فإن قيل: هل فيما ذكرتم ما ينافي الحديث: «الناس سواسية كأسنان المشط ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى».
قلنا: إذا صح هذا الحديث فمعناه أن الناس في أصل أنسابهم سواء لا فضل لأحد على أحد من هذه الناحية وإنما يتفاضل الناس بالتقوى، وهذا لا يتنافى مع ما ذكرنا كما لا يخفى.
إذا كان هناك رجلان مستويان في العلم والعمل والتقوى حسب ظاهر الحال فهما مستويان في الفضل من هذه الناحية ومع ذلك فيمكننا أن نقول: إن أحدهما أفضل نسباً من الآخر، وذلك بأن يكون أبوه وجده وجده الأعلى علماء أتقياء مصلحين آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر دون الرجل الآخر.
والدليل على أن ذلك وجه تفضيل:
١ – قوله تعالى: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} [النمل:١٩]، فإن نعمة الله تعالى على الأب نعمة على الابن يلزمه شكرها.
٢ – وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور:٢١]، فأفادت هذه الآية أن الله تعالى يلحق الذرية الصالحة بمنازل آبائها الصالحين.يستوي المسلمون جميعاً –
وإن تفاضلوا من جهات-:
١ – في التكاليف بالأحكام الشرعية.
٢ – في القصاص والجنايات والأروش والديات، فأحرار المسلمين سواء، وعبيدهم سواء، وإماؤهم سواء في كل ذلك.
٣ – في الحقوق والمواريث.
على ما ذكرنا مضت الشعوب والقبائل إلى اليوم، فالعجم يعترفون بالفضل للعرب، والعرب تعترف بفضل قريش، وقريش تعترف بفضل بني هاشم، ويدينون بلحوق الولد بأبيه في الفضل والشرف، وبلحوق خلف القبيلة لسلفها في الشرف والفضل.
وفي الرواية المشهورة أن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الكريم المعرق في الكرم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» هذا معنى الرواية.
وانتسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض المواقف فقال: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب»، ولم يقل ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا وهو يرى أن له شرفاً وفضلاً بانتسابه إلى المشهور بالفضل والكرم (عبدالمطلب).
يثبت بما ذكرنا أن الناس وإن استووا من جهة فإنهم متفاوتون في الفضل من عدة جهات.