلاة والصوم، فسماه أشباهه من الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما، تكثر فاستكثر، وما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن وأكثر من غير طائل، قعد حاكما بين الناس، ضامنا لتخليص ما اشتبه عليهم، إن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا من رأيه، فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت إن أصاب، وإن أخطأ لم يعلم؛ لأنه لا يعلم أصاب أم أخطأ لا يحسب أن العلم في شيء مما ينكر، ولا أن من وراء ما بلغه غاية، إن قاس شيئا لم يكذب بصره، وإن أظلم عليه أمر كتم ما يعلم من نفسه؛ لكيلا يقال: لا يعلم، ركاب عشوات، وخائض غمرات، ومفتاح ظلمات، ومعتقد شبهات، لا يعتذر مما لا يعلم، ولا يعض على العلم بضرس قاطع فيسلم، يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم، تصرخ منه الدماء، وتبكي منه المواريث، ويستحل بقضائه الفروج الحرام، ويحرم بقضائه الفروج الحلال، لا مليء بإصدار ما ورد عليه، ولا أهل لإصلاح ما فرط منه، فأبصروا معادن الجور، واستقصوا آثارها، واستروحوا إلى طاعة الله من لا تعذرون بجهالته، ثم ردوا هذا عذب فرات، واحذروا هذا ملح أجاج، واعلموا أن العلم الذي هبط به آدم عليه السلام وما فصلته الأنبياء، في عترة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم فأين يتاه بكم، عن أمر تنوسخ من أصلاب أصحاب السفينة؟ هؤلاء مثلها فيكم، وهم لكم كالكهف لأصحاب الكهف، وهم باب حطة، وباب السلم، فادخلوا في السلم كآفة، خذوا عني عن خاتم المرسلين حجة من ذي حجة قالها في حجة الوداع: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))

وروينا بالإسناد الموثوق به: أن رجلًا قام إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، كيف كان ربنا؟ فقال علي عليه السلام: كيف لم يكن وربنا لم يزل تبارك وتعالى، وإنما يقال: لشيء لم يكن كيف كان؟ فأما ربنا فهو قبل القبل، وقبل كل غاية، انقطعت الغايات عنده، فهو غاية كل غاية، فقال: كيف عرفته؟ فقال: أعرفه بما عرف به نفسه، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3،4] لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، متدان في علوه، عال في دنوه {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] قريب غير ملتصق، بعيد غير متقص، يعرف بالعلامات، وثبت بالآيات، يوحد ولا يبعض، ويحقق ولا يمثل، لا إله إلا هو الكبير المتعال.

وروينا عن أبي المعتمر قال: حضرت مجلس أمير المؤمنين علي عليه السلام في جامع الكوفة، فقام إليه رجل مصفار اللون، كأنه من متهودة اليمن، فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا خالقك وانعته لنا حتى كأنا نراه وننظر إليه، فسبح علي عليه السلام ربه عز وجل وعظمه، وقال: الحمد لله الذي هو أول لا بدئ مما، ولا باطن فيما، ولا هو ممازج مع ما، ولا حال بما، ليس بشبح فيرى، ولا بجسم فيتجزى، ولا بذي غاية فيتناهى، ولا بمحدث فيتصرف، ولا بمستتر فيتكشف، ولا كان بعد أن لم يكن، بل حارت الأوهام أن تكيف المكيف للأشياء، من لم يزل لا بمكان، ولا يزول لاختلاف الأزمان، ولا يقلبه شأن بعد شأن، البعيد من تخيل القلوب، المتعالي عن الأشباه والضروب، علام الغيوب، فمعاني الخلق عنه منفية، وسرائرهم عليه غير خفية، المعروف بغير كيفية، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأقدار، ولا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام.

ومن خطبة له عليه السلام قوله: الحمد لله الذي لا من شيء كان، ولا من شيء خلق ما كون، يستشهد بحدوث الأشياء على قدمه، وبما وسمها من العجز على قدرته، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه، لم يخل منه مكان فيدرك بأينية، ولا له شبح مثال فيوصف بكيفية، ولم يغب عن شيء فيعلم بحيثية، مباين لجميع ما جرى في الصفات، وممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الأدوات، وخارج بالكبرياء والعظمة من جميع تصرم الحالات، لا تحويه الأماكن لعظمته، ولا تدركه الأبصار لجلاله، ممتنع من الأوهام أن تستغرقه، وعن الأذهان أن تتمثله.

وفي رواية أخرى: فليست له صفة تنال، ولا حد يضرب له فيه بالأمثال، كل دون صفاته تخابير اللغات، وضل هنالك تصاريف الصفات، وحار دون ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب، تاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول، واحد لا بعدد، دائم لا بأمد، قائم لا بعمد، ليس بجنس فتعادله الأجناس، ولا بشبح فتضارعه الأشباح، ليس لها محيص عن إدراكه لها، ولا خروج عن إحاطته بها، ولا احتجاب عن إحصائه لها، ولا امتناع من قدرته عليها، كفى بإتقان صنعه لها آية، وبتركيب خلقها عليه دلالة، وبحدوث ما فطر على قدمه شهادة، فليس له حد منسوب، ولا مثل مضروب، ولا شيء هو عنه محجوب، تعالى عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقة علوًا كبيرًا.

ومن كلام له عليه السلام حين وقع خلاف من خالفه بعد حمد الله والثناء عليه ثم قال: ما شاء الله، توكلت على الله الذي لا إله إلا هو، حي بلا كيف، ولم يكن له كان، ولا كان له أين، ولا كان في شيء، ولا كان على شيء، ولا قوي بعد ما كون، ولا كان ضعيفا قبل أن يكون، ولا كان مستوحشا قبل أن يبتدع، ولا خلوا من الملك قبل إنشائه، ولا يكون خلوا بعد ذهابه، كان إلها حيا لا بحياة، وملكا قبل أن ينشئ شيئا، ومالك قبل إنشائه، وليس يكون له كيف ولا أين، ولا له حد يعرف، ولا شيء يشبهه، ولكن سميع بلا سمع، وبصير بغير بصر، وقوي بغير قوة من خلقه، لا تدركه حدق الناظرين، ولا يحيط به سمع السامعين، إذا أراد شيئا كان بلا مشاورة ولا مظاهرة، ولا يسأل أحدا عن شيء خلقه وأراده، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، العلي الجبار، أيتها الأمة المخدوعة انخدعت وعرفت خديعة من خدعها، فأصرت على ما عرفت، واتبعت هواها، وضربت في عشواء غوايتها، وقد استبان لها الحق فصدت عنه، والطريق الواضح فتنكبته، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لو اقْتَبَسْتُمُ العلم من موضعه، وشربتم الماء بعذوبته، وأخذتم من الطريق واضحه؛ لأنهجت لكم السبل، وبدت لكم الأعلام، ولأكلتم رغدا، ولا عال فيكم عائل، ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد، ولكنكم سلكتم سبل الظلام، فأظلمت عليكم دنياكم برحبها، وسددتم عليكم أبواب العلم، فقلتم بأهوائكم، واختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين الله بغير علم، واتبعتم الغواة فأغوتكم، وتركتم الأئمة فتركوكم، فإذا حزب الأمر سألتم أهل الذكر، فإذا أنبأوكم قلتم: هو العلم بعينه، فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه، رويدا عما قليل تحصدون غب ما تزرعون، وتجدون وخيم ما اجترحتم، وينزل بكم ما وعدتم كما نزل بالأمم قبلكم، وإلى الله غدا تصيرون وسيسألكم الله عن أئمتكم، والحمد لله رب العالمين.

ومن كتاب نهج البلاغة:

وقد أخبرنا الشريف الأجل السيد الأفضل الزاهد العابد الورع الصالح أبو طالب المرتضى شراهنك الحسيني أدام الله علوه، وأخبرنا به أيضا الفقيه الأجل العالم الزاهد المجاهد بهاء الدين علي بن محمد الأكوع رضوان الله عليه، مناولة يرفعانه إلى المصنف، وهو الشريف السيد الفاضل الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا إياه عنى من شبهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه، كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، فاعل لا باضطراب آلة، مقدر لا بجول فكرة، غني لا باستفادة.

لا تصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعير المشاعر عرف ألا مشعر له، وبمضادته بين الأمور عرف ألا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف ألا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالصرد، مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرب بين متباعداتها، مفرق بين متدانياتها، لا يشمل بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلات إلى نظائرها، منعتها منذ القدمية، وحمتها قد الأزلية، وجنبتها لولا التكملية، بها تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع من نظر العيون، لا يجرى عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه؟! إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولكان له وراء إذ وجد له أمام، ولالتمَسَ التمامَ إذ لزمه النقصانُ! وإذا لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه، وخرج بسلطان الإمتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره! الذي لا يحول ولا يزول، ولا يجوز عليه الأفول، لم يلد فيكون مولودا، ولم يولد فيصير محدودا، جل عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء، لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه، لا يتغير بحال، ولا يتبدل في الأحوال، لا تبليه الليالي والأيام، ولا يغيره الضياء والظلام، ولا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض ولا بالغيرية والأبعاض، ولا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أن الأشياء تحويه؛ فتقله أو تهويه، أو أن شيئا يحمله فيميله أو يعدله، ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج، يخبر لا بلسان ولهوات، ويسمع بلا خروق وأدوات، يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا يضمر، يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة، يقول لما

أراد كونه: كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا نداء يسمع، وإنما كلامه - سبحانه- فعل منه أنشأه ومثله، ولم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا، لا يقال كان بعد أن لم يكن، فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينه وبينها فصل ولا له عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع. خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه، أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها من التهافت والانفراج، أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها، فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه. هو الظاهر عليه بسلطانه وعظمته، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي على كل شيء منها بجلاله وعزته، لا يعجزه شيء منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه، خضعت الأشياء له فذلت مستكينة لعظمته، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه ولا ضره، ولا كفو له فيكافيه، ولا نظير له فيساويه، وهو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها كمفقودها. وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها، فكيف لو اجتمع جميع حيوانها: من طيرها وبهائمهما، وما كان من مراحها وسائمها، وأصناف أسناخها وأجناسها، ومتبلدات أممها وأكياسها، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها، ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة، عارفة بأنها مقهورة، مقرة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها.

وأنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده، لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها، بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شيء إلا الواحد القهار، الذي إليه مصير جميع الأمور، بلا قدرة منها على ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها، لم يتكأده صنع شيء منها إذ صنعه، ولم يؤده منها خلق ما برأه وخلقه، ولم يكونها لتشديد سلطان، ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها عن ضد مثاور، ولا للازدياد بها في ملكه، ولا لمكاثرة شريك في شركه، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد تكوينها، لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شيء منها عليه، لا يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه، وأمسكها بأمره، وأتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة بشيء منها عليها، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس، ولا من حال جهل وعمى إلى علم والتماس، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة.

ومن خطبة له عليه السلام وهي المعروفة بالشِّقْشِقِيَّة

أما والله لقد تَقَمَّصَها فلان، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى: ينحدر عني السيل، ولا ترقى إلي الطير. فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه. فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى. فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده (ثم تمثل عليه السلام بهذا البيت):

شَتَّانَ ما يَومي على كُورِها ... وَيومُ حَيَّانَ أخي جَابِرِ

فيا عجبًا بَيْنا هو يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ، إِذْ عقَدها لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتهِ، لشَدَّ ما تشطرا ضرعيها فصيرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلون واعتراض. فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة. حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر! لكنني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن، إلى أن قام ثالث القوم نافجًا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته، فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها.

أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.

ومن كلام له عليه السلام وقد قال له قائل: إنك يا ابن أبي طالب على هذا الأمر لحريص، فقلت: بل أنتم والله أحرص مني عليه وأبعد، وأنا أخص وأقرب، وإنما طلبت حقا لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه فلما قرعته بالحجة في ملأ من الحاضرين بهت لا يرى ما يجيبني به.

اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه.

ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابًا وهو من محاسن الكتب أما بعد:

فقد أتاني كتابك تذكر اصطفاء الله عز وجل محمدًا عليه السلام لدينه، وتأييده بمن أيده من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا، ونعمته علينا في نبينا عليه السلام، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر، وداعي مسدده إلى النضال، وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان، فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله، وأن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول، والسائس والمسوس، وما للطلقاء وأبناء الطلقاء، والتمييز بين المهاجرين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم؟ هيهات! لقد حن قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها، ألا تربع أيها الإنسان على ظلعك، وتعرف قصور ذرعك، وتتأخر حيث أخرك القدر! فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، وإنك لذهاب في التيه، رواغ عن القصد، ألا ترى غير مخبر لك، لكن بنعمة الله أحدث أن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين، ولكل فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل: سيد الشهداء، وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه، أولا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل، حتى إذا فعل بواحدنا كما فعل بواحدهم، قيل: الطيار في الجنة، وذو الجناحين، ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين، ولا تمجها آذان السامعين، فدع عنك ما مالت به الرمية، فإنا صنائع ربنا، والناس بعد صنائع لنا. لم يمنعنا قديم عزنا، وعادي طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء ولستم هنالك! وأنى يكون ذلك كذلك؟ ومنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنكم المكذب؟ ومنا أسد الله، ومنكم أسد الأحلاف؟ ومنا سيدا شباب أهل الجنة، ومنكم صبية النار؟ ومنا خير نساء العالمين، ومنكم حمالة الحطب؟ في كثير مما لنا وعليكم.

فإسلامنا قد سمع، وجاهليتنا لا تدفع، وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنَّا وهو قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] وقوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68] فنحن مرة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة، ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلجوا عليهم: فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم!

وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك ((وتلك شكاة ظاهر عنك عارها)). وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت! وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، ولا مرتابا بيقينه، وهذه حجتي إلى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك بقدر ما سنح من ذكرها.

ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه، فأينا كان أعدى له، وأهدى إلى مقاتله؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه؟ أم من استنصره فتراخى عنه، وبث المنون إليه حتى أتى قدره عليه؟ كلا والله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 18] وما كنت اعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثا، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له، فرب ملوم لا ذنب له:

وقد يستفيد الظِّنة المُتنصِّحُ         لَبِّثْ قَلِيلًا يَلْحَقَ الهَيْجَا حَمَلْ

وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف! فلقد أضحكت بعد استعبار! متى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين؟

فيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار، والتابعين بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك، وخالك، وجدك، وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد.

ومن كلام له عليه السلام: رويناه من أمالي السيد أبي طالب عليه السلام بإسناده عن الحارث أن أمير المؤمنين عليه السلام خطب فقال: ألا إن الحق لو أخلص له لم يخف على ذي حجى، ألا وإن الباطل لو أخلص لم يخف على ذي حجى، ولكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فحينئذ استولى الشيطان على حزبه، ونجا حزب الله الذين سبقت لهم من الله الحسنى. ألا وإن الباطل خيل شمس ركبها أهلها وأرسلوا أزمتها فسارت حتى انتهت بهم إلى نار وقودها الناس والحجارة، ألا وإن الحق مطايا ذلل ركبها أهلها وأعطوا أزمتها فسارت بهم الهوينا حتى أتت ظلا ظليلا، فعليكم بالحق فاسلكوا سبله، واعملوا به تكونوا من أهله، ألا وإنه من خاف حذر، ومن حذر جانب السيئات، ألا وإنه من خاف السيئات أدلج إلى الخيرات في السرى، ومن أراد سفرا أعد له زادا، فأعدوا الزاد ليوم المعاد، واعملوا لجزاء باق، فإني والله لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها.

وروينا أن أمير المؤمنين عليه السلام شيع جنازة، فلما وضع الميت في لحده عج أهله وبكوا، فقام أمير المؤمنين عليه السلام فقال -وهو قائم على قدميه-: على من تبكون؟ أما والله لو عاينتم ما عاين ميتكم، لأذهلتكم معاينتكم عن البكاء، ثم قال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأستهدي الله الهدى وأعوذ بالله من الضلالة والردى، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين، أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب لكم الأمثال، ووقت لكم الآجال، وجعل لكم أسماعا؛ لتعي ما عناها، وأبصارا لتجلو عن عشاها، وأفئدة لتفهم ما دهاها في تركيب صورها، ومدة عمرها، فإن الله لم يخلقكم عبثا، ولم يهملكم سدى، ولم يضرب عنكم الذكر صفحا، بل أكرمكم بالنعم السوابغ، وأرفدكم بالرفد الروافد، وأحاط بكم الإحصاء، وأرصد لكم الجزاء في السراء والضراء، فاتقوا الله عباد الله، وأجدوا في الطلب، ونجاة الهرب، وبادروا بالعمل قبل منقطع النهدات، وهادم اللذات، فإن الدنيا لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجعاتها، ولا تتوقى سوءاتها، غرور حائل، وشح قاتل، وسناد مائل، تضيء مستطرفها، وتردي مستزيدها، تخيل مصرعها، وتصرم حبالها، فاتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالأثر، وازدجروا بالنذر، حل بكم طالب المنية، وضمنتم بيت التراب، ودهمتكم الساعة بنفخة الصور، وبعثرة القبور، وسياقة المحشر إلى الحساب بإحاطة قدرة الجبار، كل نفس معها سائق وشهيد يسوقها لمحشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69] فارتجت الأرض لنداء المنادي، وكشف عن ساق، وكان يوم التلاق، فكورت الشمس، وحشرت الوحوش، وارتجت الأفئدة، ونزل بأهل النار من الله سطوة مجتاحة، وعقوبة متاحة، وقربت الجحيم لها كلب ولجب، ولهب ساطع، وتغيظ وتلظ، وزفير ووعيد، تأجج جحيمها، وغلى حميمها، وتوقد سمومها، لا يهرم خالدها، ولا يظعن مقيمها، ولا تقصم كبولها، معهم ملآئكة الزجر، يبشرونهم بنزل من حميم، وتصلية جحيم، هم عن الله محجوبون، ولأوليائه مفارقون، وإلى النار منطلقون، حتى إذا أتوا جهنم قالوا: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 100 - 102] قيل لهم: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24] وجهنم تناديهم، وهي مشرفة عليهم إلي بأهلي، وعزة ربي لأنتقمن اليوم من أعدائه، ثم يناديهم ملك من الزبانية، ثم يسحبهم حتى يلقيهم في النار على وجوههم، ثم يقول: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 22] ثم أزلفت الجنة للمتقين، مخضرة للناظرين، فيها درجات لا يبيد نعيمها، ولا ييأس ساكنها، أمنوا الموت فصفى لهم ما فيها {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15] مع أزواج مطهرة، وحور عين: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 58]، مع حلية وآنية من فضة، ولباس السندس الأخضر، والفواكه الدائمة، تدخل الملآئكة عليهم فتقول: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 24] فلا تزال الكرامة لهم حين وفدوا إلى خالقهم، وقعدوا في داره، ونالهم {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]، فاسألوا الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، الذين خلقوا لها وخلقت لهم، عباد الله اتقوا الله تقية من كنع فخنع، ووجل فحذر، واجتنب هايبا، ونجا هاربا، وأفاد ذخيرة، وأطاب سريرة، وقدم للمعاد، واستظهر بالزاد، وكفى بالله منتقمًا، وخصيمًا، وكفى بالجنة ثوابًا ونوالًا، وكفى بالنار عقابًا ونكالًا.

ومن خطبة له عليه السلام في الاستسقاء:

اللهم قد انصاحت جبالنا، واغبرت أرضنا، وهامت دوابنا، وتحيرت في مرابضها، وعجت عجيج الثكالى على أولادها، وملت التردد في مراتعها، والحنين إلى مواردها. اللهم فارحم أنين الآنة، وحنين الحآنة، اللهم فارحم حيرتها في مذاهبها، وأنينها في موالجها. اللهم خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير السنين، وأخلفتنا مخايل الجود، فكنت الرجاء للمبتئس، والبلاغ للملتمس، ندعوك حين قنط الأنام، ومنع الغمام، وهلك السوام، ألا تؤاخذنا بأعمالنا، ولا تأخذنا بذنوبنا، وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق، والربيع المغدق، والنبات المونق، سحابا وابلا، تحيي به ما قد مات، وترد به ما قد فات، اللهم سقيا منك محيية، مروية، تامة، عامة، طيبة، مباركة، هنيئة، مريعة، زاكيا نبتها، ثامرا فرعها، ناضرا ورقها، تنعش بها الضعيف من عبادك، وتحيي بها الميت من بلادك. اللهم سقيا منك تعشب بها نجادنا، وتجري بها وهادنا، ويخصب بها جنابنا، وتقبل بها ثمارنا، وتعيش بها مواشينا، وتندى بها أقاصينا، وتستعين بها ضواحينا من بركاتك الواسعة، وعطاياك الجزيلة على بريتك المرملة، ووحشك المهملة، وأنزل علينا سماء مخضلة، مدرارا هاطلة، يدافع الودق منها الودق، ويحفز القطر منها القطر، غير خلب برقها، ولا جهام عارضها، ولا قزع ربابها، ولا شفان ذهابها حتى يخصب لإمراعها المجدبون، ويحيا ببركتها المسنتون، فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك وأنت الولي الحميد.

قال السيد الرضي رضي الله عنه قوله: عليه السلام ((انصاحت جبالنا)) أي: تشققت من المحول، يقال: انصاح الثوب، إذا انشق، ويقال أيضا: انصاح النبت، وصاح وصوح إذا جف ويبس. وقوله:؛ هامت دوابنا أي: عطشت، والهيام: العطش. وقوله: ((حدابير السنين)) جمع حدبار وهي: الناقة التي أنضاها السير، فشبه بها السنة التي فشا فيها الجدب. قال ذو الرمة:

حدابير ما تنفك إلا مُناخةً ... على الخسف أو نرمي بها بلدًا قفرا

وقوله: ((لا قزع ربابها)) القزع: القطع الصغار المتفرقة من السحاب. وقوله: ((ولا شفان ذهابها)) فإن تقديره: ولا ذات شفان ذهابها. والشفان: الريح الباردة. والذهاب: الأمطار اللينة. فحذف ((ذات)) لعلم السامع به.

وروينا عن أبي مطر البصري قال: كنت من شباب ذلك الزمان، فبينا أنا أمشي في المسجد وقد أسبلت إزاري، وأرخيت شعري، إذ نادى رجل من خلفي يا عبدالله، ارفع إزارك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، وجز من شعرك إن كنت امرأ مسلما، فإذا رجل كأنه أعرابي، فجئت حتى قمت من خلفه، فقلت لامرئ من المسلمين: من هذا؟ فقال: أغريب أنت؟ فقلت: نعم، من أهل البصرة، فقال له: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فمشيت خلفه حتى خرجت من المسجد، فمر بأصحاب الإبل، فقال: يا أصحاب الإبل، بيعوا ولا تحلفوا، فإن اليمين تزين البيع، وتمحق البركة. ثم مشى حتى أتى أصحاب التمر فإذا هو بجارية تبكي، فقال: يا جارية، ما شأنك؟ قالت: بعثني مولاي بدرهم، فابتعت من هذا تمرا، فأتيتهم به فلم يرضوه، فلما أتيته به أبى أن يقبله، فقال: يا عبدالله، إنها خادمة، وليس لها أمر، فاردد إليها درهمها وخذ التمر. فلم يعرفه الرجل، وقام إليه ليلكزه، فقال له رجل من المسلمين: أتدري من هذا؟ هذا أمير المؤمنين! فانخزل الرجل واصفر، وأخذ التمر، فنثره ورد إليها درهمها، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ارض عني، فقال: ما أرضاني عنك إن أنت أصلحت أمرك، ثم مشى حتى توسطهم، فقال: يا أصحاب التمر أطعموا المساكين وابن السبيل؛ فإن ربحكم يربو. ثم مشى حتى أتى أصحاب السمك، فقال: ألا لا يباع في سوقكم طاف.

ثم مشى فأتى قومًا يبيعون قمصًا من هذه الكرابيس، فابتاع قميصًا بثلاثة دراهم فلبسه فكان ما بين الرسغين إلى الكعبين، فلما وضعه في رأسه قال: بسم الله والحمد لله الذي رزقني من اللباس ما أتجمل به في الناس وأواري عورتي، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أشيء قلته برأيك أم سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا القول عند الكسوة، ثم مشى حتى أتى المسجد فجلس فيه، ثم أخذ بلحيته، فقال: ما يحبس أشقاها أن يخضب هذه من هذا، - وأشار بيده إلى رأسه - فوالله ما كذبت ولا كذبت، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا بكوز من ماء فتوضأ فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه ثلاثا، ثم قال: أين السائل عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال الرجل: أنا، فقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ.

قال أبو مطر: وكأني أنظر إلى الماء يهطل من لحيته على صدره، ثم أتيته وقد ضربه ابن ملجم لعنه الله. فسمعته وهو يقول: امشوا بي بين الأمرين، لا تسرعوا ولا تبطئوا، ولا تغالوا في كفني، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((الكفن سلب سريع إن يكن من أهل الجنة يكفن من الجنة، وإن يكن من أهل النار يكفن من النار)).

وروينا أن عليا عليه السلام استعمل عاملا على عكبرى قال: ولم يكن السواد يسكنه المصلون، فقال لي بين أيديهم: استوف منهم خراجهم، ولا يجدوا منك رخصة، ولا يجدوا فيك ضعفا، ثم قال لي: إذا كان عند الظهر فرح إلي، فرحت إليه، فلم أجد عنده حاجبا يحجبني دونه، فوجدته جالسا وعنده قدح وكوز فيه ماء، فدعا بظبية. قال: قلت في نفسي لقد أمنني حتى يخرج لدي جوهرا، ولا أدري ما فيه، قال: فإذا عليها ختم فكسر الختم فإذا فيه سويق، فأخرج منه، فصب في القدح وصب عليه ماء، فشرب وسقاني، فلم أصبر أن قلت: يا أمير المؤمنين، بالعراق تصنع هذا؟ طعام العراق أكثر من ذلك! قال: والله ما أختم عليه بخلا به، ولكنني أبتاع ما يكفيني، فأخاف أن يفتح فيوضع فيه من غيره، فإنما حفظي لذلك، وأكره أن يدخل جوفي إلا طيب، وإني لا أستطيع أن أقول لك إلا الذي قلت بين أيديهم لأنهم قوم خدعه، ولكني آمرك الآن بما تأخذهم به فإن أنت فعلت وإلا أخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ما آمرك به عزلتك، لا تبيعن لهم رزقا يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضربن رجلا منهم سوطا في طلب درهم؛ فإنا لم نؤمر بذلك، ولا تبيعن لهم دابة يعملون عليها، إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو. قلت: إذا أجيئك كما ذهبت، قال: ففعلت فاتبعت ما أمرني به، فرجعت والله ما بقي درهم إلا وفيته.

وروينا بالإسناد عن الأصبغ بن نباته قال: قام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في سوق الكوفة على دابته، فنادى ثلاثا: يا معشر الناس، أوصيكم بتقوى الله، فإنه وصية الله في الأولين والآخرين، {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الشعراء: 181 - 183] ولا تغشوا هذه الفضة الجيدة بالزئبق، ولا بالكحل فتكونوا غدًا من المعذبين.

وروينا بالإسناد إلى أبي صادق قال: بلغ علي بن أبي طالب عليه السلام أن خيلًا لمعاوية أغارت على الأنبار وقتلوا عامله حسان بن حسان البكري، فقام علي عليه السلام يجر ثوبه حتى أتى النخيلة، فقالوا: نحن نكفيك يا أمير المؤمنين فقال، ما تكفوني ولا تكفون أنفسكم، قال: واجتمع الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الجهاد باب من أبواب الجنة، من تركه ألبسه الله الذلة، وسيم الخسف، وديث بالصغار، وقد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتثاقلتم وتواكلتم، وثقل عليكم ذلك، حتى شنت عليكم الغارات، وهذا أخو غامد قد نزلت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان، ورجالا صالحين ونساء، ولقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينتزع رعاثها، وحجلها، ثم انصرفوا موفورين، لم يكلم أحد منهم كلما، والله لو أن امرءا مسلما مات من دون هذا أسفا لما كان عندي ملوما، بل كان عندي بذلك جديرا، يا عجبا؛ عجبا يميت القلب، ويكثر الهم، ويبعث الأحزان، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم، حتى صرتم غرضا ترمون ولا ترمون، وتغزون ولا تغزون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله وترضون! يا أشباه الرجال ولا رجال، أحلام الأطفال، وعقول ربات الحجال، إذا قلت لكم: اغزوهم في الحر قلتم: هذه حمارة القيظ، فمن يغزو فيها!؟ أمهلنا حتى ينسلخ الحر عنا، وإذا قلت لكم: اغزوهم في البرد، قلتم: هذه أيام قر وصر، أمهلنا حتى ينسلخ القر عنا، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر! أما والله لوددت أني لم أركم، ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما، وملأتم قلبي غيظا، وأفسدتم علي رأيي بالخذلان، حتى لقد بلغني أن قريشا تقول: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكنه لا علم له بالحروب.

لله أبوهم! وهل منهم أشد لها مراسا مني!؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا الآن قد نيفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع. قال: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا وأخي كما قال الله تعالى: {لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} [المائدة: 25] فها أنا ذا، وهذا أخي، فمرنا بأمرك فوالله لنضربن دونك ولو حال بيننا جمر الغضا، وشوك القتاد، قال: فقال علي عليه السلام: يرحمكما الله، وأين تقعان مما أريد!؟

وروينا بالإسناد إلى الحسن البصري قال: كنت جالسًا بالبصرة، وأنا حينئذ غلام أتطهر للصلاة، إذ مر بي رجل راكب بغلة شهباء متلثم بعمامة سوداء، فقال لي: يا حسن أحسن وضوءك يحسن الله إليك في الدنيا والآخرة، يا حسن، أما علمت أن الصلاة مكيال وميزان؟ قال: فرفعت رأسي فتأملت فإذا هو علي عليه السلام، فأسرعت في طهوري، وجعلت أقفو أثره إذ حانت منه التفاتة، فقال لي: يا غلام، ألك حاجة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. تفيدني كلاما ينفعني الله به في الدنيا والآخرة، قال: يا غلام إنه من صدق الله نجا، ومن أشفق من ذنبه أمن من الردى، ومن زهد في هذه الدنيا قرت عيناه بما يرى من ثواب الله غدا، ثم قال: يا غلام، ألا أزيدك؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، قال: إن سرك أن تلقى الله وهو عنك راض فكن في هذه الدنيا زاهدا، وفي الآخرة راغبا، وعليك بالصدق في جميع أمورك تنجو مع الناجين غدا، يا غلام، إن تزرع هذا الكلام نصب عينيك ينفعك الله به، ثم أطلق عنان البغلة من يده، وقرص بطنها بعقبه، فجعلت أقفو أثره، إذ دخل سوقا من أسواق البصرة، فمسعته عليه السلام يقول: يا أهل البصرة، يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة، يا أهل تدمر أربعا إذا كنتم بالنهار؛ الدنيا تخدمون، وبالليل على فراشكم تتقلبون، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون، فمتى ترمون الزاد؟ ومتى تفكرون في المعاد؟ فقام إليه رجل من السوقة فقال: يا أمير المؤمنين، أبد من طلب المعاش؟ فقال: أيها الرجل، إن طلب المعاش لا يصرفك عن طلب الآخرة.

