: مما يحير العقل ما حدث من المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقبل ذلك عند مرضه وحثه للخروج في بعث أسامة وتثاقلهم عن إجابته وكأنهم أشفق به من نفسه، ثم لما توفي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تركوه وانشغلوا بأمر البيعة للخلافة، وهنا سؤال: لماذا كان الأنصار وحدهم مجتمعون في السقيفة؟ ولماذا بايعوا لأبي بكر؟ ثم لمَّا دعاهم علي أو فاطمة بعد ذلك قالوا: إن هذا القول لو سمعناه منكم قبل البيعة لأبي بكر لما تخلف منا رجل.
وأين الأحاديث التي في ذكر علي عليه السلام وأحقيته بالخلافة؟ فهل نسيها الكل، أم تناسوها؟ مع أن الأنصار محبون لعلي عليه السلام.
وكذلك حادثة الاعتراض على كتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم(رزية يوم الخميس)، كل هذا موجود في مصادر الشيعة والسنة، فكيف يمكن تصوير الموقف على حقيقته؟ وهل هناك في الأحاديث ما لم يكن يعرفه أهل ذلك العصر؟ أم أن هناك وجهاً آخر خفياً كان يتصرف ويعرقل الأوامر النبوية؟
أوضحوا لنا الأمر وما عذر من له عذر؟ وما هو الحق في هذه الأحداث؟
لا شك ولا إشكال في انحراف قريش في الجملة عن علي وعداوتهم له، وفي نهج البلاغة الكثير من شكايته من قريش مثل قوله: (اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي، ومنعوني حقاً هو لي .. ) أو كما قال، ومثل قوله: (جزت قريشاً عني الجوازي .. إلخ).
وقد سيطرت قريش على الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصارت الخلافة قرشية خالصة، وأبعد عنها بنو هاشم والأنصار فلم تجعل لهم فيها قريش حظاً ولا نصيباً.
وأعلنت الحرب الباردة على علي عليه السلام وأهل البيت وعلى الأنصار؛ فمنع الخلفاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الإطلاق رواية وكتابة، فلم يجسر أحد على أن يروي فضل علي وأهل البيت أو فضل الأنصار، ثم روجوا الدعاياتوأشاعوها ضد شخصية علي عليه السلام حتى صار عليه السلام عند العامة من المسلمين علماً للباطل، وهذا في عصر الخلفاء الأولين.
أما الأنصار وإن كانت مودتهم لعلي عليه السلام أكثر من مودتهم لغيره فقد طمعوا في الخلافة بعد موت النبي صلى عليه وعلى آله وسلم، ونسي عامتهم وصايا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتركوها إيثاراً منهم للهوى وطمعاً في متاع الدنيا.
ولم يحضر اجتماع السقيفة أحد من علمائهم وأهل البصائر منهم، وإنما حضر العامة منهم وأعرابهم؛ فلم يحضر أبو أيوب الأنصاري ولا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وقد قام اثنا عشر من علمائهم حين تولى أبو بكر الخلافة وأعلنوا ما عندهم من العلم وذلك مشهور.
-والمعلوم أن العامة من الناس أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، فليس اجتماعهم في السقيفة بمستنكر؛ لأنها طبيعة العوام وجهلة الأنام.
واعلم أن اجتماع عوام الأنصار في السقيفة لطلب الخلافة لم يكن عن رأي ذوي العلم منهم وذوي بصائرهم بدليل استنكار علمائهم الاثني عشر الذين قاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبينوا للناس ما عندهم من العلم في علي عليه السلام واستحقاقه للخلافة دون أبي بكر.
-وما قاله الأنصار لعلي وفاطمة بعد بيعة أبي بكر صحيح؛ لأنه لو كان علي عليه السلام مكان أبي بكر وعمر يوم السقيفة لبايعوا له، أو لو خيروا بين الرجلين لاختاروا المبايعة لعلي، ولا يستنكر من العوام أي اختيار؛ فهم على استعداد أن يبايعوا سعد بن معاذ وقد كانوا قاصدين لذلك، وأن يبايعوا لغيره من غير مبالاة كما هو شأن العوام على الإطلاق.
-هذا هو حقيقة الوضع يومئذ؛ فقد تغلب على الأمر يومئذ قريش وهم أعداء علي عليه السلام وتبعهم عوام الأنصار، ولم يبق أمام علي إلا بنو هاشم وذوو العلم والبصائر من الأنصار وهم قليلون يعدون على الأصابع..
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله