[مناقشة في حكم الفتوى بالكفارة لمن حلف بالنذر]
السؤال
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطاهرين، وبعد فقد وقع إليّ من القاضي العلامة الولي محسن بن يحيى بن محمد العنسي الساكن في جبل برط سؤال يتضمن استشكال فتوى من يفتي من الزيدية بالكفارة فيمن حلف بالنذر، مع أن الأدلة قاضية كتاباً وسنة بلزوم الوفاء بالنذر على الإطلاق، من غير تفرقة بين النذر المعلق في اليمين وغيره، وقد أورد حفظه الله آيات وأحاديث في ذلك .
الجواب
فنقول وبالله التوفيق: النذر على ثلاث صور:
١ - نذر مطلق.
٢ - نذر ورد في صورة يمين، أو خرج مخرج اليمين.
٣ - نذر معلق على شرط في غير يمين، ومنه نذر علي وفاطمة عليهما السلام الذي ذكرتموه في السؤال.
فالنذر الذي خرج مخرج اليمين هو الذي وقع عنه السؤال، ويمكن حل الإشكال بأمور:
١ - أن قصد الحالف بالنذر ونيته بتلك اليمين هي إقناع المخاطب أو حثه أو منعه، أو .. إلخ، هذا هو الظاهر من شأن الحالف، ولا يحلف الحالف بالنذر أو بالطلاق أو بالعتق إلا وهو كاره للنذر بمالِهِ أو فراق زوجته أو عتق عبده، هذا هو الظاهر، وقد صح أنه لا قول ولا عمل إلا بنية، ولا خلاف في ذلك.
٢ - أن الحلف بالنذر أو العتق أو الطلاق داخل في عموم الأيمان التي وردت بها أدلة الكتاب والسنة، وقد قال تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم:٢].
٣ - في البحر [زيد بن علي والصادق والباقر والناصر والمنصور بالله ورواية عن الهادي والشافعي]: يخير بين الوفاء والكفارة؛ لقوله صلى الله عليه وعلى وعلى آله وسلم: «إن شاء وفى، وإن شاء كفر». اهـ
وفي التحرير لأبي طالب للمذهب: يخير بين الوفاء والكفارة.
٤ - الحديث الذي ذكرتموه: «إن شاء وفى، وإن شاء كفّر» وإن قيل فيه ما قيل- فقد ذهب إلى مدلوله الكثير من الأئمة عليهم السلام، وذكره في التحرير لمذهب القاسم والهادي وأولادهما عليهم السلام، ولا يخفى أن عمل الكثير من أئمتنا بمعنى الحديث مما يقوي صحته، مع ما فيه من التيسير والتسهيل ورفع الحرج.
أما ما ذكرتم من الأدلة فيمكن تخصيص عمومها وتقييد مطلقها بما ذكرنا.
وما ذكرتم في نذر علي وفاطمة عليهما السلام فليس من هذا الباب إذ لم يخرج مخرج اليمين، وما ذكرتم عن الإمام زيد فهو صحيح، والمسألة خلافية، ومذهبه عليه السلام هو ما ذكرتم، وبما ذكرنا يتبين أن للإفتاء بالتكفير وجه وجيه.
ومن جهة نظرية يمكن أن يقال: للحلف بالنذر وجهان :
١ - فمن جهة هو يمين.
٢ - ومن جهة هو نذر معلق على شرط.
فاقتضى النظر مراعاة الوجهين جميعاً على التخيير دون الجمع؛ للإجماع والاتفاق على أنه لا يلزم الحانث النذر والكفارة.
ويرجح مذهب التخيير بأنه سالم من التحكم حيث اعتبر الوجهين، بخلاف المذهب الآخر عمل بوجه وأهمل الوجه الآخر.
فإن قيل: الوجه الآخر غير معتبر شرعاً؛ لأن اليمين الشرعية هي ما كان بالله أو بصفة من صفاته، وما نحن فيه ليس فيه شيء من ذلك.
قلنا : الحلف بالنذر أو الوقف أو العتق أو الطلاق يمين معتبرة عند علماء المسلمين، وقد بوب لها الفقهاء وقالوا: إن للإمام أن يحلِّف بها في أيمان البيعة، وغيرها، ولا خلاف في أنها تسمى أيماناً، وإنما الخلاف فيما يلزم الحانث، على ثلاثة أقوال:
١ - يلزم النذر أو الطلاق أو .. إلخ.
٢ - يخير الحانث بين الكفارة، أو الوفاء بالنذر.
٣ - لا يلزم الحانث شيء، وكأن حي سيدي العلامة علي بن محمد العجري رحمة الله عليه يميل إلى هذا القول الأخير في (المقاصد الصالحة المطبوع)؛ لما جاء في الحديث من النهي عن الحلف بغير الله تعالى.
إذا عرفت ذلك، فالذي يفتي من الزيدية بالتخيير بين الوفاء بالنذر والكفارة- إنما نظر إلى ما ذكرنا من الوجهين، ولم يستند إلى الحديث الضعيف الذي ذكرتم.
-نعم، الأدلة التي أوردتم لم تتناول الحلف بالنذر، وإنما هي في النذر المطلق، أو النذر المشروط، إلا ما ذكرتم عن الإمام زيد بن علي عليه السلام فهو مما نحن فيه.
وقوله ذلك قول من ثلاثة أقوال في المسألة، وكل مجتهد مصيب، وقد روي في البحر عنه خلافه، والمسألة اجتهادية ولكل ناظر نظره، وقد قال الإمام زيد عليه السلام في مجموع رسائله وهو يتحدث عن اختلاف أهل البيت عليهم السلام: (اختلافنا لكم رحمة فإذا أجمعنا ... إلخ).
يحمل النهي عن الحلف بغير الله تعالى على الكراهة؛ لما ذكرنا من قول بعض علمائنا إنه يجوز للإمام أن يحلف بتلك اليمين في البيعة، ومن تبويبهم لها من غير أن ينبهوا على تحريمها؛ إذ لو كانت محرمة لما سكتوا، وهذا في يمين النذر ونحوه، أما الحلف بالأصنام ونحوها فليس من شأن المسلم.
نعم، يبدوا لي أن النهي عن الحلف بغير الله يراد به الحلف بالأصنام ونحوها مما كانوا يحلفون به على جهة التعظيم، أما الحلف بالطلاق والنذر ونحوهما مما ليس فيه تعظيم للمحلوف به فلم يدخل تحت النهي؛ لأنه لا يوجد فيه تعظيم لغير الله، وإنما فيه تعليق أمر على أمر بالشرط.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله
- تصنيفات الموقع