قد سألت بعض العلماء رضي الله عنهم عن المغني أو المستمع للمغاني هل هو فاسق، فتوقفوا في ذلك ولم يقطعوا بفسقه مع العلم أن أدلة تحريم الغناء كثيرة، وقد ألف المولى الحجة مجدالدين المؤيدي عليه السلام كتاباً مستقلاً في ذلك، وأيضاً روى الإمام الحجة عبدالله بن حمزة عليه السلام إجماع أهل البيت عليهم السلام على تحريمه وإجماع أهل البيت حجة قاطعة.
والسؤال: أليست هذه الأدلة تفيد العلم فيصح الحكم بفسقه؟ وإذا كانت غير مفيدة للعلم فهل يوجد مرتبة غير كافر التصريح وكافر التأويل وفاسق التصريح وفاسق التأويل؟
الجواب والله الموفق: اعلم أيها الأخ الكريم أنك لو سألت ذلك العالم عن حكم إتيان النساء حال الحيض لأجابك بنفس الجواب في حكم فاعل ذلك، ولتوقف؛ مع أن تحريمه بنص القرآن، والسبب في ذلك أن علماء الأمة قد اتفقوا على أن صاحب الكبيرة فاسق وقطعوا بفسقه، وعلى أن صاحب الصغيرة غير فاسق.
غير أنهم اختلفوا في تعيين الكبائر والصغائر، فقيل ... وقيل ... وقيل: إن كلما توعد الله عليه بالنار أو وصفه بالعظم فهو كبيرة، وما سوى ذلك محتمل للكبر والصغر، ولعل الذي أجابك قد أجابك بناءً منه على هذا القول، وليس معنى هذا الجواب الذي أجابك به بعض العلماء أن تحريم الغناء محل نظر أو مشكوك فيه، بل أن الأمر عنده كما وصفنا.
والواجب النهي عن الغناء وعن كل المعاصي ولو لم يقطع بفسق صاحبها كالغناء وإتيان النساء في الأدبار، وإتيانهن حال الحيض، ونكاح المعتدة، ودخول البيوت بغير استئذان، وغض البصر عن الأجنبية والغمز والتقبيل ونحو ذلك.
وليس معنى ذلك التسهيل فيها فلا ينبغي التسهيل في شيء من المعاصي على الإطلاق بل ينبغي النهي عنها أشد النهي.
وإذا تعمد أحد شيئاً من الصغائر وقال: لا حرج علي فيها فهو كافر، ولكن بشرط أن يكون قد تبين له أنها مما نهى الله تعالى عنه ورسوله صلى عليه وعلى آله وسلم.
هذا، والذي رجحه صاحب الأساس أن كل عمد كبيرة، وذلك للوعيد العام لكل عاص لله تعالى بالخلود في النار؛ فينبغي للمؤمن أن يبني على هذا في خاصة نفسه للاحتياط، ثم ليعامل الناس بالمذهب الأول فلا يكفر ولا يفسق للاحتياط أيضاً.
واعلم أنه لا يؤثر كون المعصية صغيرة في وجوب إنكار المنكر بل يجب إنكار المنكر مطلقاً بالقول والفعل على حسب الترتيب، ومن الله التوفيق.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله