Skip to content

حكم الحاج المتشكك في وقت يوم عرفة

المفتي:السيد العلامة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي
تاريخ النشر:
رقم الفتوى: 22469
عدد المشاهدات: 0
اطبع الفتوى:

السؤال

سؤال: إذا أعلنت الدولة السعودية أن يوم عرفة هو اليوم الفلاني، وبعض الحجاج يتردد في صحة هذا الإعلان، ويشك أن يوم عرفة هو اليوم الثاني، وفي نية هذا المتردد أن يقف في اليوم الأول والثاني احتياطاً غير أن العساكر منعوا في اليوم الثاني من دخول عرفة؛ فكيف الحكم في ذلك؟

الجواب

الجواب والله الموفق: أن حج ذلك المتردد حسبما ذكر صحيح، وذلك لأمور:

١ - أنه قد أدى مستطاعه من الوقوف، ولا يقين في الخطأ، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦].

٢ - أن أهل المذهب قالوا: إذا انكشف الخطأ بعد التحري فإنه يجزي، وهكذا قال أهل المذاهب الأخرى، فهذا دليل على أنه لا يجب على الواقف إلا التوصل إلى الوقوف بقدر مستطاعه، سواء أصاب أم أخطأ.

٣ - أنه جاء في الأثر: «وعرفتكم يوم تُعَرِّفُون» وفي ذلك دليل على أن يوم عرفة هو يوم يُعَرِّف الناس، فلا يلتفت المتردد إلى تردده.

٤ - أن المسلمين قبل حجة الوداع كانوا يحجون، وكان الحج في غير وقته بسبب النسيء، وقد بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك العهد علياً أميراً على الحجاج، وكان قد بعث قبله أبا بكر.

٥ - أن المسلمين في عهد بني أمية وبني العباس، وعلى طول التأريخ كان الحج تحت سلطان الملوك والخلفاء، وكانوا هم المسيطرين على تحديد يوم عرفة وأعمال الحج، ولم يقدح أحد من العلماء في صحة الحج، بل ورد: «إن الحج لا يفسده جور جائر».

فإن قيل: لم حكمتم بصحة ذلك مع أن سائر العبادات إذا انكشف الخطأ في أنها فعلت في غير وقتها لا تصح إلا قضاءً؟

قلنا: سائر العبادات يتيسر إعادتها وقضاؤها على المكلف بخلاف الحج فإن المكلف لا يمكنه القضاء إلا بخسائر مالية كبيرة، وعناء شديد، وقد لا يمكنه على الإطلاق، وقد لا يتهيأ الحج ويتيسر للمكلف إلا مرة في عمره، فلذلك خالف سائر العبادات.

وبناءً على ما ذكرنا في الرقم الخامس فيكون حكم الحاكم بيوم عرفة مع المنع من الوقوف قبله أو بعده مبرراً للوقوف مع الناس ومجزياً.

الأثر السابق: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس»، رواه الترمذي عن عائشة، وقال: حسن، ورواه أيضاً عن أبي هريرة، وقال: حسن، ورواه أبو داود وابن ماجه، ورواه الترمذي من حديث عائشة وصححه ورواه الدارقطني وأبو نعيم في المعرفة.

وقال في سبل السلام: وكذا في الحج لأنه ورد: «وعرفتكم يوم تعرفون».

فإن قيل: ما ذكرتم فهو للمتردد في يوم الوقوف، فما حكم حج المتيقن ليوم عرفة مع وقوف الناس في غيره، ومنع الدولة لمن يريد أن يقف في غير ما أعلنت فيه الوقوف؟

قلنا: يكون منع السلطة عذراً يصح معه الوقوف مع الناس، ودليل ذلك قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦]، وهذا الحاج الذي تيقن يوم عرفة قد أدى مستطاعه من النفقات والسفر للحج، ووقف مع الناس، ومنع من إعادة الوقوف، فما منع منه وحيل بينه وبينه يسقط عنه وجوبه، وعليه أن يكمل المناسك المستطاعة.

فإن قيل: قد جاء: «الحج عرفة» ولا خلاف أن الوقوف ركن من أركان الحج لا يتم إلا به، وقد قال أهل العلم: من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، وعليه أن يتحلل من إحرامه بعمرة؛ فكيف أخرجتم من ذكر من هذا الحكم، وحكمتم بصحة حجه؟

قلنا: لأن من ذكرنا قد أدى مستطاعه، ولم يفته الوقوف لأمر يعود إلى قدرته واستطاعته، بل فاته لأمر خارج عن قدرته وطاقته واستطاعته فخالف حكمه حكم من فاته الوقوف لغير ذلك.

فإن قيل: فيلزم ذلك في المريض.

قلنا: بإمكان المريض أن يقف ولو كان فاقد الوعي، يقف به أصحابه، بخلاف من ذكرنا.

ويؤيد ما ذكرنا: الحديث السابق، وقد ذكر في سبل السلام عن محمد بن الحسن الشيباني: يجب موافقة الناس وإن خالف يقين نفسه.

قال أهل المذهب: إذا انكشف الخطأ بعد التحري صح الوقوف.

قلت: التحري هو النظر في القرائن والأمارات، مثل كبر الهلال وصغره وغروبه، وهذا لمن يعرف المنازل، أما من لا يعرفها فيكفيه سؤال أهل المعرفة.

توضيح الأمر الثاني: وهو أن أهل المذهب وسائر أهل المذاهب الإسلامية قالوا: إن من وقف بتحرٍّ ثم انكشف خطؤه بعد ذلك- أن وقوفه صحيح، ولم يوجبوا عليه أن يقف يومين، وإنما حكموا بصحة الوقوف والحج؛ لأنه قد أدى ما في وسعه في إصابة يوم الوقوف، وقد قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦].

ودليل صحة ما قاله أهل المذاهب في هذا: ما ثبتت به الرواية في سبب نزول قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ١١٥}[البقرة]، أنها نزلت في قوم التبست عليهم جهة الكعبة وهم في ليلة مظلمة فقال قوم: جهة الكعبة في هذه الجهة، وقال آخرون: بل في هذه الجهة، وقال فريق: بل هنا؛ فصلى كل ناس إلى جهة، وخط كل منهم خطاً في الجهة التي صلى إليها، فلما أصبحوا وجدوا الخطوط إلى غير القبلة؛ فنزل في شأن صلاتهم هذه الآية، فقبل الله صلاتهم إلى غير القبلة؛ لأنهم كانوا قد أدوا وسعهم في تحري جهة القبلة.

وقال أهل المذاهب الأخرى: إن المتردد يقف مع الناس، ويجزيه ذلك ولو انكشف الخطأ، وعلى ذلك فسروا الحديث: «وعرفتكم يوم تعرِّفون».

الذي يقف مع الناس بدون تحرٍّ

الذي يقف مع الناس بدون تحر ونظر في القرائن والأمارات- يصح وقوفه ولو انكشف الخطأ بعد، وهذا في العوام واضح على قول أهل المذهب؛ لأنهم قالوا: إن مذهب العامي مذهب من وافقه، وهذا العامي قد وافق قول من يقول بموجب حديث: «عرفتكم يوم تعرِّفون».

وقول أهل المذهب: إنه إذا انكشف الخطأ في حق من وقف بدون تحر فإنه لا يصح وقوفه- يظهر لي أن مرادهم هو من كان من أهل النظر والبصيرة والمعرفة بالقرائن والأمارات، ويحسن الترجيح عند التعارض، أما العامي الصرف فغير مراد بذلك لقولهم في قواعد المذهب: إن مذهب العامي مذهب من وافق.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )

للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله

فتاوى أخرى