من المعلوم أن الرزق من الله قد ضمنه وتكفل به، ولكننا ننظر إلى العامل فهو لا يحصل على أجرته إلا بكد يده وتعبه وأن الذي يعطيه أجرته يعطيه باختياره، والعامل كذلك أعطاها باختياره؛ فكيف تفسير رزق الله الذي هو منه بقضاء وقدر؟
الجواب والله الموفق: أن الله سبحانه وتعالى وهو العليم الحكيم قد ضمن أرزاق الحيوانات فقدر لها ما يكفيها ومن هنا قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ٤٩}[القمر]، وقال: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فصلت: ١٠]، وقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: ٦].غير أن حصول الرزق مرهون في الغالب على الطلب وحصول السبب؛ لما يعلمه الله تعالى من المصالح لعباده في ذلك، فمن ذلك التكليف والبلوى المتعلقة بالأموال كالصدق في البيع والشراء، وترك اليمين الكاذبة، وترك الغش والخداع، وترك الربا في ذلك، ومن ذلك عمارة الأرض باتخاذ بعضهم بعضاً سخرياً، واختيار المكلفين وتمييز الخائن من الأمين ... وإلخ ما لا يحصى من المصالح العظيمة المترتبة على ذلك.
فالله سبحانه قد ضمن لعباده الأرزاق وأرشدهم إلى أسبابها وطرقها، ومن هنا قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣}[الأعلى]، فكل نوع من الحيوانات قد قدر لها أرزاقها وهداها إلى نيل رزقها وإدراكه، وانظر إلى النمل كيف تهتدي إلى نيل رزقها وكذلك أنواع الطيور وغيرها من الحيوانات، ثم انظر إلى المواليد من الحيوانات كيف تهتدي إلى رزقها الذي جعله الله تعالى لها، وهكذا سنة الله في هذه الدنيا، فمن هنا أمر الله تعالى مريم بهز النخلة.
نعم، ما قدمنا كلمة عامة، فأما العامل فهو كغيره من الحيوانات قد فطره الله تعالى على السلوك في طريق طلب الرزق والتسبب في تحصيله، ولذا قال تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ٨}[العاديات]، وقال: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ٢٠}[الفجر] وقال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عمران: ١٤] إلى غير ذلك من الآيات.
إذاً فرزق الإنسان مكتوب له بشرط الطلب، ولذا قال الله تعالى: {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: ١٠]، وقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: ١٩٨].
وهناك رزق آخر يأتي بغير طلب كما يعطاه الفقراء من الزكوات، وكالصدقات النافلة والنذور والهبات، والهدايا والضيافات، ونفقة الأولادونحوهم، وغير ذلك من الأرزاق التي تأتي عفواً، وقد روي عن أمير المؤمنين أنه قال: (الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك) فالذي تطلبه هو الأول، والذي يطلبك هو ما ذكرناه ثانياً.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله