الأحد ٩ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ الموافق 20 سبتمبر 2026 م
العودة للأرشيف

حكم (أنت طالق ثلاثاً متخلّلات الرجعة)

رقم الفتوى: 25421
تاريخ النشر: 2026/09/17
التصنيف: الطلاق
المشاهدات: 0

سؤال: ما رأيكم في كلام أهل المذهب أن الرجل إذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً متخللات الرجعة إنها قد طلقت ثلاثاً لا رجعة له فيها، مع أنهم قد نصوا على أنه يحرم الضرار في الرجعة من الزوج، ومن راجع ليطلق شبيه بالمضارر لها، خصوصاً مع استدلال من منع من وقوعه ثلاثاً بهذه الصورة بقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: ٢٢٨]، فاشترط سبحانه الإصلاح في الرجعة، ومن راجع ليطلق ليس بمريد للإصلاح، وقد رام العلامة المحقق محمد بن يحيى المطهر في أحكام الأحوال الشخصية تخريج هذا الكلام للإمام الهادي عليه السلام، وأظنه نقل ذلك عن ضوء النهار، فما قولكم في ذلك؟

الجواب: مراد أهل المذهب أن الذي يراجع زوجته من غير إرادة الإصلاح أو من أجل مضاررتها آثم وعاص لله، والمراجعة صحيحة وإن كان آثماً، وهذا محل وفاق، ولعلهم حكموا بذلك لأن إرادة المضاررة من الزوج بالرجعة أمر خفي لا يتأتى الإطلاع عليه، ولا الكشف عنه في الغالب؛ لما جبل عليه الناس من الستر على أنفسهم.
والذي يطلق ثلاثاً متخللات الرجعة ليس فيه ضرر على الزوجة إلا مثل ضرر الطلقة الواحدة، ولعل قصد الزوج ونيته بمثل ذلك الطلاق هو البينونة وقطع العلاقة تماماً؛ لأغراض أخر غير المضاررة، مثل السلامة من أذاها وشؤمها.
وقد تكون رغبة الزوج فيها قليلة، وإذا طلقها واحدة فقد تتوسط الوسائط فيردها حياءً.
والذي يظهر لي في المسألة أن مثل ذلك الطلاق لا يقع منه إلا طلقة واحدة، لا من أجل المضاررة، بل لأنه في الحكم طلاق واحد.
بيان ذلك: أن الطلاق هو حل عقدة النكاح بلفظة واحدة أو بألفاظ كثيرة، وسواء أكان بلفظ مطلق أم بلفظ مقيد، فقوله: أنت طالق ثلاثاً متخللات الرجعة قد قيد الطلاق بقيدين: ثلاثاً، ومتخللات الرجعة، فتنحل عقدة النكاح بذلك، ويلغى القيدان.
أما القيد الأول فلأنه لم يرسلها من حبالته إلا إرسالاً واحداً، وقد جعل الله تعالى للزوج أن يرسل زوجته ثلاث مرات.
وأما القيد الثاني فبطلانه تابع لبطلان القيد الأول؛ لأنه إذا لم يقع إلا طلقة واحدة بذلك بطل التقييد بالثلاث، وقد قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: ٢٢٩]، وهذا لم يطلق إلا مرة واحدة.
«أنت طالق ثلاثاً متخللات الرجعة» المعنى الذي تفيده هذه العبارة من الناحية اللغوية: أن الثلاث الطلقات موصوفة بالدخول في الرجعة، أي: أن أجزاء الطلقات الثلاث داخل في أجزاء الرجعة، وذلك يقتضي أن الرجعة سابقة في وجودها على الطلاق، أو على الأقل يقتضي أن الرجعة مقارنة للطلاق.
وإنما قلنا ذلك لأنه أنشأ طلاقاً متصفاً بصفة موجودة في الطلاق الذي أنشأه، والطلاق والرجعة متنافيان لا يمكن اجتماعهما في لحظة واحدة، ولا يتأتى إنشاؤهما في وقت واحد لزوجة واحدة، مع أن لفظة الرجعة في المثال لفظ مفرد لا يستفاد منه إلا رجعة واحدة.
-وإذا نظرنا إلى «ثلاثاً متخللات الرجعة» من الناحية العرفية لا من حيث الوضع اللغوي فيحتمل أن المراد أن الثلاث الطلقات موصوفة بأن الرجعة تتخللها، وهذا المعنى عكس المعنى اللغوي، وفرق بين «الثلاث تتخلل الرجعة» وبين «الرجعة تتخلل الثلاث».
ولعلهم يقصدون هذا المعنى الأخير؛ لأن الرجعة هي التي تتخلل الثلاث، وليست الثلاث تتخلل الرجعة. ألا ترى أن الطلقة الأولى والطلقة الثالثة ليستا متخللتين للرجعة.
وعلى كلا التقديرين فإنشاء الطلاق المتصف بتخلل الرجعة غير معقول؛ لما بين الطلاق والرجعة من التنافي، وبناءً على ذلك فلا تصح الرجعة؛ لأنه لا يصح إنشاء طلاق متصف من حين إنشائه بالرجعة.
-وإذا فرضنا وكان الغرض والقصد من قول القائل: أنت طالق ثلاثاً متخللات الرجعة هو أنت طالق ثلاثاً بين كل طلقتين رجعة أو بعد كل طلقة رجعة، أو أنت طالق ثلاثاً وأنا مراجع بعد كل طلقة، أو ورجعتي لك ثابتة بعد كل طلقة- فذلك غير مقبول من حيث إن تلك العبارة التي هي: (أنت طالق ثلاثاً متخللات الرجعة) عبارة إنشائية يراد بها إيقاع طلاق بعده رجعة ثم طلاق بعده رجعة ثم طلاق لا رجعة بعده، إيقاع ذلك بعبارة واحدة ونية واحدة وفي وقت واحد، وذلك غير مقبول ولا معقول؛ وذلك من حيث:
-إن الطلاق والرجعة لا يجتمعان في وقت واحد، فلا يمكن أن ينشئ الرجعة في الوقت الذي أنشأ فيه الطلاق.
-لا يصح أن يقال: إنه أنشأ الرجعة بعد الطلاق في نيته؛ لأن ما أنشأه بلسانه هو طلاق مقيد بصفات من شأن هذه الصفات أن تدخل حكماً في ماهية الطلاق، فكأن لما أوقعه من الطلاق ماهية مركبة من (طلاق وثلاث، ورجعة).
والطلاق الذي هذه ماهيته أو صفته غير معقول ولا مقبول، وحينئذ فتلغى القيود، ويثبت حكم الطلاق المعقول، فكأنه لم يذكر القيود.
وهذا بالإضافة إلى:
١ - أن مثل ذلك الطلاق تحيل لإبطال حكمة الله فيما شرعه من الطلاق والرجعة.
٢ - أن العوام يطلقون مثل ذلك الطلاق على غير معرفة بمعناه المقصود.
٣ - أن العامة تقريباً عند إنشاء مثل ذلك اللفظ لا ينوون الرجعة بعد كل طلقة.
نعم، ويشبه هذه المسألة قولهم فيمن قال: أنت طالق ثلاثاً للسنة، فيقال في الاعتراض عليهم:
طلاق الثلاث في إنشاء واحد نحو: أنت طالق ثلاثاً بدعة محرمة، لا يحبها الله ولا رسوله.
ويصح الطلاق وتلغى الزيادة وهي قوله: ثلاثاً، وزيادة قوله: للسنة معناه مثل معنى متخللات الرجعة سواء، والكلام فيه كالكلام فيه.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله