السبت ٩ شوال ١٤٤٧ هـ الموافق 28 مارس 2026 م
العودة للأرشيف

في العلم اللَّدُنِّي بواسطة الإلهام

تاريخ النشر: 2026/03/27
المشاهدات: 2

سؤال: نسمع أن هناك من يخصه الله تعالى بالعلم يلهمه إلهاماً ويلقيه في قلبه إلقاءً من غير أن يتعلم، ويسمون هذا العلم بالعلم اللدني، وصاحبه بالعالم الرباني بينما يسمون العالم الذي يتعلم العلم بالدراسة بعالم كتب، فما هو رأيكم في هذا؟

الجواب والله الموفق والمعين: أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان عموماً حين خلقه وأخرجه من بطن أمه جاهلاً، ثم جعل له الآلة التي يحصل عن طريقها على العلم، ثم كلفه بتحصيل العلم، وهذه هي سنة الله في خلقه، وتماماً كما قال جل شأنه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ... الآية} [النحل: ٧٨]، فتحصيل علم الشرائع إنما يكون بواسطة هذه الطرق، وسواء في ذلك الأنبياء وغيرهم، ومن هنا قال الله تعالى مخاطباً لنبينا محمد صلى الله
عليه وعلى آله وسلم: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ٧}[الضحى]، و {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ... } [الشورى: ٥٢] {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ .. } [النساء: ١١٣]، فالأنبياء والرسل هم أرفع البشر عند الله قدراً وأعلاهم منزلة، وأقرب إليه زلفى- لم يعرفوا شرائع الله وأحكامه إلا بواسطة تعليم الله لهم كما حكاه الله تعالى لنا في كتابه الكريم، وكذلك الملائكة المقربون لا يحصل لهم العلم إلا عن طريق التعلم، ومن هنا حكى الله تعالى لنا قول الملائكة: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ٣٢}[البقرة]، فيتبين لنا بما ذكرنا أن دعوى من يدعي العلم اللدني لبعض الناس دعوى زائفة تكذبها الأدلة القرآنية.
هذا، وقد بلغنا أن بعضهم يدعي ويقول: إن الإمام يعلم الغيب أو شيئاً من علم الغيب، وأن الإمام لا يكون إماماً حتى يكون كذلك، وهذه الدعوى كسابقتها دعوى زائفة تزيفها أدلة القرآن كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ٣٤}[لقمان]، وكقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: ١٧٩]، وكقوله تعالى حكاية عن النبي  صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ .. الآية} [الأعراف: ١٨٨]، وكقوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ... الآية} [الأنعام: ٥٩]، وقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... الآية} [الجن]، وقوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ... } [الحشر: ٢٢]، وقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ٩}[يوسف]، وقوله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: ٦٥].
نعم، قد يزيد الله تعالى بعض عباده بزيادة في العقل، ويمده بالفهم، ويسدده للإصابة، فيستنبط بفهمه وعقله من القرآن أحكاماً شرعية قد لا يتهيأ لغيره منالعلماء استنباطها واستخراجها، وكذلك يهديه الله تعالى ويوفقه إلى معرفة السنة الصحيحة وتمييزها من غيرها، ثم إلى استخراج الأحكام الشرعية واستنباطها منها، وهذا مصداق قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ١٧}[محمد]، وقوله: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ... } [الأنفال: ٢٩].
أما دعوى أن الإمام يعلم الأحكام الشرعية من غير نظر واستنباط من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهي دعوى باطلة، وكذلك دعوى علم الغيب، وهذا هو الغلو المذموم في دين الإسلام، قال أمير المؤمنين عليه السلام: (سيهلك فيّ اثنان محب غال ومبغض قال ... )، وهكذا كان الحال فقد غلا قوم فيه عليه السلام حتى جعلوه رباً، وأبغضه قوم وتنقصوه حتى لعنوه، بل جعلوا لعنه سنة، عليهم لعائن الله.
وكذلك غلا قوم في أهل البيت عليهم السلام حتى ادعوا لهم علم الغيب، وأنهم يعلمون من غير تعلم، وأنهم معصومون وأنهم ... إلخ.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله