سؤال: هل يجوز للولي أن يقترض من مال الوقف أو أن يقرضه غيره إلى حين حاجة المسجد؟
الجواب والله الموفق: أن الواجب على المتولي هو حفظ أموال المساجد من الضياع، فإذا كان في ذلك مصلحة للمسجد كأن يكون اقتراضها أو إقراضها الغير أقرب إلى حفظها من الضياع فلا بأس بذلك، هذا ما ذكره أهل المذهب وغيرهم.
وأقول: يجوز للمتولي أن يقترض لنفسه عند الحاجة ويقضي المسجد عند حاجته؛ إذ لا خيانة في ذلك، ولا ضرر على المسجد، مهما وثق من نفسه بالقضاء.
والدليل على ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنى مسجده في المدينة في موضع كان لأيتام التزم وليهم بأنه سيرضيهم منه كما ذلك مذكور في كتب السير.
وفيه دليل على أن للولي بحكم ولايته أن يأخذ الشيء من مال اليتيم لنفسه ويستهلكه ثم يعوض ذلك ويقضيه، فيلحق بذلك مال المساجد ونحوها، فظهر بهذا أن الممنوع من الاستهلاكات والتصرفات إنما هو ما كان على جهة الخيانة والإفساد.
وقد يؤيد ذلك: ما روي أن علياً عليه السلام التقط ديناراً فأخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان علي عليه السلام محتاجاً، فأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باستهلاكه، ثم جاء بعد ذلك صاحب الدينار ينشد ديناره فأعطاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ديناراً عوض ديناره، ولا يخفى وجه دلالته على ما ذكرنا.
هذا، وأما إقراضه الغير فلا يجوز إلا على أن يكون هو ضامناً إن مطل الغير أو أنكر، وأما على غير ذلك فلا يجوز.
ويدل على ذلك أيضاً ما روي من قصة المربد الذي اتخذه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسجداً في المدينة.
نعم، يؤخذ من قصة المربد أنه يجوز للولي أن يهب من مال اليتيم، غير أن ذلك مشروط بإرضاء اليتيم فيما بعد عن ذلك، وإبداله بمثله أو أحسن، وقد قبلرسول الله ÷ المربد من أبي أيوب الأنصاري، وقد أخبره أبو أيوب أنه لأيتام وأنه سيرضيهم عنه، فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المربد وأقره على تصرفه ذلك، وجعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسجداً لله، وهذه القصة مشهورة في كتب السير والتواريخ عند الحديث عن هجرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وفي القرآن الكريم ما قد يؤيد ما دلت عليه هذه القصة، فقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} [البقرة: ٢٢٠]، فدلت الآية أن لا حرج على الأولياء في التصرف في شيء من أموال اليتامى بالخلط ونحوه، وأن الإصلاح والإفساد هو مدار الثواب والعقاب، فإذا لم يكن في التصرف شيء من الفساد فلا حرج وإن لم يكن ثمة إصلاح.
وفي البيان: ويكره له (أي: لولي الوقف) أن يستقرضها لنفسه لأجل التهمة؛ انتهى.
وفي الحاشية: وهذه التهمة لا تقتضي التحريم. تمت انتهى .
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله