الأحد ١٠ شوال ١٤٤٧ هـ الموافق 29 مارس 2026 م
العودة للأرشيف

في تواتر القراءات السبع

تاريخ النشر: 2026/03/27
المشاهدات: 2

سؤال: هل كل القراءات السبع المتواترة فعلاً عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ولماذا جعلها بعضهم عشراً؟
وما دام الصحابة سمعوها كلها عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلماذا لم يعلِّموها كلها مرة واحدة؟ كما يقرأ عبدالباسط الآن مثلاً، ثم هكذا ينقلها عنهم الرواة كلها؛ فتكون طريق قراءة نافع ورواتها طريقاً لقراءة حفص، وهكذا.
ولماذا نُسبت هذه القراءة إلى فلان، وتلك إلى فلان؟
أم أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ أحياناً بقراءةٍ مّا، وأحياناً بغيرها؟ فلماذا لمينقل الصحابةُ سورةً بقراءةٍ وسورةً أخرى بقراءةٍ غيرها؟ يعني أن ينقل الصحابي سورة البقرة مثلاً على ما يرويه ورش عن نافع، وينقل آل عمران على ما يرويه حفص عن عاصم وهكذا؟
وكيف يقرأ لهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالسبع القراءات، ويَنْقُلُ كل جماعة منهم قراءة منها فقط؟ هل عيَّن لكل قراءة رواة؟ أم أنهم لم يسمعوا منه إلا رواية واحدة؟ ولم تختلف القراءات إلا لاختلاف لهجات قبائل العرب، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أجاز ذلك، وإن لم يقرأ به هو؟
يزيد ذلك في نفسي عمقاً أن أكثر الاختلاف هو في طريقة النطق بالكلمات مثل: الهمزات؛ هناك من ينطق بها، وهناك من يلغيها، وهناك من يسهلها في لهجات العرب، وغير ذلك.
ونوع آخر من الاختلاف مثل: بعض الحروف والحركات؛ فهل يرجع إلى اختلافهم على قراءة الرسم مثل: ملك ومالك، فليس بينهما إلا ألف صغيرة، ومثل: {كونوا أنصاراً لله} نافع، و {كونوا أنصار الله} حفص؛ ليس بينهما شيء إلا بعد وجود التنوين وإلا فالأحرف متشابهة، وإنما في الأولى أتبعنا الألف الكلمة الأولى، وفي الثانية أتبعناه الكلمة الثانية.
أوضحوا لي الأمر فإنه يقلقني كثيراً، وأريد أن أستأصل قلقي من جذوره، وأنتم خير جَرَّاح لهذه الأمراض، وجزاكم الله خيري الدارين.

الجواب:
القراءات السبع كلها متواترة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما لم يجعلها العلماء عشراً للاختلاف في تواتر الثلاث دون السبع.
وكل واحد من الرواة قرأ بالقراءة المتوافقة مع لغته ولهجته العربية؛ فالذي يُميل الألف إلى الياء لا يستطيع أن يقرأ بلغة من لا يميل، ومن يخفف الهمزة بالتسهيل لا يطاوعه لسانه على القراءة بلغة من يحققها، ومن يخففها بالنقل لا يستطيع أن يقرأ على لغة من لا يخففها بالنقل، والعكس.ومن هنا كان أئمة القراءة كلٌّ يروي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يناسبه من القراءة دون ما لم يتيسر له.
وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ لكلٍّ ما يناسب لغته؛ رخصة منه وتوسعة على الأمة؛ لعلمه بتعسر حفظه على لغة واحدة: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ٣}[النجم].
-وليس اختلاف القراء في نحو (ملك، ومالك) ناشئاً عن رسم المصحف؛ لأن القرآن يتلقى بالسماع من أفواه القراء، فأهل المدينة تلقوا سماع الفاتحة وغيرها من أفواه قرائهم بما في ذلك كلمة (ملك) فسمعوها بغير ألف، وتلقاها خلفهم عن سلفهم كذلك بالسماع والتلقي من الأفواه، لا من المصاحف.
وكانت هذه هي الطريق المعتمدة عند علماء الأمة في العصور الأولى، وما زالت إلى اليوم.
وقس على ما ذكرنا نحو (أنصاراً لله)، (أنصار الله) فكلٌّ سمع عن سلفه ما سمع، وتلقوه عن أفواههم، وهكذا تلقوا من الأفواه كيفية المدود ومقدارها، وهيئات الكلمة مثل الترقيق والتفخيم والإخفاء والإدغام والإظهار والرَّوْم والإشمام والإمالة والوقف والوصل و ... إلخ، كل ذلك تلقوه بالسماع وأتقنوه عند المشائخ حتى حفظوه كما سمعوه.
وبعد، فالاختلاف الواقع بين القراءات السبع لا يتسبب في قلق، ولا ينبغي أن يكون منشأً للإشكال لأن القراءات السبع متواترة عن النبي ÷، وقد مضت أمة محمد ÷ على القراءة بكل واحدة منها من غير تناكر.
-وما روي عن الإمام الهادي عليه السلام من تصحيحه لقراءة أهل المدينة دون ما سواها من القراءات فالأمر عنده كذلك؛ لأنه ما سمع إلا قراءة أهل المدينة، ولو أنه عليه السلام نشأ وتربى في مكة أو في الكوفة لسمع جميع القراء يقرأون بما سمعوا عن أسلافهم وصح لديه صحة ما سمع؛ لإجماع قراء تلك البلاد على قراءتهم.
وإذا لم يتواتر للهادي عليه السلام قراءة غير أهل المدينة فقد تواتر لغيره غير قراءةأهل المدينة، وحينئذ فلا مانع للمسلم من أن يقرأ بما تيسر له من القراءات السبع، لا من الرواية ولا من جهة اللغة، ولا من جهة المعنى.
فقراءة (أنصار الله) صحيحة من جهة الرواية، وصحيحة من جهة اللغة، وصحيحة من جهة المعنى، وهكذا قراءة (أنصاراً لله)، وليس هناك مانع عقلي؛ فيجوز أن يقرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة بالإضافة ومرة بغير إضافة.
-وقد يكون لاختلاف القراءتين حكمة ومصلحة، فمثلاً قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} {طَعَامُ مَسَاكِين} [البقرة: ١٨٤]، فإحدى القراءتين تبين القدر الواجب من الإطعام عن كل يوم، والقراءة الأخرى تبين ما على من أفطر أياماً كثيرة أو قليلة وإن كان فيه إجمال من حيث بيان مقدار الواجب إلا أن التفصيل يظهر من القراءة الثانية.
-وقراءة (ملك، ومالك) يكون الحكمة فيها بيان أن الله تعالى يتصف بكل من تلك الصفتين ويدعى بهما، وقس على ذلك.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله