الإثنين ١٧ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ الموافق 28 سبتمبر 2026 م
العودة للمنشورات العامة

قصة أصحاب الكهف فوائد وعبر:

tg 1789653444 file 167

قص الله تعالى في القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف والرقيم، وهي قصة معروفة وخلاصتها: أنهم فتية آمنوا بالله، وكان قومهم مشركين كافرين بالله، فهربوا بدينهم حين أحسوا بالخطر على أنفسهم وتبعهم في طريق هروبهم كلب فدخلوا كهفاً ليختفوا فيه ويستريحوا ووقف الكلب على باب الكهف فرقدوا فيه رقدة طويلة ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً، ورقد كلبهم معهم على باب الكهف، فلم ينتبهوا من رقدتهم إلا بعد هذه السنين الكثيرة.
فلما انتبهوا بعثوا واحداً منهم ليشتري لهم طعاماً، وأوصوه بأن يشتري بخفية بحيث لا يشعر به أحد؛ خوفاً من قومهم، فذهب أحدهم وانكشف أمره، ثم انكشف أمر أهل الكهف، فأماتهم الله في كهفهم، وبنوا عليهم بنياناً … إلخ.
وفي القصة فوائد وعبر:
١ – أن التائب إذا تاب من شركه أو من معصيته ورجع إلى الله فإن الله تعالى يحوطه بألطافه وتوفيقه، فيزيده هدى إلى هداه، ويحفظه من شر الأعداء،ويؤيده بنصره، ويثبته على الهدى بما شاء من الكرامات أو من غيرها.
٢ – أن تابع الصالحين ومصاحبهم يشاركهم فيما يتحفهم الله تعالى به من الكرامات في الدنيا، فقد رقد معهم الكلب تلك المدة الطويلة، وانتبه حين انتبهوا، وشهر الله تعالى أمره في قرآن يتلى إلى يوم القيامة.
٣ – أن من شأن المؤمن أن يهرب بدينه، وأن يهجر أهل المعاصي ويبتعد عنهم ولا يصاحبهم.
٤ – أن الخوف من الظالم والهروب منه لا ينافي التوكل على الله.
٥ – أن الهروب من الظالم عند الخوف على الدين أو النفس أمر مطلوب من المؤمن.
٦ – أن الله تعالى لا يضيع من هرب بدينه.
٧ – أنه لا بأس من اتخاذ الكلب للحراسة عند باب البيت إذا احتيج إلى ذلك، ويقاس على ذلك اتخاذه لحراسة الغنم، ولا ينبغي إدخال الكلب في البيت، وإنما يُجعل خارج البيت.
٨ – وفي رقدتهم تلك المدة الطويلة ثم بَعْثِهم منها- آية بينة على عظمة الله وربوبيته وقدرته على البعث بعد الموت.
٩ – حين بعثهم الله من رقدتهم قالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فدل ذلك على أنه لم تتغير صورهم ولا ألوانهم ولا شعورهم ولا أظافرهم؛ إذ لو كانت شعورهم وأظافرهم قد طالت لاستنكروا ذلك، واستدلوا به على طول رقدتهم، ولكنهم لم يستنكروا، بل قالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف:١٩].
١٠ – أنه لا مانع من الإشادة بقبور الصالحين، بأن تُتَّخذ الأرض المجاورة لهم مسجداً، وأن يكتب ذكرهم عند قبورهم.
١١ – أنه لا بأس على المؤمن إذا خاف على نفسه أو على دينه من أن يتكتم على دينه بالسكوت وبالزي ونحو ذلك.
١٢ – أنه لا حرج على المؤمن في أن يتخير لنفسه من الطعام أحسنه وأعلاه.
١٣ – أنه ينبغي للمؤمن إذا خرج للسفر أن يتزود بما يحتاجه في السفر من طعام وشراب وما يلحق به، أو يتزود بالفلوس، وليس ذلك مما ينافي التوكل.
١٤ – أنه ينبغي للمؤمن أن يحذر فعل ما يعرضه للقتل أو السجن أو العذاب.
١٥ – أنه لا يجوز قبول دعوى دينية أو غير دينية إلا بحجة وبرهان: {لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} [الكهف:١٥].
١٦ – أن عند المكلف من العقل ما يعرف به الحق من الباطل، ويميز به بين الحسن والقبيح، وأنه لا تتوقف معرفة ذلك على الشرائع؛ لأن أصحاب الكهف كانوا في فترة من الرسل عند رفضهم لعبادة الأوثان، وتوجههم إلى توحيد الرحمن.
١٧ – أن ذكر الله تعالى والتوجه إليه في بلد عَمَّته الغفلة عن الله له مكانة عند الله، ووزن ثقيل في ميزان كرامته.
١٨ – ينبغي للهارب بدينه أو المسافر للحج أو الجهاد أو للتجارة أو لأي أمر ديني أو دنيوي أن يعتمد في خروجه على الله، وأن يكثر من الالتجاء إليه بالدعاء، واستنجاح مطلبه، وقد كان من دعاء أهل الكهف في هروبهم بدينهم: {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ١٠} [الكهف].
١٩ – قد يؤخذ من هذه القصة أن دعاء الهارب بدينه والمهاجر إلى الله مستجاب، فإن الله تعالى استجاب دعاء أصحاب الكهف، فرشدوا في خروجهم، وحظوا بكرامة الله وعظيم رحمته.
٢٠ – أن الله تعالى لا يضيع عباده الصالحين، وإن لحقهم ما لحقهم من الأذى والمضايقات فإن الله تعالى سيجعل لهم فرجاً ومخرجاً، وسيحظون من الله بالعاقبة الحسنة، وبالكرامة والعزة والرفعة في الدنيا والآخرة، وإن فاتهم شيء من ثواب الدنيا وعزتها ورفعتها، فإن الله تعالى سيعطيهم في الآخرة من الكرامة والرفعة والنعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.