اعلم أن التشاغل بمناقبه يخرجنا عن الغرض المقصود، ومناقبُه عليه السلام أشهر من النهار لذوي الأبصار، وإنما نذكر اليسير على وجه الرعاية لحقه عليه السلام إذ كنا قد روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ذكر علي عبادة)).
وقالت عائشة: ((زينوا مجالسكم بذكر علي عليه السلام)). فمن ذلك ما روينا بالإسناد الموثوق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما قدم علي بن أبي طالب عليه السلام بعد فتح خيبر قال: ((يا علي لولا أن تقول طائفة من أمتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالا لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت رجليك، وفضل طهورك يستشفون بهما، ولكن حسبك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأنت تبرئ ذمتي، وتستر عورتي، وتقاتل على سنتي، وأنت غدا في الآخرة أقرب الخلق مني، وأنت على الحوض خليفتي، وإن شيعتك على منابر من نور، مُبْيضَةٌ وجوههم حولي أشفع لهم، ويكونون في الجنة جيراني؛ لأن حربك حربي، وسلمك سلمي، وسريرتك سريرتي، وإن ولدك ولدي، وأنت تقضي ديني، وأنت تنجز وعدي، وإن الحق على لسانك وفي قلبك ومعك وبين يديك ونصب عينيك، الإيمان مخا لط لِلحمِكَ ودمك كما خالط لحمي ودمي، لا يَرِدُ عليَّ الحوض مبغضٌ لك، ولا يغيب عنه محبٌ لك، فخرَّ عليٌّ عليه السلام ساجدًا وقال: الحمد لله الذي منَّ عليَّ بالإسلام، وعلمني القرآن، وحببني إلى خير البرية، وأعزّ الخليقة، وأكرمِ أهل السموات والأرض على ربه، خاتِم النبيين وسيد المرسلين، وصفوة الله في جميع العالمين، إحسانًا من الله إليَّ، وَتَفَضُّلاً منه عليَّ. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لولا أنت يا علي ما عرف المؤمنون بعدي، لقد جعل الله عز وجل نسل كل نبي من صلبه، وجعل نسلي من صلبك يا علي؛ فأنت أعز الخلق وأكرمهم علي وأعزهم عندي، وَمُحِبُّكَ أكرم من يرد علي من أمتي)).
وروينا عن عبدالله قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرضةً، فغدا إليه علي ابن أبي طالب عليه السلام في الغلس، وكان لا يحب أن يسبقه أحد، فإذا هو بصحن الدار، ورأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي، فقال: السلام عليك. قال: وعليك السلام ورحمة الله، أما أني أُحِبُّكَ ولك عندي مديحة أزفها إليك قال: قل. قال: أنت أمير المؤمنين، وأنت قائد الغر المحجلين، وأنت سيد ولد آدم يوم القيامة ما خلا النبيين والمرسلين، لواء الحمد بيدك، تزف أنت وشيعتك إلى الجنان زفًا زفًا، أفلح من تولاك وخاب وخسر من تخلاك، بِحُبِّ محمد أحبُّوك، وببغضك لم تنلهم شفاعة محمد، ادن إلى صفوة الله أخيك وابن عمك فأنت أحق الناس به قال: فدنا علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ برأس رسول الله أخذا رفيقًا وصيَّره في حجره فانتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا علي ما هذه الهمهمة؟ فأخبره علي عليه السلام الحديث، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم يكن ذلك دحية بن خليفة، كان ذلك جبريل عليه السلام سمَّاك بأسماء سمَّاك الله بها، وهو الذي ألقى محبتك في صدور المؤمنين، وهيبتك في صدور الكافرين، ولك يا علي عند الله أضعاف كثيرة)).
وروينا عن أنس بن مالك قال: أُهديَ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طائر فوضعه بين يديه، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، قال: فجاء علي بن أبي طالب فدق الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا علي، فقلت: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حاجة، فعل ذلك ثلاثا، فجاء الرابعة فضرب الباب برجله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما حَبسَكَ؟ فقال: قد جئت ثلاث مرات [يردني أنس]، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما حملك على ذلك؟ قال: كنت أحب أن يكون رجلا من قومي.
وروينا عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بالكعبة إذ بدت رمانة من الكعبة، فاخضرَّ المسجدُ لحسن خضرتها، فمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده إليها فتناولها ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طوافه، فلما انقضى طوافه صلى بالمقام ركعتين، ثم فلق الرمانة نصفين كأنها قدت، فأكل النصف وأطعم عليا عليه السلام النصف فرنخت [أي استرخت] أشداقهما لعذوبتها، ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه فقال: ((إن هذه قطف من قطوف الجنة لا يأكله إلا نبي أو وصي نبي ولولا ذلك لأطعمناكم)).
وروينا عن زيد الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين المسلمين وقال: يا علي أنت أخي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، أما علمت يا علي أن أول من يُدعى به يوم القيامة يُدعى بي، فأقوم عن يمين العرش في ظله فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على بعض فيكونون سِمَاطَينِ عن يمين العرش، ثم يكسون حللاً خضرًا من حلل الجنة، وإني أخبرك يا علي أن أمتي أول الأمم يحاسبون، ثم إنه أول من يدعى بك لقرابتك مني ومنزلتك عندي، ويدفع إليك لوآئي وهو لواء الحمد، وتسير به بين السماطين، آدم عليه السلام وجميع خلق الله يستظلون بظل لوائي يوم القيامة طوله مسيرة ألف سنة، سنانه ياقوتة حمراء، قصبته من فضة بيضاء، زُجُّه درة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور: ذؤابة في المشرق، وذؤابة في المغرب، والثالثة وسط الدنيا، مكتوب عليه ثلاثة أسطر: الأول بسم الله الرحمن الرحيم، والثاني الحمد لله رب العالمين، والثالث لا إله إلا الله محمد رسول الله، طول كل سطر مسيرة ألف سنة، وعرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء والحسن عن يمينك والحسين عن يسارك حتى تقف بين يدي إبراهيم عليه السلام في ظل العرش، ثم تكسى حلة خضراء، ثم ينادي مناد من تحت العرش نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي، أبشر يا علي إنك تكسى إذا كُسيتُ، وتُدعى إذا دُعيتُ، وتحبى إذا حُبيتُ.
وروينا بالإسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي أنت فارس العرب، وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، وأنت رفيقي في الجنة، وأنت أخي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وأنت سيف الله الذي لا يخطئ)).
وروينا بالإسناد عن عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى إذ دخل علي عليه السلام وأهل الشورى وحضرهم عبدالله بن عمر فسمعت عليّا عليه السلام يقول: بايع الناس أبا بكر، فسمعت وأطعت، ثم بايعوا عمر فسمعت وأطعت، ثم يريدون أن يبايعوا عثمان إذا أسمع وأطيع، ولكني محتج عليكم: أنشدكم الله هل تعلمون فيكم أحدا أحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني؟ قالوا: اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم من أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وعم رسوله وسيد الشهداء؟ قالوا: اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم من أحد له أخ كأخي جعفر له جناحان أخضران يطير بهما مع الملآئكة؟ قالوا: اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم من أحد له زوجة مثل زوجي فاطمة سيدة نساء الجنة؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم هل فيكم من أحد له سبطان مثل سبطيَّ الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم هل فيكم من أحد وحَّد الله قبلي؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم أيها النفر جميعا هل فيكم من أحد صلى القبلتين غيري؟ قالوا: اللهم لا نعمله. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد نصر أبوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مشرك غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرًا غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد أقتل لمشركي قريش في حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإخراجه ناجزا عنه عند كل شديدة تنزل مني؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.
قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من أحد مسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عينيه وأعطاه الراية يوم خيبر وقال: ((لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله عل يده، ليس برعديد ولا جبان)) غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس ولكم يوم غدير خم، فقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)) غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من أحد واخاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم آخى بين المسلمين وقال له: أنت أخي وأنا أخوك ترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد بارز عمرا بن عبد ود .. يوم الخندق وقتله غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل فيكم من أحد وقف مع الملآئكة يوم حنين غيري - حين ذهب الناس -؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد اشتاقت الجنة إلى رؤيته بقول نبيكم غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد هو وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أهله غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من أحد له سبق مثل سبقي في الإسلام؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد ورث سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودوابه عند موته غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد له شقيق مثل شقيقي، ووزير مثل وزيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.
قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد هو أغنى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني حين اضطجع في مضجعي، وأضجعني في مضجعه، وبذلت له مهجة دمي وأقيه بنفسي؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم هل فيكم من أحد له سهمان كسهمي سهم في الخاصة، وسهم في العامة؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم هل فيكم من أحد هو أحدث عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم، هل فيكم من أحد ولي غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالروح والريحان مع الملآئكة المقربين غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله، وبحق نبيكم، هل فيكم من أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اغسلني فإنه لا يرى أحد شيئا من عورتي إلا عمي غيرك يا علي))؟، قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حفرته ولف عليه أكفانه غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم، هل من أحد أمر الله بمودته من السماء حيث يقول: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23] غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه. قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد جار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده، يحل له فيه ما يحل لرسول الله، ويحرم عليه ما يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر الله نبيه بسد أبواب المهاجرين، وأخرجهم غيري؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.
قال: فأنشدكم بالله وبحق نبيكم هل فيكم من أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال له ذووا قرابته: سددت أبوابنا وأخرجتنا من مسجدك، وتركت عليا صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنا أخرجتكم، ولا سددت أبوابكم ولا تركت عليا، لكن الله أمرني بإخراجكم، وترك عليا ولم يخرجه؟ قالوا: اللهم لا نعلمه.
قال علي عليه السلام: اللهم اشهد، وكفى به شهيدا بيني وبينكم، أسمع وأطيع وأتبع وأصبر حتى يأتي الله بالفتح من عنده، شأنكم فاصنعوا ما بدا لكم، ثم قال هذه الأبيات:
محمدٌ النبيُّ أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفرٌ الذي يُضحي ويُمسي ... يطير مع الملآئكة ابنُ أمي
وبنت محمد سكني وعرسي ... مشوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولداي منها ... فأيكم له سهم كسهمي
سبقتكمُ إلى الإسلام طُرًّا ... غلامًا ما بلغت أوان حُلْمِي
وأوجب بالولاية لي عليكم ... رسول الله يوم غدير خُمِّ
وروينا بالإسناد عن أبي الفرج عبد الواحد بن محمد المخزومي الشاعر المعروف بالببغاء، قال: كنت بصور في سنيِّ نيف وخمسين وثلاثمائة عند أبي علي محمد بن علي المستأمن، وإنما لقب بذلك لأنه استأمن من عسكر القرامطة إلى أصحاب السلطان بالشام وهو على حماية البلد، فجاءه قاضيها أبو القاسم بن إبان وكان شابا أديبا فاضلاً جليلاً واسع المال عظيم الثروة ليلاً فاستأذن عليه فأذن له، فلما دخل عليه، قال: أيها الأمير قد حدث الليلة أمر ما لنا بمثله عهد، وهو أن في هذه البلد رجلاً ضريرًا، يقوم كل ليلة في الثلث الأخير فيطوف في البلد ويقول بأعلى صوته: يا غافلين اذكروا الله، يا مذنبين استغفروا الله، يا مبغض معاوية عليك لعنة الله، وأن رابَّتي التي ربتني كانت لها عادة في أن تنتبه على صياحه، فجاءتني الليلة وأيقظتني قالت: كنت نائمة فرأيت في منامي كأن الناس يهرعون إلى المسجد الجامع فسألت عن السبب، فقالوا: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هناك؛ فتوجهت إلى المسجد فدخلته ورأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر وبين يديه رجل واقف، وعن يمنيه ويساره غلامان واقفان، والناس يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويردُّ عليهم السلام، حتى رأيت ذلك الضرير الذي يطوف في البلد ويذكر، ويقول: كذا وكذا وأعادت ما يقوله في كل ليلة - قد دخل فسلَّم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعرض عنه، وعاوده فأعرض عنه، فقال الرجل الواقف: يا رسول الله رجل من أمتك ضرير يحفظ القرآن يسلَّم عليك فلِمَ حرمته الرد عليه؟ فقال له: يا أبا الحسن هذا يلعنك ويلعن ولدك منذ ثلاثين سنة، فالتفت الرجل الواقف فقال: يا قنبر، فإذا أنا برجل قد برز، فقال: اصفعه فصفعه صفعة فخر على وجهه، ثم انتبهت فلم أسمع له صوتا! وهذا هو الوقت الذي جرت عادته بالصياح والطواف والتذكير.
قال أبو الفرج: فقلت أيها الأمير تنفذ من يعرف خبره، فأنفذنا في الحال رسولاً قاصدًا ليخبر أمره، فجاءنا يُعرِّفنا أن امرأته ذكرت أنه عرض له في هذه الليلة حكاك شديد في قفاه فمنعه من التطواف والتذكير، فقلت لأبي علي المستأمن: أيها الأمير هذه آية ونحب أن نشاهدها، فركبنا وقد بقيت من الليل بقية يسيرة، وجئنا إلى دار الضرير فوجدناه نآئما على وجهه يخور، فسألنا زوجته عن حاله، فقالت: انتبه وحك هذا الموضع، وأشارت إلى قفاه، وكان قد ظهر فيه مثل العدسة، وقد اتسعت الآن وانتفخت وتشققت، وهو الآن على ما تشاهدون يخور ولا يعقل، فانصرفنا وتركناه، فلما أصبح توفي فأكب أهل صور على تشييع جنازته وتعظيمه. قال أبو الفرج: واتفق أني لما وردت إلى باب عضد الدولة بالموصل في سنة ثمان وستين وثلاثمائة لزمت دار خازنه أبي نصر خرشيذ يزديار بن مافنة، وكان يجتمع فيها كل يوم خلق كثير من طبقات الناس، فحدثت بهذه الحكاية جماعة في دار أبي نصر: منهم القاضي أبو علي التنوخي رحمه الله، وأبو القاسم الحسين بن محمد الجنَّابيّ، وأبا إسحاق النصيبي، وابن طرخان وغيرهم، فكلهم ردَّ عليَّ واستبعد ما حكيته على أشنع وجه غير القاضي أبي علي رحمه الله فإنه جوَّز أن تكون هذه الحكاية صحيحة وشيدها وحكى في مقابلتها ما يقاربها، ثم مضت على هذه مُديدة يسيرة، فحضرت دار أبي نصر على العادة واتفق حضور أكثر الجماعة، فلما استقر بي المجلس سلم عليَّ فتىً شاب لم أعرفه فاستثبته. فقال: أنا ابن أبي القاسم بن أبان قاضي صور، فبدأت فأقسمت عليه بالله يمينًا مكررة مؤكدة وبأيمان كثيرة مغلظة محرجة إلا صدق فيما أسأله عنه، فقال: نعم عندي أنك تريد أن تسألني عن المنام والضرير المذكِّرْ وميتته الطريفة، فقلت: نعم هو ذاك فبدأهم وحدثهم بمثل ما حدثتهم به، فعجبوا من ذلك واستطرفوه وأنشد الساري قال أنشدنا والدي لنفسه:
لن يبلغوا مدح النبي وآله ... قوم إذا ما بالمدائح فاهوا
رجل يقول إذا تحدث قال لي ... جبريل أرسلني إليك الله
وهو عليه السلام في الجهاد السابقُ في الميدان، المبيدُ للأقران، المقطِّر للشجعان. روينا عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال لي معاوية: أتحب عليا؟ قلت: وكيف لا أحبه وقد سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، ولقد رأيته بارز يوم بدر وهو يحمحم كما يحمحم الفرس، ويقول:
ما تنقم الحرب العَوانُ مني ... بازل عامين حديثٌ سِّني
سنحنح الليل كأني جني
ثم قال: لمثل هذا ولدتني أمي
فما رجع حتى خضَّبَ سيفه دمًا. وروينا عن عبدالله قال: دخل علي بن أبي طالب عليه السلام يوم قتل عمرو بن عبد ودٍّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيفه يقطر دما فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أتحف عليا بتحفة لم تتحف بها أحدا قبله، ولا تتحف بها أحدا بعده، قال: فهبط جبريل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأترجة، فإذا فيها سطران مكتوبان: هدية من الطالب الغالب إلى علي بن أبي طالب، وأنشد عليه السلام في قتل عمرو بن عبد ودّ:
أعليَّ تقتحم الفوارس هكذا ... عني وعنهم أخبروا أصحابي
اليوم يمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمِّمٌ في الهام ليس بناب
آلى ابن عبد حين شدَّ أليَّةً ... وحلفت فاستمعوا مِنَ الكذاب
أن لا يصد ولا يهلل فالتقى ... رجلان يضطربان أي ضراب
فصددت حين رأيته متقطرًا ... كالجذع بين دكادكٍ وروابي
وعففت عن أثوابه ولو انني ... كنتُ المقطَّرَ بزَّني أثوابي
وروينا عن سعيد بن المسيب قال: لقد أصابت عليا عليه السلام يوم أحد ست عشرة ضربة، كل ضربة تلزمه الأرض، فما كان يرفعه إلا جبريل عليه السلام.
وروينا عن المنتجع بن قارض النهدي أن أباه حدثه، وكان جاهليا قال: شهدت هوازن يوم هوازن، وكنت امرأ ندبا يسودني قومي، ولقينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرأيت في عسكره رجلا لا يلقاه قرن إلا دهدهه، ولا يبرز إليه شجاع إلا أرداه، فصمد له وبرز إليه الجلموز بن قريع، وكان والله ما علمته حوشي القلب، شديد الضرب، فأهوى له الرجل بسيفه، فاختلى قحف رأسه على أم دماغه، فحدت عنه وجعلت أرمقه وهو لا يقصد ركاكة، ولا يؤم إلا صناديد الرجال، لا يدنو من رجل إلا قتله، وكانت الدائرة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم علينا، فأسلمت بعد ذلك، فتعرفت الرجل، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام، وتالله لقد رأيت زنده فخلته أربع أصابع، وإن أول خنصره كأخر مفصل من مرفقه. وروينا عن عبدالله ابن الحسن عليه السلام قال: بارز علي بن أبي طالب عليه السلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنين وسبعين مبرزا.
وروينا في خبر أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما قفل من غزوة تبوك، وقسم للناس الغنائم، دفع إلى علي عليه السلام سهمين، فأنكر ذلك قوم! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيها الناس هل أحد أصدق مني؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: أيها الناس أما رأيتم صاحب الفرس الأبلق أمام عسكرنا في الميمنة مرة، وفي الميسرة؟ قالوا: رأيناه يا رسول الله. فماذا؟ قال: ذلك جبريل عليه السلام قال لي يا محمد: إن لي سهما مما فتح الله عليك، وقد جعلته لابن عمك علي بن أبي طالب فسلمه إليه، قال أنس: فكنت فيمن بشر عليا عليه السلام بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان عليه السلام في العلم البحر الذي لا ينتهى إلى قراره، والغمام الذي لا يقلع ديمة مدرارة.
وقد روينا بالإسناد الموثوق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، فمن أراد الحكمة، فليأت الباب)).
وعن عمر أنه قال: لا أبقاني الله لمعضلة لا أرى فيها ابن أبي طالب، وعنه: لولا علي لهلك عمر. وعن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: وجدنا العلم على ستة أسداس: لعلي منها خمسة أسداس خاصة، ولسائر الناس سدس واحد، ويشاركهم فيه. وعنه رحمه الله تعالى قال: لعلي عليه السلام خصال قواطع: بسطة في العشيرة، وصهر بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعلم بالتنزيل، وفقه بالتأويل، وصبر إذا دعيت نزال.
وعنه في صفة أمير المؤمنين عليه السلام: كان والله يشبه القمر الباهر، والحسام الباتر، والربيع الباكر، والفرات الزاخر، والليث الخادر، فأشبه من القمر ضوءه وبهاءه، ومن الحسام حده وجلاءه، ومن الربيع خصبه وحياءه، ومن الفرات جوده وسخاءه، ومن الليث شجاعته ومضاءه.
وروينا عن سعيد بن كلثوم قال: كنت عند جعفر بن محمد، فذكر علي بن أبي طالب عليه السلام فأطراه، ثم قال: والله ما أكل عليٌّ من الدنيا حراما قط حتى مضى لسبيله، وما عرض له أمران قط هما لله برضى إلا أخذ بأشدهما عليه في دينه، وما نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نازلة إلا دعاه فقدمه أمامه ثقة به، وما أطاق عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة غيره، وإن كان ليعمل عمل رجل كأن وجهه بين الجنة والنار، يرجو ثواب هذه، ويخاف عقاب هذه، ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله، والنجاة من النار، مما كد بيده، ورشح منه جبينه، وإن كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة، وما كان لباسه إلا الكرابيس، إذا فضل شيء عن يده من كمه دعا بالجلم فقصه، وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد، وإن كان أقرب القوم شبها به في لباسه وفقهه علي بن الحسين عليهما السلام.
وعن عروة بن الزبير قال: كنا جلوسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتذاكرنا أعمال بدر، وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: ألا أخبركم بأقل القوم مالا، وأكثرهم ورعا، وأشدهم اجتهادا في العبادة؟ قالوا: من هو؟ قال: علي ابن أبي طالب، قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه، ثم ابتدر له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها فقال أبو الدرداء: يا قوم إني قائل ما رأيت، وليقل كل امرئ ما رأى؛ شهدت عليا عليه السلام، وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممن يليه، واستتر بفسلان النخل، فافتقدنه فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين، ونغمة شجي، وهو يقول: إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنعمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك، فشغلني الصوت، واقتفيت الأثر، فإذا هو علي عليه السلام بعينه، فاستترت منه، وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثم فزع إلى الدعاء والاستغفار والبكاء، والبث والشكوى، فكان مما ناجى به ربه أن قال: إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليه بليتي، ثم قال: آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء، ثم قال: آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من ملهبات لظى.
قال: ثم أنعم في البكاء فلم أسمع له حسا ولا حركة، فقلت: غلبه النوم بطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر فأتيته، فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك، فزويته فلم ينزو، فقلت: إنا لله وإنا لله راجعون، مات والله علي بن أبي طالب، قال: فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم، فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبا الدردآء هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثم أتوه بمآء فنضحوه على وجهه فأفاق، فنظر إلي وأنا أبكي، فقال: ما بكاؤك؟ فقلت: مما أراه تنزله بنفسك، فقال: يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني وقد دعيت إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعقاب، واحتوشتني ملآئكة غلاظ، وزبانية أفظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار قد أسلمني الأحباء، ورحمني أهل الدنيا؛ لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية!
قال أبو الدرداء: ما رأيت أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك.
وروينا عن محمد بن السائب عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية، فقال له: صف لي عليا، فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: إذ لا بد، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، وكان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفيه، ويحاسب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن. كان والله كأحدنا يدنينا إذا آذناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع قربه منا لا نكلمه هيبة منه، وإن تبسم فمثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، ممثلا في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: أبي تعرضت، أم بي تشوقت، هيهات هيهات غري غيري لا حان حينك، قد بنتك ثلاثا، فعمرك قصير، وخطرك كبير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، قال: فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن فكيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها، لا ترقأ دمعتها، ولا يسكن حزنها، ثم قام فخرج.
وروينا عن زيد بن علي عليهما السلام قال: اجتمع نفر من قريش فيهم علي ابن أبي طالب عليه السلام فتفاخروا، فقالوا شيئا من الشعر حتى انتهوا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا: يا أبا الحسن قل فقد قال أصحابك، فقال عليه السلام:
الله أكرمنا بنصر نبيه ... وبنا أقام دعائم الإسلام
وبنا أعز نبيه وكتابه ... وأعزه بالنصر والإقدام
في كل معترك تطير سيوفنا ... فيها الجماجم من قراح الهام
ينتابنا جبريل في أبياتنا ... بفرائض الإسلام والأحكام
فنكون أول مستحلّ حلَّه ... ومحرِّمٍ لله كل حرام
نحن الخيار من البرية كلها ... ونظامها وزمام كل زمام
الخائضوا غمرات كل كريهة ... والضامنون حوادث الأيام
والمبرمون قوى الأمور بعزمهم ... والناقضون مراير الإبرام
سائل أبا كرب وسائل تُبّعًا ... عنا وأهل العير والأزلام
إنا لنمنع من أردنا منعهم ... ونجود بالمعروف والإنعام
وترد عادية الخميس سيوفنا ... وتقيم رأس الأصيد القمقام
وروينا عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: قال أهل الشام لمحمد بن الحنفية، وقد برز في بعض أيام صفين: هذا ابن أبي تراب، هذا ابن أبي تراب، فقال لهم محمد بن الحنفية: إخسئوا ذرية النار، وحشو النفاق، وحصب جهنم أنتم لها واردون، عن الأسل النافذ، والنجم الثاقب، والقمر المنير، ويعسوب المؤمنين، من قبل أن تطمس وجوه فترد على أدبارها، وتلعنوا كما لعن أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا.
أو لا تدرون أي عقبة تتسنمون، بل ينظرون إليك وهم لا يبصرون، أصنو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تستهدفون؟ ضلة بكم، هيهات برز والله بسبق، وفاز بخصل محرزا القصبات سبقه، فانحسرت عنه الأبصار، وتقطعت دونه الرقاب، واحتفزت دونه رجال، وكرثهم السعي، وفاتهم الطلب، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. فخفضا أقلوا لا أبا لأبيكم من اللوم، أو سدوا المكان الذي سدوا، وأنى تسدون مسد أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ شفعوا، وشبيه هارون إذ منحوا، والبادي ببدر إذ ابتدروا، والمدعو إلى خيبر إذ نكلوا، والصابر مع هاشم يوم هاشم إذ حصلوا، والخليفة على المهاد ومستودع الأسرار!
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وأنى يبعد عن كل مكرمة وعلا وقد نمته ورسول الله أبوة، وتفيئا في ظل، ودرجا في سكن، وربيا في حجر، منتجبان مطهران من الدنس، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنبوءة، وأمير المؤمنين عليه السلام للخلافة، خلافة قد رفع الله عنها سنة الاستبداد، وطمس عنها وسم الذلة فقد حلأها عن شربها أخذا بأكظامها، يرحضها عن مال الله حتى عضها الثقاف، ومضها فرض الكتاب، فجرجرت جرجرة العود، فلفظته أفواهها، ومجته شفاهها، ولم يزل على ذلك وكذلك، حتى أقشع عنكم ريب الذلة، واستنشقتم ريح النصفة، وتطعمتم قسمة السوآء، سياسة مأمون الخرفة، مكتهل الحنكة، طب بأدوائكم، قمن بدوائكم، يبيت بالربوة، كاليا لحوزتكم، جامعا لقاصيتكم، يقتات الجريش، ويلبس الهدم، ويشرب الخمس، وأنتم تريدون أن تطفئوا نور الله بأفواهكم، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] ثم إذا تكافح السيفان، وتبادرت الأقران، وطاح الوشيج، واستسلم الوشيظ، وغمغمت الأبطال، ودعت نزال، وغردت الكماة، وقلصت الشفاه، وقامت الحرب على ساق، وسألت عن أبراق، الفيت أمير المؤمنين مثبتا لقطبها، مديرا لرحاها، دلافا للبهم، ضرابا للقلل، سلابا للمهج، ترّاكًا للونية، مُثكِل أمهات، ومؤيم أزواج، ومؤتم أطفال، طامحا في الغمرة، راكدا للجولة، يهتف بأولاها فتنكفئ على أخراها، فآونة يكفاها، وفينة يطويها طي الصحيفة، وتارة يفرقها فرق الوفرة، فبأي مناقب أمير المؤمنين تكذبون، وعن أي امرئ مثل حديثه تروون، وربنا المستعان على ما تصفون.
وتفصيل مناقبه عليه السلام تخرجنا عن المراد وإنما نبهنا عن اليسير دون الكثير.
وقد روينا في مثل هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لو أن الغياض أقلام، والبحار مداد، والجن كتاب، والإنس حساب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب))، فكيف يروم أحد مع ذلك الإحاطة بمناقبه والإحصاء لمكارمه.
هذا وقد روينا في قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [آل عمران: 61] أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليا وفاطمة عليهما السلام، والحسن والحسين، فكانت الأنفس المراد بها نفس النبي ونفس علي صلوات الله عليهما، والنساء المراد بها فاطمة عليها السلام، والأبناء المراد بها الحسن والحسين عليهما السلام، وهذا شرف لا يسامى، وفضل لا يدانى. ومن مدحه محكم التنزيل؛ اكتفي في ظهور فضله عن التطويل، ولله القائل:
يفنى الكلام ولا يحاط بمدحكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفد
ذكر بيعته ونبذ من سيرته عليه السلام
بُويِعَ له عليه السلام بالخلافة يوم الجمعة بعد العصر بالمدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة. وهو اليوم الذي قُتِلَ فيه عثمان، وبويع له في الغد يوم السبت، وامتدت البيعة على ما قيل ثلاثة أيام، وأول من بايعه طلحة، ثم الزبير، ثم من حضر من المهاجرين والأنصار وسواهم، وكان يأخذ البيعة على الناس عمار بن ياسر، وأبو الهيثم بن التيهان، ولما بويع له على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف خزيمة بن ثابت الأنصاري بين يدي المنبر وأنشأ يقول:
إذا نحن بايعنا عليًّا فحسبنا ... أبو حَسَنٍ مما نخاف من الفتن
وجدناه أولى الناس بالناس إنه ... أطب قريش بالكتاب وبالسنن
وإن قريشًا ما تشق غباره ... إذا ما جرى يومًا على الضمَّر البُدن
وفيه الذي فيهم من الخير كله ... وما فيهم كل الذي فيه من حسن
وقال خزيمة بن ثابت رحمه الله أيضًا عند اختلاف الناس على علي عليه السلام بعد البيعة وكان يسمَّى ذا الشهادتين، قطع به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحده:
ويلكم إنه الدليل على اللـ ... ـه وداعيه للهدى وأمينه
وابن عم النبي قد علم النا ... س جميعا وصنوه وخدينه
كل خير يزينهم هو فيه ... وله دونهم خصال تزينه
ثم ويل لمن يبارز في الرو ... ع إذا ضمت الحسام يمينه
ثم نادى أنا أبو الحسن القر ... م فلا بد أن يطيح قرينه
(وقعة الجمل)
ولما استقرت له البيعة عليه السلام أتاه طلحة والزبير فاستأذناه للحج، فقال: ما الحج تريدان! ولكن اذهبا فذهبا، والتقوا بعائشة مقبلة من الحج، وعبدالله بن عامر، وجاء يعلى بن مُنية من اليمن وكان عاملاً فيه لعثمان، فاشتَوَرُوا واتفقت آراؤهم على الخروج إلى البصرة لمخالفة علي عليه السلام، والطلب بدم عثمان، وهؤلاء من عيون أهل عصرهم في الدنيا والدين، ولهذا قال علي عليه السلام: في حربهم بليت بأشجع الناس في الناس يعني الزبير، وأطوع الناس في الناس يعني عائشة، وأغنى الناس في الناس يعني يعلى بن منية، وراودوا أم سلمة رضي الله عنها على الخروج معهم فأبت.
وكتبت عائشة إلى زيد بن صوحان العبدي: بسم الله الرحمن الرحيم من عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أما بعد: إذا جاءك كتابي هذا فأقم في بيتك، واخذل الناس عن علي حتى يبلغك أمري، وَلْيَبْلُغْنِي عنك ما أُسَرُّ به، فإنك من أوثق أهلي عندي والسلام.
فلما قرأ كتابها قال: أُمِرَتْ بأمر وأمِرْنا بغيره، أُمِرَتْ أن تجلس في بيتها، وأن تَقَرَّ فيه، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فركبت ما أمرنا، وتأمرنا أن نركب ما أمرت به. ثم إن عائشة وطلحة والزبير ومن انضاف إليهم ساروا حتى نزلوا البصرة، وفيها عامل علي عليه السلام عثمان بن حنيف رحمه الله تعالى، فهموا بقتله، ثم حبسوه وحلقوا لحيته، وقتلوا رجالا كثيرا كانوا معه على بيت المال وغير ذلك من أعماله، فلما بلغ عليا عليه السلام مسيرهم خرج مبادرا إليهم واستنجد أهل الكوفة، ثم سار بهم إلى البصرة وهم بضعة عشر ألفا، فخرج إليهم طلحة والزبير وعائشة بأهل البصرة فاقتتلوا قتالا شديدا، وهزم عسكر عائشة، وأمر أمير المؤمنين صلوات الله عليه بردها إلى المدينة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: ((إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر، فإذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها)). وروينا أن عليًّا عليه السلام خرج على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنادى بأعلى صوته: ادعوا لي الزبير، فدعي به، فقال علي: أنشُدُك الله، أتذكر يوم مر بك رسول الله عليه السلام، ونحن في مكان كذا؟ فقال: يا زبير أتحب عليا؟ فقلت: ألا أحِبَّ ابن خالي وابن عمي، وَمَنْ على ديني! فقال: يا علي أتحبه؟ فقلت: ألا أحب ابن عمتي، ومن على ديني! فقال: يا زبير أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم، فقال الزبير: بلى والله لقد نسيت منذ سمعته، ثم تذكرته الآن، والله لا أُقَاتِلَكَ، فرجع الزبير يشقَّ الصفوف، فعرض له ابنه عبدالله، فقال: مالك؟ قال: ذكرني عليٌّ عليه السلام حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لَتُقَاتِلَنّهُ وأَنْتَ لَهُ ظَالِم)) فلا والله لا أقاتله، ثم ولى وأنشد:
تَرْكُ الأمور التي تُخشَى عواقبُها ... لله أجمل في الدنيا وفي الدين
نادى عليٌّ بأمرٍ لستُ أُنكرُه ... قد كان عَمرُو أبيك الخيرَ مُذْحِين
فاخترت عارًا على نارٍ مؤجَّجَةٍ ... أَنَّى يقوم لها خلق من الطين
ثم ذهب حتى نزل بوادي السباع، فقتله ابن جرموز وأتى برأسه عليا عليه السلام فقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ((بشر قاتل ابن صفية بالنار)) فقال ابن جرموز:
أتيت عليًّا برأس الزبير ... وقد كنت أرجو به الزلفة
فبشر بالنار قبل العيان ... فبئست بشارة ذي التحفة
فسيان عندي قتل الزبير ... وضرطة عنز بذي الجُحْفَة
ودعا عليٌّ عليه السلام أيضا بطلحة فقال له: نشدتك الله، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((مَنْ كُنْتُ مولاهُ فعليٌّ مَولاهُ، اللهم وَالِ منْ والاه، وعاد من عاداه))؟ قال: نعم. قال: فَلِمَ تُقَاتِلُني؟ قال: لم أذكر، وانصرف.
وروي أنه لما رُمِيَ بسهم قال بعد ما أفاق من غشيته: ما رأيت مصرع قرشي أضل من مصرعي.
وروي أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه دفع رايته يوم الجمل إلى محمد بن الحنفية، وقال: تقدم يا بني، فتقدم، ثم وقف ساعة، فصاح به: اقتحم لا أم لك، فحمل مُحَمدٌ وطعن بها في أصحاب الجمل طعنًا منكرًا فأُعجب به عليه السلام، فجعل يُنشِدُ:
اطعن بها طعن أبيك تُحمد ... لا خير في الحرب إذا لم توقد
ورجع ثم استل أمير المؤمنين عليه السلام سيفه وحمل على القوم فضرب فيهم يمينًا وشمالاً ورجع وقد انحنى سيفه فجعل يسويه بركبتيه، فقيل له: نحن نكفيكها يا أمير المؤمنين، فلم يجب أحدا حتى سواه، ثم حمل ثانيًا حتى اختلط بهم، ثم رجع، وقد انحنى سيفه فوقف يسويه بركبتيه، ويقول: والله ما أريد بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة، ثم التفت إلى ابنه محمد وقال: هكذا فاصنع يا بني. وخرج عمرو بن اليثربي وقتل ثلاثة من أصحاب أمير المؤمنين، وطلب البراز، فخرج إليه عمار، وألقاهُ عن فرسه وجرَّه حتى ألقاه بين يدي أمير المؤمنين، فأمر بضرب عنقه، فقال: استبقني لأقتل منهم مثل ما قتلت من أصحابك، فقال: أبعد ثلاثة من أصحابي! فقال: أدْنِ مني أُذُنك أكلمك، فقال: أنت رجل متمرد، وقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكل متمرد، فقال: لو أدنيت مني لقطعت أُذُنك، وَقُتِلَ، فخرج أخوه عبدالله بن اليثربي يرتجز ويقول:
أضربكم ولو أرى عليًا ... عممته أبيض مشرفيا
فخرج عليٌّ عليه السلام وهو يقول:
أُثبت لتلقاه به مليّا ... مهذبًا سميدعًا كميا
فحمل عليه علي عليه السلام فضربه ضربة رمى بنصف رأسه فقتله وانصرف. فصاح صائح من خلفه، فالتفت فإذا بعبد الله بن خلف الخزاعي صاحب منزل عائشة، فقال: ما تشاء يا ابن خلف؟ فقال: هل لك في المبارزة؟ قال: ما أكره ذلك، ولكن ما راحتُك في القتل؟ فقال: تُرَى أيُّنا يقتل صاحبه؟ ثم جعل يرتجز:
إن تدن مني يا علي فترا ... فإنني دانٍ إليك شبرا
بصارم يسقيك كأسًا مرّا ... ها إِنَّ في صدري عليك وِتْرا
فَثَنَى عليٌّ عليه السلام عنانه، وأنشأ يقول:
يا ذا الذي يطلب مني الوَتْرا ... إن كنت تبغي أنْ تزور القبرا
حقًّا وتصلى بعد ذاك الجمرا ... فادْنُ تجدني أسدًا هِزَبْرا
أسْعِطك اليوم زعافًا مُرّا
وتطاعنا وتضاربا فضربه علي عليه السلام ضربة رمى بيمينه، ثم ثناه ضربة أخرى فأطار قحف رأسه، ثم وقف عليه وجعل يرتجز:
إياي تدعو في الوغى يا ابن الأرب ........ من أبيات
ولما عُرْقِبَ الجمل ووقع، دنا أمير المؤمنين على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرع الهودج برمحه وقال: يا عائشة، أهكذا أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقالت عائشة: قد ظفرت فأحْسِنْ، فقال لمحمد بن أبي بكر: شأنك بأختك، فأدْخلها البصرة ثم ردها إلى المدينة.
وروي عن أبي جعفر عليه السلام أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم الجمل كان في خمسة عشر ألفا، وطلحة والزبير في خمسة وثلاثين ألفا، فما كان إلا ثلاث ساعات أو أربع حتى قتل من الفريقين زُهَاء نيف وعشرين ألفًا، ولما انهزم أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين ابن عباس إلى عائشة في خمسين نسوة من أهل البصرة يأمرها بالانصراف إلى بيتها بالمدينة الذي تركها فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال له: قل لها: إن الذي يردها خير من الذي يخرجها، ثم نادى مناديه: لا تجيزوا على جريح، ولا تَتْبَعُوا مدبرًا، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا امرأة: من دخل داره وألقى سلاحه فهو آمن، وما حوت المنازل والدور فهو ميراث. وإنما فعله لأنه لم يكن لهم فَيَئة.
وروينا بالإسناد إلى السيد أبي العباس أحمد بن إبراهيم الحسني (رضي الله عنه) بإسناده إلى ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله من يغسلك إذا مِتّ؟ قال: يغسّل كلَّ نبي وصيُّه، قال: قلت: يا رسول الله من وصيك؟ قال: علي بن أبي طالب، قلت: يا رسول الله كم يعيش بعدك؟، قال: ثلاثين سنة، وإن يوشع بن نون عاش بعد موسى ثلاثين سنة، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى، وقالت: أنا أحق بالأمر منك، فقاتلها وقاتل مقاتلتها، وأسرها وأحسن أسرها، وإن بنت أبي بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من أمتي، فيقاتلها ويقاتل مقاتليها، ويأسرها ويحسن أسرها، وفيها وفي صفراء أنزل الله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] يعني صفراء في خروجها على يوشع بن نون.
وروينا عنه (رضي الله عنه) رواه بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأذنب؟ لا تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها، وعن يسارها قتلى كثير في النار.
قال الشيخ العالم أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد الزيدي (رضي الله عنه) في كتاب المحيط بالإمامة: ولا شبهة عند أهل النقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أخبر عائشة أن كلاب الحوأب تنبحها في سيرها، وأنها لما بلغت الحوأب ونبحتها كلابه، سألت الجمال عن ذلك الموضع فعرفها أنه الحوأب، فأمرت أن يناخ بعيرها واضطربت، حتى جاء أصحابها، وحلف على ما في الخبر نحو ثلاثين رجلا، وفي رواية أخرى خمسين رجلا أن ذلك الموضع ليس بالحوأب، واشتهرت القصة في ذلك حتى ذكر أهل اللغة كلاب الحوأب في كتبهم.
قال الخليل في كتاب العين: الحوأب موضع حيث نبحت الكلاب على عائشة، وقال ثعلب في كتاب الفصيح: وهي كلاب الحوأب مهموز، وذكر القتيبي في أدب الكتاب: ولشهرته استدل بذلك على معجز النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه كان أخبر أن كلاب الحوأب تنبحها في مسيرها، وأن الأمر كان كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.
وروينا بالإسناد عن السيد أبي العباس (رضي الله عنه) بإسناده عن أم هانئ: (قد علم من جرت عليه المواسي أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي، وقد خاب من افترى.
وبالإسناد إليه (رضي الله عنه) بإسناده إلى علي عليه السلام قال: (لقد علمت صاحبة الجمل أن أصحاب النهروان وأصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم).
وروى صاحب المحيط في الإمامة (رضي الله عنه) بإسناده عن ابن عباس قال: مرض علي بن أبي طالب عليه السلام، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليعوده في مرضه فرأى طلحة عند رأسه والزبير عند رجليه فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يشتد عليكما مرض علي؟)) فقالا: سبحانه الله! وكيف لا يشتد علينا مرض علي؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده إنكما لا تخرجان من الدنيا حتى تقاتلاه وأنتما له ظالمان)). وقتل طلحةَ مروانُ بن الحكم. وفي الرواية لما صرع مر به رجل من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أمن أصحابنا؟ أم من أصحاب أمير المؤمنين؟ فقال: بل من أصحاب أمير المؤمنين فقال: ابسط يدك لأبايعك لأمير المؤمنين فألقى الله على بيعته، أما والله ما كفتنا آية من كتاب الله، وهي قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] فوالله لقد أصابت الذين ظلموا منا خاصة.
وكانت وقعة الجمل لعشر خلون من شهر جمادى الأخرى سنة ست وثلاثين، وكانت عدة القتلى ثلاثين ألفا برواية وكيع، ولما انقضى حرب الجمل بالفتح المبين لأمير المؤمنين عليه السلام، وبلغ إلى معاوية ذلك؛ كتب إلى علي عليه السلام:
بسم الله الرحمن الرحيم
لعلي بن أبي طالب من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فو الله ما بقي أحد أحب أن يكون هذا الأمر إليه منك، ولقد عرفت رأي أبي قبل، لقد جاءك يوم توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوك إلى البيعة، فأنا إلى ذلك اليوم أسرع إن أعطيتني النصف، أو تحاملت على نفسك لقرابتي؛ إن استعملتني على الشام، وأعطيتني ما أثلج به لا تعزلني عنه بايعت لك ومن قبلي وكنا أعوانك، فقد رأيت عمر قد ولاني فلم يجد علي، وإن لم تفعل فوالله لأجلبن عليك خمسين ألف حصان قارح في غير ذلك من الخيل. فلما قرأ علي عليه السلام الكتاب استشار فيه عبدالله بن عباس، والحسن بن علي، وعمار بن ياسر رجلًا رجلًا، فقال عمار: والله ما أرى أن تستعمله على الزرقاء وإنما بها خمسة أنفس، فقال علي عليه السلام: اطو ذلك، ثم دعا الحسن وابن عباس، فقالا قد كنا أشرنا عليك أن تقره على عمله ولا تحركه حتى إذا بايع الناس أخذت ما أردت وأقررته إن رأيته أهلا لذلك.
وروينا عن السيد أبي العباس بإسناده أن عليا عليه السلام قال: كان المغيرة بن شعبة قد أشار علي أن استعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة فأبيت عليه؛ ولم يكن الله ليراني أن اتخذ المضلين عَضُدا، قال: قال الواقدي في حديثه: فلما علم معاوية ذلك من علي عليه السلام قال: والله ما كتبت إليه وأنا أريد أن ألي له شيئا، ولا أبايعه، ولكن أردت أن أخدعه وأقول لأهل الشام انظروا إلى علي، وإلى ما عرض علي فيزيدهم بصيرة، ويختلف أهل العراق عليه، فاحضر العشية حتى تسمع كلامي، فقام فحمد الله وأثنى عليه وقال: وكان إمامكم إمام الرحمة، والعفو، والبر، والصلاة، والصلة عثمان بن عفان، فبطر علي بن أبي طالب النعمة، وطالت عليه المدة، واستعجل أمر الله قبل حينه، وأراد أن يكون الأمر له فقتل إمامكم، وفرق جماعتكم، وأطمع عدوكم فيكم.
ومعه قميص عثمان وهو يقول: يا أهل الشام ذبح على هذا القميص كما تذبح الشاه، ثم بكى وأبكى أهل الشام ساعة طويلة، ثم قال: يا أهل الشام عمد ابن أبي طالب إلى البصرة، فسار إليها فلقي رجالا لا يعرفون قتاله، وأنتم أهل مناصحة في الدين، وأهل طاعة للخلفاء، يا أهل الشام إن الله تعالى يقول في كتابه: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33] وأنتم ولاة دم خليفتكم، والقائمون به، وأنا معكم، فأجابه أهل الشام: سر بنا حيث ننصر إمامنا ونطلب بدمه، والذي أمره بذلك في حديث نصر بن مزاحم - عمرو بن العاص، قال نصر: حدثنا محمد بن عبيد الله، وعمر بن سعد، أن معاوية كتب إلى عمرو بن العاص وهو بفلسطين أما بعد: فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقدم إلينا جرير بن عبدالله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، فلما قدم الكتاب على عمرو استشار ابنيه عبدالله ومحمدا فقال عبدالله: قر في منزلك ولاتكن حاشية لمعاوية على دنيا قليلة، وقال محمد: إنك شيخ قريش، وإن يضرم هذا الأمر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك، فالحق بجماعة أهل الشام، واطلب بدم عثمان، فسار حتى قدم على معاوية، فقال: أبا عبدالله إن عليا نزل بالكوفة متهيئا للمسير إلينا، فقال: والله ما تسوي العرب بينك وبينه في شيء إلا أن تظلمه.
وفي حديث عمر بن سعد أنه قال: أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه، وشق عصى المسلمين، وقتل الخليفة، فقال عمرو: والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير، فما تجعل لي أن أبايعك على ما تسمع من العز والخطر.
وفي حديث عمر بن سعد أنه قال: أبا عبدالله، إني أكره أن تحدث العرب أنك دخلت في هذا الأمر لغرض دنيا، قال عمرو: دعني منك فإن مثلي لا يخدع لأنا أكيس من ذلك، فما تعطيني؟ قال: مصر طعمة. فخرج عمرو من عنده، فقال ابناه: ما صنعت؟ قال: أعطانا مصر. قالا: وما مصر في ملك العرب؟ قال: لا أشبع الله بطونكما إن لم تشبعا بمصر.
ثم إن أمير المؤمنين عليه السلام أمر مناديه، فنادى في الناس أن اخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة فأجابوه، ولم يبرح في النخيلة حتى قدم إليه ابن عباس مع أهل البصرة، ثم سار حتى إذا جاوز الجسر نزل في مسجد أبي سبرة فقصر فيها صلاة الظهر، ثم سار حتى نزل دير أبي موسى على فرسخين من الكوفة فصلى العصر، وقدم زياد بن النضر الحارثي في ثلاثة آلاف، وشريح بن هاني في ألفين فمضيا حتى إذا جازا عرض الجزيرة فلقيهما أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي في حد الشام في خيل عظيمة، فدعواه إلى الطاعة فأبى إلا القتال، فراسلا أمير المؤمنين، فدعا علي عليه السلام مالك بن الحارث الأشتر رحمه الله، وقال: إذا قدمت عليهم فأنت أمير، ولا تبدأ القوم بالقتال إلا أن يبدؤك، واجعل على ميمنتك زيادا، وعلى ميسرتك شريحا، ولا تحاربهم حتى نقدم عليك، فمضى الأشتر، وخرج أمير المؤمنين عليه السلام في أثره حتى بلغ صفين وهو من الرقة على عشرة أو خمسة فراسخ.
وروينا من غير طريق السيد أبي العباس أن عليا عليه السلام لما سار جعل يقول: سيروا إلى قتال أهل الشام العتاة الطغاة، سيروا إلى أولياء الشيطان، وأعداء السنة والقرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، سيروا إلى الكذبة الفجار وقتلة المهاجرين والأنصار، وجعل عمار بن ياسر يرتجز ويقول:
سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي ... سيروا فخير الناس أتباع علي
هذا أوانٌ طاب سل المشرفي ... وَقَودُنا الخيل وهَزُّ السَّمْهَرِيَ
ولما خرج عليه السلام من الأنبار سائرا أخرج في طريقه عينا بقرب دير، فسئل الراهب؟ فقال: إنما بني هذا الدير لهذه العين، وإنه عين راحوما ما استخرجها إلا نبي أو وصي نبي، ولقد شرب منها سبعون نبيئا، وسبعون وصيا، فأخبروا بذلك عليا عليه السلام.
وكانت تعبئة أمير المؤمنين عليه السلام لعسكره: على خيل ميمنته الحسن والحسين، وعلى رجالتها عبدالله بن جعفر ومسلم بن عقيل، وعلى خيل الميسرة محمد بن الحنفية ومحمد بن أبي بكر، وعلى رجالتها هاشم بن عتبة، وعلى جناح القلب عبدالله بن العباس، وعلى رجالته الأشتر والأشعث، وعلى الكمين عمار بن ياسر.
وروي أنه عليه السلام كان في تسعين ألفا، ومعاوية لعنه الله في مائة وعشرين ألفا، وكان في عسكره عليه السلام من الأنصار، ثمانمائة أو تسعمائة ممن بايع تحت الشجرة، وثمانون بدريا، وأول وقائعهم وقعة الأشتر مع أبي الأعور السلمي وكانا قد سبقا: العسكرين، ثم وقعة الماء عند نزول العسكر بصفين. قال السيد أبو العباس (رضي الله عنه) قتل في اليوم الأول زيادة على ألف رجل سوى الجرحى، وأميرهم يومئذ عمار بن ياسر رحمه الله في خمسة عشر ألفًا.
قال: وفي حديث أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي أن أمير المؤمنين عليه السلام شخص من النخيلة لخمس مضين من شوال، ولم يقاتلوا إلا غرة صفر، إلا ما كان من القتال حين وردوا الماء أولا، ثم اتصل القتال شهر صفر كله إلى ليلة الهرير من ربيع الأول، وكانت في صفين أخبار يطول ذكرها.
فمن ذلك ما روي أن عليا عليه السلام خطب في بعض أيام صفين وحث الناس على القتال، فقام قيس بن سعد بن عبادة فتكلم، فلامه المشيخة على أن تكلم أولا فقال: إنكم لسادتي وعمومتي ولكن وجدت الدين في صدري قد جاش فلم أجد بدا من الكلام، وكتب إلى معاوية كتابا أوله:
معاوي قد كنت رخو الخناق ... فألقَحْتَ حربًا تُضِيقُ الخناقا
من قصيدة. وخرج في بعض أيام صفين يرتجز ويقول:
أنا ابن سعد وأبي عبادة ... والخزرجيُّون رجالٌ سادة
ليس فراري في الوغى بعادة ... يا ذا الجلال لقِّنِي الشهادة
شهادة تتبعها سعادة ... حتى متى تثنى لي الوسادة
فخرج إليه بسر، فجرحه قيس وانهزم بسر، وروي أن معاوية دعا بالنعمان ابن بشير وسلمة بن مجالد، وذم الأنصار، وقال: ما لقيت منهم؟ لا أسأل عن رجل إلا قيل: قتله فلان الأنصاري، فبلغ ذلك قيسا، فقال بعد كلام: بلغني أن ابن آكلة الأكباد قال: كذا وكذا، وقد أجاب عنكم صاحبكم النعمان بن بشير، ولعمري لأن وترتموه في الإسلام لقد وترتموهم في الجاهلية، وأنتم اليوم مع ذلك اللواء الذي كان يقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والقوم يقاتلون مع لواء أبي جهل والأحزاب، وقال قصيدة يذم معاوية أولها:
يا ابن هند دع التوثب في الحر ... ب إذا نحن في الحروب دنونا
ثم خرج من الغد وحمل عليهم وأثر أثرا منكرا حتى قال معاوية: إذا رأيتم هذا الرجل فاحترسوا عنه فإنه الأسد الضرغام.
وروينا بالإسناد عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: ما رأيت رئيسا كأمير المؤمنين علي عليه السلام، ولقد رأيته يوم صفين وعلى رأسه عمامة بيضاء، وكأن عينيه سراجا سليط وهو يحمش أصحابه إلى أن انتهى إلي وأنا في كثف من المسلمين، فقال معشر المسلمين: استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، وأخملوا اللوم، وأخفوا الْجُبْنَ وأقلقوا السيوف في الغمد قبل السلة، والحظوا الشَّزْرَ، واطعنوا النثر، ونافحوا بالظباء، وصلوا السيوف بالخطاء، وامشوا إلى الموت سجحا، وعليكم بالرواق المطنب فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان راكد في كسْرِه، نافج حضنيه، مفترش ذراعيه، قد قدم للوثبة يدا، وأخر للنكوص رجلًا.
وروينا أنه كان لمعاوية مولى يقال له: حريث. وكان من أشجع الناس وأشبههم بمعاوية، وكان إذا حمل أيام صفين قال الناس: حمل معاوية، وكان لا يقوم له قائم، وكان معاوية مسرورا بموضعه، فقال له يوما: يا حريث، بارز كل من بارزك، وقاتل كل من قاتلك؛ إلا عليا فإنه لا طاقة لك به، فحسد عمرو ابن العاص حريثا؛ لما يظهر من نجدته وبسالته فقال له: يا حريث، إن معاوية نفس عليك بقتل علي؛ لأنك عبد، ولو كنت عربيا وذا شرف لرضيك لهذا الأمر والمنزلة، فإن قتلت عليا انصرفت براية الفخر، وأعلا ذروة الشرف، فعمل في حريث قول عمرو. فلما برز علي عليه السلام أحجم الناس عنه، فتقدم إليه حريث، فضرب عليا عليه السلام ضربة لم تؤثر فيه، وضربه علي عليه السلام فقتله، فاتصل الخبر بمعاوية فقلق وجزع، وقال: من أين أتي حريث وقد كنت حذرته عليا، ومنعته من قتاله؟ فقيل: إن عمرا أشار عليه بذلك، فأنشأ معاوية يقول:
حريث ألم تعلم وعلمك ضائع ... بأن عليًّا للفوارس قاهر
وأن عليًّا لم يبارزه واحدٌ ... من الناس إلاَّ أقعصته الأظافر
أمرتك أمرًا حازمًا فعصيتني ... فخدك إذ لم تقبل النصح عاثر
ودلاك عمرو والحوادث جمة ... فلله ما جرَّت عليك المقادر
وظن حريث قول عمرو نصيحةً ... وقد يهلك الإنسان ما لا يُحاذر
وخرج المخارق بن عبدالرحمن من أصحاب معاوية، فقتل أربعة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وكشف عوراتهم، واحتز رؤوسهم، فتنكر علي عليه السلام، وخرج فقتل ثمانية نفر من أصحاب معاوية واحتز رؤوسهم، ولم يكشف العورة، فقال معاوية لغلام له بطل: اكفني هذا الرجل، فقال: إني أرى رجلا لو برز إليه جميع عسكرك لأفناهم، ولم يخرج، فجال علي عليه السلام ساعة ثم رفع المغفر وقال: أنا أبو الحسن. وخرج مولى لعثمان يقال له: أحمر للمبارزة، فخرج إليه كيسان مولى لعلي عليه السلام فحمل عليه أحمر فقتله، فقال علي عليه السلام: قتلني الله إن لم أقتلك، فحمل عليه فاستقبله أحمر وهو لا يعرفه فمد علي عليه السلام يده إليه وقبض على ثوبه فضرب به الأرض وكسر منكبه وأضلاعه.
وحمل أمير المؤمنين عليه السلام في بعض المواقف على عمرو بن العاص فأسقطه عن فرسه فرفع عمرو رجله وأبدى عورته، فأعرض عنه أمير المؤمنين ورجع. ومعاوية يضحك فقال: مم تضحك؟ فقال: منك ومن علي، والله لقد وجدته هاشميا مليا بالنزال، لا ينظر إلى عورات الرجال، وقال احمد الله يا عمرو وعورتك، فقال عمرو: يا معاوية، أما والله لو بدا له من صفحتك لأوجع قذالك وأيتم عيالك، وأنهب مالك.
وفي بعض الأخبار أن معاوية ضحك، فقال عمرو: مم تضحك؟ فقال: يضحكني دفعك عليا عن نفسك بالإستاة، ولقد كان كريما لا ينظر إلى عورات الرجال، فقال له: هلا ضحكت إذ دعاك علي إلى البراز، فَاحْوَلَّتْ عيناك، ومالت شدقاك، وارتعدت فرائصك، وبدا من أسفلك شيء أكره ذكره.
وخرج بعد أيام بسر بن أرطأة إلى علي عليه السلام وهو لا يعرفه، فلما بصر به عرفه، وحمل عليه علي عليه السلام، فسقط عن فرسه، ورفع رجله، وكشف عورته، وصرف علي عليه السلام وجهه، ووثب بسر هاربا، فضحك معاوية من بسر، وقال: لا عليك، فقد نزل بعمرو ما نزل بك، وصاح فتى من أهل الكوفة ويلكم يا أهل الشام أما تستحيون لقد علمكم عمرو بن العاص في الحرب كشف الإستاه، ثم أنشأ يقول:
أفي كل يوم فارس ذو كريهة ... له عورة وسط العجاجة باديه
يكف له عنه علي سنانه ... ويضحك منه في الخلاء معاويه
بدت أمس من عمرو فقنع رأسه ... وعورة بسر مثلها حذو حاذيه
فقولا لعمرو وابن أرطأة انظرا ... سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
فلا تحمدا إلا الخنا وخصاكما ... هما كانتا والله للنفس واقيه
فلولا هما لم تنجوا من سنانه ... وتلك بما فيها عن العود ناهيه
وكان بسر مرة يضحك من عمرو، وعمرو يضحك من بسر.
وتحامى أهل الشام عليا عليه السلام وخافوه خوفًا شديدًا، وصار حديث عمرو مثلا حتى قال أبو فراس:
ولا خير في دفع الردى بمذلة ... كما ردها يوما بسوءته عمرو
وخرج علي عليه السلام يوما ووقف وأنشأ يقول:
أنا عليُّ فاسألوني تخبروا ... ثم ابرزوا لي في الوغى أو أدبروا
سيفي حسام وسناني يزهر ... منا النبي الطاهر المطهَّر
وحمزة الخير ومنا جعفر ... وفاطم عرسي وفيها مفخر
هذا لهذا وابن هند مُحْجَر ... مذبذب مطرد مؤخَّر
فقال معاوية: إنه ليدعوني أبدا إلى البراز حتى لقد استحييت من قريش. فقال أخوه عتبة: اله عن كلامه فإنك تعلم أنه قتل حريثا، وفضح عمرا، ولا تقدم إليه امرؤ إلا وقد أيس من نفسه، ولو برزت إليه لا شممت رائحة الحياة أبدا.
وروى الحاكم (رضي الله عنه) عن علقمة والأسود بن يزيد، قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري فقلنا له: يا أبا أيوب إن الله تعالى أكرمك بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم إذ أوحى إلى راحلته فبركت على باب دارك، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضيفا لك فضيلة من الله فضلك بها، أخبرنا بمخرجك مع علي عليه السلام يقاتل أهل لا إله إلا الله، فقال أبو أيوب: فإني أقسم لكما بالله تعالى لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معي في هذا البيت الذي أنتما معي فيه، وما في البيت غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام جالس عن يمينه، وأنا جالس عن يساره، وأنس قائم بين يديه، إذ حرك الباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أنس انظر من بالباب فخرج أنس فنظر، ثم رجع فقال: يا رسول الله هذا عمار بن ياسر، فقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: افتح لعمار الطيب المطيب، ففتح أنس الباب فدخل عمار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرحب به، ثم قال لعمار: ((إنه سيكون في أمتي من بعدي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضا، وحتى يتبرأ بعضهم من بعض، فإذا أنت رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني يعني علي بن أبي طالب فإن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي، وخل عن الناس، يا عمار إن عليا لا يردك عن هدى، ولا يدلك على ردى، يا عمار طاعة علي طاعتي، وطاعتي طاعة الله)).
ولما قتل عمار (رضي الله عنه) قويت بصائر المسلمين في الجهاد بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، وكان خزيمة بن ثابت كافا لسلاحه حتى قتل عمار فسل سيفه، وقال: قد حل لي القتال فقاتل حتى قتل رحمه الله.
وقال عبدالله بن عمرو بن العاص: اليوم صح لي أنك يا معاوية على الباطل؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) فقال معاوية: أنحن قتلناه؟ إنما قتله من جاء به. قال: فإنما قتل حمزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولما رأى علي عمارا مقتولا وقف عليه وقال: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، إن امرءا لم تدخل عليه مصيبة من قتل عمار فما هو من الإسلام في شيء)) ثم قال: ((رحم الله عمارا يوم قتل، ويوم يبعث، ويوم يسأل)) فوالله لقد رأيت عمارا، وما يذكر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة إلا كان رابعهم، ولا أربعة؛ إلا كان خامسهم، إن عمارا وجبت له الجنة في غير موطن، فهنيئا له الجنة، ولقد قتل مع الحق، والحق معه، فقاتل عمار وسالب عمار وشاتم عمار في النار، وصلى عليه علي ودفنه.
وروى الحاكم (رضي الله عنه) عن عبدالله بن سلمة قال: رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم طوالا أخذ الحربة بيده، ويده ترتعد وهو يقول: والذي نفسي بيده لقد قاتلت هذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفنا أنا على الحق وهم على الضلالة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) وآخر زادك ضَياحٌ من لبن، فلما كان اليوم الذي قتل فيه شرب شربة من لبن، ثم كان يقول الجنة الجنة تحت الأسنة، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه.
وممن كان مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين أويس القرني المشهور فضله، رحمة الله عليه ورضوانه، وكانت الوقائع بصفين تسعين وقعة، وأقام أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ومعاوية مائة يوم وعشرة أيام حتى أفضى الأمر إلى التحكيم.
قال السيد أبو العباس (رضي الله عنه) بإسناده عن الحارث بن أدهم: إن الناس بصفين زحف بعضهم إلى بعض وارتموا بالنبل حتى فنيت، ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت، ثم مشى بعضهم إلى بعض بالسيوف وعمد الحديد فلم يسمع السامعون إلا وقع الحديد بعضه على بعض لهو أشد هولا في صدور الرجال من الصواعق.
وأخذ الأشتر رحمة الله عليه فيما بين الميمنة والميسرة فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل لم يصلوا لله صلاة، فلم يزل يفعل ذلك الأشتر بالناس حتى أصبح من المجالدة، وهي ليلة الهرير.
وفي رواية من غير السيد أبي العباس رحمه الله، أن عليا عليه السلام قتل في ليلة الهرير خمسمائة ونيفا وثلاثين رجلًا. قال السيد أبو العباس: قال نصر عن عمر ابن سعد عن عمارة بن ربيعة قال: مر بي والله الأشتر فأقبلت معه فقال: شدوا فداكم عمي وخالي شدة ترضون الله بها وتعزون بها الدين، ثم شد بالقوم حتى انتهى بهم إلى عسكرهم، ثم قاتلوا عند العسكر قتالا شديدا، وأخذ علي عليه السلام لما رأى الظفر قد جاء من قبله يمده بالرجال، وجعل علي عليه السلام يقول لم يبق منهم إلا آخر نفس، فدعا معاوية عمرو بن العاص فقال: ما ترى، فقال: إن رجالك لا يقومون برجاله، ولست مثله يقاتلك على أمر وتقاتله على غيره، أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهل الشام لا يخافون من علي إن ظفر بهم، ولكن ألق إليهم أمرا إن قبلوه اختلفوا، وإن ردوه اختلفوا، ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك وبينهم، فإنك بالغ به حاجتك.
قال نصر: حدثنا عمرو بن سمرة بإسناده عن جابر قال: سمعت تميم بن خزيم يقول: لما أصبحنا من ليلة الهرير، نظرنا فإذا المصاحف ربطت على رؤوس الرماح.
قال أبو جعفر وأبو الطفيل: وضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف، فكان جميعها خمسمائة مصحف، ثم نادوا هذا كتاب الله بيننا وبينكم، وأقبل الأشتر على فرس كميت قد وضع مغفره على قربوس السرج يقول: اصبروا يا معشر المسلمين، قد حمي الوطيس واشتد القتال. قال نصر في حديث عمر بن سعد: فلما رفع أهل الشام المصاحف قال علي عليه السلام: أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني لأعرف بهم منكم، صحبتهم صغارا ورجالا، وكانوا شر صغار، وشر كبار، وما رفعوها إلا خديعة، فجاءه من أصحابه قدر عشرين ألفا مقنعين في الحديد، سالي سيوفهم على عواتقهم، قد اسودت جباههم من أثر السجود، فقالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب الله أو نقتلك كما قتلنا ابن عفان، وابعث إلى الأشتر فيأتيك، فقال الأشتر: أمهلوني فواق ناقة لقد أحسست بالظفر، فقالوا له: تحب أنك ظفرت ويقتل أمير المؤمنين، أو يسلم إلى عدوه، فأقبل حتى انتهى إليهم، فصاح: يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم فظنوا أنكم قاهرون رفعوا المصاحف، حدثوني عنكم فقد قتل أماثلكم، متى كنتم محقين؟ أحين قتل خياركم! فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلين! أم أنتم محقون؟ فقتلاكم الذين كانوا خير منكم في النار! قالوا: دعنا منك يا أشتر، قال: خدعتم فانخدعتم، فسبوه وسبهم، وضربوا بسياطهم وجه دابته، وضرب دوابهم، وصاح بهم علي عليه السلام فكفوا، فبعث علي عليه السلام نفرًا قرآء من أهل العراق، وبعث معاوية من أهل الشام، فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصاحف، واجتمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن، ويميتوا ما أماته، وعلى أن يحكموا رجلين أحدهما من أصحاب علي عليه السلام والآخر من أصحاب معاوية، فقال أهل الشام: اخترنا عمرا بن العاص، فقال الأشعث والخوارج: رضينا بأبي موسى، فقال علي عليه السلام: إني لا أرضى به وليس برضى، وقد فارقني وخذل الناس عني، ثم هرب مني ولكن هذا ابن عباس، قال: والله ما نبالي أنت كنت أو ابن عباس، قال: فإني أجعل الأشتر. فقال الأشعث: وهل ضيق سعة الأرض علينا إلا الأشتر، فقال علي عليه السلام: فإني أخاف أن يخدع يمنيكم، فإن عمرا ليس من الله في شيء، قال الأشعث: هو أحب إلينا، فقال قد أبيتم إلا أبا موسى؟! قالوا: نعم. فبعثوا إلى أبي موسى، فجاء الأحنف بن قيس إلى علي عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت أن تجعلني حكما، أو ثانيا، أو ثالثا فإنه لا يعقد عقدة إلا حللتها، ولن تحل إلا عقدت، فأبى الناس ذلك، ثم إن أبا موسى وعمر ابن العاص أخذا على علي عليه السلام ومعاوية عهد الله بالرضى بما حكما به من كتاب الله تعالى وسنة نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم، على أن الحكمين أن يحكما بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن لم يفعلا برئت الأمة من حكمهما، وللحكمين أن ينزلا منزلًا عدلًا بين أهل العراق والشام لا يحضرهما فيه إلا من أحبا عن ملأ منهما وتراض، والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم، وأموالهم إلى انقضاء مدة الأجل، والسلاح موضوع، والسبيل مخلاة، وكان الكتاب في صفر، والأجل الذي يلتقي إليه الحكمان شهر رمضان، ثم إن الأشعث خرج بالكتاب يقرؤه على الناس، فرضي به أهل عليه السلام الشام، ثم مر برايات عنزة وكان منهم مع علي عليه السلام أربعة آلاف مجفف، فلما قرأه عليهم قال معدان وجعد (أخوان): لا حكم إلا لله، فهما أول من حكم، ثم حملا على أهل الشام، ثم مرا به على مراد، فقال صالح بن شقيق:
ما لعلي في الدماء قد حكم ... لو قاتل الأحزاب يومًا ما ظلم
لا حكم إلا لله ورسوله، وقال بنو راسب كذلك، وكذلك رجل من تميم، وآخر يقال له: عروة بن أذية حتى قالوا: يحكمون الرجال، وقالوا لعلي: ارجع وتب كما تبنا وإلا برئنا منك فإنا لسنا نرضى بما في الصحيفة، ولا نرى إلا قتالهم، فقال علي عليه السلام: ولا أنا رضيت لكن لا رأي لمن لا يطاع، ولا يصلح الرجوع إلا أن يعصى الله ويتعدى حدود ما في كتابه فيقاتل من ترك أمره، ثم إن الناس أقبلوا على قتلاهم يدفنونهم. ثم إن عليا عليه السلام بعث شريح بن هاني في أربع مائة، وعبدالله بن عباس يصلي بهم، ومعهم أبو موسى. وجاء عمرو بن العاص في أربعمائة إلى دومة الجندل، فنزل عمرو بأصحابه، وابن عباس وشريح وأبو موسى مقابلهم. وكتب النجاشي شاعر علي عليه السلام عند ذلك إلى أبي موسى قصيدة منها:
أبا موسى جزاك الله خيرًا ... عراقك إن حظك بالعراق
وإن الشام قد نصبوا إمامًا ... من الأحزاب معروف النفاق
وإنا لا نزال لهم عدوًا ... أبا موسى إلى يوم التلاق
فلا تجعل معاوية بن صخر ... إمامًا ما مشى قدم بساق
ولا يخدعك عمرو إن عمرًا ... أبا موسى لداهية الرفاق
وكان ابن عباس يعظ أبا موسى ويقول: إنما هو عمرو فلا تغترن بقوله، فتدافعا قريبا من شهرين يجتمعون بين يومين وثلاثة، وكان رأي أبي موسى في ابن عمر، فقال له عمرو: يا أبا موسى كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر نجاهد ونقاتل المشركين، واليوم كما ترى وبكى، ثم نال من معاوية وذكر أنه لا يرضى بشيء من فعله. فقال أبو موسى: وأنا كذلك لا أرضى بعلي وذمه. وجعل ابن عباس يستقره ما يجري بينهما، ويكتمه أبو موسى، ثم إن أبا موسى أتى عمرا واستخبره ما يريد، فقال: إن شئت أحيينا سنة عمر، فقال: إن كنت تريد أن تبايع ابنه فما يمنعك في ابني؟ فقال: إنه رجل صدوق ولكنك غمسته في الفتنة، قال: صدقت، واتفقا على أن يخلعا عليا عليه السلام ويجعلا الأمر في عبدالله بن عمر، وبذلك خدع عمرو أبا موسى، ثم أقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، وقال له عمرو: اصعد وتكلم، وقد كان ابن عباس قال له: قدم عمرا قبلك ثم تكلم بعده فإنه رجل غدار، فصعد أبو موسى المنبر بين العسكرين فقال: اشهدوا أني قد خلعت عليا ونزع خاتمه، وقال: كما ترون ... خلعت هذا الخاتم، ثم صعد عمرو .. فحمد الله وأثنى عليه، وقال: سمعتم خلعه صاحبه وقد خلعته أنا وبيده خاتم، وقال: وأثبت صاحبي كما أثبت الخاتم في إصبعي هذه وأدخل إصبعه، فقال أبو موسى: لا وفقك الله ... غدرت وخنت، مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال عمرو: ومثلك مثل الحمار يحمل أسفارا، والتمس أصحاب علي عليه السلام أبا موسى، فركب ناقته ولحق بمكة. فكان ابن عباس يقول: قبح الله أبا موسى قد حذرته فما عقل، فكان أبو موسى يقول: حذرني ابن عباس غدرة الفاسق. وقال بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك قصيدة أولها:
لعمركَ لا أُلفَى مدى الدهر خالعا ... عليًا بقول الأشعري ولا عمرو
وقال بعضهم:
لو كان للقوم رأيٌ يعصمون به ... عند الخطاب رموكم بابن عباس
لله درَّ أبيه أيما رجل ... ما مثله لقضاء الحكم في الناس
لكن رموكم بشيخ من ذرى يمن ... لم يدر ما ضرْبُ أخماسٍ لأسداس
وروي أن أبا الأسود كان عند معاوية فذكر الحكمين، فقال: لو كنت مكان أبي موسى ما صنعت ما صنع، فقال له معاوية: فما كنت تصنع؟، قال: كنت أجمع عدة من المهاجرين والأنصار، فأنشدهم بالله المهاجرون أحق بالخلافة أم الطلقاء؟ قال له معاوية: أقسمت بالله عليك لا تذكر هذا ما عشت.
وبلغ القتلى في أيام صفين من أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا، ومن أصحاب علي عليه السلام خمسة وعشرون ألفا، فيهم خمسة وعشرون بدريا، وفيهم عمار بن ياسر رحمه الله، وهاشم بن عتبة، وعبدالله بن بديل بن ورقاء، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين في آخرين رحمة الله عليهم.
ثم كان أمر الخوارج وقتالهم. وقد بينا أنهم أنكروا التحكيم الذي كان، واعتقدوا تكفير أمير المؤمنين صلوات الله عليه وكفر أنفسهم، وطلبوا من علي عليه السلام التوبة، فقال علي عليه السلام: توبوا فلم تكفروا، وارجعوا إلى حرب عدوكم، فقالوا: لا حتى تقر على نفسك، فقال: ويحكم أنتم فعلتم بأنفسكم وتركتم أمري.
فخرج اثنا عشر ألفا من العراقين، رئيسهم شبث بن ربعي، وعبدالله بن الكوا وعبدالله بن أوفى، ووهب الراسبي أصحاب الصوف والبرانس، فأرسل علي عليه السلام إليهم أبا أيوب الأنصاري، وصعصعة بن صوحان، ثم سار إليهم بنفسه في اليوم الثالث، واحتج عليهم فندموا على ذلك وانصرفوا إلى الكوفة، وأجمع أمير المؤمنين عليه السلام على المسير إلى الشام، ووافقوه على ذلك، فجمع من الحجاز والبصرة ومن نواحيها أربعين ألفا، وأنفذ على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة في ستة آلاف، فمضى إلى أرض الجزيرة، وسار أمير المؤمنين صلوات الله عليه حتى نزل أرض مسكن، فلما كان في بعض الطريق من الليل خرج من أهل الكوفة والبصرة سبعة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف رجل فأغاروا وقتلوا عبدالله بن خباب ابن الأرت والي المدآئن وأم ولده وولدا له صغيرا ورجلا من بني أسد كان يحمل الميرة إلى عسكر علي عليه السلام فقيل لعلي عليه السلام: كيف تخرج وعدونا في مكاننا يغير علينا! فانصرفوا وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة، ومضى الخوارج إلى شهرزور ونواحيها، يغيرون، ويقتلون، ويسبون، ورئيسهم من أهل الكوفة عبدالله بن وهب وزيد بن حصين، ومن أهل البصرة مسْعَرْ بن فَدَكي والمستورِدْ ابن علقمة، فسار إليهم علي عليه السلام مع قيس بن سعد وسهل بن حنيف ومعقل بن قيس وشريح بن هاني، ومالك الأشتر في زهاء عشرة آلاف حتى انتهى إلى النهروان في عسكره فوجد القوم قد تجردوا للقتال واستقبلوه بصدور الرماح؛ فنادى أمير المؤمنين عليه السلام قنبرا فقال: يا قنبر ناد القوم ما نقمتم على أمير المؤمنين؟ ألم يعدل في قسمتكم، ويقسط في حكمكم، ويرحم مسترحمكم، لم يتخذ أموالكم دولا، ولم يأخذ منكم إلا السهمين اللذين جعلهما الله سهما في الخاصة وسهما في العامة، فقالت الخوارج: يا قنبر إن مولاك رجل جدل، وهو رجل خصم، وقد قال الله تعالى: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] وهو منهم، وقد ردنا بكلامه الحلو في غير موطن. وجعلوا يقولون والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، فقال علي عليه السلام: يا ابن عباس، انهض إلى القوم فادعهم بمثل الذي دعاهم به قنبر، فإني أرجو أن يجيبوك، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين ألقي علي حلتي، أو ألبس على سلاحي فإني أخافهم على نفسي، قال: بلى، فانهض إليهم في حُلَّتك،
من أي يوميك من الموت تفر ... من يوم لم يقدر أم يوم قدر
قال: فنهض ابن عباس إليهم وناداهم بمثل الذي أمره به، فقالت طائفة: والله لا نجيبه حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وقال أصحاب الحجج في أنفسهم: والله لنجيبنه ولنخصمنه، ولنكفرنه، وصاحبه لا ينكر ذلك، فقالوا: ننقم عليه خصالا كلها موبقة مكفرة: أما أولاهن فإنه محى اسمه من أمير المؤمنين حيث كتب إلى معاوية؛ فإن لم يكن أمير المؤمنين فإنه أمير الكافرين؛ لأنه ليس بينهما منزلة، ونحن مؤمنون ولسنا نرضى أن يكون علينا أميرًا.
ونقمنا عليه أن يُقَسِّمَ علينا يوم البصرة ما حوى العسكر. وسفك الدماء ومنعنا النساء والذراري فلعمري إن كان حل هذا فما حرم هذا!
ونقمنا عليه يوم صفين أنه أحب الحياة وركن إلى الدنيا حبا بينا أن نقاتل معه وأن ننصره حيث رفعت لنا مصاحف أهل الشام، فهلا ثبت وحرض على قتال القوم وضرب بسيفه حتى نرجع إلى أمر الله ونقاتلهم، والله تعالى يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]
وننقم عليه أنه حكم الحكمين فحكما بجور لزمه وِزْرُه.
ونقمنا عليه أنه ولى الحكم غيره وهو عندنا من أحكم الناس.
ونقمنا عليه أنه شك في نفسه حين أمر الحكمين أن ينظرا، فإن كان معاوية أولى بالأمر ولوه، فإن شك في نفسه فنحن أعظم فيه شكًا.
ونقمنا عليه أنه كان وصيا فضيع الوصية، ونقمنا عليك يا ابن عباس حيث جئت ترفل إلينا في حلة حسنة تدعونا إليه.
فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين سمعت ما قال القوم، فقال علي عليه السلام: قد لا ترتابن ظفرت بهم والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، نادهم: ألستم ترضون بما أتيتكم به من كتاب الله لا تجهلون به، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تنكرونه؟ قالوا: اللهم بلى، قال: أبدأ بما بدأتم به على مدار الأمر أنا كاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث كتب: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى سهيل بن عمرو وصخر بن حرب ومن قبلهما من المشركين عهدا إلى مدة، فكتب المشركون: إنا لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، فاكتب إلينا باسمك فإنه الذي نعرف، واكتب إلينا ابن عبدالله، فأمرني فمحوت رسول الله وكتبت ابن عبدالله، وكذلك كتبت إلى معاوية من علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومن قبلهما من الناكثين عهدا إلى مدة فكتبوا إنا لو علمنا أنك أمير المؤمنين ما قاتلناك؛ فاكتب إلينا من علي بن أبي طالب نجبك؛ فمحوت أمير المؤمنين وكتبت ابن أبي طالب كما محى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكما كتب، فإن كنتم تلغون بسم الله الرحمن الرحيم أن محاها وتلغون رسول الله أن محاها ولا تثبتونه فالغوني ولا تثبتوني، وإن أثبتموه فإن الله تعالى يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] فاستننت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: صدقت هذه بحجتنا هذه.
قال: وأما قولكم: إني قسمت بينكم ما حوى العسكر يوم البصرة وأحللت الدماء ومنعتكم النساء والذرية؛ فإني مننت على أهل البصرة لما افتتحتها وهم يدعون الإسلام كما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهل مكة وهم مشركون لما افتتحها، وكان أولادهم ولدوا على الفطرة قبل الفرقة بدينهم وإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم، ولم نأخذ صغيرا بذنب كبير، وقد قال تعالى في كتابه: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لو أن رجلًا غل عقالًا من الحرب لأتى يوم القيامة وهو مغلول به حتى يؤديه)). وكانت أم المؤمنين أثقل من عقال، فلو غللتها وقسمت سوى ذلك فإنه غلول، ولو قسمتها لكم وهي أمكم لاستحل منها ما حرم الله، فأيكم كان يأخذ أم المؤمنين في سهمه وهي أمه؟ قالوا: لا أحد وهذه بحجتنا هذه.
وأما قولكم: إني حكَّمت الحكمين، فقد عرفتم كراهتي لهما إلا أن تكذبوا.
وقولي لكم: ولوها رجلًا من قريش، فإن قريشا لا تخدع فأبيتم إلا أن وليتموها من وليتم. فإن قلتم: سكت حيث فعلنا ولم تنكر، فإنما جعل الله الإقرار على النساء في بيوتهن، ولم يجعله على الرجال في بيوتهم. فإن كذبتم وقلتم: أنت حكمت ورضيت، فإن الله قد حكم في دينه الرجال وهو أحكم الحاكمين، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] الآية، وقال: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35] فإنما على الإنسان الاجتهاد في استصلاح الحكمين، فإن عدلا كان العدل فيما رأياه أولى، وإن لم يعدلا فيه وجارا كان الوزر عليهما، ولا تزر وازرة وزر أخرى، قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.
وأما قولكم: إني حكَّمتُ وأنا أولى الناس بالحكم فقد حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن معاذ يوم اليهود فحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وجعل أموالهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.
وأما قولكم: إني قلت للحكمين: انظرا في كتاب الله فإن كان معاوية أحق بها مني فأثبتوه وإن كنت أولى بها فأثبتوني، فلو أن الحكمين اتقيا الله ونظرا إلى القرآن عرفا أنني كنت من السابقين بإسلامي قبل معاوية، ومعاوية مشرك، وعرفت أنهم إذا نظروا في كتاب الله وجدوني يجب لي على معاوية الاستغفار؛ لأني سبقته بالإيمان، ولا يجب لمعاوية علي الاستغفار، ووجدوني يجب لي على معاوية خمس: ما غنمتم؛ لأن الله تبارك وتعالى أمر بذلك إذ يقول: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]، فإذا حكما بما أنزل الله أثبتوني، ولو قلت: احكموا وأثبتوني أبى معاوية، ولكني أظهرت لهم النصفة حتى رضي. كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو قال: أجعل لعنة الله عليكم أبوا أن يباهلوا، ولكن جعل لعنة الله على الكاذبين، فهم الكاذبون واللعنة عليهم، ولكن أظهر لهم النصفة فقبلوا، قالوا: صدقت هذه بحجتنا هذه.
وأما قولكم: إن كان معاوية أهدى مني فأثبتوه، فإنني قد عر فت أنهم لا يجدونه أهدى مني، وقد قال الله تبارك وتعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] فقد عرفت أنهم لا يجدون معاوية أهدى مني.
وأما قولكم: إن الحكمين كانا رجلي سوء فلم حكمتهما؟ فإنهما لو حكما بالعدل لدخلا فيما نحن فيه وخرجا من سوئهما، كما أن أهل الكتاب لو حكموا بما أمر الله سبحانه حيث يقول: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47] خرجوا من كفرهم إلى ديننا، قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه. وأما قولكم: إني كنت وصيا فضيعت الوصية، فإن الله تعالى قال في كتابه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] ولو ترك الحج من استطاع إليه سبيلا كفر ولم يكن البيت ليكفر، ولو تركه الناس لا يأتونه، ولكن كان يكفر من يستطيع إليه السبيل ولا يأتيه، وكذلك أنا إن أكن وصيا فأنتم كفرتم لا أنا كفرت بكم وبما تركتموني قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.
وأما قولكم: إن ابن عباس جاء يرفل في حلة حسنة يدعوكم إلى ما ندعوكم إليه، فقد رأيت أحسن منها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حرب.
فرجع إليه من الخوارج أكثر من أربعة آلاف، وثبت على قتاله أربعة آلاف، وأقبلوا يحكمون، فقال علي عليه السلام حكم الله أنتظر فيكم. يا هؤلاء أيكم قتل خباب بن الأرت وزوجته وابنه يظهر لي أقتله بهم، وانصرف عهدا إلى مدة حكم الله أنتظر فيكم؟ فنادوا: اللهم كلنا قتل خبابا وزوجته وابنه واشترك في دمائهم. فناداهم أمير المؤمنين عليه السلام: أظهروا لي كتابا وشافهوني بذلك فإني أكره أن يقر به بعضكم في الضوضاء ولا يقر بعض، ولا أعرف ذلك في الضوضاء، ولا استحل قتل من لم يقر بقتل من أقر، لكم الأمان حتى ترجعوا إلى مراكزكم كما كنتم، ففعلوا وجعلوا كلما جاء كتيبة سألهم عن ذلك، فإذا أقروا عزلهم ذات اليمين حتى أتى على آخرهم، ثم قال: ارجعوا إلى مراكزكم، فلما رجعوا ناداهم ثلاث مرات رجعتم كما كنتم قبل الأمان من صفوفكم، فنادوا كلهم نعم. فالتفت إلى الناس فقال: الله أكبر لو أقر بقتلهم أهل الدنيا وأقدر على قتلهم لقتلتهم، ثم شد عليهم مرة بعد مرة، يرجع بسيفه يسويه على ركبتيه من اعوجاجة. ثم شد الناس عليهم فقتلوهم فلم ينج منهم تمام عشرة، فقال: ائتوني بذي الثدية فإنه في القوم، فقلب الناس القتلى فلم يقدروا عليه، فأتي فأخبر بذلك، فقال: الله أكبر، والله ما كذبت ولا كذبت وإنه لفي القوم، ثم قال: ائتوني بالبغلة فإنها هادية، فركبها ثم انطلق حتى وقف على قليب، ثم قال: قلبوا فقلبوا سبعة من القتلى فوجدوه ثامنهم، فقال: الله أكبر هذا ذو الثدية، والذي خبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه يقتل مع شر جيل، ثم قال: تفرقوا فلم يقاتل معه الذين كانوا اعتزلوا، كانوا وقوفا على حدة، وقد كان عليه السلام قال لأصحابه: إنه لا يقتل منكم عشرة، ولا ينجو منهم عشرة، فكان الأمر كما قال.
وقد روينا في الخوارج عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((تمرق مارقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق))
وروينا عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كلاب أهل النار (الخوارج)).
وروينا بالإسناد إلى عبدالله بن مسعود قال: أمر علي عليه السلام بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين. وعن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين فمع من؟ قال: مع علي بن أبي طالب)).
والمراد بالناكثين: طلحة والزبير وأصحابهم؛ لأنهم نكثوا بيعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وبالقاسطين: معاوية وأصحابه؛ لأنهم قسطوا عن الحق أي جاروا وعدلوا. وبالمارقين: الخوارج؛ لأنهم مرقوا عن طاعة أمير المؤمنين عليه السلام.
مُدَّة خِلافَتِهِ بَعْدَ البَيْعَة
كانت البيعة كما ذكرنا يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وضرب عليه السلام لتسع عشرة، وقيل: لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، وتوفى ليلة إحدى وعشرين من الشهر على أثبت الروايات سنة أربعين من الهجرة؛ فكانت مدة الخلافة أربع سنين وتسعة أشهر وأياما على أصح الروايات، ذكره السيد أبو طالب عليه السلام في الإفادة.