حكم تأخير الحج مع الاستطاعة
السؤال
سؤال: رجل له أربعة بنين مكلفين وكلهم أغنياء، فهل يجوز لهم أن يجهزوا للحج واحداً منهم في هذه السنة، ثم في السنة الثانية الآخر، ثم في السنة الثالثة الثالث، ثم في الرابعة الرابع، مع العلم أنهم يستطيعون أن يحجوا جميعاً في هذه السنة من غير إجحاف؟
الجواب
الجواب وبالله التوفيق: أن الذي أراه من باب النصيحة أن يحج الجميع لعدة أمور:
١ - أن الله تعالى قد أمر بالمسارعة إلى مغفرته فقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: ١٣٣].
٢ - أنه قد قال الكثير من العلماء: إن الواجبات على الفور، وهذا القول هو المقرر للمذهب.
٣ - قد تعرِض للذي يؤخر الحج مع التمكن منه شواغل وأمراض وموانع في الحدود، أو الفقر، أو الموت، فيكون بالتأخير قد فوت على نفسه خيراً عظيماً، وقد لا تتهيأ له أسباب الحج مرة أخرى حتى الموت، وقد روي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «حجوا قبل أن لا تحجوا».
فإن قيل: كيف يكون حكم الذي يؤخر الحج مع استطاعته وبدون عذر إلا أنه ناوٍ ومصمم وعازم على الحج في السنة القادمة أو فيما بعدها، ثم إنه مات قبل أن يحج؟
فيقال في الجواب: وقت الحج بالنسبة للمكلف هو مدة عمره ولا خلاف في هذا بين العلماء، فمن حج من المكلفين في مدة عمره فقد أدى ما عليه، سواءً أكان ذلك في مقتبل عمره أم وفي وسطه، أم في آخره.
وبناءً على ذلك فإن المكلف إذا كان في شبابه صحيحاً قوياً، والأمن مستقر لا يخشى على نفسه القتل، وحصل له بسبب ذلك ظن بالفسحة في عمره فإنه يجوز له تأخير الحج إلى سنة أخرى.
أما إذا كان المكلف قد بلغ السنين الأخيرة من العمر، وأرهقه الضعف، ورأى العلل والأسقام تنتابه في الحين بعد الحين فإنه لا يجوز له تأخير الحج؛ لأنه لا يظن حينئذٍ بلوغ السنة الأخرى.
وهكذا إذا كان الشاب مصاباً في أول عمره بالأمراض الخطيرة، وهو مستطيع للحج فلا يجوز له تأخيره، كبعض أمراض الكبد وأمراض السرطان، وما أشبه ذلك.
وهكذا إذا كان الشاب يعيش في بلد يخشى على نفسه القتل؛ لعدم الأمن، ووجود الفوضى والقتال، وهو مستطيع للحج، فلا يجوز له تأخيره.
وتلخيص ما تقدم: أن المكلف إن حصل له ظن بالبقاء إلى السنة الأخرى جاز، وإن لم يحصل له ظن بالبقاء لكبر أو مرض، أو خوف، لم يجز له تأخير الحج، هكذا قال بعض العلماء.
فإن قيل: الشيخ الكبير وإن بلغ به الضعف ما بلغ، وتواردت عليه العلل والأسقام لا يضعف أمله في الحياة وطول العمر، بل ورد في الأثر: «يشيب ابن آدم ويشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل»، فعلى هذا يجوز له تأخير الحج لأنه يظن البقاء وبلوغ السنة الثانية.
فيقال في الجواب: ذاك ظن فاسد وأمل كاذب ولا عبرة به، ولو أن صاحب ذلك الظن الفاسد والأمل الكاذب روجع وذُكِّر لظهر له فساد ما أمله وظنه، وحينئذٍ فلا يعتبر مثل ذلك، وإنما العبرة بالظن الصحيح والأمل الصادق، وهو ما بني على الأسباب والأمارات المعتبرة.
-والذي يدعو إليه الحزم والاحتياط هو المبادرة بالحج عند الاستطاعة، وقد اختلف العلماء هل الواجبات المطلقة على الفور أم على التراخي.
-والحج وإن كان من الواجبات المؤقتة -حيث وقته العمر- فإنه في الحكم كالواجبات المطلقة، والذي يترجح أن الأوامر الشرعية المطلقة للفور شرعاً.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله
- تصنيفات الموقع