سؤال: هل يصح التفضل من الله تعالى على العاصي المصر بعد الحكم بخلوده في النار، فيعفو عنه، فيمنع عنه دخول النار كما أنه في الشاهد يحسن من الملك العفو عن أحد رعيته بعد الحكم عليه بالعقوبة، هل كما يحسن من العبد يحسن من الله تعالى؟
الجواب وبالله التوفيق:- العفو عن المجرم حسن في العقل وجائز في أحكامه في الجملة، ولا يجب على ذي الحق أن يستوفي حقه، بل له أن يأخذ أو يترك شاهداً وغائباً، هكذا تقرر في أحكام العقول.
- إلا أنه قد يعرض دون الإحسان مانع يمنع من الحكم بحسن الإحسان، فيصير الإحسان بسبب ذلك المانع العارض قبيحاً، واتصاف الإحسان حينئذ بصفة القبح اتصاف عارض.
فإن قيل: الحسن والإحسان من الصفات التي لا تتغير ماهياتها، فلو أخبر مخبر وقال: الإحسان قبيح، أو الحسن قبيح، لعد خبره باطلاً، ولكان مثل قول القائل: الساكن متحرك، والمثلث مربع، والبر بحر، وإنما كان مثل ذلك باطلاً غير مقبول؛ لأنه إخبار عن الشيء بضد ماهيته، أو بخلافها، والمعروف عند العقل أن ماهية الشيء لا تتغير.
فيقال في الجواب: نعم الإحسان لا يتغير كما قلتم، فمن المستحيل أن يكون الإحسان قبيحاً.
والذي نعنيه أن الإحسان يكون قبيحاً لا لأنه إحسان، بل لقبح ضميمة انضمت مع الإحسان ولزمته بحيث يلزم من فعل الإحسان حصول ذلك القبيح الملازم له. ولنضرب لذلك بعض الأمثلة:المثال الأول: قول الصدق حسن، ولا يتصور أن يخرج الصدق من حيث هو صدق عن الاتصاف بهذه الصفة ويصير قبيحاً، إلا أنه قد ينضم إلى قول الصدق ضميمة يصير الصدق معها قبيحاً لا لأجل أنه صدق بل لأجل عروض الضميمة التي انضمت إليه ولازمته؛ فلو أن ظالماً يبحث عن رجل مؤمن بريء ليقتله أو ليعذبه أو ليأخذ ماله، وكنت تعرف الرجل ومكانه، ثم سألك ذلك الظالم عن الرجل ومكانه ليقتله أو ....، وهو قادر على أخذه وقتله؛ فإن قول الصدق للظالم في تلك الحال يكون قبيحاً وجريمة يستحق بها القائل مقت الله وغضبه، وهذا واضح فإن العاقل يدرك قبح ذلك بمجرد عقله، ولا شك أن القبح الذي نجده في ذلك القول الصادق لم يكن ناتجا ًعن قول الصدق لذاته، بل إنما كان القبح لأجل ما انضم إلى قول الصدق من حصول قتل المؤمن وأخذ ماله وتعذيبه.
فأنت ترى في هذا المثال ما يبين لك أن الحسن قد يصير قبيحاً لحصول عارض عرض دون الحسن.
المثال الثاني: إذا كان هناك في رعية السلطان من يتسلط على الرعايا بالقتل والنهب والأذى، ثم أخذه السلطان، وقد عرف من حاله أنه لا يترك صنيعه ذلك، وعرف أن العفو لا يزيده إلا تمردا ًوعدواناً، فإن العفو حينئذ يكون قبيحاً لا من أجل أنه عفو، بل لأجل ما انضم إلى العفو ولزمه من حصول الشر والضر على الرعايا، ولا شك أن جميع الرعايا سيسخطون على السلطان حين عفا ويذمونه، وتنطلق ألسنتهم في سبه ولعنه، وما ذلك لأجل أنه عفا؛ فالعفو حسن يستحق فاعله المدح والثناء، بل لأجل ما انضم إلى عفوه من حصول القبح.
- فإذا استوضحت أيها السائل ما ذكرنا، وتبين لك ما شرحنا- فاعلم أن عفو الله تعالى يوم الحساب عن الذين ماتوا مصرين على كفرهم وجحودهم وفسوقهم لا يحسن؛ لما يصاحب العفو يومئذ وينضم إليه من القبح.- بيان ذلك: أن الله تعالى توعد المجرمين والفاسقين والكافرين والمنافقين بالوعيد الشديد، والعذاب الدائم في جهنم وعيداً مؤكداً، وكرر ذلك في كتابه تكريراً كثيراً.
- وأصحب ذلك الوعيد الشديد بأن وصف نفسه تعالى بأنه لا يخلف الميعاد، وبأنه لا يبدل القول لديه، وبأن قيله أصدق الأقاويل، وحديثه أصدق الحديث، وأقسم تعالى لعباده أيماناً كثيرة في كتابه الحكيم أنه سيعذب المنافقين والكافرين والفجار والظالمين، والمتكبرين في العذاب الخالد الأبدي.
- فإذا فرضنا وجوزنا أن الله تعالى سيعفو عن أولئك أو عن بعضهم؛ فإنه سينضم إلى فرضنا وتجويزنا ذلك- اتهام الله تعالى بالكذب، وخلف الوعد، وعدم مصداقية أيمانه وحلفه في كتابه.
- ولزم في تجويز العفو من الله يوم القيامة تجويز الكذب في القرآن، ولا شك أن تجويز الكذب في القرآن كفر ونفاق.
- وبعد، فكل ما في القرآن حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وذلك إجماع بين المسلمين، والحق ضد الباطل، وتجويز العفو يعتبر تجويزاً لعدم مصداقية هذه الآية.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله