الأحد ٢٤ شوال ١٤٤٧ هـ الموافق 12 أبريل 2026 م
العودة للأرشيف

المعلوم من أصول الدين ضرورة واستدلالاً، ومعارف الملائكة والأنبياء

رقم الفتوى: 23326
تاريخ النشر: 2026/03/27
التصنيف: اصول الدين
المشاهدات: 7

سؤال: ما هو المعلوم بالضرورة من أصول الدين؟ وما هو المعلوم بالاستدلال؟ وهل معارف الملائكة ضرورية أم استدلالية؟ وكذلك الأنبياء عليهم السلام؟

الجواب والله الموفق: أنه لا يوجد في أصول الدين ما هو معلوم بالضرورة، وكل معارفه استدلالية، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما يلحق بذلك أو يتعلق به من الإمامة والشفاعة والخلود في النار و ... الخ، كل ذلك استدلالي، ومن هنا مدح الله سبحانه وتعالى الذين يؤمنون بالغيب في كتابه الكريم، وأثنى عليهم في آيات كثيرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك أفضل الأعمال، ولا يستحق المكلف الثناء والمدح إلا على ما في تحصيله والاستقامة عليه كلفة ومشقة، والكلفة والمشقة لا تصاحب إلا المعارف الاستدلالية، أما العلوم الضرورية فلا تحتاج إلى شيء من ذلك وإنما تحتاج إلى وجود العقل لا غير، فبوجوده تحصل العلوم الضرورية بدون اختيار العاقل، فلا عمل له إذاً ولا جهد، وقد قال سبحانه وتعالى في ذكر الجزاء: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٦}[الطور]، {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٢٤}[الواقعة]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين أن الجزاء في الآخرة من الثواب والعقاب إنما يكون على حسب الأعمال.
نعم، لا مانع من أن يتحول شيء من علوم أصول الدين من الاستدلال إلى الضرورة، ومن ذلك ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: (والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً).
فإن قيل: ما هي الطريق إلى ذلك؟
قلنا: الطريق إلى ذلك ملازمة التقوى والاستقامة على الهدى، والاجتهاد في ذلك.
والدليل على ذلك: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: ٢٩]، وقال سبحانهفي بيان الجزاء على الأعمال الصالحة: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: ٢٨] إلى غير ذلك من الآيات.
فبناءً على ذلك، فإن الله تعالى يزيد المهتدين والمتقين علماً ونوراً وكلما ازدادوا من الهدى والتقوى زادهم، وهكذا إلى أن ينتهي علمهم إلى الضرورة.
فإن قيل: قد ذكرتم فيما سبق أنه لا ثواب على العلوم الضرورية فهل يثاب هذا الصنف؟ أم ينقطع ثوابه؟
قلنا: بل يثاب على ما صار ضرورياً من العلوم الاستدلالية، وذلك أن الضرورة إنما حصلت بعناية من المكلف ومواصلة الجهد على التقوى والاستقامة، فالضرورة إذاً أثر من آثار عمله ونتيجة من نتائج تقواه وهداه، ونتائج الأعمال تتبع الأعمال في استحقاق الثواب والعقاب، بدليل قوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ١٢}[يس].
هذا، والأقرب في معارف الملائكة والأنبياء عليهم السلام أنها مثل معارف المكلفين من البشر، بدليل أن الله تعالى إنما يعرف بآياته الدالة على عظمته وجلاله وعلمه وقدرته و .. إلخ؛ لأنه سبحانه وتعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: ١١]، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ٤}[الإخلاص]، ومن هنا قال ابن أبي الحديد:
والله ما موسى ولا عيسى المسيح ولا محمد ... عرفوا ولا جبريل وهو إلى محل القدس يصعد
من كنه ذاتك غير أنك أوحدي الذات سرمد ... عرفوا إضافات ونفياً والحقيقة ليس توجد
غير أن الملائكة أعبد وأطوع وأتقى وأطهر، {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ٢٠}[الأنبياء]، {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ٦}[التحريم]، وعلى هذا فيكونون أولى بزيادة العلم والنور ومضاعفة ذلك إلى أن تصير معارفهم ضرورية، ثم يأتي الأنبياء بعد الملائكة.
وهناك دليل يدل على أن معارف الأنبياء صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ استدلالية وهو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ... الآية} [البقرة: ٢٦٠].

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله