الإثنين ٤ شوال ١٤٤٧ هـ الموافق 23 مارس 2026 م
العودة للأرشيف

في فعل الفاحشة حال الحج

تاريخ النشر: 2026/03/07
التصنيف: أحكام الحج
المشاهدات: 1

سؤال: رجل حجّ فلما كان ليلة المزدلفة زنى بامرأة في المزدلفة، ثم من بعد ذلك الفعل الشنيع لبس ثيابه لعلمه أن حجه قد بطل وعاد إلى بلاده من غير أن يكمل بقية أعمال الحج؛ فما هو اللازم على هذا الرجل؟

الجواب والله الموفق: أنه يلزم هذا الرجل التوبة والندم على ما فعل، أما الحج فقد فسد بالوطء، وقد كان الواجب على هذا الرجل أن يكمل بقية المناسك؛ لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦]، فيلزمه حينئذ:

١ - أن يقضي الحج في السنة المقبلة إن استطاع حجاً كاملاً .

٢ - يلزمه أن يطوف طواف الزيارة وينوي به أنه تكملة لحج السنة الأولى.

٣ - يلزمه أن ينحر بدنة كفارة لما ارتكبه في ذلك الحج الفاسد.

٤ - يلزمه دم لكل نسك تركه في تلك السنة التي فسد فيها الحج بالوطء.

٥ - يلزم دم لكل محظور ارتكبه من بعد الزنا؛ لأنه ما زال محرماً، وهذا بناءً على ما ذكره في الأزهار وشرحه.

قلت: الأولى أن الحج المذكور قد بطل بالرفض، فإن الرجل حين وقع في الزنا اعتقد أن الحج قد بطل، فخرج من الحج ومن الإحرام رافضاً لذلك؛ بناءً على ما اعتقد.

والرفض في الحج والعمرة جائز في الجملة؛ بدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر زوجته عائشة أن ترفض العمرة وتجعلها حجة، وذلك أنها حين بلغت مكة أتاها الحيض، وما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر من أحرم بالحج أن يجعله عمرة.

وبدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للمرأة التي شكت عليه الضعف وهي تريد الحج فقال لها صلى الله عليه وآله وسلم قولي: «ومحلي حيث حبستني» وقد قال أهل المذهب كما في الأزهار وشرحه: إن من أدخل نسكاً على نسك أنه يتعين عليه رفض أحدهما.

وقد تحلل أهل الحديبية من إحرام العمرة التي دخلوا في حرمتها حين صدهم المشركون عن دخول مكة والتي قال تعالى فيها: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: ٢٥]، وقال جل شأنه: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: ١٩٦]، فمن هنا قلنا: إن رفض الحج والعمرة جائز في الجملة.

وبناءً على ذلك فإن هذا الرجل قد ارتكب جريمة عظيمة لا تكفرها الدماء، ثم ارتكب جريمة دونها وهي الخروج من الحج ورفضُه، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٩٤}[المائدة]، فلم يذكر تعالى كفارة على المعتدي سوى العذاب الأليم.

فهذا الرجل قد ارتكب جريمة أكبر من جريمة المعتدي على الصيد، والدليل أنها أكبر: أن الزنا محرَّم قبل الإحرام وبعد الإحرام، بخلاف الصيد فإنه محرم حال الإحرام دون ما قبله وما بعده.

ونزيد في الاستدلال فنقول: قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٥}[الحج]، فذكر سبحانه أن الذنب الذي يقترفه صاحبه في الحرم جزاؤه العذاب الأليم، ولم يذكر تعالى كفارة.

وقال سبحانه: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٢}[المائدة].

وقال جل شأنه وتعالى سلطانه: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ١٩٧}[البقرة].

وقد يؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ٣٣}[محمد]، وقد فسروا ذلك بارتكاب الكبائر، وقالوا: إنها هي التي تبطل الأعمال.

وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ٢٧}[المائدة].

فعلى هذا الرجل المذكور في السؤال أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، ويكثر من الاستغفار والندم، فإنه قد ارتكب إثماً كبيراً مضاعفاً؛ إذ أنه أضاف إلى كبيرة الزنا: انتهاك حرمة الإحرام وحرمة الحرم وحرمة الزمان، وعصى الله تعالى في إبطال الحج، وقد نهاه الله تعالى عن إبطاله في قوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ٣٣}، وعصى الله تعالى حين لم يتم فريضة الله التي أُلْزِم بتمامها في قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، فهذه عدة معاصٍ انتهكها لا يكفرها إلا التوبة النصوح، أما الدماء فلا تكفر مثل ذلك.

ثم يلزمه من بعد التوبة أن يحج حجة أخرى مكان تلك الحجة، وذلك إن استطاع إلى الحج سبيلاً، وقد قال سبحانه وتعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}، وقال سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: ١٦].

وبعد، فإنما ذكرنا ما ذكرنا من الفتوى في حق هذا الرجل الجاهل بسبب جهله، ولما ذكره العلماء من أن العامي الجاهل له أحكام خاصة، منها: ما ذكروه من أنها تحمل أعماله التي عملها وهو معتقد لجوازها على الصحة مهما لم يخرق الإجماع، وقالوا: إنه كالمجتهد، وإلى آخر ما ذكروا.

وفي حديث الحج قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لكثير من السائلين: «لا حرج، لا حرج» جواباً على من قال: قدمت أو أخرت جاهلاً.

ولما أرشد الله تعالى إليه من التيسير والتخفيف في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: ٢٨]، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥]، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: ٧٨]، وفي الحديث: «يسّروا ولا تعسروا» أو كما قال.

فلو أنا أفتينا مثل هذا الرجل على مقتضى المذهب وعلى حسب ما ذكروه لكنا قد عسرنا طريق التوبة على مريدها.

ومما يزيد ما ذكرنا قوة ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «التوبة تجب ما قبلها»، وما روي: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، وكذلك ما جاء في القرآن من بيان حكم الله تعالى على قاتل العمد وقاتل الخطأ، فإنه سبحانه وتعالى فرق بينهما، فجعل في قاتل الخطأ الكفارة، ولم يذكر في قاتل العمد إلا جزاء جهنم، وغضب الله عليه ولعنه، ولم يوجب تعالى فيه كفارة.

ومثل ذلك اليمين الغموس، واليمين المعقَّدة، فجعل في الثانية الكفارة دون الأولى، فكل هذا يؤيد ما قلنا به وذكرناه.

وبعد، فالمسألة اجتهادية؛ إذ ليس هناك دليل قاطع على الأحكام التي ذكرت في وطء المحرم لزوجته من الفساد والبدنة أو البدنتين ثم وجوب التمام والقضاء من قابل، وإن فرضنا قطعيتها فإنما هي في حق من وطئ زوجته لا في حق من فعل جريمة الزنا.

فإن قيل: يقاس الزاني على واطئ زوجته.

قلنا: القياس لا يصح لأمور:

١ - أن قياس الأشق على الأخف لا يصح عند كثير من العلماء.

٢ - أنه قياس في الأسباب، وقد منعه الكثير من العلماء.

٣ - ما ذكرنا سابقاً من الأدلة والأمارات، فارجع إليها.

هذا، والذي يظهر أن كبائر العصيان تنافي الطاعة فلا يجتمعان، وهذه قاعدة عامة في جميع الطاعات.

وبخصوص الحج جاء قوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٧]، وقد ثبت أن وطء الزوجة يفسد الحج مع وجوب المضي في ذلك الحج الفاسد، فالزنا أكبر جريمة من وطء الزوجة، فيفسد الحج فساداً أكبر من الفساد الأول، وهو بطلان الحج تماماً، وذلك أن الزنا يستحق فاعله النار قطعاً؛ بدليل آية الفرقان وغيرها، فمن زنا فقد خرج من الإيمان قطعاً، واستحق النار قطعاً، وعلى ذلك فيكون قد حبط عمله قطعاً، وفي الحديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» وفي سورة النور: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ٣}.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )

للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله