[حكم رد اللقطة لمن أتى بأوصافها]
السؤال
سؤال: إذا جاء رجل إلى الملتقط يدعي أن اللقطة له، فسأله الملتقط عن أمارتها وعلامتها فوصفها بأوصافها كما هي؛ فهل تبرأ الذمة بالرد إليه؟
الجواب
الجواب والله الموفق: أن في المسألة ثلاثة أقوال:
١ - لا يجوز، ولو غلب في الظن صدق المدعي، وهذا هو المذهب.
٢ - أنه يجوز الرد بالعلامة ولا يجب في قول عامة أهل البيت والفريقين.
٣ - أنه يجب الرد فيما بين الملتقط وبين الله تعالى، وهذا مذهب مالك وأحمد، وهو مروي عن الهادي والمؤيد بالله.
ذكرت هذه الأقوال في شرح الأزهار .
قلت: الذي يظهر لي -والله أعلم- قوة القول الثالث، وهو أنه يجب الرد إذا غلب في الظن صحة دعوى الرجل، وتبرأ ذمة الملتقط بذلك إن لم ينكشف كذبه، فإن انكشف كذبه بأن جاء رجل آخر يدعيها، وجاء ببينة عادلة أو بما يدل على أنها ملكه، ففي هذه الحال يضمنها الملتقط.
وإذا أراد الملتقط السلامة من التضمين فليشترط الملتقط على الرجل المدعي للقطة الواصف لها الضمان إذا انكشف وجود صاحبها، أو أنه لا يسلمها إليه إلا بأمر الحاكم.
وإنما اخترنا المذهب الثالث لوجوه:
١ - أنه قد جاء في القرآن ما يؤخذ منه العمل بالقرائن، كقوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ٢٦ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٢٧ ... } إلخ الآيات [يوسف]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ... } الآية [الممتحنة: ١٠].
٢ - ما ورد في السنة من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رد الدينار الذي التقطه علي عليه السلام، ولم يرو أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الناشد له البينة.
٣ - ما ثبت أنه يجب العمل بالظن الغالب في دين الإسلام.
٤ - يقال لأهل المذهب الأول وهم الذين يقولون: لا يجوز الرد ولو غلب في الظن صدق المدعي: إن البينة لا تثمر إلا الظن، وأنتم قد أوجبتم الرد بالبينة، فإذا كان الوصف يفيد ما تفيده البينة أو أكثر مما تفيده فما هو المانع حينئذٍ من وجوب الرد؟
فإن قيل: المانع من ذلك هو قيام الاحتمالات، وهناك مانع آخر وهو أنه لا يجوز العمل بالظن في مال الغير.قلنا: الاحتمالات قائمة مع البينة؛ لأن البينة لا تفيد إلا الظن؛ فلا يستقيم حينئذٍ أن يجعل ذلك مانعاً.
وقولُكم: إنه لا يجوز العمل بالظن في مال الغير منقوضٌ بأن البينة لا تفيد إلا الظن وقد جاز العمل بها بل وجب في مال الغير.
فإن قيل: إنما حكمنا بوجوب الرد بالبينة وإن كانت لا تفيد إلا الظن لثبوت العمل بها في الأموال كما في آية الدين من سورة البقرة، وللإجماع على ذلك، ولم يأت دليل على وجوب العمل بمثل ما ذكر في السؤال.
قلنا: ثمرة الشهادة هي الظن وهو المقصود منها، فما أدى مؤداها وجب أن ينزل منزلتها.
فإن قيل: العمل بالشهادة أمر تعبدي فوجب العمل به دون ما ذكرتم، ولولا ذلك لوجب العمل بشهادة الفاسق إذا أثمرت الظن، فمن هنا قلنا: إنه لا يجوز العمل بالقرائن ولو أفادت الظن الغالب.
قلنا: العمل بالشهادة معقول المعنى، وإنما وجب العمل بشهادة العدلين من أجل إفادتها للظن شرعاً، وإنما ردت شهادة الفسقة لأنها لا تفيد الظن شرعاً، وقد قال الله تعالى وهو العليم الحكيم: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ٦}[الحجرات]، فسمى تعالى مدلول خبر الفاسق جهالة تعقبها ندامة، فخبر الفاسق لا يفيد الظن في الحقيقة، وإنما يفيد -كما أخبر تعالى- الجهالة ويثمر الندامة؛ فثبت بما ذكرنا أنه إنما وجب العمل بشهادة العدلين من أجل إفادتها للظن.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله
- تصنيفات الموقع