الإثنين ٤ شوال ١٤٤٧ هـ الموافق 23 مارس 2026 م
العودة للأرشيف

حكم الطواف والسعي والرمي للجمار من الطوابق الثاني فما فوق

تاريخ النشر: 2026/03/07
التصنيف: الحج والعمرة
المشاهدات: 0

سؤال: ما هو رأيكم في الطواف على الكعبة من الطابق الثاني أو من الطابق الثالث؟ وكذلك رمي الجمار من فوق الكبري؟ والسعي بين الصفا والمروة من الطابق الثاني؟

الجواب والله الموفق: أن الأولى هو الطواف بالبيت من أسفل، ولا ينبغي الطواف من الطابق الثاني في الحرم أو الثالث إلا للضرورة.

هذا، وأرى أن من الضرورة مزاحمة النساء للرجال مزاحمة شديدة بحيث لا تتمكن المرأة من الاحتراز عنها لشدة الزحام، فإنه في هذه الحالة لا بأس أن تطوف المرأة من الطابق الثاني للحرم.

فإن قيل: الذي يطوف من الطابق الثاني أو الثالث غير طائف على البيت وإنما هو طائف على سماء البيت العتيق، والبيت تحته.

قلنا: حكم سماء الكعبة حكم الكعبة، بدليل صحة الصلاة فوق رؤوس الجبال المرتفعة المحيطة بمكة، وغيرها من الجبال العالية بلا خلاف يذكر بين علماء المسلمين.

وفي الشرح والحواشي: ويكون طوافه من داخل المسجد ولو على سطوحه. انتهى .

هذا، وأما رمي الجمار من فوق الكُبْرِي فلا يسمى رمياً بالمعنى الذي يصفه أهل المذهب وغيرهم، وذلك أن الرامي من فوق إنما يُسْقِط الحصاة إسقاطاً فتندفع هي إلى أسفل، أو يرمي الرامي بالحصاة فتصطدم في المدخل ثم تندفع إلى الموضع، وهناك صورة للرمي من فوق قد تكون مجزية، وذلك أن يقف الرامي فوق الجمار فيرمي موضع الرمي فتصل الحصاة موضع الرمي بشدة الرمي وقوته لا بمعونة اندفاع الحصاة وانجذابها إلى أسفل، غير أن هذه الصورة لا تحصل إلا للواقف على الفتحة المطلة على الجمار.

وبعد، فإنه لا ضرورة في رمي الجمار، فبإمكان الضعيف والمرأة أن يرميا الجمار في الليل فإن الزحام في الليل خفيف، بخلاف الطواف بالبيت فإن الزحام لا ينفك عنه لا في ليل ولا في نهار، إلا يوم عرفة فإنه يخف قليلاً.

وأما السعي بين الصفا والمروة فنقول فيه كما قلنا في الطواف، وهو أن السعي من الطابق الثاني أو الثالث لا ينبغي إلا في الضرورة.

فإن قيل: لم يثبت أن حكم سماء الصفا والمروة حكمهما كما ثبت في الكعبة زادها الله تعظيماً وتشريفاً فَلِمَ ألحقتم الصفا والمروة بالكعبة؟

قلنا: نعم لم يثبت ذلك، غير أنا أثبتنا صحة السعي بينهما من جهة أخرى، وهي: أن الواجب هو السعي بين الصفا والمروة، وهذه البينية متحققة في الطابق الثاني والثالث.

فإن قيل: إذا كان حكم سماء الكعبة حكمها، وحكم ما بين الصفا والمروة من فوق حكم ذلك- فلمَ لا تجيزون الطواف والسعي من فوق على الإطلاق؟ ولماذا لم تجيزوه إلا في الضرورة؟

قلنا: الطواف والسعي من أسفل معلوم الصحة من غير شك ولا إشكال، أما الطواف والسعي من الطابق الثاني أو الثالث فصحته غير معلومة، وإنما يظن صحتها ظناً، والمعلوم أنه لا يجوز العمل في مثل ذلك بالمظنون مع التمكن من المعلوم، وهذا أمر متقرر في العقول وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وقال أهل الأصول: «لا يجوز العمل بالظن مع التمكن من العلم»، وقال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ٣٦}[الإسراء]، وذم سبحانه وتعالى الظن والعمل به في الجملة فقال سبحانه: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ... } [الأنعام: ١٤٨] إلى غير ذلك من الآيات في هذا الباب، إذاً فالعمل بالظن إنما هو رخصة يجوز الاعتماد عليها في وقت تعسر العمل بالعلم، فمن هنا قلنا: لا ينبغي الطواف والسعي من فوق إلا عند الضرورة، وقد مثلنا للضرورة بمزاحمة النساء للرجال بحيث لا تتمكن المرأة في طوافها من التخلص من المزاحمة.

ومن المناسب أن نبين وجه الضرورة، فنقول: مزاحمة المرأة للرجال معصية، والطواف بالبيت واجب اقتضاه الإحرام ولا بد من فعله في الحج والعمرة، وقد قال العلماء: إن ترك الطاعة أولى من فعل المعصية، بل قالوا: إنه يجب ترك الواجب إذا كان المكلف يعصي بفعله كالصلاة في الدار المغصوبة.

ومن هنا فتكون المرأة معذورة من الطواف بين الرجال، بل منهية عن مزاحمتهم، لذلك قلنا: إنها تطوف من الطابق الثاني حيث لا زحام، فجاز لها ذلك من أجل الضرورة التي ذكرنا، وكذلك في السعي.

فإن قيل: هل يسقط عن المرأة أداء الحج إذا كان لا يتم لها الحج إلا بالمزاحمة الشديدة عند الطواف والسعي؟

قلنا: الأولى أنه لا يسقط عنها أداء الحج لذلك، فبإمكانها أن لا تقع في معصية الزحام، فتطوف وتسعى للقدوم في يوم عرفة، أو من الطابق الثاني، وبإمكانها أن تطوف للزيارة من الطابق الثاني، وكذلك طواف الوداع والعمرة.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )

للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله