الجمعة ٢٢ شوال ١٤٤٧ هـ الموافق 10 أبريل 2026 م
العودة للأرشيف

في لحوق ذرية المؤمن به

تاريخ النشر: 2026/04/09
المشاهدات: 27

سؤال: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ٢١}[الطور]:
هل سيلحق الأدنى من الذرية بذي الدرجة الرفيعة من أصوله بدون عمل في الدرجة؟
وهل سيلحق المؤمن من ذرية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدرجة والمنزلة؟
وأيهما أفضل المؤمن من أهل البيت، أم المؤمن العالم المجاهد من غير أهل البيت؟
وهل يتنافى قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ٣٩}[النجم]، مع ما تقدم؟ وإن تنافى فكيف التوفيق؟

الجواب والله الموفق: أن هذا السؤال يشتمل على عدة أسئلة، وهذه هي الأجوبة مرتبة على حسب الترتيب الوارد في السؤال:
١ - الذرية الصالحة ستلحق بأصلها الرفيع الدرجة، وليس معنى هذا أن الذرية ستلحق بأصلها بحيث تكون في درجته ومنزلته عند الله، فيكون المؤمن من أهل البيت عليهم السلام في منزلة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفي منزلة علي عليه السلام؛ فإن المعلوم أن لهما صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا منازل ودرجات عند الله تعالى لا يلحقهما لاحق من هذه الأمة.
وفي الحديث: قيل يا رسول الله: وما الوسيلة؟ قال: «هي أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا نبي، وأرجو أن أكون أنا هو»، وفي حديث: «لَضَرْبَة علي يوم الخندق تعدل أعمال أمتي إلى يوم القيامة» أو كما قال. إلى غير ذلك.
وحينئذ فالمعنى أن الله تعالى سيلحق الذرية الصالحة بآبائهم الصالحين في مطلق الكرامة فيعطيهم من الكرامة ما لا يعطي غيرهم ممن هو مثلهم في الإيمان والعمل، وإنما حصلت لهم تلك الكرامة والرفعة؛ لأنها من تمام ثواب الله وكرامته على آبائهم، فقد استحق الآباء بسبب صالح أعمالهم الثوابوالدرجات، ومن جملة ما استحقوه إكرام الذرية الصالحة، وحينئذ فما حصل لهم من الدرجات والكرامات الزائدة فقد حصل بالعمل، وهم وإن لم يعملوا فقد عمل آباؤهم، والثواب في الحقيقة إنما هو للآباء، وإكرام الأبناء إكرام للآباء، يعرف ذلك الناس ويجدونه في نفوسهم بلا شك ولا امتراء.
٢ - هل سيلحق المؤمن من أهل البيت منزلة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟
الجواب: قد سبق الجواب على هذا في ضمن الجواب الأول، فلا حاجة لإعادته، ونزيد هنا فنقول:
يمكننا أن نقول: إن الله تعالى قد ألحق ذرية نبيه في هذه الحياة الدنيا بأبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الشرف والرفعة والكرامة، فلهم في هذه الدنيا شرف النبوة وكرامتها ورفعتها، أخذ الله تعالى على هذه الأمة أن يراعوا ذلك.
ومعلوم أن من يراعي هذه المنزلة لذرية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تبلغ الحد الذي ينبغي للنبي صلى وعلى آله وسلم، وعلى هذا القياس لما يبلغونه من الكرامة في الآخرة، وإن كانت الكرامة تختلف.
٣ - أيهما أفضل المؤمن من أهل البيت أم المؤمن العالم المجاهد من غير أهل البيت؟
الجواب: أن لكل فضلاً، ومقادير الفضل وما يترتب عليه من الثواب لا يعلمه إلا الله تعالى.
والأقرب عندي أن العالم المجاهد أفضل من المؤمن من أهل البيت الذي ليس بعالم ولا مجاهد:
- لقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: ١١].
- وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: ٩].
- وقوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: ٢٦٩]. إلى غير ذلك من الآيات.وجاء في السنة الكثير كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»، وحديث: «العلماء ورثة الأنبياء»، وغير ذلك كثير.
ومما يدل على شرف العلم: ما ذكره الله تعالى من اتباع موسى صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وهو من أولي العزم للخضر عليه السلام اتباع الخادم للمخدوم.
فإن قيل: الولد بَعْضٌ من أبيه، ولا شك في فضل بعض النبي ÷ على غيره.
قلنا: لا شك في ذلك، غير أن هذه البعضية يخالف حكمها حكم البعضية الحقيقية، بدليل أن في الذرية المؤمن والفاسق والظالم، أما البعضية الحقيقية فالعصمة ثابتة لها.
٤ - قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ٣٩}[النجم]، لا يتنافى مع قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: ٢١]، وذلك أن الجزاء الذي يستحقه المكلف استحقاقاً إنما هو بالعمل، ولا مانع أن يعطيه الله تعالى ما يستحقه بعمله، ثم يعطيه ما لا يستحقه تفضلاً منه ورحمة.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله