الجمعة ٢٢ شوال ١٤٤٧ هـ الموافق 10 أبريل 2026 م
العودة للأرشيف

حكم من ولد ونشأ ومات في بلاد لم تبلغها دعوة الرسل

تاريخ النشر: 2026/04/05
التصنيف: في عدل الله
المشاهدات: 3

كيف حكم الإسلام فيمن ولد ونشأ ثم مات في زاوية من زوايا الأرض بعيداً عن دعوة الرسل، لم يسمع طيلة حياته بذكرهم، ولا نقلت إليه أخبارهم ودعوتهم، هل يحكم عليهم بالخلود في النار كسائر الكافرين؟ أم لهم حكم آخر غير حكمهم؟

والله الموفق والمعين: أن الله تعالى خلق الإنسان، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، فطبيعة السمع إدراك المسموعات وتمييزها، وطبيعة البصر رؤية المرئيات وتمييزها، وطبيعة الفؤاد التفكير والنظر والتعجب، والاستنكار والاستحسان والاستقباح و ... إلخ.
فالفؤاد بطبيعته لا يزال يفكر فيما يرى ويسمع من أين جاء؟ وكيف جاء؟ ومن جاء به؟ وإلى أين يذهب؟ و ... و ... إلخ؛ فلا يستقر له قرار حتى يصل إلى الحقيقة.
ويبتدئ هذا التفكير في الإنسان من حين تمييزه، وهذا ما يجده كل إنسان تقريباً في صغره.
فبناءً على ما ذكرنا فإن حجة الله تعالى قائمة على هذا البعيد عن دعوة الرسل بما ركب الله فيه من السمع والبصر والفؤاد التي تسوقه إلى المعرفة بالله سوقاً لا يحتاج معه إلى تكلف النظر، بل يأتيه النظر والتفكير عفواً.
فإن استجاب هذا البعيد لما ساقته إليه فطرة العقل، وصدق به؛ فآمن بالخالق العظيم العالم الحكيم- فلا يحكم عليه بأحكام الكافرين، بل يحكم له بالنجاة من النار؛ إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وإن لم يستجب بل غالط نفسه، وكابر عقله وفطرته التي فطر الله الناس عليها- فهو من الكافرين، ويحكم عليه بأحكامهم.
هذا، والدليل على ما ذكرنا من أن النظر والتفكير يأتي عفواً بغير تكلف: قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: ٥٣]،وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ٣٠}[الأنبياء]، وقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ٢٥ ... } الآيات [المرسلات]، ونحو ذلك في القرآن كثير.
فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتم لما أمر الله تعالى بالنظر في نحو قوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ ... } الآية [يونس: ١٠١].
قلنا: ذلك وارد على سبيل التعزيز لما استقر في فطرة العقل، ومن هنا جاء في كثير من القرآن {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} إشعاراً بوجود الدليل الفطري في العقول، وأنهم لا يحتاجون في التصديق بالله إلا إلى أن يرجعوا إلى تذكر ما استقر في عقولهم من التصديق والمعرفة.
نعم، المراد بما ذكرنا من النظر والتفكير هو النظر الأول الذي يسوق إلى الإيمان بالله والتصديق به، ثم من بعد ذلك قد يجب النظر، وذلك لإزاحة الشبهات والشكوك، أو لزيادة المعرفة بالله، وتمكن التصديق به.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله