“سؤال: هل يأثم الرجل إذا فرحت نفسه واسترت بقتل بعض العصاة المصرين على أذية الناس؟ وذلك من غير أن يصدر منه أي مشاركة في قتله؟
الجواب والله الموفق: إذا كان الأمر كذلك فلا يأثم الفارح بقتل المؤذي للناس المصر على أذيتهم، بل إن قتله يكون نعمة يجب على الناس شكرها حيث كفاهم الله أذيته من غير تعب منهم، وهكذا ليس على المؤمن حرج في أن يدعو على العصاة المؤذين للمؤمنين بالقتل، ثم يفرح إذا استجاب الله دعوته وعلى الجملة فلا حرج في الفرح بقتل العاصي لله لأجل عصيانه، والحرج والإثم هو الفرح والسرور بقتل المؤمن لأجل إيمانه.
وإذا حصل الفرح والسرور بقتل المؤمن أو بموته لأجل أن الفارح سيحصل على إرث من تركته، أو سيحصل على مال من تركته بالوصية أو من أجل أن ورثته فقراء فتغنيهم تركته.
وقد سمعت عن بعض مشائخي في العلم يقول للبعض على جهة المزاح: سيكون موتي سبباً لفرح الورثة، حيث سيكون موتي سبباً في غناهم، أما أنت فليس بموت مورثكم فرحة؛ هذا معنى كلامه رحمة الله عليه، وكان عالماً وغنياً.
فإن قيل: قد ثبت أن الرضا بالمنكر منكر، فالراضي بالكفر في حكم الكافر، والراضي بقتل المسلم في حكم القاتل، وقد عذب الله قوم صالح حين رضوا بقتل الناقة، وإنما القاتل لها واحد منهم: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ١٤}[الشمس].
قلنا: كان قوم صالح جميعاً قد أرادوا قتل الناقة وعزموا على ذلك؛ عصياناً منهم لقول نبيهم صالح صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ الذي حكاه الله في قوله تعالى: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣}[الأعراف]، فحذرهم نبيهم من العدوان على ناقة الله وعلى مائها، ونهاهم أن يتعرضوا لذلك، وحذرهم بأس الله إن فعلوا ما نهاهم عنه، فتمردوا على نبيهم صالح # وتهاونوا به وكذبوه؛ فقد اشتركوا جميعاً في التمرد والعصيان والتكذيب، وعزموا على مخالفته فيما نهاهم وحذرهم.
والرضا شيء، والفرح والسرور شيء آخر، فقد قال أئمتنا: إن الرضا كلمة مرادفة للإرادة، فلا يصح أن يقال: رضيت هذا وما أردته، ولا: أردته وما رضيته، وقائل ذلك يعد مناقضاً، هكذا ذكروا كما في كتب أصول الدين.
وعلى هذا فالرضا عمل قلبي يثاب ويعاقب المكلف عليه.أما الفرح والسرور فإنه انفعال نفسي يحصل في النفس عند حصول سببه، ويكون حصوله قهرياً لا اختيار للفارح في حصوله، وإنما يتولد في النفس بمقتضى طبيعتها.
وقد ثبت شرعاً أن المكلف لا يعاقب على ما حصل من طبيعة النفس؛ لأنه ليس في وسع المكلف أن يتخلص من ذلك، وقد روي أنه نزل في ذلك قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦].
ينبغي أن نعرف أن من شأن المؤمن أن يستاء من قتل المؤمن، ويفرح ويستر لقتل أعداء المؤمنين، وإذا رأيت المكلف يفرح لقتل المؤمنين لكونهم مؤمنين فليس بمؤمن.
ومن شأن المؤمن أيضاً أن يفرح بقتل عصاة المسلمين لأجل عصيانهم لله، وتمردهم عليه، وإصرارهم على ذلك؛ لأن المؤمن يكره معصية الله وينفر عنها: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات: ٧].
فإن قيل: لا يستحق أكثر العصاة القتل عند الله وفي شريعته على معاصيهم وإصرارهم عليها، وإنما يستحقون الأدب، فلا يجوز الفرح والسرور بقتلهم الذي لا يستحقونه في حكم الله، ولا شك في قبح الفرح والسرور بمخالفة حكم الله.
فيقال: الفرح والسرور بقتل الأشرار والمؤذين والمصرين على معصية الله ليس لذات القتل، وإنما هو لما في القتل من السلامة من شرهم وأذاهم، ولما فيه من غياب العصيان بموت العاصين، وهذا وجه فرح المؤمن بقتلهم، ولا خلاف في حسن الفرح والسرور بالسلامة من الشر والأذى، وبغياب المعاصي.
ولا شك ولا ريب أن ليس الباعث لفرح المؤمن وسروره بقتل العصاة هو كون القتل مخالفاً لحكم الله، ولا شك أن الفرح بمخالفة حكم الله ليس من شأن المؤمنين، بل إنما ذلك شأن الكافرين والفاسقين.
يبين لنا مما تقدم أنه يحسن الفرح بالقتل من وجه دون وجه.وبعد، فقد قرر علماؤنا وغيرهم في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جواز قتل العصاة أو وجوبه إذا أصروا على العصيان ولم ينفكوا عنه بعد المحاولة في إزالته بكل حيلة، فإذا لم يبق إلى إزالة المنكر سبيل إلا القتل جاز أو وجب، وآخر العلاج الكي، وحينئذ فيكون القتل حكم الله في حق العصاة المصرين على عصيانهم، الذين لم يؤثر فيهم الرفق والتخويف بالله، وبيان الحجج والأدلة، ولا ...، ولا ... إلخ.
وقد سمى الله تعالى قتل الأشرار نصراً لأوليائه في قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠}[الحج]، وسمى تعالى ذلك فضلاً ونعمة في قوله عز وجل: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ٢٥١}[البقرة].
ومن شأن المؤمنين أن يفرحوا بفضل الله عليهم، كما قال سبحانه وتعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ٥٨}[يونس].
ومن شأنهم أن يفرحوا بنصر الله لأوليائه المؤمنين، كما قال سبحانه: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ٤ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} [الروم]، فأي حرج على المؤمن في الفرح بفضل الله وبنصره لأوليائه.
السيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله
📘«من ثمار العلم والحكمة فتاوى وفوائد»