Skip to content

الصلاة على ميت كان يتساهل في بعض المعاصي

المفتي:
السيد العلامة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي
تاريخ النشر:
رقم الفتوى: 5528
عدد المشاهدات: 4
اطبع الفتوى:

السؤال

هل تجوز الصلاة على الميت الذي كان يتساهل في الشتم وكشف الفخذ؟

الجواب

الجواب والله الموفق: المذهب كما في حواشي الأزهار: أن صلاة الجنازة والغسل يجبان على الذي هو في حكم الفاسق وهو مجروح العدالة، انتهى بمعناه.
قلت: الذي يبدو لي أن المراد بالذي في حكم الفاسق هو الذي يتساهل في المعاصي التي لم يدل الدليل القاطع على كبرها، بدليل أنه قد جاء في قواعدهم: (أنه لا يجوز التكفير ولا التفسيق إلا بدليل قاطع).
فبناءً على ذلك فتجب الصلاة والغسل على من مات من المسلمين ولم يعلم أنه مات مصراً على كبيرة.
هذا، ويمكن الاستدلال على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ [آل عمران159]، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالعفو والاستغفار للمسلمين الذين يصدر منهم شيء من المعاصي والمخالفات.
وذلك أن المسلمين لم يكونوا بمنزلة واحدة من العلم بالله وبأحكامه وآدابه، بل كان منهم قلة من الذين استحكمت فيهم المعرفة، ومنهم دون ذلك ودون ذلك، ومنهم الأعراب الجفاة، ومنهم الجاهل، وذو الإيمان الضعيف، وكانت منازلهم في التقوى مختلفة. فلهذا كان ولا بد أن يحصل فيهم مخالفات ومعاصي، وهذه نتيجة حتمية في كل مجتمع يتصف بتلك الصفات المختلفات، وسواء في ذلك زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره. فأمر الله تعالى نبيه أن يقابل تلك النتائج بالعفو والاستغفار، ثم بالمشاورة التي تدل على الرضا والرغبة والمحبة والأنس.
غير أنا نقول: إن مثل هذا الصنيع البار مشروط ومقيد بقوله تعالى في المنافقين في سورة التوبة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا...﴾ الآية [التوبة84]، وبقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ113 وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ...﴾ الآية [التوبة].
فلا يجوز الاستغفار والصلاة على من تبين أنه من أصحاب الجحيم، أو أنه عدوٌّ لله تعالى؛ فمن ثبت قطعاً أنه من أصحاب الجحيم فلا تجوز الصلاة عليه، وأهل الكبائر هم من أصحاب الجحيم قطعاً. والمراد بالكبائر هنا: ما ورد الوعيد عليه بالنار قطعاً كالشرك بالله تعالى، وقتل النفس المحرمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، والزنا، وأكل الربا، وما أشبه ذلك مما وقع الإجماع على كبره.
أما ما وقع الخلاف في كبره بين علماء المسلمين فلا يمنع من الصلاة عليه وإن كان عندنا كبيراً؛ وذلك لما تقدم من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ113﴾ [التوبة]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة14].
والتبين لا يكون إلا فيما استحكمت فيه المعرفة واستوضحت غاية الوضوح، ومن هنا يؤخذ الدليل على قولهم: إنه لا يجوز التكفير والتفسيق إلا بدليل قاطع.
فإن قيل: هناك حديث مروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه الأمر بالصلاة على من قال: (لا إله إلا الله)، وخلف من قال: (لا إله إلا الله).
قلنا: الحديث غير صحيح عند المحدثين كما أفاده الجلال في ضوء النهار، ثم نقول على فرض صحته: إنه عام مخصوص بما تقدم، فيكون التقدير: صلوا خلف من قال: (لا إله إلا الله)، وعلى من قال: (لا إله إلا الله) إلا على من تبين أنه من أصحاب الجحيم، أو من تبين أنه عدو لله فلا تصلوا عليه ولا خلفه.
فإن قيل: ما ذكرتم من الآيات وارد في المشركين ولا كلام لنا حولهم، وكلامنا هو في عصاة الموحدين، وليسوا بمذكورين في الآية.
قلنا: التعليل في الآيتين وهو: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ113﴾ [التوبة]، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة14]- يؤذن بعموم الحكم على كل من تحققت فيه هذه العلة وإن كان الحكم خاصاً. وما ذلك إلا بمنزلة أن يقول الطبيب للمريض: لا تشرب العسل لحلاوته؛ فإن المريض وكل عاقل يفهم من مثل هذا الخطاب أنه لا ينبغي للمريض أن يأكل السكر أو يشرب العصيرات الحالية، والأصوليون في مثل هذا بين قولين اثنين:
فمنهم من يقول: إن النهي عن السكر والعصير الحالي وغير ذلك مما له حلاوة قد تناولته العلة بعمومها، فكل حالي منهي عنه بالنص لا بالقياس.
والفريق الثاني من الأصوليين يقولون: النهي في مثل ذلك خاص لم يتناول كل حالي، وإنما العسل فقط، ونحن إنما حكمنا على كل حالي كالسكر والعصيرات الحالية وما أشبه ذلك بالقياس. فقد قسنا كل حالي على العسل، والعلة الجامعة هي الحلاوة.

فتاوى أخرى