الإثنين ٣ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ الموافق 20 أبريل 2026 م
العودة للأرشيف

النص على إمامة علي عليه السلام

رقم الفتوى: 23597
تاريخ النشر: 2026/04/12
التصنيف: الإمامة
المشاهدات: 153

سؤال: يقال: إن النص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام نص خفي، فما معنى ذلك؟ وما هو الفرق بين النص الجلي والخفي فيما يرجع إلى التكليف؟

الجواب والله الموفق والمعين:
معنى الخفاء في النص على إمامة أمير المؤمنين هو أن على النصوص الدالة على إمامته ثوباً رقيقاً لا يستشف ما تحته إلا بعد شيء من التمعن في النظر، وذلك نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، وقوله صلى عليه وعلى آله وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله».
فالحديثان قد نصا على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته، غير أن معرفة النص في هذين الحديثين يحتاج إلى شيء من النظر والاستدلال، فلا بد في الحديث الأول من أن يلحظ الناظر إلى معرفة منازل هارون من موسى المعروفةفي القرآن وهي: النبوة، والأخوة، والوزارة، والخلافة، {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ٥٣}[مريم]، {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ٢٩ هَارُونَ أَخِي ٣٠ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ٣١ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ٣٢}[طه]، {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ١٤٢}[الأعراف].
فبعد معرفة منازل هارون من موسى يستوضح للناظر أنها ثابتة لعلي عليه السلام بالنص من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يفت علياً عليه السلام منها إلا النبوة.
وإذا وصل الناظر إلى هذه الغاية من النظر فإنه سيفهم بلا شك من النص إمامة أمير المؤمنين.
وكذلك الحديث الثاني وهو حديث الغدير فإنه يحتاج إلى شيء من النظر والاستدلال، وذلك أن لفظة «مولى» في قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» تطلق في اللغة العربية على عدة معانٍ إطلاقاً حقيقياً، فقد وضعت في اللغة للمعتِق وللمعتَق ولابن العم وللناصر وللأوْلَى بالتصرف ولغير ذلك.
ومن هنا فإن السامع لخطاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث سيحتاج إلى شيء من التأويل والنظر حتى يستوضح المعنى المطلوب، ومع التأمل فإن الناظر سيفهم بدون شك النص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.
وذلك أنه لا يصح أن يراد بالمولى في هذا الحديث: المعتِق ولا المعتَق إذ ليس كل من أعتقه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العبيد قد أعتقه علي عليه السلام، مع أنه لا فائدة في تبليغ مثل ذلك إلى الجم الغفير في مثل ذلك الموقف الحافل في يوم الغدير.
وكذلك لا معنى لأن يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من كنت ابن عمه فهذا علي ابن عمه، وكذلك الناصر؛ فلم يبق إلا أن يكون المراد بالمولى في الحديث هو ولي التصرف، وهكذا سائر النصوص التي وردت في أمير المؤمنين عليه السلام فإنها من هذا الباب.الفرق بين الجلي والخفي فيما يرجع إلى التكليف في مسألة الإمامةهذا، وأما الفرق بين النص الجلي والخفي فيما يرجع إلى التكليف- فقد أشار إليهعلماء أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم رضوان الله عليهم في مؤلفاتهم في أصول الدين عند ذكر المتقدمين على علي عليه السلام فإنهم ذكروا هنالك أن المتقدمين عليه عليه السلام إن كانوا علموا استحقاقه عليه السلام للخلافة، وأنه أولى بها بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من دونهم فإنهم ظلمة وعصاة، وإن كانوا نظروا وأخطأوا فلم يفهموا استحقاقه لها من دونهم فإنهم معذورون لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: ٥].
فيؤخذ من هذا الكلام معرفة الفرق بين الجلي والخفي، فيكون الخفي: ما يعذر المكلف بمخالفته خطأً بعد النظر.
أما النص الجلي فمعرفة معناه لا تحتاج إلى نظر بل بمعرفة اللفظ تحصل معرفة المعنى مباشرة من دون واسطة فكر واستدلال، ومن هنا فلا يمكن ادعاء الخطأ في فهم النصوص الجلية فلا يعذر تارك العمل بها.
فإن قيل: إن الهادي عليه السلام قال في مقدمة الأحكام في ذكر إمامة أمير المؤمنين عليه السلام إنه لا يتم اسم الإيمان لمن لم يعلم إمامته عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو كما قال.
قلنا: فعلاً لا يتم اسم الإيمان إلا بالتصديق والإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن رد شيئاً مما علم أنه جاء به كفر، ومن جملة ما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام إلا أن الله تعالى يتجاوز لمن لم يستطع معرفة ذلك ككثير من الأعراب البعيدين عن المدن، وكالعجم وبعض النساء، ويكفي مثل هؤلاء الإيمان الجملي، وهكذا من لم يصل به تفكيره وعقله إلى العلم بإمامة أمير المؤمنين بعد أن نظر بعقله وتحرى إصابة الحق، ولم يكن له هوى لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: ٥]، وعلى هذا فكلام الإمام الهادي عليه السلام محمول على من تحقق من إمامته ولم يذعن للتصديق بها، ومن تمكن ودعي للنظر في الأدلة ثم أعرضوبعد، فإن الذي يظهر لي أن الصحابة لا يعذرون في مسألة الخلافة بتقدير الخطأ والجهل في فهم النصوص التي جاءت في الكتاب والسنة، وذلك أن الواقع بالفعل قد كان على خلاف ذلك، وذلك:
١ - لما يلزم من اجتماع الأمة على ضلالة، وقد روي: «لن تجتمع أمتي على ضلالة» مع ما يلزم من عصيان علماء الصحابة الكاتمين.
٢ - وهذا مع ما ظهر واشتهر عن أمير المؤمنين عليه السلام من التوجع والتشكي من المتقدمين عليه كما في نهج البلاغة وغيره.
٣ - ثم ما صح واشتهر في منع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كتابة الكتاب في مرض موته، وتباطؤ الصحابة في بعث جيش أسامة، مما يدل دلالة واضحة أنهم كانوا يبيتون لأخذ الخلافة.
٤ - وما حدث بالفعل من الأذى لأهل البيت بعد موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
نعم، ولزيادة التوضيح للفرق بين الجلي والخفي نقول: دلالة كل من الجلي والخفي قطعية غير أنهما يفترقان من حيث أن دلالة الجلي ضرورية بالنظر إلى العارف باللغة، ودلالة الخفي نظرية استدلالية.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله