أجابت الزيدية على احتجاج المجبرة بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ بأن هذه الآية من الآيات المتشابهات التي تحتمل أكثر من معنى، فلا يجوز تفسيرها إلا بمعنى عربي صحيح يوافق الآيات المحكمات؛ لأنهن أم الكتاب، ويتوافق مع تنزيه الله وعدله.
وضابط المعنى الصحيح أن يكون عربيًا؛ قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وموافقًا للآيات المحكمات، ومنسجمًا مع تنزيه الله وعدله وتعظيمه؛ فإذا أدى التفسير إلى مخالفة إحدى هذه الأصول، تعين رده وعدم حمل الآية عليه.
ولا يجوز حمل المتشابه على المعنى الباطل الذي يتبعه أهل الزيغ، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. ومعنى ذلك أن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون الآيات المتشابهات، أي الآيات التي تحتمل معاني متعددة، يكون بعضها صحيحًا وبعضها باطلًا، فيؤولونها بالمعنى الباطل الذي لا يجوز حملها عليه، ويتركون المعنى الصحيح؛ ابتغاء فتنة الناس وصرفهم عن المعنى الحق إلى المعنى الباطل، فيفتنونهم في دينهم.
وهذا هو المسلك الذي اتبعته المجبرة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ إذ حملوا لفظ «ما» على المصدرية، فصار معنى الآية عندهم: «والله خلقكم وخلق عملكم».
وهذا التفسير غير صحيح؛ لأنه يؤدي إلى معنى باطل، يترتب عليه نسبة القبائح إلى الله عز وجل، كخلق الظلم والفواحش والمنكرات، فضلًا عن مخالفته للآيات المحكمات، التي تنسب أفعال العباد إليهم وحدهم قال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾، وقال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وكم في القرآن من نحو : { تفعلون، تكسبون، تفترون ، تقترفون …إلخ}.. ولا يجوز جعل آية محتملة حجة لإبطال دلالة هذه الآيات.
فلو كان الله هو الذي يخلق أفعال العباد أو يشاركهم في إيجادها وخلقها، لأضافها إليه وإليهم، وقال: (ونخلق إفكًا، ونعمل ونفعل، ونفتري …) إلخ.
أما المعنى الصحيح الذي فسرت به الزيدية الآية، فهو أن «ما» اسم موصول بمعنى «التي»، فيكون معنى الآية: «والله خلقكم وخلق التي تعملونها»، أي الحجارة التي تنحتونها وتجعلونها أصنامًا.
ويؤيد هذا المعنى سياق الآية؛ إذ خاطب نبي الله إبراهيم عليه السلام قومه، منكرًا عليهم عبادتهم ما ينحتون بأيديهم، فقال تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فالمقام مقام احتجاج عليهم في عبادتهم الأصنام التي يصنعونها من الحجارة؛ فبيّن لهم أن الله خالقهم وخالق الحجارة التي ينحتونها ويجعلونها أصنامًا، وليس المقصود إثبات أن الله خالق فعل النحت نفسه.
وعليه، فليس في الآية دليل على أن الله يخلق أفعال العباد، وإنما تدل، في ضوء سياقها ولغتها وموافقتها للآيات المحكمات، على أن الله خلق العباد وخلق الحجارة التي يصنعون منها أصنامهم. أما حملها على أن الله خلق أعمالهم، فهو تفسير متشابه باطل يخالف تنزيه الله وعدله، ويؤدي إلى نسبة القبائح إليه سبحانه.
وعليه، سقط احتجاج المجبرة بالآية؛ إذ لا حجة فيها على خلق أفعال العباد، وإنما الجبر دعوى أُدخلت في الآية بتفسيرها بما يوافق المذهب، لا بما يقتضيه سياقها ومحكم الكتاب.
