[العمل بالصلح أو التراضي بعد صدور حكم في القضية]
السؤال
سؤال: إذا صدر حكم بين خصمين، أو جرى بينهما صلح في أمرٍ، ثم تعقب ذلك صلح وتراضٍ في ذلك الأمر، وفي هذا الصلح الأخير بعض مخالفات للحكم أو الصلح الاسبق؛ فما هو المعمول به من ذلك؟وهل يصح من أحد الخصمين أن يستدل على بطلان الصلح الأخير بالحكم السابق أو بالصلح السابق؟
الجواب
الجواب وبالله التوفيق:
- أن المعمول به هو الصلح الأخير بجميع ما اشتمل عليه، سواء وافق ما تقدمه أو خالفه.
- وذلك أن كلاً من الخصمين قد قنع ورضي بما صار له في الصلح الأخير، ورضي لخصمه بما صار إليه، وتنازل عنه تماماً، وعن كل دعوى فيه، وسدر وسدر.
- مع أن التصالح بين الخصمين على أمر يعتبر إقراراً من كل منهما للآخر بالملك لما صار إليه في هذا الصلح الأخير.
- فإن قيل: إذا ادعى أحد الخصمين بعد هذا الصلح الأخير أنه لم يكتشف وثيقة الحكم السابق أو الصلح السابق إلا بعد هذا الصلح الأخير، ولو علم بذلك قبل الصلح الأخير لما رضي به، فهل يكون ذلك له عذراً في نقض الصلح الأخير؟
- قلنا: لا يكون ذلك مبرراً لنقض الصلح الأخير؛ لما قدمنا من أن الصلح عبارة عن:
١ - التنازل من كل من الخصمين عن كل دعوى فيما صار للآخر.
٢ - الإقرار من كل منهما للآخر بالملك لما صار إليه في ذلك الصلح.
ولا يصح لأي منهما أن يطالب بما تنازل عنه لخصمه أو بما أقر به له.
ويدل على ما ذكرنا بالإضافة إلى ما تقدم: ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن عبدي تزوج بغير إذني، فقال له أمير المؤمنين: (فرق بينهما)، فقال الرجل لعبده: طلقها يا عدو الله، فقال أمير المؤمنين عليه السلام للعبد: (أما الآن أيها العبد فإن شئت فأمسك، وإن شئت فطلق)، فاستنكر الرجل على أمير المؤمنين حين أخرج الأمر من يده وجعله للعبد؛ فبين له أمير المؤمنين # ما استنكره وقال: (إنك قد قررته على النكاح، وأذنت له فيه، وذلك حين أمرته بالطلاق؛ لأنك لا تأمره بالطلاق إلا وأنت مذعن بعقد النكاح) هذا معنى الرواية لا لفظها فليعلم.
فدل كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الرواية أن تنازل الشخص عن حقه لشخص آخر طريق لثبوت الحق للشخص الآخر، وانقطاع حق الشخص الأول، وأنه لا تسمع من المتنازل بعد ذلك دعوى.
- ودلت الرواية أن الواجب على الحاكم أن يحكم بالظاهر، ولو كان المحكوم عليه مغفلاً.
ومثل ما تقدم أن يكون بين رجلين معاملات بالدين، ثم إن بيانات الدين ضاعت أو سرقت، وأراد الرجلان أن يتخلصا من ذلك الدين؛ فاجتمعا وحدسا الديون، وتفاوضا فيها؛ فاتفق رأيهما على أن يدفع المدين مبلغاً محدداً لصاحبه، ويتسامحا فيما زاد أو نقص؛ فتنازل الدافع عما زاد عليه من الدين إن كان، وتنازل الآخذ عما نقص من دينه إن كان، وافترقا على ذلك بكتابة عدل وشاهدي عدل، ثم بعد حين وُجِدَتْ البيانات الضائعة؛ فهل يكون وجودها سبباً لنقض تلك المصالحة والمنازلة والمسامحة أم لا؟
- الجواب هو كما أسلفنا في السؤال الأول، وهو أن التصالح والتراضي قد قطع طريق الدعاوى في ذلك.
نعم، إذا كان الصلح والتنازل مشروطاً بعدم ظهور البيان فإنه يعمل بالبيان.الشِّمْلان
المشهور اليوم عند عموم الناس والقبائل ومحاكم القضاء والحكام المحكمين أن الحكم الصادر من الحاكم لا يلزم الغريمين حتى يشملاه جميعاً.
والذي يظهر لي أن الحاكم الشرعي إذا حكم بين المتنازعين عنده وكتب الحكم وأشهد عليه- فإنه يلزم الخصمين العمل به وتطبيقه، وإذا كان للحاكم سلطان كان عليه أن ينفذه، أو إذا كان للخصمين ضمناء وكفلاء توجه عليهم التنفيذ، سواء شمل الخصمان أم لم يشملا.
وذلك لأن الأدلة التي وردت في هذا الباب لم تذكر شملان الخصمين.
نعم، إذا ادعى أحد الخصمين على الحاكم أنه أخطأ أو غلط في حكمه، وبين وجه الخطأ أو الغلط كان على الحاكم أن يعيد النظر، ولغيره من الحكام إذا رفع إليه ذلك الحكم أن ينظر فيه فإذا وجد خطأ أو غلطاً أصلحه وبيَّنه.
- للحاكم أن يقول إذا أصدر حكمه بين المتنازعين: هذا ما حكمت به بينكم؛ فإن شئتم ورضيتم، وإلا فهناك من هو أعلم وهو فلان فترافعوا إليه، وذلك لما روي عن علي # أنه حكم بين ناس بحكم ورَدَّ قبوله إلى مشيئتهم؛ فإن رضوا به، وإلا فليترافعوا إلى رسول الله صلى الله وعلى آله وسلم.
- وينبغي ألا يقول الحاكم كذلك إلا بشروط:
١ - أن يحس الحاكم من حال المتخاصمين أنهم غير مطمئنين إلى حكمه؛ لتوهمهم نقصان علمه بالقضاء.
٢ - أن يوجد بالقرب منهم من يرون أنه أعلم بالقضاء، أو من يماثل الحاكم بينهم في العلم بالقضاء.
٣ - أن يأمن الحاكم من حصول فتنة مترتبة على تخييرهم في قبول حكمه.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله
- تصنيفات الموقع