الإثنين ٢٣ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ الموافق 2 نوفمبر 2026 م
العودة للأرشيف

فائدة في حلق اللحية

رقم الفتوى: 25617
تاريخ النشر: 2026/10/30
المشاهدات: 1

قيل: إن حلق اللحية حرام لقوله صلى عليه وعلى آله وسلم: «أحفوا الشارب وأعفوا اللحى»، ولغير ذلك من الأخبار.

قلت: رأيت في بعض كتب الهادي في المجموعة الفاخرة كلاماً له عليه السلام وهو يذكر ويشرح أوامر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكر من ذلك: أن منها أوامر لا يراد بها تشريع الأحكام وفرضها، وإنما يراد بها التأديب، وذكر نحو ما نحن فيه.
فتأملت بعد في تقسيم الهادي عليه السلام لأوامر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ذلك فاستحسنته، ورأيت أنه قد وفق للصواب توفيقاً؛ إذ أن نحو توفير اللحية وإحفاء الشارب، ولبس البياض وإكرام الشعر بالتنظيف بالغسل، وقص الأظفار ونتف الإبط، وحلق العانة، وتنظيف ساحات البيوت، ونحو ذلك كل ذلك مما كان مستحسناً عند أهل الجاهلية إلا قليلاً؛ فبعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعلمهم شرائع الإسلام وفرائضه، فأمرهم بذلك وبغيره؛ فما كان منها مما يتعلق بمحاسن العادات وآدابها فليس يراد به الوجوب والحتم، وما كان يتعلق بعبادة الله فسبيله الحتم والوجوب إلا لقرينة.ومما استدلوا به على تحريم حلق اللحية: قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن آل كسرى يجزون لحاهم ويوفرون شواربهم، وإن آل محمد يأخذون شواربهم ويعفون لحاهم»، وليس في ذلك دليل على ما قالوا؛ إذ ليس فيه زيادة على الإخبار بما تضمنه الحديث.
وآل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويراد بهم هنا المسلمون مجازاً كانوا يعفون لحاهم قبل الإسلام وبعده، فإخبار النبي ÷ عنهم في هذا الحديث بإعفاء اللحى إنما هو إخبار عما هم عليه على مقتضى العادة.
نعم، وهناك فرق بين هذا وبين الأوامر الشرعية الأخرى، فأوامر الشارع ونواهيه مبنية على اعتبار المصالح والمفاسد، وأوامر الآداب مبنية على محاسن العادات ومساوئها المجردة عن المصالح والمفاسد، كحلق اللحية وإعفائها، وجز الرأس وإبقائه، وجز الناصية ونحو ذلك، وهذا ما لم يرد قرائن تدل على الوجوب أو التحريم كلعن الواصلة والموتصلة والواشمة والنامصة والمتفلجات.
ومن القرائن ما قد يعم كقول النبي ÷: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وقد يؤخذ من هنا المنع من حلق اللحية، لا لأن الحلق محرم بل لما فيه من التشبه بالفساق ونحوهم.
نعم، قد يؤيد ما ذكرنا أن بعضاً من أهل الأصول ذكروا أن من القرائن الدالة على أن الأمر ليس للوجوب- تقدم العلم بإباحة المأمور به، ذكروا ذلك في مثل قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: ٢]، فحملوا الأمر هنا على الإباحة، وجعلوا القرينة الدالة على ذلك هي تقدم العلم بإباحة الاصطياد.
هذا، وفي البحر: مسألة: وندب إعفاء اللحية، ثم قال في آخر المسألة: ويحرم حلق اللحية للبدعة. انتهى.
ولم يستند في تحريم الحلق إلى الأحاديث المروية في الأمر بإعفاء اللحية، فلعل ذلك لما قلنا سابقاً من أن الأوامر الواردة في مثل ذلك ليست للوجوب.له في البحر: إنه يحرم حلقها للبدعة فيه نظر، وذلك: أن ترك المندوب لا يقال فيه إنه بدعة، وإلا لحرم ترك رواتب الصلاة ونحوها.
نعم، من محاسن العادات في بعض البلدان حلق اللحية، وهذا هو الغالب على بلدان العالم الإسلامي، وفي بلادنا على عكس ذلك، فحلق اللحية عادة سيئة عندنا تدل على أن وراءها تساهلاً ونقصاً في المروءة، وقد ينافي ذلك العدالة؛ فلا تقبل شهادته كما ذكر العلماء فيمن يلبس من العلماء زي العسكر، أو من يلبس من العامة زي العلماء، فقالوا: إن ذلك يخل بالعدالة، لا لذات اللبس بل لما يدل عليه من نقص المروءة.
نص كلام الهادي صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ في كتاب معاني السنة
.. فكل ما ذكرنا من ذلك من الحلال والحرام وشرائع الدين والأحكام- فهي من الله حقاً حقاً، وليس حالها كحال غيرها مما جعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نفسه، واختياره مما لم يجعل الله ولا رسوله على تاركه عقاباً، مثل ما سن من الوتر، وتقليم الأظفار، وحلق الشعر، والسواك، وتعفية اللحية، وأخذ الشارب، وغير ذلك مما سن وفعل واختار لنفسه من زيادة العبادة.
ومثل ما كان يصلي ويلزم ويحث من ركعات كان يصليهن عند النازلات .... إلخ ما في صفحة ٢٠٧، ٢٠٨ من المجموعة الفاخرة المخطوطة.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله