إذا نظر الرجل في اختلاف المذاهب الإسلامية واختار لنفسه منها مذهب المجبرة أو المشبهة أو .. إلخ، فكيف يحكم عليه بأنه -عند بعض- كافر تأويل، وعند بعض أنه فاسق، مع قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ … } [الأحزاب: ٥]، وقوله صلى الله عليه آله وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان … »، ومع أن ذلك الرجل قد تحرى في نظره، ونزه الله تعالى وقدسه، وأثبت له ما يستحقه تعالى من صفات الكمال، ونفى عنه ما لا يليق بعظمته من صفات النقص والذم، وقد قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦] وقد أدى ذلك الرجل وسعه؟
الجواب ومن الله التوفيق:
١ - جميع أهل المذاهب الإسلامية الذين هم أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم مجمعون على تضليل كل من خالف الحق في هذا الباب، فأهل كل مذهب يضلل أهل المذاهب المخالفة له، والغالب منهم يحكم بكفر المخالف له، ويسميه كفر تأويل، والأقل يسمي الضلال فسقاً، وبعضهم يلحقه بحكم المرتد.
وقد جاء بعد هذا الإجماع والاتفاق قوم في هذا القرن فحاولوا أن يقربوا بين أهل المذاهب المختلفة، فقالوا: إن الجميع في صواب، وأنه لا يجوز التكفير والتفسيق في هذا الباب، واستنكروا ما عليه أهل المذاهب، وأهل هذا القول هم من علماء صنعاء في أول عهد الإمام يحيى حميد الدين منهم عبدالواسع الواسعي، إلا أن أهل المذاهب الإسلامية لم يلتفتوا إلى هذا القول الجديد، ولم يعولوا عليه، والإجماع من آكد الأدلة.
٢ - قد دل القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ... } [النساء: ٤٨] على أن الله تعالى لا يغفر الشرك على الإطلاق سواء أصدر عن عمد أم عن خطأ، وسواء أكان من كامل النظر أم قاصره، وسواء أكان قبل دعوة الرسل أم بعدها ... وإلخ.
وهذا في حين أنه تعالى يغفر ما دون الشرك من المعاصي لمن يشاء، فيغفر ما وقع منها عن طريق الخطأ والنسيان، وما وقع عن طريق الغلط، وما وقع قبل دعوة الرسل صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وما وقع عن الخطأ في التأويل؛ لورود الأدلة بذلك، منها: قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [الأحزاب: ٥].
ومنها: قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ١٥}[الإسراء]، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: ١١٥].٣ - العاقل إذا نظر وتحرى فإن عقله لا يطمئن ولا يسكن إلا إذا وقف على الحق الواضح، ولا يقتنع إلا إذا انكشف له شخصيته وتحقق من هويته، أما قبل الوصول إلى ذلك فإن العقل لا يقتنع ولا يقبل ما ليس بحق ولا يستجيب له، ولا يرضى به.
وإذا قبل بغير الحق ومال إليه فإنما يكون بدافع الهوى وشهوة النفس، لا باقتناع من العقل وتحقق منه لما مال إليه.
وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون وقوع المكلف في اعتقاد الباطل في معرفة الله مما يعفى عنه.
جعل الله تعالى لعباده العقول وركزها فيهم ليعرفوا بها ربهم ويشكروه، {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٧٨}[النحل]، بل ما خلق الله الجن والإنس وركز فيهم العقول إلا ليعبدوه، ولا تتأتى العبادة لله إلا بعد معرفته.
٤ - وإذا كان الغرض والحكمة من خلق الجن والإنس بما فيهم من الأسماع والأبصار والعقول هو معرفة الله وشكره وعبادته، فلا بد على مقتضى حكمة الله وعلمه وعدله أن يكون لكل مكلف من العقل والإدراك والتمييز ما يوصله إلى المطلوب من العلم بالله، وبما له من العظمة والجلال والكمال، وبما تقدس عنه وتنزه من النقص ومشابهة المحدثات ومجانستها وفعل القبيح ... الخ.
٥ - يؤيد ما ذكرنا ويدل عليه: قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨}[الشمس]، وقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠}[البلد]، وقال تعالى يخاطب الجاهلين به: { ... أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٤٤}[البقرة]، { ... أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣}[يونس]، فدل ذلك على أن الله تعالى ألهم كل مكلف بما ركز له من فطرة العقل التمييز بين الفجوروالتقوى، والحق والباطل، والهدى والضلال، ومعرفة طريق الهدى وطريق الضلال، وأنه يكفي المكلف لمعرفة الحق وسلوك سبيله ومعرفة الباطل وتركه أن يرجع إلى عقله فإنه سيهديه لا محالة إلى ذلك، بل إنه لا يحتاج إلى كثير عناء، فيكفيه أن يرجع إلى ما في ذاكرته فإنه سيجد فيها ما يهديه إلى الحق ، ويردعه عن الباطل.
٦ - إذا كان هناك من لا يستطيع أن يصل إلى معرفة الحق من الباطل بعقله وفكره فليس مكلفاً بمعرفة الحق، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦].
٧ - وإنما كان الخطأ في معرفة الله والجهل به عظيماً يستحق به صاحبه اسم الكفر، وينظم به في سلك الفاجرين والفاسقين والظالمين لأسباب:
١ - أن الله تعالى يستحق على عبيده أن يشكروه غاية الشكر بما أعطاهم من جلائل النعم وأغدق عليهم بما لا يحصوه من العطايا والمنن، وأن كل ما وجد أو يوجد من نعمة بأحد من خلق الله فهي منه وحده لا شريك له، وأن فضله عليهم عظيم وإحسانه إليهم كثير، {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: ٢١]، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا .. } [إبراهيم: ٣٤].
٢ - أن الله تعالى مع فضله عليهم وإحسانه إليهم قد دلهم على معرفته بدليلين كبيرين:
أ بما ركز في فطر عقولهم من التمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال.
ب بما عرفهم به ودلهم عليه على ألسنة رسله صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ وبما أنزل في كتبه.
٣ - أن الله تعالى بعث في آفاق السموات والأرض آيات عظمته وكبريائه وآيات علمه وقدرته و ... الخ، بل إن في كل إنسان من آيات الله الباهرة ودلائل قدرته القاهرة وآثار علمه ورحمته ما يكفي العاقل ويغنيه عما سواه من الآيات.وقد قال بعض الشعراء:
فيا عجباً كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
وقال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٥٣}[فصلت].
٤ - أن الله تعالى قد حذر عباده وأنذرهم لما في الجهل به والكفر به من العقاب والعذاب، وبما يستحقه الجاهل بالله في الدنيا من الوبال والنكال.
٥ - فطر العقول عند عموم البشر تقضي بالعقاب على المتمرد عن طاعة السلطان المصلح في البلاد، القائم بمصالح العباد، وأن عقابه يكون على قدر تمرده وعصيانه.
وأن أعظم عصيان للسلطان المصلح أن يستخف العاصي بسلطانه المصلح ويستهزئ بدولته ولا يعترف بها ولا يقر، ويدعي أن السلطان لغيره والولاية لسواه، ولا يسمع ولا يطيع لشيء من أوامره ونواهيه، بل يخالفه ويعصيه، ويسعى بكل جهوده في إبطال سلطانه، وإفساد العباد ومصالح البلاد، فإن قوانين البشر في قديم الدهر وحديثه تعاقب مثل هذا الذي ذكرنا بأعظم العقاب، إما بالقتل، وإما بالسجن المؤبد، هكذا تقرر في العقول البشرية.
- وأقول: إنه لولا الهوى والميل مع شهوات النفس ورغباتها لأبصر أهل المذاهب الباطلة رشدهم، وتركوا باطلهم ومالوا إلى الحق وساروا في الطريق المستقيم، ولكن أهواء النفس وشهواتها هي التي أبعدت الناس عن الحق الواضح، وسلكت بهم في أودية الضلال، وأدخلتهم في المهالك.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله