ترك الحج لعذر، وحكم التداوي، وحكم تمني الموت
السؤال
سؤال: هناك امرأة عجوز تستطيع أن تحج من حيث المال وصحة بدنها، غير أنها إذا ركبت السيارة يحصل لها دوخة ودفع متواصل ثم تمرض، فهل ذلك عذر في ترك الحج، وهل يجوز أن يحج عنها غيرها؟
الجواب
الجواب والله الموفق: أنه لا شك أن المرض من الأعذار الشرعية التي يجوز عندها ويرخص في ترك الواجبات أو تأخيرها، وقد قال أهل المذهب في شروط وجوب الحج: «وصحة يستمسك معها على الراحلة»، فإذا كان واجد الزاد والراحلة مريضاً مرضاً لا يستطيع معه أن يستمسك على الراحلة فلا يجب عليه الحج؛ فإذا كانت العجوز المذكورة في السؤال يبلغ بها ما يعرض لها عند الركوب حداً لا تستطيع معه أن تقف على الراحلة فإن الحج يسقط عنها، أو يبلغ بها حداً يساوي ذلك في الشدة والمشقة.
والذي أرى لمثل هذه المرأة أنه يجوز لها التأخير، ولا يسقط عنها وجوب الحج؛ وذلك أن مرض الدوخة والدفع الحاصل من ركوب السيارة مرض عارض له علاج؛ فمن أجل حصول المرض قلنا: يجوز لها التأخير، ولأجل إمكان المعالجة قلنا: إنه لا يسقط الوجوب.
هذا، وإذا أيست المرأة من القدرة على الحج بسبب هذا المرض الملازم فيجوز لها أن تستأجر من يحج عنها، فإذا قدرت بعد ذلك وزالت عنها العلة وجب عليها أن تحج بنفسها إذا كانت واجدة للمال اللازم للحج، وقد قيل: إنه لا يلزمها، غير أن الأولى لها والأحوط أن تحج.
فإن قيل: هل يجب على من يحصل له مثل ذلك المرض المذكور عند ركوب السيارة أن يستعمل العلاج ليتمكن من الحج؟
قلنا: يؤخذ من قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧]، وجوب المعالجة، وذلك أن المريض المتمكن من علاج الدوخة مستطيع الوصول إلى البيت الحرام.
وقد يقال: إن المرض عذر شرعي، عذر الله به المرضى، فقال سبحانه وتعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور: ٦١]، وقال: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤]، إلى غير ذلك من الآيات التي عذر الله تعالى فيها المرضى.
ولم نر أو نسمع أن أحداً من العلماء يوجب التداوي على المريض لأجل الصوم، أو لأجل استكمال الطهارة والصلاة، أو لأجل الجهاد، أو لأجل حضور الجمعة، أو لنحو ذلك. فإن قيل: إنه لا يجب التداوي لأجل القيام بالواجبات، ولكنه يجب التداوي لما فيه من دفع البلاء عن النفس.
قلنا: التداوي مشروع لا شك في ذلك، أما وجوبه ففيه -كما يظهر لي- تفصيل، وذلك أن المرض النازل بالمريض إن كان يخشى منه الموت، أو يخشى منه نقص كالعمى والصمم أو الجنون أو ما يشبه ذلك، وكان يرجو المريض في التداوي شفاءً، وهو مع ذلك متمكن من المعالجة- وجب عليه التداوي والمعالجة.
وإن كان المرض من الأمراض التي لا يخشى منها شيء من ذلك سوى بطء الشفاء- فلا يجب التداوي، وكل ذلك راجع إلى ظن المريض، ودليل المسألة قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥]، وما استقر في العقول من وجوب دفع الضرر عن النفس.
فإن قيل: إن الله سبحانه وتعالى قد دعا إلى الصبر والرضا عند نزول البلاء وحث عليه في قوله: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ١٥٥ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ١٥٦ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ١٥٧}[البقرة]، ولم يذكر تعالى التداوي، بل دعا سبحانه وتعالى إلى التفويض إلى الله والصبر والرضا ونحو ذلك كثير.
قلنا: التداوي والمعالجة لا تنافي الصبر والرضا والتفويض، فبإمكان المريض أن يجمع بين ذلك وبين التداوي، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتداوى، وكذلك الصحابة والعلماء إلى يوم الناس هذا.
نعم، ما يحسن ذكره هنا أن نقول: إن بعض من يطول به البلاء واستعمال العلاج قد يتضجر ويشتد عليه الضيق فيتمنى الموت، ولا يرضى أن يتعالج، فهل ذلك مما ينافي الصبر والرضا والتفويض؟
قلنا: السآمة والتضجر والضيق من طبائع البشر لا يمكن التخلص من ذلك، فإذا سئم المبتلى وتضجر من طول البلاء النازل به وتمنى لذلك نزول الموت فلا حرج كما يظهر لي في ذلك، ولا ينافي ذلك الصبر والرضا والتفويض؛ وذلك أن المؤمن في مثل تلك الحال الشديدة إنما يتمنى الموت لما له فيه من الفرج؛ إذ يتخلص بسببه من شدّة الآلام، وينفس به على أهله من استثقال تمريضه، ويصل به إلى لقاء الله وثوابه، وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام -كما في بعض خطبه في نهج البلاغة- يظهر الشكوى مما هو فيه من رعيته، ويتضجر منهم، ويتمنى مفارقتهم، ويدعو بذلك ويقول ما معناه: (اللهم أبدلهم بي شراً مني، وأبدلني بهم خيراً منهم)، وكان يظهر منه استبطاء «أشقى الأمة »، إلى غير ذلك، فلم يكن ذلك منه عليه السلام كقوله: (اللهم إني قد مللتهم وملوني) ضعفاً في الصبر والرضا والتفويض، فكذلك ما ذكرنا.
أما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يتمنى أحدكم الموت لضرٍّ نزل به» ... الحديث، فالقول فيه: إن تمني الموت يكون على وجهين:
الوجه الأول: هو ما ذكرنا في المؤمن من أن تمنيه للموت هو لما له فيه من الفرج والراحة ولقاء الثواب، والتخفيف على أهله حيث يشعر أنهم يستثقلون طول تمريضه، وهذا مع حسن ظنه بعفو الله ومغفرته، وقوة رجائه في ذلك، ومع الرضا عن الله فيما قضى.
الوجه الثاني: أن يتمنى المبتلى الموت جزعاً من صدمة البلوى وشدتها من غير نظر إلى ما سوى ذلك، وإنما ليتخلص من البلاء، فمثل هذا هو الذي ورد النهي فيه.
فإن قلت: الوجهان متقاربان حيث إن تمني الموت فيهما للتخلص من البلاء.
قلت: تمني الموت في الوجه الأول يكون لعدة أمور يحسن عند حصولها تمني الموت:
١ - الفرج والرحمة. ٢ - شعوره باستثقال أهله لطول تمريضه. ٣ - لقاء الثواب مع قوة رجائه في المغفرة والرحمة.
أما الوجه الثاني فتمني الموت إنما كان ليتخلص من البلاء من غير نظر إلى غيره.
وإنما قلنا: إن هذا الوجه هو الذي وقع النهي فيه وذلك- لما في طلب الموت عند نزول الضر من التضجر والكراهية لقضاء الله وقدره بدلاً عن الصبر والرضا عن الله تعالى فيما قضاه وقدره.
ومن أمثلة ذلك ما نسمع من كثير من الناس عند حدوث ما يزعجه من الدعاء على نفسه بالموت.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله
- تصنيفات الموقع