سؤال: يحصل من الزوج عند طلاق زوجته أن يراجعها في الحال ويطلقها، ويراجعها ويطلقها- قصداً منه أو من الواسطة أن يحال بين المطلق وبين مراجعة المطلَّقة، وقد يكون ذلك بإلزام المتوسطين بين الزوجين، أو من المحكَّم، فكيف يكون حكم ذلك؟
الجواب: هذا سؤال هام، والذي يظهر لي -والله أعلم-: أن مراجعة الزوج لزوجته بعد طلاقها كما في السؤال مراجعة غير صحيحة، وإذا كانت غير صحيحة فما تعقبها من الطلاق غير واقع، وذلك:
- لأن المراجعة التي شرعها الله تعالى وأرادها هي ما كان الباعث عليها والداعي لها هو الرغبة في معاشرة الزوجة المطلقة، إما لحب الزوج لها، أو لأجل أولادها، أو لأجل الصداقة مع أهلها، أو لأجل ملامة الناس، أو لنحو ذلك.
- أما إذا كان المراد بالمراجعة ما ذكر في السؤال من قصد الحيلولة بين الزوج وبين مراجعة زوجته فلا تصح، وهذا إذا علم من حال الزوج كأن يصرح الزوج بذلك، أو يلزمه الواسطة بالمراجعة والطلاق، ثم المراجعة والطلاق فيمتثل أمرهم.
- وبعد، فإن الطلاق إذا وقع من الزوج بإلزام من المحكمين أو بإلزام الحاكم أو بإلزام المحتسبين لإصلاح شأن الزوجين والنظر فيما بينهما من الشقاق والخلاف يكون طلاقاً بائناً؛ لأن المحكمين اللذين أمر الله تعالى أن يبعثا للحكم بين الزوجين المتشاقين إذا اطلعا على ما بين الزوجين،فرأيا أن لا مجال لإصلاح شأنهما إلا الفراق والطلاق فإنهما يحكمان به، فإذا حكما به، وطلق الزوج- لم يكن له أن يراجعها؛ لأن الحكم ألزم الزوج بفراقها ما دام أمرهما على تلك الحال التي كانت قبل الطلاق، وحينئذ فتكون مراجعة الزوج نقضاً للحكم وإبطالاً له، لما بين الحكم بالطلاق والفراق وبين المراجعة من المنافاة.
وهكذا يكون الحكم فيما إذا كان الحاكم هو الذي حكم بالفراق بين الزوجين أو الحاكم المحكم.
ويلحق بهم الوسطاء الذين احتسبوا للتدخل فيما بين الزوجين؛ فإن إلزامهما للزوج بالطلاق يكون بمنزلة الحكم، وقد قال أهل المذهب: إن من صلح لشيء ولا إمام- فعله.
وبما ذكرنا يتبين لك أن مراجعة الزوج بعد الحكم عليه بالطلاق غير صحيحة، وهكذا ما ترتب عليها من طلاق.
- أما إذا طلق الزوج زوجته من غير ما بأس بين الزوجين، ثم راجع في مجلس الطلاق، ثم أتبعها بطلاق، ثم راجع، ثم أتبع المراجعة بالطلاق، وأراد بهذا الصنيع أن يحول بين نفسه وبين مراجعة زوجته، فنقول: إن المراجعة غير صحيحة، بيان ذلك بالإضافة إلى ما تقدم:
جاء في الحديث: «لاعمل إلا بنية»، «إنما الأعمال بالنيات»، ولا خلاف في ذلك، ولا شك أن من ذكرنا ليس له نية في رجوع الزوجة، ولا قصد له إلى ذلك، وليس له في نفسه داع إلى رجوعها، ولا رغبة له في رجوعها، وإنما يراجع زوجته بعد الطلاق مراجعة بلفظ خالٍ عن معنى المراجعة باعترافه وإقراره.
فإن قيل: لم يشترط العلماء في صحة المراجعة النية والقصد، وإنما علقوها باللفظ من دون مراعاة أي قيد.
قلنا: الأمر كذلك، فتثبت المراجعة باللفظ من غير قيد، ويحكم بذلك من غير نظر إلى شيء آخر.
وهذا بناء على الظاهر؛ فإن من أشهد على مراجعة زوجته وراجعها باللفظ صحت مراجعته؛ لأن ظاهره يدل على رغبته ونيته في رجوع زوجته، وصدقه في تلافي طلاقه.
إلا أن ما ذكرنا هو فيما إذا علمنا من المطلِّق لزوجته أنه لا يريد مراجعتها أصلاً، ولا رغبة له فيها البتة، وأنه باعترافه إنما يريد بلفظ المراجعة لزوجته أمراً آخر هو البينونة الكبرى لا غير، فإننا إذا علمنا ذلك وتحققناه من حال الزوج لم يصح لنا أن نحكم بصحة المراجعة.
- وهذا بالإضافة إلى ما في ذلك من إبطال ما يريده الله تعالى من المراجعة، ولما فيه من التلاعب بأحكامه تعالى، ومن الاستخفاف بها.
هذا ما يظهر لي في ذلك، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله