حكم تقصير اللحى
السؤال
سؤال: هل يوجد دليل مسوغ لتقصير اللحية مع أن ظاهر قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «حفوا الشوارب وأعفوا اللحى» دالّ على وجوب إعفائها، والإعفاء هو الترك لها على خلقتها كما هو مشهور، وهو أن يوفر شعرها ولا يقصها كالشارب، كما في نهاية ابن الأثير.ويزيد تأكيداً ورود بعض الروايات المشهورة بلفظ: «وفروا اللحى» ذكرها سيدي الجهبذ علي بن محمد العجري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وغيره؟وهل المخالفة للمشركين وفي بعضها المجوس وفي بعضها اليهود ما يدلّ على تأكيد وجوب الإعفاء أو النهي عن قصها كما ذكر بعض الأصوليين أن النهي إذا اقترن بالذم دل على تأكيد حرمة المنهي عنه.وفي ذهني أن الإمام الهادي # جعل إعفاء اللحية من السنة في كتاب السنة، فما هي القرينة الصارفة للأمر من الوجوب إلى الندب، أو أنه يريد بالسنة الطريقة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيشمل الوجوب كما يدل عليه اقترانه في بعض الأحاديث بالختان والمضمضة والاستنشاق ونحو ذلك؛ أوضحوا لنا الجواب فعلماء بلادنا الأوائل متشدّدون في الوجوب، كان الله معكم؟ انتهى السؤال.
الجواب
الجواب: أن السؤال وما تضمّنه يدور حول حديث الأمر بقصّ الشارب وإعفاء اللحى؛ فاعلم أن هذا الحديث وما شاكله وارد في باب الآداب، ونعني بما شاكله مثل حديث الأكل باليمين، ومما يلي الآكل، وقص الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة ونحو ذلك، وما ورد في هذا الباب هو نوع من أنواع السنة.
ولا يزيد الأمر فيه على الندب، ولا يزيد النهي فيه عن الكراهة، والقرينة الصارفة عن الوجوب والتحريم في الأمر والنهي هي كون ذلك وارداً في باب الآداب.
ونزيد في توضيح ذلك: أن قبائل العرب بما فيهم قريش كانوا يتأدّبون بالكثير من الآداب الحسنة مثل لبس العمائم، ومشط الشعر وفرقه، ونظافة الثياب والأبدان، ومراعاة الوقار في الأكل والمشي والكلام، وتوفير اللحى وقص الشارب، و .. إلخ.
ولهذا الباب مميّزات وعلامات منها:
١ - أن هذه الآداب كانت معروفة قبل مجيء الشرع.
٢ - أنه يظهر أنه لا يترتّب الأمر والنهي في هذا الباب على مراعاة المصالح والمفاسد كما هي الحال فيما ورد في الزنا والخمر والسرق والصلاة والصيام والجهاد و .. إلخ.
-الأمر من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد ورد بمخالفة المشركين واليهود والمجوس؛ أما في باب اللحية فالظاهر أن المشركين واليهود كانوا يعفون لحاهم، ولعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بمخالفة المجوس في اللحية والشارب.
وعلى الجملة فما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأوامر بمخالفة المجوس أو اليهود أو المشركين فإنه ينقسم إلى أقسام:
١_ ورد في شيء يفعلونه وهو محرم؛ فتجب مخالفتهم.
٢ - ومنه ما يرد في فعل مندوب فيكون مندوباً، مثل أمره ÷ بصيام التاسع مع العاشر في صيام عاشوراء إذا أمر به.
٣ - ومنه ما يرد في باب الآداب فيندب مثل ما ورد في اللحى والشارب.
إلا أن هناك حالة خاصة تجب مخالفتهم فيها على الإطلاق من غير نظر إلى شيء آخر كأن يختص اليهود أو غيرهم بفعل أمر، مثل ما يفعله اليهود في اليمن من تطويل الشعر المعروف بالزنارتين، فإن مخالفتهم في ذلك واجبة.
وهكذا لو أن ولاة اليمن فرضوا على اليهود لبس الأزرق من الثياب بدلاً عن الزنارتين بحيث يصير لبس الأزرق لهم علامة يعرفون بها ويميزون كما يميزون الآن بالزنارتين، فإن مخالفتهم تكون واجبة، لا لأن لبس الأزرق محرم في ذاته، بل لأن لبسه يدلّ على أن لابسه يهوديّ في الظاهر، وتجب المعاملة له معاملة اليهودي؛ فيحكم عليه بالردة بحسب الظاهر.
وتحريم التشبه بالنساء في اللباس ونحوه لا من حيث إن اللباس في ذاته محرم، بل لأن اللابس لثياب النساء في الظاهر لم يعتد بنعمة الله عليه حيث شرفه وكرمه ورفع درجته، فكأنه بتشبهه بالنساء سوى نفسه بهن، ورضي لنفسه بمماثلته لهن، وذلك كفر بنعمة الله عليه حيث رفع منزلته فوق منازل النساء.
-الهادي # جعل في كتاب معاني السنة: حلق الشعر والسواك وتعفية اللحية وأخذ الشارب مما جعله رسول الله ÷ من نفسه واختياره، ورآه مما لم يجعل الله ولا رسوله ÷ على تاركه عقاباً، ومثل الوتر وتقليم الأظفار، ومثل زيادات العبادات.
نعم، من القرائن التي تدلّ على صرف الأمر والنهي من الوجوب والتحريم إلى الندب ونحوه والكراهة- أن يكون المأمور به معلوم الحكم من قبل كلبس العمامة، وتنظيف الشعر ومشطه وفرقه، وإعفاء اللحية، ونحو ذلك، فإن حسن هذه الآداب معروف من قبل ورود الشرع، ومثل الأكل والشرب من الطيّبات، والاصطياد، ونحو ذلك من المباحات؛ فإن الأمر إذا ورد بمثل ذلك حمل في الأول على الندب، وفي الثاني على الإباحة؛ لأن الحكم معروف في الحكمين من قبل.
-وحقيقة الأمر هي الوجوب، والنهي التحريم، فيحمل ما ورد على الحقيقة إلا عند وجود قرينة تصرفه عن حقيقته، وهنا قد وجدت القرينة، وهي ما ذكرنا.
-إذا كان حلق اللحية شعاراً خاصاً بالفاسقين أو بالكافرين فلا يجوز حلقها؛ لأن الحالق يعرض نفسه للتهمة بالفسق أو الكفر.
-في عيون المختار في تعليق لمولانا رحمة الله عليه: أن الإمام القاسم بن إبراهيم كان يتشبه بالأعراب بتطويل الشارب، فذكر مولانا ما يشبه ما ذكرنا فارجعوا إلى كلامه، فيؤخذ من ذلك معرفة مذهب الإمام القاسم بن إبراهيم، أما الهادي فقد نص على أنه لا عقاب على ترك إعفاء اللحية، و .. إلخ.
-قد ورد عن بعض الصحابة أنه كان يقصّر من لحيته ولم يظهر من العلماء أي استنكار.
-هناك مقالة مشهورة هي أن للأحمق علامات، منها: طول اللحية، ولم يظهر توجيه أي نقد إلى هذه المقالة مع شهرتها.
في كتب الأصول في نحو قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: ٢]، أن بعض العلماء يقول: إن الأمر بعد النهي للإباحة، فجعلوا تقدم الحظر قرينة الإباحة.
أما تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وكذا تحريم لبس الأحمر والأصفر عليهم، وما كان أسفل من الكعبين من الثياب، ومشي الخيلاء، وتصعير الخد، وثني العطف، وتحليل الأزرار، وستر العورة، وغض البصر، ونحو ذلك- فإنها وإن كانت من باب الآداب فقد ورد النص من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على تحريم الذهب والفضة على الرجال، والأحمر والأصفر جاء التحريم لما فيهما من الشهرة الداعية إلى الكبر والإعجاب والتيه، وهكذا ما كان أسفل من الكعبين فتحريمه من أجل الخيلاء، وتصعير الخد وثني العطف لما فيهما من الدلالة على الكبر، وهكذا مشي الخيلاء، وستر العورة أوجبه العقل قبل الشرع، وغض البصر وجب لسد منافذ الشيطان.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله
- تصنيفات الموقع