كيف أجابت الزيدية على المجبرة الذين قالوا بأن العبد مجبور على أفعاله بزعمهم أن الله يخلق للعبد قدرة مقارنة للفعل فيحدث الفعل لا محالة ؟
الجواب على من قال إن العبد مجبور على أفعاله لأن الله خلق له قدرة مقارنة

اختيار المكلف
مما وقع فيه الاختلاف بين الزيدية والمجبرة: اختيار المكلف.
فأئمة الزيدية عليهم السلام يقولون باختيار المكلف، وأنه ليس بمضطر ولا بمجبر على الفعل أو الترك، وأنه قادر على الفعل وعلى الترك بقدرة متقدمة ليست بموجبة للمقدور.
أما المجبرة فيزعمون أن الله سبحانه وتعالى يخلق للعبد قدرة مقارنة للفعل، وأن الفعل يحدث عند وجود تلك القدرة لا محالة؛ فلا يكون للعبد اختيار حقيقي، ولا يكون قادرًا على الفعل والترك على السواء، بل يكون الفعل واقعًا منه اضطرارًا، وإن سموه اختيارًا.
وهذا هو موضع الإشكال: إذا كانت القدرة لا تتقدم الفعل، وكانت مقارنة له بحيث لا يتخلف الفعل عنها، فأين اختيار المكلف؟ وأين قدرته على الترك؟
فإن كان العبد لا يستطيع أن يفعل إلا ما وقع، ولا يستطيع أن يترك إلا ما ترك، وكانت القدرة لا توجد فيه إلا عند وقوع الفعل، ثم كان الفعل لازمًا لها لا محالة، فقد صار الفعل واقعًا بالاضطرار، ولم يبق للاختيار الذي يتعلق به التكليف معنى حقيقي.
الدليل على بطلان الجبر: ما يجده الإنسان من نفسه بالضرورة
القول بالجبر والاضطرار مذهب يخالف ما يدركه العقل بفطرته وضرورة الوجدان.
فالإنسان يجد من نفسه الفرق الضروري بين حركة المرتعش من البرد وبين حركته الطبيعية الاختيارية؛ فالحركة الأولى لا تتوقف على إرادته واختياره، أما الثانية فتتوقف عليهما.
وكذلك يفرق العاقل بين حركة الحيوان وحركة الجماد، ويدرك أن حركة المختار ليست كحركة المضطر.
ولهذا لا يحسن أن يقال للطويل: لم طالت قامتك؟ ولا للقصير: لم قصرت قامتك؟؛ لأن الطول والقصر ليسا من أفعاله الاختيارية.
ولكن يحسن أن يقال للظالم: لم ظلمت؟ وللكاذب: لم كذبت؟؛ لأن الظلم والكذب فعلان يصدران عن قصد وإرادة واختيار.
وهذا الفرق لا يحتاج في أصل معرفته إلى نظر طويل؛ لأن الإنسان يدركه من نفسه بالضرورة، ومن أنكر الاختيار مطلقًا فقد أنكر ما يشهده من نفسه.
والقدرة المتقدمة هي التي يصح معها الاختيار
قول أئمة الزيدية عليهم السلام إن المكلف قادر على الفعل والترك بقدرة متقدمة ليست بموجبة للمقدور، معناه أن القدرة التي أعطاها الله للعبد ليست علة موجبة للفعل بحيث يستحيل معها الترك، بل هي قدرة يتمكن بها المكلف من الفعل ومن الترك.
فإذا استوى عنده من حيث القدرة أصل الفعل والترك، ثم تعلقت إرادته بأحدهما، وقع منه ما اختاره، ولذلك يصح أن ينسب الفعل إليه، ويصح أن يقال له: لم فعلت؟
أما إذا قيل إن القدرة لا تكون إلا مقارنة للفعل، وإن الفعل لا يتخلف عنها، صار وجود القدرة كاشفًا عن وقوع الفعل لا قدرة حقيقية على الفعل والترك؛ لأن من لا يستطيع أن يترك الفعل عند وجود قدرته عليه لا يكون مختارًا فيه على الحقيقة.
فالمسألة ليست مجرد اختلاف في لفظ «القدرة»، وإنما يترتب عليها إثبات الاختيار أو نفيه.
اللوازم التي تترتب على القول بالجبر
هذه المسألة ليست مسألة لفظية، بل تترتب عليها مسائل عظيمة:
أولًا: تكليف ما لا يطاق.
فإذا كان العبد لا يملك الفعل والترك، وإنما يقع منه الفعل لا محالة عند القدرة التي يخلقها الله فيه، صار التكليف متعلقًا بما لا قدرة للعبد على خلافه.
ومن هنا قال الرازي في المحصول: إن التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق.
ثانيًا: تخليد أهل النار وتعذيبهم بغير ذنب.
فإذا كان الكافر أو العاصي مجبرًا على الكفر والمعصية، ولم يكن له قدرة على تركهما، ثم عوقب عليهما، كان ذلك تعذيبًا على فعل لم يختره، وهذا عين الظلم، تعالى الله عن ذلك.
ثالثًا: إبطال الفائدة في إنزال الكتب وبعث الرسل.
فإذا كان العبد لا يملك الفعل والترك، فما معنى الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وإرسال الرسل وإنزال الكتب؟ وأي فائدة في هداية من لا يستطيع أن يهتدي، أو إنذار من لا يستطيع أن يترك ما أنذر منه؟
وفي ذلك هدم لحكمة الحكيم.
رابعًا: قيام الحجة للفاجرين ودحض حجة أحكم الحاكمين.
لأن المجبر إذا عوقب على فعله يستطيع أن يحتج بأنه لم يفعله باختياره، وإنما وقع منه قهرًا، ولا قدرة له على تركه.
فإذا كان هذا هو حقيقة حاله، قامت له الحجة، ولم تقم عليه.
خامسًا: الرد والتكذيب لآيات الكتاب الكريم.
فالقرآن يسند أفعال العباد إليهم، ويجعلهم مختارين ومسؤولين عن أعمالهم، بينما القول بالجبر يجعلهم بمنزلة من تجري الأفعال على أيديهم بغير اختيار.
سادسًا: نسبة القبائح والفواحش إلى الملك القدوس.
فعندهم أن كل حركة في الكون، من طاعة أو معصية، وحسن أو قبيح، ونكاح أو زنا أو لواط، وصلاة أو صيام، وعدل وإحسان، وكفر وطغيان، وصدق أو كذب، فهي من الله، والله خالقها.
فإذا قيل: إن المعصية من الإنسان، قالوا: أنت مشرك؛ لأن تمام التوحيد عندهم أن كل فعل هو من الله، والله خالقه، ولا يشاركه أحد في أي فعل.
وهذا لازم فاسد وباطل؛ لأن إثبات إحداث الأفعال الاختيارية إلى العبيد، بواسطة القُدَر التي جعلها الله لهم، وجعل التصرف والتحكم فيها عند حدوث الأفعال الاختيارية إليهم، لا يقتضي أن يكون العبد شريكًا لله تعالى.
فالله سبحانه وتعالى منزه عن إحداث أفعال عباده الاختيارية، وبريء منها؛ إذ لو كان الله سبحانه وتعالى هو خالق أفعال العباد وموجدها على هذا الوجه، للزم أن تنسب إليه كما تنسب إليه أفعاله التي لا مدخل للعبد فيها، من خلق السماوات والأرض، والشجر والحجر، والأمطار والبحار، وغير ذلك من مخلوقاته ، ويلحقه من الذم أو المدح ما يلحقها .
تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًا كبيرًا.
حقيقة قول الزيدية في قدرة العبد واختياره
لذا فإن الزيدية تقول: إن الله سبحانه وتعالى خلق لكل إنسان قدرة مستقلة، وجعله قادرًا على الإرادة والاختيار والمشيئة.
والقدرة هي الاستطاعة على الحركة والقيام والقعود والسكون، وهي موجودة في كل إنسان، وقد جعل الله التحكم في توجيه هذه القدرة للإنسان نفسه، فإن شاء وجّهها نحو فعل الخير، وإن شاء وجّهها نحو فعل الشر، وله حرية الفعل أو الترك.
وللتقريب، نقول - ولله المثل الأعلى -: إن السيارة صمّمها صانعها بحيث تكون قادرة على السير، بما فيها من محرك وأنظمة تشغيل… إلخ، ولكن تحريكها إلى الأمام أو الخلف، أو توجيهها يمينًا أو يسارًا، موكول إلى السائق.
فإذا أراد تحريكها إلى الأمام ضغط زر الدفع الأمامي، وإذا أراد إرجاعها للخلف استخدم زر الرجوع، وإذا أراد الانعطاف حرك المقود بيده. فالسائق هو المتحكم في حركتها، أما الصانع فقد جعلها قابلة للحركة فقط.
وكذلك الإنسان، فقد جعل الله له القدرة على الفعل، لكنه وكّل إليه حرية توجيهها.
فمن يزعم أن الله هو من يوجّه قدرة الإنسان إلى المعصية أو الطاعة مباشرة، فإنه ينسب الفعل إلى الله لا إلى العبد، وهذا يناقض صريح العقل والنقل؛ إذ يؤدي إلى إسقاط المسؤولية عن الإنسان، وتسوية المطيع بالعاصي، وهو ما يُبطل معنى التكليف ويعارض عدل الله تعالى، فيكون قولًا فاسدًا باطلاً عقلاً وشرعًا.
أما قول المجبرة: إن الله سبحانه وتعالى يخلق للعبد قدرة مقارنة للفعل، وإن الفعل يحدث عند وجودها لا محالة، فحقيقته إبطال الاختيار؛ لأن القدرة التي لا يمكن معها ترك الفعل ليست قدرة على الفعل والترك، وإنما هي مقارنة لوقوع الفعل اضطرارًا فصيبح العبد مجبراً على أفعاله غير مختار .
ومن هنا يتبين أن مذهب الاختيار الذي تقوله الزيدية يثبت حقيقة التكليف ومسؤولية العبد عن فعله، وينسجم مع ما يدركه الإنسان من نفسه بالضرورة، بخلاف القول بالجبر وما يترتب عليه من لوازم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.