Skip to content

حكم البصائر التي مات كاتبها وشهودها

المفتي:
السيد العلامة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي
تاريخ النشر: نوفمبر 25, 2025
رقم الفتوى: 16200
عدد المشاهدات: 19
اطبع الفتوى:
حكم البصائر التي مات كاتبها وشهودها
رقم الفتوى: 16200
طباعة

السؤال

سؤال: ما هو حكم البصائر التي مات كاتبها وشهودها، هل يعمل بها أم لا ؟

الجواب

الجواب والله الموفق: كما في حواشي شرح الأزهار: أن البصائر المتضمنة لإثبات حق من الحقوق التي شهودها ممن تعرف ديانتهم وأمانتهم معمول بها شرعاً وإن مات كاتبها وشهودها، ولكن بشرط أن ينضم إلى ذلك ثبوت اليد على الحق، وأما إذا كانت البصيرة في حق لا يد لصاحبها عليه فلا حكم لها، ولا يعوّل عليها، ولا يعمل بها شرعاً، وهذا الذي كان يعتمده حي إمامنا الهادي عزالدين بن الحسن رَحِمَهُ اللهُ ... إلخ. (قرز) انتهى من الحاشية .
قلت: الأولى التفصيل في حكم البصيرة التي لا يد لصاحبها على ما تضمنت من الحق، وهو: أن اللازم على الحاكم هو النظر في أحوال صاحب البصيرة، فقد يكون في أول نشأته يتيماً لا يتصرف في أمواله مما قد يؤدي إلى استيلاء بعض أقاربه أو وصيهأو غيرهم على شيء من ماله، وقد يعيش صاحب البصيرة خارج وطنه، أو أن عادة صاحب البصيرة أن يشتري المال في أي بلاد ثم يشركها، أو نحو ذلك مما يستدعي خروج المال من اليد كما يفعله العلماء المشتغلون بالعلم، فإنهم قد يتكسبون شيئاً من المال ثم يسلمونه إلى أحد الزراع شركاً؛ فاللازم حينئذٍ على الحاكم هو العمل بالبصيرة التي تثبت الحق وإن كان الحق في غير يد صاحب البصيرة.

وهذا إذا كانت البصيرة صحيحة بأن يكون الخط معروفاً والشهود عدولاً، ويكفي الحاكم الظن في صحتها؛ إذ لا يمكن الوصول إلى العلم بذلك.
فإن قيل: كيف يصنع الحاكم حينئذٍ؟
قلنا: يطالب الحاكم صاحب اليد الثابتة على المتنازع فيه بإبداء أسباب الملك لذلك المتنازع فيه، وذلك إما شهادة عادلة، أو وثائق تحمل شهادة عادلة ذات خط معروف، فإن أبدى صاحب اليد ما يفيد الملك: إما شهادة وإما بصيرة- كان العمل عليها هو الأولى؛ وذلك لانضمام ثبوت اليد إلى البصيرة، وترك حينئذٍ العمل بالبصيرة التي بيد المدعي، وهذا فيما إذا تعارضت البصيرتان.
وأما إذا لم تتعارض البصيرتان كأن تكون بصيرة المدعي ناطقة بأن المدعي قد اشترى ما احتوت عليه من صاحب اليد، ولم يبد المنكر ما يعارض ذلك- فإن العمل بها حينئذ هو الأولى.
والخلاصة: أن اللازم على الحاكم هو اعتبار البصيرة الصحيحة المعروفة الكاتب والشهود وإن لم ينضم إليها ثبوت يد، ويجب عليه إجراؤها مجرى الشهادة الحية، وتنزيلها منزلتها إلا أنها أضعف قليلاً، فتنزل منزلة الشاهد الواحد على الأقل، فتحتاج حينئذٍ إلى أن يعززها المدعي بيمين، أما إهدارها تماماً فلا ينبغي؛ لأنه خلاف المعلوم من سنة المسلمين قديماً وحديثاً؛ فقد كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبعث بالرسائل المكتوبة لتبليغ الدعوة إلى الله، كما في رسائله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ملك الفرس وملك مصر وملك الروم، وملك الحبشة، و ... إلخ.ولتبليغ الأحكام الشرعية كما في كتاب عمرو بن حزم المشهور، ثم الصحابة من بعده ÷، ثم المسلمون إلى اليوم، ومن ذلك كتابة العلم والحديث وتدوينها في القراطيس، ومن قبل ذلك ما حكى الله تعالى عن كتاب سليمان عليه السلام إلى ملكة سبأ.

ومن هنا امتن الله تعالى على العباد فقال جل جلاله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ٢ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ٣ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ٤ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ٥}[العلق]، وأقسم سبحانه وتعالى فقال سبحانه: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ١}[القلم]، وأرشد سبحانه وتعالى عباده إلى التوثيق على الديون بالكتابة فأنزل في ذلك أطول آية في القرآن، وهي المسماة بآية الدين في آخر سورة البقرة.
لذلك قلنا: إنه لا ينبغي إهدار الوثائق الصحيحة التي لا يد لصاحبها عليها؛ لأن ذلك إهدار لفائدة التوثيق بالكتابة المعلوم اعتبارها قديماً وحديثاً.
وإنما قلنا: إنها ضعيفة فتحتاج إلى يمين لتؤكدها- لما جاء في آية المائدة، وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ} [المائدة: ١٠٦]، إلى قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ... } الآية [المائدة: ١٠٧]، ففي هذه الآية وفي قصتها التي نزلت من أجلها اعتبار الكتابة، فقد روي أن أولياء الميت وجدوا قرطاساً كتبه الميت فيه تسجيل المال والمتاع الذي كان معه عند موته، فلما رأى أولياؤه ذلك السجل طالبوا أوصياء ميتهم بما نقص، فحكم الله تعالى عليهم بأن يحلفوا على ما ادعوا، وذلك ما نقص مما كان قد سجله ميتهم في قرطاس وضعه بين المتاع.
فإن قيل: الآية وقصتها لم يذكر في شيء منهما اعتبار الكتابة.
قلنا: الأخبار التي تحدثت عن هذه القصة قد أجمعت على ذكر كتابة وصية الميت، وأنها هي التي كشفت لأوليائه نقص المتاع، وفي سياق القصة أن الأولياءكانوا قد اقتنعوا بأيمان الأوصياء، وحين رأوا القرطاس الذي كتبه الميت بين المتاع عادوا للمطالبة بما نقص مستندين إلى ما رأوا من الكتابة، فحين طالبوا ثانياً عند الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقنعهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن الحكم بأيمان الأوصياء قد مضى، أو بأن الكتابة غير معمول بها، أو أنه لا يجوز لهم الاستناد إليها، بل أقرهم على دعواهم التي دعاهم إليها ما رأوه من الكتابة، وطلب منهم الأيمان على ما ادعوا.

فمن هنا قلنا: إن آية المائدة وقصتها تؤيد ما ذكرنا، فإذا ضم صاحب البصيرة اليمين إلى بصيرته استحق بذلك المتنازع عليه، فإن لم يحلف حلف المنكر.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )

للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله

فتاوى أخرى