ألا قلت: أبدٌّ من طلب احتكار، فأعذرك إن كنت معذورًا فولى الرجل وهو يبكي، فمسعته عليه السلام يقول: أقبل علي يا ذا الرجل أزيدك تبيانا، إنه لابد لكل عامل من أن يوفى في القيامة أجر عمله، وعامل الدنيا إنما أجره النار، ثم خرج من السوق، والناس في رنة من البكاء، إذ مر بواعظ يعظ الناس، فلما بصر بأمير المؤمنين عليه السلام سكت ولم يتكلم بشيء، فقال عليه السلام: فكم، وإلى كم توعظون فلا تتعظون؟ قد وعظكم الواعظون، وزجركم الزاجرون، وحذركم المحذرون، وبلغكم المبلغون، ودلت الرسل على سبل النجاة، وقامت الحجة وظهرت المحجة، وقرب الأمر والأمد، والجزاء غدا {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] يا أيها الناس، إنه لم يكن لله تبارك وتعالى في أرضه حجة ولا حكمة أبلغ من كتابه، ولا مدح الله منكم أحدا إلا من اعتصم بحبله، وإنما هلك من هلك عندما عصاه، وخالفه واتبع هواه، واعلموا أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر، والله ما هو شيء قلته من تلقاء نفسي، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ما من عبد جاهد نفسه، فردها عن معصية الله إلا باهى الله به كرام الملآئكة، ومن باهى الله به كرام الملآئكة فلن تمسه النار))، ثم قال: {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 21].

وروينا أنه لما قفل أمير المؤمنين من صفين، وأكثر كثير من أصحابه والمحكمة القول في الحكمين، أمر فنودي بالصلاة جامعة، ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: اللهم هذا مقام من فلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة، ومن نطف أو أوعث أو أسرف فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا، نشدتكم الله، هل تعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله فقلت لكم: إنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن، ولقد صحبتهم وعرفتهم أطفالًا ورجالًا، وهم شر أطفال ورجال، امضوا على صدقكم وحقكم، فإنما رفعوا المصاحف خديعة ومكيدة، فرددتم قولي، وقلتم: لا بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي لكم، ومعصيتكم إياي، وإذا أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين، أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن؛ لأنهما إن حكما بحكم القرآن لم يكن لنا خلاف على من حكم بما في القرآن، وإن أبيا كنا من حكمهما برآء، وكنا على رأس أمرنا، قالوا: أفعدل يحكم الرجال في الدماء، قال: إنا لسنا الرجال حكمنا، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مخطوط مستور بين الدفتين، وإنما ينطق بحكمه الرجال. قالوا: فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه المدة أمر هذه الأمة، ادخلوا مصركم فدخل أصحابه عن آخرهم.

وروينا أنه عليه السلام لما فتح البصرة صلى بالناس الظهر، ثم التفت إليهم فقال: سلوا، فقام إليه رجل فقال: والله ما قسمت بيننا بالسوية إذ تقسم بيننا ما حوى عسكرهم، وتدع أبناءهم ونساءهم؟ فقال علي عليه السلام: إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى تدرك غلام ثقيف، ثم قال عليه السلام: ويحك إنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير، وقد اجتمع أبواه على رشده، وولد على الفطرة، ولكنا نربيه من الفيء، ونتأنى به الكبر، فإن عدا علينا أخذناه بذنبه، وإن لم يعد لم نأخذه بذنب غيره، ويحك أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها، وأن دار الهجرة يحرم ما فيها.

وروينا عن السيد أبي طالب عليه السلام فيما رواه أن عقيلا (رضي الله عنه) كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام لعبدالله أمير المؤمنين من عقيل سلام عليك أما بعد:

فإن الله جارك من كل سوء، وعاصمك من كل مكروه، أعلمك أني خرجت معتمرا، فلقيت عبدالله بن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا من أبناء الطلقاء مصدرين ركابهم من قديد، فقلت لهم -وعرفت المنكر في وجوههم-: أين يا أبناء الطلقاء، أبالشام تلحقون عداوة تريدون بها إطفاء نور الله وتغيير أمره؟ فأسمعني القوم وأسمعتهم، فسمعتهم يقولون: إن الضحاك بن قيس الفهري أغار على الحيرة، وأصاب من أموال أهلها ما شاء ثم انكفأ راجعًا، فأف لحياة في دهر جر عليك ما أرى، وما الضحاك إلا فقع بقرقر، وقد ظننت حين بلغني ذلك أن أنصارك خذلوك، فاكتب إلي يا ابن أبي برأيك وأمرك، فإن كنت الموت تريد تحملت إليك ببني أخيك وولد أبيك، فعشنا معك ما عشت، ومتنا معك ما مت، فوالله ما أحب أن أبقى بعدك فواقا، وايم الله الأعز الأجل إن عيشا أعيشه في هذه الدنيا لغير هنيء ولامريء والسلام.

فأجابه علي عليه السلام أما بعد: فكلأك الله كلاءة من يخشاه بالغيب إنه حميد مجيد، قدم علي عبيدالله بن عبدالرحمن الأزدي بكتابك، تذكر أنك لقيت ابن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا متوجهين إلى المغرب، وإن ابن أبي سرح طال والله ما كاد الإسلام، وضل عن كتاب الله وسنة نبيه وبغاها عوجا، فدع ابن أبي سرح وقريشا وتراكضهم في الضلالة، وتجاولهم في الشقاق، فإنها اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وأما الذي ذكرت من إغارة الضحاك على الحيرة فهو أذل من أن يكون مر بجنباتها، ولكن جاء في جريدة خيل فلزم الظهر، وأخذ على السماوة حتى مر بواقصة، فسرحت إليهم جندا من المسلمين، فلما بلغه ذلك ولى هاربا، فتبعوه ولحقوه في بعض الطريق، وقد أمعن حين طفلت الشمس للإياب، ثم اقتتلوا فلم يصبروا إلا قليلا، فقتل من أصحاب الضحاك بضعة عشر رجلا، ومضى جريحا بعد ما أخذ منه بالمخنق.

وأما ما سألتني أن أكتب إليك برأيي فإن رأيي جهاد القوم مع المسلمين حتى ألقى الله لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا نفورهم عني وحشة؛ لأني محق والله مع المحق، والله ما أكره الموت على الحق، لأن الخير كله مع الموت لمن عقل ودعا إلى الحق.

وأما ما عرضته علي من مسيرك إلي ببنيك وولد أخيك، فإنه لا حاجة لي في ذلك، أقم راشدا مهديا، فو الله ما أحب أن يهلكوا معي لو هلكت، فلا تحسبن ابن أمك وإن أسلمه الناس يخشع أو يتضرع، وما أنا إلا كما قال أخو بني سليم:

فإن تسأليني كيف أنتَ؟ فإنني ... صبورٌ على ريب الزمان صليبُ

يَعِزُّ عليَّ أن تُرى بي كآبةُ ... فيشمَتَ عاد أو يُسَاءَ حبيب

وروينا عن السيد أبي طالب فيما رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لم أزل مظلوما في صغري وكبري، فقيل له: قد عرفنا يا أمير المؤمنين ظلم الناس إياك في كبرك، فما ظلمهم في صغرك: فقال: إن عقيلا كان في عينه وجع، فإذا أرادت الأم أن تذر في عينه ذرورا امتنع عليها، وقال: ابدءوا بعلي أولا، فكانت تذر في عيني ذرورا من غير وجع بها.

وبالإسناد إلى السيد أبي طالب فيما رواه أن أمير المؤمنين عليه السلام قيل له: إنك يا أمير المؤمنين رجل مطلوب، فلو ركبت الخيل في الحرب، فقال عليه السلام: أنا لا أفر عمن كر، ولا أكر على من فر، والبغلة تزجيني.

وفسر أبو الحسن علي بن مهدي، وهو الذي انتهت إليه رواية السيد أبي طالب عليه السلام الإزجاء: بالسوق، واستشهد عليه بقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا} [النور: 43] أي: يسوقه فقال: تزجيني البغلة أي: تسوقني إلى ما أريد.

ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام: إني لأستحيي من الله أن يكون ذنب إلي أعظم من عفوي، أو جهل أعظم من حلمي، أو عورة لا يواريها ستري، أو خلة لا يسدها جودي.

وروينا بالإسناد أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليا عليه السلام في مسجد الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين هل تصف لنا ربنا؟ فنزداد له حبا وبه معرفة، فغضب علي عليه السلام ونادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله، ثم صعد المنبر، وهو مغضب متغير اللون، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال:

الحمد لله الذي لا يفره المنع، ولا يكديه الإعطاء، ثم كل معط ينتقص سواه، هو المنان بفوائد النعم، وعوائد المزيد، ضمن عيالة خلقه، وأنهج سبيل الطلب للراغبين إليه، وليس فيما سئل بأجود منه فيما لم يسأل، وما اختلف دهر فيختلف فيه الحال، ولو وهب ما شقت عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار، من فلز اللجين، وسبائك العقيان، ونثارة الدر، وحصائد المرجان لبعض عبيده؛ لما أثر ذلك في جوده، ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الإفضال ما لم ينفده مطالب السؤال، ولا يخطر لكثرته على بال؛ لأنه الجواد الذي لا ينقصه المواهب، ولا يبخله إلحاح الملحين، و {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] فما ظنكم بمن هو هكذا؟ سبحانه وبحمده.

أيها السائل اعقل ما سألتني عنه، ولا تسألن أحدا عنه بعدي، فإني أكفيك مؤنة الطلب، وشدة التعمق في المذهب، وكيف يوصف الذي سألتني عنه!؟ وهو الذي عجزت الملآئكة مع قربهم من كرسي كرامته، وطول ولههم إليه، وتعظيم جلال عزته، وقربهم من غيب ملكوت قدرته، أن يعلموا من علمه إلا ما علمهم، وهم من ملكوت القدس بحيث هم، ومن معرفته على ما فطرهم عليه، فقالوا: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32]. فعليك أيها السائل بما دلك عليه القرآن من صفته، وتقدمك فيه الرسل بينك وبين معرفته، فأتم به واستضىء بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عن أئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه؛ فإنه منتهى حق الله تعالى عليك.

اعلم أيها السائل أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من تفسير الغيب المحجوب، فقالوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] فمدح الله سبحانه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا، فاقتصر على ذلك. واعلم أن الله لم يحدث فيمكن فيه التغير والانتقال، ولم يتصرف في ذاته كرور الأحوال، ولم يختلف عليه عقب الأيام والليالي، وهو الذي خلق الخلق على غير مثال امتثله، ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله، بل أرانا من ملكوت قدرته، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمهم بتبليغ قوته، ما دلنا باضطرار قيام الحجة له علينا على معرفته، ولم تحط به الصفات فيكون بإدراكها إياه بالحدود متناهيا، وما زال هو الله الذي ليس كمثله شيء، عن صفة المخلوقين متعاليا، وانحسرت وجل عن أن تناله الأبصار، فيكون بالعيان موصوفا، وارتفع عن أن يحوي كنه عظمته فهاهات رويات المتفكرين، وليس له مثل فيكون بالخلق مشبهًا، وما زال عند أهل المعرفة عن الأشباه والأنداد منزها، كذب العادلون بالله إذ شبهوه بأصنافهم، وحلوه بحلية المخلوقين بأوهامهم.

وكيف لما لا يقدر قدره مقدار في رويات الأوهام؛ لأنه أجل من أن تحده ألباب البشر بتفكير، وهو أعلى من أن يكون له كفو فيشبه بنظير، فسبحانه وتعالى عن جهل المخلوقين، وسبحانه وتعالى عن إفك الجاهلين، فأين يتاه بأحدكم؟ وأين يدرك ما لا يدرك والله المستعان.

قال السيد أبو طالب الحسني (رضي الله عنه) ما تشتمل هذه الخطبة عليه من ذكر عجز المخلوقين عن المعرفة على جميع صفات الله تعالى، المراد به العجز عن معرفة معلوماته ومقدوراته، وعجائب صنعه وخلقه على التفصيل، ومقادير نعمه على خلقه، وما اختص به تعالى من علم الغيوب، الذي لم يطلع البشر عليه.

وروينا بالإسناد إلى محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) قال: لما قدم أمير المؤمنين عليه السلام من البصرة -بعد قتال الجمل - دعاه الأحنف بن قيس، فاتخذ له طعاما، وبعث إليه وإلى أصحابه، فأقبل إليه أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال له: يا أحنف، ادع أصحابي فدعاهم، فدخل قوم متخشعون كأنهم شنان بوال. فقال له الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي نزل بهم من قلة الطعام؟ أم من هول الحرب؟ قال: لا يا أحنف.

إن الله عز وجل إذا أحب قوما تنسكوا له في دار الدنيا تنسك من هجم على ما علم من فزع يوم القيامة من قبل أن يشاهدوها، فحملوا أنفسهم كل مجهودها، فكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على الله تعالى توهموا خروج عنق من النار تحشر الخلائق إلى ربهم عز وجل، وظهور كتاب تبدوا فيه فضائح ذنوبهم، فكادت أنفسهم تسيل سيلانًا، وتطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانًا، وتفارقهم عقولهم إذا غلت بهم مراجل المرد إلى الله عز وجل غليانًا، يحنون حنين الواله في دجى الظلم، ذبل الأجسام، حزينة قلوبهم، كالحة وجوههم، ذابلة شفاههم، خميصة بطونهم، تراهم سكارى وليسوا بسكارى، هم سمار وحشة الليالي، متخشعون قد أخلصوا لله أعمالهم سرًا وعلانية، فلو رأيتهم في ليلهم ونهارهم، وقد نامت العيون، وهدأت الأصوات، وسكنت الحركات من الطير في الوكور، وقد نهنههم يوم الوعيد، ذلك قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ} [الأعراف: 97] فاستيقظوا لها فزعين، وقاموا إلى مضاجعهم يعولون ويبكون تارة، ويسبحون ليلة مظلمة بهماء، فلو رأيتهم يا أحنف، قياما على أطرافهم، منحنية ظهورهم على أجزاء القرآن لصلاتهم، إذا زفروا خلت النار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صارت في أعناقهم.

فلو رأيتهم في نهارهم إذا لرأيت قوما يمشون على الأرض هونا، ويقولون للناس حسنا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وإذا مروا باللغو مروا كراما، أولئك يا أحنف انتجعوا دار السلام، التي من دخلها كان آمنا، فلعلك شغلك يا أحنف نظرك إلى وجه واحدة تبيد الأسقام غضارة وجهها، ودار قد اشتغلت بتقريب فراقها، وستور علقتها، والرياح والأيام موكلة بتمزيقها، وبئست لك دارا من دار البقاء، فاحتل للدار التي خلقها الله عز وجل من لؤلؤة بيضاء، فشق فيها أنهارها، وغرس فيها أشجارها، وأظل عليها بالنضيج من ثمارها، وكبسها بالعواتق من حورها، ثم أسكنها أولياءه وأهل طاعته. فإن فاتك يا أحنف ما ذكرت لك لترفلن في سرابيل القطران، ولتطوفن بينها وبين حميم آن، فكم يومئذ في النار من صلب محطوم، ووجه مشؤوم، ولو رأيت وقد قام مناد ينادي: يا أهل الجنة ونعيمها، وحليها وحللها، خلودا ولا موت، ثم يلتفت إلى أهل النار فيقول: يا أهل النار، يا أهل السلاسل والأغلال، خلودا ولا موت، فعندها انقطع رجاؤهم، وتقطعت بهم الأسباب، فهذا ما أعد الله عز وجل للمجرمين، وذلك ما أعد الله عز وجل للمتقين.

وروينا بالإسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن عليًا عليه السلام سمع رجلا يذم الدنيا فأطنب في ذمها، فصرخ به علي عليه السلام فقال: هلم أيها الذام للدنيا، فلما أتاه قال له عليه السلام: أيها الذام للدنيا ويحك لم تذمها؟ أنت المجترم عليها أم هي المجترمة عليك؟ فقال: بل أنا المجترم عليها يا أمير المؤمنين، قال: ويحك فيم تذمها؟ أليست منزل صدق لمن صدقها؟ ودار غنىً لمن تزود منها؟ ودار عافية لمن فهم عنها؟ مسجد أحبآء الله عز وجل، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بانقطاعها، ومثلت ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور؟ راحت بفجيعة، وابتكرت بعافية، بتحذير وترغيب وتخويف، فذمها رجال غداة الندامة، حدثتهم فلم يصدقوا، وذكرتهم فلم يذكروا، وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا، وحدثتهم فصدقوا. فأيها الذام للدنيا، المغتر بتغريرها، متى استذمت إليك؟ بل متى غرتك؟ أبمضاجع آبائك من البلى؟ أم بمصارع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بيدك؟ وكم مرضت بكفك؟ تلتمس له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، لم ينفعه شفاؤك، ولم تغن عنه طلبتك، مثلت لك ويحك الدنيا بمضجعه مضجعك، حين لا يغني بكاؤك، ولا ينفع أحباؤك.

وروى السيد أبو طالب عليه السلام هذه الرواية بطريق أخرى، وذكر أنهما لا يختلفان إلا في أحرف يسيرة. وفيها قال: ثم التفت إلى أصحابه، فقال: عباد الله، انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها والله عن قليل تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المترف الآمن، لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها إلى الضعف والوهن، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها؛ لقلة ما يصحبكم منها، رحم الله عبدا تفكر فاعتبر، وأبصر فازدجر، وعاين إدبار ما أدبر، وحضور ما حضر، فكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وكأن ما هو كآئن من الآخرة لم يزل، وكل ما هو آت قريب، واعلموا أنه إنما أهلك من كان قبلكم خبث أعمالهم لما لم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك. فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر؛ فإن ذلك لن يقدم أجلا، ولن يؤخر رزقا، فإذا رأى أحدكم نقصا في نفس أو أهل أو مال ورأى لأخيه صفوة فلا يكونن ذلك فتنة له، فإن المسلم البريء من الخيانة، ما لم يخش دناءة يخشع لها إذا ذكرت، ويغرى بها لئام الناس كان كالفالج الذي ينتظر أول فوزة من قداحه، تذهب عنه المغرم، وتوجب له المغنم. وكذلك المرء المسلم ينتظر إحدى الحسنيين، إما رزقا من الله تعالى، فإذا هو ذو أهل ومال، ومعه دينه وحسبه، وإما داعي الله فما عند الله خير للأبرار، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والعمل الصالح حرث الدنيا وقد يجمعهما الله لأقوام.

وروينا من كتاب جلاء الأبصار عن الحاكم رحمه الله تعالى بإسناده إلى أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر صاحب أبي عثمان الجاحظ قال: كان الجاحظ يقول لنا زمانا: إن لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مائة كلمة، كل كلمة منها تفي بألف كلمة من محاسن كلام العرب، قال: وكنت أسأله دهرا بعيدا أن يجمعها لي ويمليها علي، وكان يعدني بها ويتغافل عنها ضنا بها. قال: فلما كان آخر عمره أخرج يوما جملة من مسودات مصنفاته، فجمع منها تلك الكلمات، وأخرجها إلي بخطه، فكانت الكلمات المائة هذه:

لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا. الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. ما هلك امرؤ عرف قدره. قيمة كل امرئ ما يحسن. من عرف نفسه فقد عرف ربه. المرء مخبوء تحت لسانه. من عذب لسانه كثر إخوانه. بالبر يستعبد الحر. بشر مال البخيل بحادث أو وارث. لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال. الجزع عند البلاء تمام المحنة. لا ظفر مع بغي. لا ثناء مع كبر. لا بر مع شح. لا صحة مع نهم. لا شرف مع سوء أدب. لا اجتناب لمحرم مع حرص. لا راحة لحسود. لا سؤدد مع انتقام. لا محبة مع مرآء. لا زيارة مع زعارة. لا صواب مع ترك المشورة. لا مروءة لكذوب. لا وفاء لملول. لا كرم أعز من التقى. لا شرف أعلى من الإسلام. لا معقل أحرز من الورع. لا شفيع أنجح من التوبة. لا لباس أجمل من السلامة. لا داء أعيى من الجهل. لا مرض أضنى من قلة العقل. لسانك يقتضيك ما عودته. المرء عدو ما جهله. رحم الله امرءا عرف قدره ولم يتعد طوره. إعادة الاعتذار تذكير بالذنب. النصح بين الملأ تقريع. إذا تم العقل نقص الكلام. الشفيع جناح الطالب. نفاق المرء ذلة. نعمة الجاهل كروضة على مزبلة. الجزع أتعب من الصبر.

المسئول حر حتى يعد. أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة. من طلب ما لا يعنيه فاته ما يعينه. السامع للغيبة أحد المغتابين. الذل مع الطمع. الراحة مع اليأس. الحرمان مع الحرص. من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه أو استخفاف به. عبد الشهوة أذل من عبد الرق. الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له. كفى بالظفر شفيعا للمذنب. رب ساع فيما يضره. لا تتكل على المنى فإنها بضائع النوكا. اليأس حر والرجاء عبد. ظن العاقل كهانة. من نظر اعتبر. العداوة شغل القلب. القلب إذا أكره عمي. الأدب صورة العقل. لا حيآء لحريص. من لانت أسافله صلبت أعاليه. من أتي في عجانة قل حياؤه، وبذأ لسانه. السعيد من وعظ بغيره. الحكمة ضآلة المؤمن. الشر جامع لمساوئ العيوب. كثرة الوفاق نفاق، وكثرة الخلاف شقاق. رب آمل خائب، ورب رجاء يؤدي إلى الحرمان. رب أرباح تؤدي إلى الخسران. رب طمع كاذب. البغي سائق إلى الحين. في كل جرعة شرقة، ومع كل أكلة غصة. من كثر فكره في العواقب لم يشجع. إذا حلت المقادير ضلت التدابير. إذا حل المقدور بطل التدبير. إذا حل القدر بطل الحذر. الإحسان يقطع اللسان. الشرف العقل والأدب، لا الأصل والحسب. أكرم الحسب حسن الخلق. أكرم النسب حسن الأدب. أفقر الفقر الحمق. أوحش الوحشة العجب. أغنى الغنى العقل. الطامع في وثاق الذل. احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود. أكثر مصارع ذوي العقول تحت بروق الأطماع. من أبدى صفحته للحق هلك. إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة. من لان عوده كثفت أغصانه. قلب الأحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه. من جرى في عنان أمله عثر بأجله. إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر. إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكر القدرة عليه. ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر منه في فلتات لسانه وصفحات وجهه. اللهم اغفر رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وشهوات الجنان، وهفوات اللسان.

البخيل مستعجل للفقر يعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء. لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه.

قال الجاحظ معناه: أن العاقل لا يطلق لسانه إلا بعد مراجعة فكره، ومفاحصة رأيه، فكأن لسان العاقل تابع لقلبه، وكأن قلب الأحمق وراء لسانه.

وروينا بالإسناد إلى السيد أبي طالب (رضي الله عنه) بإسناده عن كميل بن زياد أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام قال: يا سبحان الله! ما أزهد كثير من الناس في الخير! عجبت لرجل يأتيه أخوه المؤمن في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا! فوالله لو كنا لا نرجو جنة ولا ثوابا، ولا نخشى نارًا ولا عقابًا لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق؛ فإنها تدل على سبل النجاح.

فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: نعم. وما هو خير منه، لما أتانا سبايا (طي) وقعت جارية حماء، حواء، لعساء، لمياء، عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة، ردما الكعبين، خدلجة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، فلما رأيتها أعجبت بها، وقلت: لأطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعلها في فيئي، فلما تكلمت نسيت جمالها لما رأينا فصاحتها، فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي العرب، فإني ابنة سرة قومي، كان أبي يفك العاني، ويشبع الجائع، ويقري الضيف، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، وما رد طالب حاجة قط عنها، أنا ابنة حاتم الطائي، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك إسلاميا ترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق، فقام أبو بردة فقال: يا رسول الله تحب مكارم الأخلاق؟ فقال: نعم يا أبا بردة لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق.

قال الحاكم الإمام (رضي الله عنه): حماء أي: سمراء، وكذلك الحواء: من الحوة في اللون، وقيل: منه سميت امرأة آدم عليه السلام حواء. وفي الحديث ((خير الخيل الحواء)) يعني: الكميت التي يعلوها سواد، وقد حوى الفرس حوه.

وقوله: لمياء لعساء، اللماء واللعس: سواد مستحسن في الشفة، يقال: جارية لعساء، إذا كان في لونها أدنى سواد وشربة من الحمرة.

قال ذو الرمة:

لمياءُ في شفتيها حُوَّةٌ لعِسٌ ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب

وقوله: عيطاء: هي الطويلة في اعتدال، والشماء: من الشمم في الأنف، وهو تطامن القصبة، وقوله: ردما: هي التي خفي العظم في ساقها غمض من كثرة اللحم وامتلائه، والخدلجة: الممتلئة الساقين سمنا. وقوله: لفاء: هي من اللفف وهو اجتماع اللحم على الفخذ، ومنه الشجر الملتف الأغصان، والكشح والخصر واحد، ومنه الكاشح العدو، الذي يضمر العداوة في كشحه، وقولها: سرة قومي: أي خالصهم وصميمهم. ومنه حديث ظبيان قال لما وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نحن قوم من سرة مذحج: أي خيارهم، وقولها: ويفك العاني: أي يطلق الأسير، ومنه: {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 13]، ومنه الحديث: ((أعتق النسمة، وفك الرقبة)) قيل: أو ليسا واحدة؟ قال: لا، عتق النسمة: أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة: أن تعين في عتقها.

وروينا عن السيد أبي طالب عليه السلام رواه عن عقبة بن أبي الصهباء قال: لما ضرب ابن ملجم لعنه الله عليا عليه السلام دخل الحسن عليه السلام وهو باك، فقال له علي عليه السلام: ما يبكيك يا بني؟ قال الحسن عليه السلام: ومالي لا أبكي وأنت في أول يوم من الآخرة وأخر يوم من الدنيا، فقال: يا بني احفظ عني أربعا لا يضرك ما عملت معهن شيء فقال عليه السلام: ما هن يا أمير المؤمنين؟ فقال: ((اعلم أن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكبر من الحسب حسن الخلق)) فقال الحسن عليه السلام: يا أبة هذه الأربع فأعطني الأربع قال: يا بني إياك ومصادقة الأحمق فإنه يريد: أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب إليك البعيد ويباعد عنك القريب، وإياك ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه اليسير.

وروينا بالإسناد إلى السيد أبي طالب عليه السلام بإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عن أبيه عليهم السلام أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كتب إلى ابنه الحسن عليه السلام بعد انصرافه من صفين إلى قناصرين:

من الوالد الفان، المقر للزمان، المستسلم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن منها إليهم غدا، إلى الولد المؤمل في دنياه ما لا يدرك، السالك في الموت سبيل من هلك، غرض الأسقام، ورهينة الأيام، وقرين الأحزان، ورمية المصائب، وتاجر الغرور، وغريم المنايا، وأسير الموت، ونصب الآفات، وخليفة الأموات. أما بعد، يا بني: فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني، وجنوح الدهر علي، وإقبال الآخرة إلي ما ينزع بي عن ذكري سواي، والاهتمام بما ورائي، غير أني تفرد بي دون هموم الدنيا هم نفسي، فصدقني رأيي، وصرفني عن هواي، وصرح لي محض أمري، وأفضى بي إلى جد لا يزري بي لعب، وصدق لا يشوبه كذب.

وجدتك يا بني بعضي، بل وجدتك كلي، حتى كأن لو شيئا أصابك أصابني، وحتى لو أن الموت أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، كتبت إليك كتابي هذا إن بقيت أو فنيت.

أوصيك بتقوى الله، ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، فإن الله تعالى يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] وأي سبب أوثق من سبب يكون بينك وبين الله، فأحي قلبك بالموعظة، ونوره بالحكمة، ومرنه على الزهد، وقوه باليقين، وذلله بالموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الأيام والليالي، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من قبلك، وسر في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا، وأين حلوا، وعما انقلبوا؟ فإنك تجدهم انقلبوا عن الأحبة، ونزلوا دار الغربة، فكأنك عن قليل صرت كأحدهم؛ فأصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والنظر في ما لم تكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإن الوقوف عند حيرة الطريق خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف، وكن من أهله، وأنكر المنكر بلسانك ويدك، وباين من فعله بجهدك، وجاهد في الله حق جهاده، ولا يأخذك في الله لومة لائم.

وفي رواية أخرى: وعود نفسك الصبر على المكروه، ونعم الخلق الصبر وألجئ نفسك في أمورك كلها إلى إلهك؛ فإنك تلجئها إلى كهف حريز، ومانع عزيز، واخلص المسألة لربك؛ فإن في يديه العطاء والحرمان، وأكثر من الاستخارة، واحفظ وصيتي.

ومن هاهنا اتفقت الروايتان: ولا تذهبن عنك صفحا؛ فإن خير القول ما نفع.

واعلم يا بني أنه لا غناء بك عن حسن الارتياد، وبلاغ الزاد، مع خفة الظهر، فلا تحمل على ظهرك فوق بلاغك، فيكون عليك ثقلا ووبالا، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل زادك فيوافيك به حيث ما تحتاج إليه فاغتنمه؛ فإن أمامك عقبة كؤودا لا محالة، وإن مهبطها يكون على جنة أو على نار، فارتد يا بني لنفسك قبل نزولك، وأحسن إلى غيرك كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضى لهم، ولرب بعيد أقرب من قريب، والغريب من ليس له حبيب، ولربما أخطأ البصير قصده، وأبصر الأعمى رشده.

يا بني: قطيعتك الجاهل تعدل مواصلة العاقل، قلة التوقي أشد زلة، وعلة الكاذب أقبح علة، وليس مع الاختلاف ائتلاف، من أمن الزمان خانه، ومن تعاظم عليه أهانه، ومن لجأ إليه أسلمه. رأس الدين صحة اليقين، وخير المقال ما صدقه الفعال، سل يا بني عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، واحتمل ضيم المدل عليك، واقبل عذر من اعتذر إليك، وكن من أخيك عند صرمه لك على الصلة، وعند تباعده على الدنو منه، وعند جموده على البذل، حتى كأنه ذو نعمة عليك، وإياك أن تفعل ذلك في غير موضعه، أو تصنعه بغير أهله. لِنْ لمن غالطك فيوشك أن يلين لك، ولا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم.

واعلم أن الانحراف عن القصد ضد الصواب وآفة ذوي الألباب، فإذا اهتديت لقصدك فكن أخشى ما تكون لربك.

وفي رواية أخرى: وإياك والاتكال على الأماني؛ فإنها بضائع النوكا، وتثبيط عن الآخرة والأولى، وخير حظ المرء قرين صالح. قارب أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، ولا يغلبن عليك سوء الظن، فإنه لا يدع بينك وبين خليلك صلحا، وذك قلبك بالأدب كما تذك النار بالحطب. كفر النعمة لؤم، وصحبة الأحمق شؤم، واعلم أن الذي بيده خزآئن السموات والأرض قد أذن بدعائك، وتكفل بإجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وهو رحيم بصير، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، وفتح لك باب المتاب والأسباب، فمتى شئت سمع دعاءك ونجواك؛ فافض إليه بحاجتك، وبث ذات نفسك، وأسند إليه أمورك، ولا تكن مسألتك فيما لا يعنيك، ولا مما يلزمك خباله، ويبقي عليك وباله، فإنه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو قبيحا.

واعلم يا بني أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللبقاء لا للفناء، وللحياة لا للموت، وأنك في منزل قلعة، وطريق إلى الآخرة، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو هاربه، فأكثر ذكر الموت، وما تهجم عليه، وتفضي بعد الموت إليه، واجعله أمامك حيث تراه، فيأتيك وقد أخذت حذرك، واذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم؛ فإن ذلك يزهدك في الدنيا، ويصغرها عندك، مع أن الدنيا قد نعت إليك نفسها، وتكشفت لك عن مساوئها، وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها، وتكالبهم عليها، فإنما هم كلاب عادية، وسباع ضارية، يهر بعضها على بعض، يأكل عزيزها ذليلها، وكثيرها قليلها.

واعلم يا بني أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن لم يسر، وأن الله قد أذن بخراب الدنيا وعمارة الآخرة، فإن تزهد فيما زهدتك فيه منها ورغبت عما رغبت عنها فأنت أهل لذلك، وإن كنت غير قابل نصيحتي فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وإنك في سبيل من كان قبلك، فاخفض في الطلب، وأجمل في المكتسب، فرب طلب جر إلى حرب.

وانظر إلى إخوانك الذين كانوا لك في الدنيا مواسين، ومعك لله ذاكرين متكاتفين، قد خلوا عن الدور، وأقاموا في القبور إلى يوم النشور، وكأن قد سلكت مسلكهم، ووردت منهلهم، وفارقت الأحبة، ونزلت دار الغربة، ومحل الوحشة، وجاورت جيرانا افترقوا في التجاور، واشتغلوا عن التزاور، فاعمل لذلك المصرع، وهول المطلع، فيوشك أن تفارق الدنيا، وتنزل بك العظمى، وتصير القبور لك مثوى، واعمل ليوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويجيء فيه بصفوف الملآئكة المقربين، حول العرش يجمعون على إنجاز موعد الآخرة، وزوال الدنيا الفانية، وتغير الأحوال، وتبدل الآمال من عدل القضاء، وفصل الجزاء في جميع الأشياء، فكم يومئذ من عين باكية، وعورة بادية، تجر إلى العذاب الأليم، وتسقى ماء الحميم، في مساكن الجحيم، إن صرخ لم يرحم، وإن صبر لم يؤجر، فاعمل لتلك الأخطار تتخلص من النار، وتكون مع الصالحين الأبرار.

يا بني: كن في الرخاء شكورا، وعند البلاء صبورا، ولربك ذكورا، وليكن ما بينك وبينه معمورا، يا بني لن تزال بخير ما حمدت ربك، وعرفت موعظته لك، فإن قلوب المؤمنين رقيقة، وأعمالهم وثيقة، ونياتهم صدق وحقيقة، فالزم محاسن أخلاقهم، وجميل أفعالهم، لعلك تحاسب حسابهم، وتثاب ثوابهم.

يا بني: أزحت عنك العلة، وألزمتك الحجة، وكشفت عنك الشبهة، وظهرت لك الآثار، ووضحت لك البينات، وما أنت بمخلد في الدنيا، فعيشها غرور، ما يتم فيها لذي لب سرور، يوشك ما ترى أن ينقضي وتمر أيامه، ويبقى وزره وآثامه.

إن الدار التي أصبحنا فيها بالبلاء محفوفة، وبالفناء موصوفة، كلما ترى فيها وبين أهلها دول سجال، وعوار مقبوضة، بينا أهلها فيها في رخاء وسرور إذ هم في بلاء وغرور، تتغير فيها الحالات، وتتابع فيها الرزيات، ويساق أهلها للمنيات، فهم فيها أغراض ترميهم سهامها، ويغشاهم حمامها، قد أكلت القرون الماضية، وأشرعت في الأمم الباقية، أكلهم ذعاق ناقع، وحمام واقع، ليس عنه مذهب، ولا منه مهرب، إن أهل الدنيا سفر نازلون، وأهل ظعن شاخصون، فكأن قد انقلبت بهم الحال، ونودوا بالارتحال، فأصبحت منهم قفارا، ومن جميعهم بوارا، والسلام عليك.

ومن كلامه عليه السلام: أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل كن لها أهلا: لا يرجون أحد منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحيين أحد منكم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، ولا يستحيين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه، وعليكم بالصبر فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه.

وقال عليه السلام: المغبون من غبن نفسه، والمغبوط من سلم له دينه، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من انخدع لهواه وغروره.

وقال عليه السلام: بؤسا لنعمة تذهب لذتها وتبقى تبعتها.

وقال عليه السلام: ثلاث من كنوز الجنة: كتمان الصدقة، وكتمان المصيبة، وكتمان المرض.

وقال عليه السلام: جميع الخير كله في ثلاث: النظر، والسكوت، والكلام. فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة، فطوبى لمن كان نظره عبرة، وسكوته فكرا، وكلامه ذكرا، وبكى على خطيئته، وأمن الناس شره.

وكتب عليه السلام إلى الأشتر: صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق على نفسك.

وروي عن الجاحظ أنه قال: صنفت ألف كتاب ما سمعت كلمة إلا أتيت بنظيرها إلا تسع كلمات لأمير المؤمنين صلوات الله عليه: ثلاث في المناجاة، وثلاث في الحكمة وثلاث في الأدب. أما التي في المناجاة: إلهي كفى لي فخرا أن تكون لي ربا، إلهي كفى لي عزا أن أكون لك عبدا، إلهي أنت كما أحب فاجعلني كما تحب.

وأما التي في الحكمة فقوله: استغن عمن شئت تكن نظيره، وارغب إلى من شئت تكن أسيره، وتفضل على من شئت تكن أميره.

وأما التي في الأدب فقوله: قيمة كل امرئ ما يحسنه، والمرء مخبوء تحت لسانه، وما هلك امرؤ عرف قدره.

ومن شعره عليه السلام قوله وقد توفيت فاطمة (ع):

نفسي على زفراتها محبوسة ... يا ليتها خرجت مع الزَّفرات

لا خير بعدَكِ في الحياة وإنما ... أبكي مخافة أن تطول حياتي

ثم أخذ في جهازها ودفنها وهو يقول:

وإنّ افتقادي فاطمًا بعد أحمد ... دليلٌ على أن لا يدوم خليل

لكل اجتماع من خليلين فرقةً ... وكل الذي دون الفراق قليل

ولما أقبل من قبرها زار قبر رسول الله عليه السلام، وقال: إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن المصيبة بك لجليل، وأما بعدك فجلل، ثم أنشأ يقول:

ما غاض دمعي عند نازلة ... إلا جعلتُك للبكا سببا

فإذا ذكرتُك سامَحَتْك به ... مني الجفونَ ففاض وانسكَبا

وروى سعيد بن المسيب قال: دخلنا مقابر المدينة مع جنازة، فمال علي عليه السلام إلى قبر فاطمة عليها السلام وانصرف الناس فبكى وأنشأ يقول:

لكل اجتماع من خليلين فُرقة ... وإن الذي دون الفراق قليلُ

أرى علل الدنيا علي كثيرةً ... وصاحبها حتى الممات عليلُ

إذا انقطعت يومًا من العيش مدتي ... فإن غناء الباكيات قليلُ

وإن افتقادي فاطمًا بعد أحمدٍ ... دليلٌ على أن لا يدوم خليلُ

وروي: وإنّ افتقادي واحدًا بعد واحدٍ.

ثم نادى: يا أهل القبور، تخبرونا أخباركم، أم تريدون أن نخبركم، أم عن الجواب مُنِعْتُم، يا معشر الإخوان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قال: فسمعنا صوتًا يقول: وعليك السلام ورحمة الله يا أمير المؤمنين، خبِّرنا بأخبارك، ما عندك؟ فقال عليه السلام: أما أزواجكم فقد زُوِّجوا، وأما أموالكم فقد اقتُسمت، وقد حشر في زمرة اليتامى أولادكم، والمنازل التي شيَّدتم وبنيتم قد سكنها أعداؤكم، فهذه أخباركم عندنا، فما أخبارنا عندكم؟ قال: فأجابه مجيبٌ وهو يقول: تخرَّقت الأكفان، وتناثرت الشعور، وتمغَّطت الجلود، وسالت الأحداق على الخدود، وسالت المناخر والأفواه بالقيح والصديد، وما قدَّمنا وجدناه، وما أبقينا خسرناه، ونحن مرتهنون بالأعمال.

وله عليه السلام يعظ ابنه محمدًا عليه السلام:

إنْ عضَّك الدَّهرُ فانتظر فرجًا ... فإنه ناظرٌ لمنتظره

أو مسَّكَ العُسرُ فابتُليتَ به ... فاصبر فإن الرخاء في أثَره

ربَّ معافىً شكا تقلُّبَه ... ومُشَتَكٍ ما ينام من سهَره

وآمِنٍ في عشاء ليلته ... دبَّ إليه البلاء في سَحَره

من صحبَ الدهر ذمَّ صحبَتَه ... ونال من صفوه ومن كدره

وله عليه السلام:

رضيت بما قسم الله لي ... وفوّضت أمري إلى خالقي

لقد أحسن الله فيما مضى ... كذلك يُحسن فيما بقي

وله عليه السلام:

انظر لنفسك هل ترى من ظالم ... إلاَّ وصافي عيشه متكدِّرُ

الله يمهل ثم يأخذ بغتةً ... وله جزاء عاجل ومؤخَّرُ

وله عليه السلام:

ما أحسن الدنيا وإقبالها ... إذا أطاع اللهَ من نالها

من لم يواس الناس من فضله ... عرَّض للإدبار إقبالها

وقال عليه السلام في رجل ضعيف يقال له: وَبرَةٌ، ذي مال:

سبحان ربِّ العباد يا وبرة ... ورازق المسلمين والفَجَرة

لو كان رزق العباد من جَلَدٍ ... ما نلت من رزق ربنا وَبَرة

وقال عليه السلام

لئن ساءني دهرٌ لقد سرَّني دهرُ ... وإن مسني عسرٌ لقد مسني يُسرُ

لكلٍّ من الأيام عندي عادةٌ ... فإن ساءني صبرٌ وإن سرني شكرُ

وله عليه السلام:

ما أكثرَ الناس لا بل ما أقلَّهُمُ ... اللهُ يعلم أني لم أقل فنَدا

إني لأطبق جَفني ثم أفتحُه ... أرى كثيرًا ولكن لا أرى أحدا

وله عليه السلام يخاطب جابرًا:

لا تخضعنَّ لمخلوقٍ على طمعٍ ... فإنَّ ذلك نقصٌ منك في الدين

واسترزق الله مما في خزائنه ... فإن ذلك بين الكاف والنون

روينا ما بعد وصية أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب السفينة إلى ها هنا.

وروينا من غيرها مما هو مسموعٌ لنا أيضا لأمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يقول:

إذا يقضي لك الرحمنُ رزقًا ... يُعِدُّ لرزقه المقضيِّ بابا

وإن يحرمك لا تَسطع بحولٍ ... ولا رأي الرجال له اكتسابا

فأقصر في خُطاك فلست تعدو ... بحيلتك القضاء ولا الكتابا

وله عليه السلام:

لا تعتبنَّ على العباد فإنما ... يأتيك رزقك حين يؤذن فيه

سبق القضاء بوقته فكأنما ... يأتيك حين الوقت أو تأتيه

وَثِقَنْ بمولاك اللطيف فإنه ... بالعبد أرأف من أب ببنيه

وأَشِعْ غناك وكن لفقرك صائنًا ... تُضني حشاك وأنت لا تبديه

فالحرُّ يكتم جاهدًا إعدامه ... فكأنما عن نفسه يُخفيه

وله عليه السلام:

لو كانت الأرزاق تجري على ... مقدار ما يستوجب العبدُ

لكان من يُخدَم مستخدمًا ... وغاب نِحسٌ وبدا سعدُ

واعتذر الدهرُ إلى أهله ... واتصل السؤدد والمجدُ

لكنها تجري على سمتها ... بما يريد الواحد الفردُ

ومن كلامه عليه السلام رواه مصنف نهج البلاغة: واعجبًا أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة!

وروي له عليه السلام في هذا المعنى:

لئن كنتَ بالشورى ملكتَ أمورهم ... فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ

وإن كنت بالقربى حججتَ خصيمهم ... فغيرُك أولى بالنبي وأقربُ

ومن دعائه عليه السلام رواه أيضًا:

اللهم اغفر لي ما أنت أعلم به مني، فإن عدتُ فعد لي بالمغفرة. اللهم اغفر لي ما رأيت من نفسي ولم تجد له وفاء عندي. اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك ثم خالفه قلبي. اللهم اغفر لي رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ وشهوات الجنان، وهفوات اللِّسان.

ومن كلام له عليه السلام رواه أيضًا: اللهم لك الحمد على ما تأخذ وتعطي، وعلى ما تعافي وتبتلي، حمدًا يكون أرضى الحمد لكَ، وأحبَّ الحمد إليك، وأفضلَ الحمد عندك، حمدًا يملأ ما خلقت، ويبلغ ما أردت، حمدًا لا يُحجبُ عنك، ولا يَقصُرُ دونك، حمدًا لا ينقطع عدده، ولا يفنى مَددُه، فلسنا نعلم كنه عظمتك، إلا أنا نعلم أنك حيٌّ قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، لم ينته إليك نظر، ولم يدركك بصر، أدركتَ الأبصار، وأحصيتَ الأعمار، وأخذتَ بالنواصي والأقدام، وما الذي نرى من خلقك ونعجب له من قدرتك، ونَصِفُه من عظيم سُلطانك، وما تغَيّبَ عنَّا منه، وقصرت أبصارنا عنه، وانتهت عقولنا دونه، وحالت سواتر الغيوب بيننا وبينه أعظم، فمن فرَّغ قلبه، وأعمل فكْرَه؛ ليعلم كيف أقمت عرشك، وكيف ذرأت خلقك، وكيف عُلّقت في الهواء سماواتك، وكيف مددت على مَورِ الماء أرضك رجع طرفُه حسيرًا، وعقله مبهورًا، وسمعه وَالِهًا، وفكره حائرًا.

ومن كلامه عليه السلام: اللهمَّ أنت أهل الوصف الجميل، والتعداد الكثير، إن تؤمَّلْ فخيرُ مأمول، وإن تُرْجَ فخيرُ مرجوٍّ، اللهم وقد بسطت لي فيما لا أمدح به غيرك، ولا أثني به على أحد سواك، ولا أوجِّهه إلى معادن الخيبة، ومواضع الريبة، وعدلت بلساني عن مدائح الآدميين، والثناء على المربوبين المخلوقين.

اللهمّ ولكل مُثنٍ على من أثنى عليه مثوبةٌ من جزاء، أو عارفة من عطاء، وقد رجوتك دليلاً على ذخائر الرحمة، وكنوز المغفرة. اللهمَّ وهذا مقام من أفردك بالتوحيد الذي هُوَ لك، ولم يَرَ مستحِقًّا لهذه المحامد والممادح غيرَك، وبي فاقة إليك لا يَجْبرُ مسكنتها إلا فضلك، ولا يُنعِشُ منْ خَلَقِهَا إلا مَنُّك وجودُك؛ فهب لنا في هذا المقام رضاك، وأغننا عن مدِّ الأيدي إلى سواك، إنك على كل شيء قدير.

وبالإسناد الموثوق به من كتاب آخر أنه قال في مناجاته عليه السلام: إلهي ارحمنا إذا تضمنتنا بطونُ لحودنا، وأغميتْ بِالَّلبِنِ سقوفُ بيوتنا، واضطجعنا مساكين على الأيمان في قبورنا، وخُلِّفنا فرادى في أضيق المضاجع، وصرعتنا المنايا في أعجب المصارع، وصرنا في دار قوم كانت مأهولة وهي منهم بلاقع. إلهي لقد رجوتُ ممن ألبسني من بين الأحياء ثوب عافيته ألا يعريني منه من بين الأموات بجود رأفته.

ومن كلام له عليه السلام في صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم بالطويل الْمُمَّغِط، ولا بالقصير المتردِّد. كان رَبْعة من القوم، ولم يكن بالْجَعْدِ القَطَط ولا السَّبْط، كان جَعْدًا رجْلاً، لم يكن بالمطهّم ولا الْمُكَلْثم، وكان أبيضَ مُشربًا بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، دقيق المسربة، أجرد، شثن الكفَّين والقدمين، إذا مشى تقلَّع كأنه يمشي في صَبَب، وإذا التفت التفت معًا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين، أجود الناس كفًّا، وأجرأ الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبَّه. يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وآله وسلم. رويناه من سيرة ابن هشام.

ومن كلامه عليه السلام في تعليم الناس الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم داحي المدحوَّات، وداعم المسموكات، وجابلَ القلوب على فطرتها، شَقِيِّها وسعيدها: اجعل شرآئف صلواتِك، ونوامي بركاتك على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتِح لما انغلق، والمعلن الحقِّ بالحقِّ، والدَّافع جيشات الأباطيل، والدامغ صولات الأضاليل، كما حُمِّل فاضطلع قائمًا بأمرك، مُستوفزًا في مرضاتك، غير ناكلٍ عن قُدُمٍ، ولا واه في عزم، واعيًا لوحيك، حافظًا لوعدك، ماضيًا على نفاذ أمرك، حتى أورى قبس القابس، وأضاء الطريق للخابط، وهدنت به القلوب بعد خوضات الفتن، وأقام مُوضِحات الأعلام، ونيِّرات الأحكام، فهو أمينُك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك بالحق، ورسولك إلى الخلق.

اللهم افسح له مفسحًا في ظلِّك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك.

اللهمَّ أعل على بنآء البانين بنآءه، وأكرم لديك منزلته، وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثكَ له مقبولَ الشهادة، ومرضيَّ المقالة، ذا منطق عدل، وخطةٍ فصل.

اللهمَّ اجمع بيننا وبينه في برد العيش، وقرار النعمة، ومُنَى الشهوات، وأهواء اللذات، ورخاء الدعة، ومنتهى الطمأنينة، وتحف الكرامة.

رواه في نهج البلاغة، ولنقتصر على حكاية هذا القدر، وإن كان قليلاً من كثير من كلامه عليه السلام، وهو كلُّه في الرفيع من منازل الفصاحة، والعالي من درجات البلاغة رضي الله عنه وأرضاه.

قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة