الجمعة ١٥ شوال ١٤٤٧ هـ الموافق 3 أبريل 2026 م
العودة للأرشيف

صفة الذات

تاريخ النشر: 2026/03/29
التصنيف: في توحيد الله
المشاهدات: 1

سؤال: يذكر العلماء والمتكلمون صفة الذات فيقولون: عالم لذاته وقادر لذاته … إلخ، ويعسر على أكثر المكلفين معرفة هذا؛ فهل لهم رخصة في الجهل بذلك؟

الجواب والله الموفق والمعين: أن الواجب من معرفة صفات الله تعالى أن يعلم المكلف أن الله على كل شيء قدير فلا يعجزه مقدور، وأنه بكل شيء عليم لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، وأنه حي موجود، لا أول لحياته ولا وجوده، ولا آخر لذلك، فهو حي لا يموت، وأنه الأول والآخر.
فإذا عرف من ذلك ما ذكرنا، واعتقد ذلك واطمأن إليه- فقد عرف ما وجب عليه من معرفة تلك الصفات، وهذه المعرفة التي ذكرنا قد تضمنت معنى ما يذكره المتكلمون من أنه قادر لذاته، وذلك أن معنى ما ذكرنا ومعنى ما ذكروا واحد.
فالقادر لذاته معناه: أنه لا يعجزه مقدور، بل هو على كل شيء قدير، وأنه لا اختصاص لذاته بمقدور دون مقدور، وهذا هو عين ما ذكرنا، وكذلك القول في الباقي.
وتضمن أيضاً الفرق بين قدرة الله سبحانه وتعالى وبين قدرة الإنسان؛ فقدرة الإنسان محدودة بحدود لا تتجاوزها، ومتعلقة بمقدور واحد لا تتعداه، وقدرةالله تعالى غير محدودة بحد أو مقدور، وهذا معنى قولهم: إن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط، لا يعجزه مقدور.
وبعد، فإنه لم يأت بيان ما يذكره المتكلمون في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الحد الذي ذكروه.
هذا، مع أن التفكر في ذات الله محرم، ولا سبيل إلى كنه معرفته تعالى، حارت العقول وضلت الأفهام: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ١١٠}[طه]، فهو سبحانه وتعالى أكبر وأعظم من أن يحاط بعظمته وكبريائه وجلاله، وقد قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ٨٥}[الإسراء].
هذا، والذي ظهر لي أنه لا ثمرة لما يذكره المتكلمون من التفصيل، اللهم إلا الترجمة والشرح مثلاً لقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٦}[الحشر]، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ١١}[التغابن]، ولا سبيل إلى معرفة ما قالوا والتصديق به إلا المعرفة بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم.
نعم، المطلوب من المكلف هو الإيمان والتصديق بأن الله تعالى قادر عالم .. إلخ، فقولهم: لذاته أو بذاته- زيادة فيها إجمال، وذلك لتعدد معاني اللام والباء؛ فإن كانت اللام للتعليل كانت الذات علة للعالمية و ... إلخ، ولعل هذا المعنى هو الذي يريده من يقول بالصفة الأخص المقتضية للصفات الأربع وهي: كونه موجوداً قادراً عالماً حياً.
وقد تكون للتعليل على معنى آخر غير هذا، وهو أنه يقال في حق الإنسان: إنه قادر لقدرة، أي: من أجل قدرة جعلها الله فيه بحيث أن هذه القدرة لو سلبت عن الإنسان لم يوصف بأنه قادر؛ فلما أطلقوا على الله سبحانه وتعالى اسم القادر أرادوا أن يفرقوا بين الخالق والمخلوق فقالوا: قادر لذاته، بمعنى: أنه قادر لا من أجل قدرة، وأنه لا تعلل صفاته بشيء سواه.
ولعل المقصود أنه إن كان لا بد من التعليل من أجل التفرقة بين قدرة الخالق والمخلوق، فإنه يقال: قادر لذاته وعالم لذاته بمعنى أنه قادر لأنه الله.هذا، ولا يستقيم أن تقدر اللام بشيء من سائر المعاني إلا على ضعف.
وأما الباء في قولهم: «قادر بذاته» فإن كانت للسببية كان الكلام عليها كالكلام على اللام التعليلية فيما تقدم سواءً سواء.
وإن كان يراد بها الآلة كالتي في نحو: كتبت بالقلم- فلا يصح ذلك في حق الله تعالى إلا على وجه من المجاز، وذلك أن الله تعالى يخلق ويرزق من غير آلة؛ إذ لا يحتاج إلى الآلات إلا المخلوق، فإطلاق الآلة على ذاته تعالى مجاز، جيء به للتفرقة بين فعل الخالق وقدرته وبين فعل المخلوق وقدرته، وأن لا آلة على الإطلاق.
فإن قيل: إذا لم يعرف ما تقدم على التفصيل الذي يذكره المتكلمون لم تتم المعرفة بالله، وذلك أنه لا بد من معرفة أنها صفات ذاتية، لا أمور زائدة على الذات أو معاني زائدة أو ... إلخ.
قلنا: التفكر بعد ما قدمنا مذموم، ويكفي المكلف أن يؤمن بأن الله على كل شيء قدير، وأنه لا تشابه بين الخالق والمخلوق على الإطلاق، وأنه يجب الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، والتصديق بها من غير تصور.
وأرى أنه مما ينبغي سد باب التفصيل والتدقيق على العوام والمبتدئين وناقصي الفهم؛ إذ قد يوقعهم ذلك في تشويش واضطراب وحيرة وشك.
فإن قيل: قد كثر في كلام الأئمة من أهل البيت $ وفي كلام علمائهم التعبير بقولهم: عالم بذاته و ... إلخ.
قلنا: أكثر ما يدل ذلك على جوازه؛ إذ لا يطلقون على الله إلا ما يجوز إطلاقه عليه، لا على وجوب ذلك.
فإن قيل: المراد بقولهم: لذاته وبذاته وعلم ذاتي و ... إلخ- المراد الشرح والتوضيح والتفسير لعلم الله تعالى وقدرته و ... إلخ.
قلنا: قولهم: «لذاته وبذاته وذاتي» لا يتم به شرح ولا توضيح ولا تفسير، وذلك: أن الله تعالى يقول: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ١١٠}[طه]، فدون معرفةالذات الإلهية حجب وأستار من العظمة والكبرياء والجلال، وحينئذ فشرح ذلك المذكور وتفسيره بالذات والذاتي تفسير وشرح بما لا يمكن معرفته.
فإن قيل: لعل مقصودهم بيان انتفاء المعاني الزائدة فلا يتوهم أحد أن هناك قدرة زائدة على ذات القادر.
قلنا: يكفي للدلالة على ذلك أن {اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} و {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: ١١]، ونحو ذلك مما معناه واضح معقول كما في الأثر: «تفكروا في المخلوق، ولا تفكروا في الخالق»، «كل ما تصوره الوهم فالله بخلافه»، «التوحيد ألا تتوهمه»، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ١١٠}[طه]، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ٤}[الإخلاص].
ففيما ذكرنا ونحوه ما يغني عما يذكره المتكلمون، بل إن بيان الله أحسن وأكمل وأوضح.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله