فلما شهر نفسه في نواحي الغرب ودعا إلى الله والجهاد في سبيله كتب دعوته عليه السلام وهي هذه:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل النصر لمن أطاعه، وعاقبة السوء لمن عنَدَ عنه، ولا إله إلا الله المتفرد بالوحدانية، الدَّال على ذلك بما أظهر من عجيب حكمته ولطيف تدبيره، الذي لا يُدْرَك إلا بأعلامه وبيناته، سبحانه منزهًا عن ظلم العباد، وعن السوء والفحشاء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] وصلى الله وسلم على محمد عبده ورسوله وخيرته من خلقه، انتجبه واصطفاه، واختاره وارتضاه، صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين.
أمَّا بعد: فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى العدل في الرعية، والقَسم بالسوية، ورفع المظالم، والأخذ بيد المظلوم، وإحياء السنة وإماتة البدعة، وإنفاذ حكم الكتاب والسنة على القريب والبعيد، واذكروا الله في ملوك تجبروا، وفي الأمانات خفروا، وعهود الله وميثاقه نقضوا، وولد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قتلوا، وأُذكركم الله في أرامل افتقرت، ويتامى ضُيِّعَتْ، وحدود عطلت، وفي دماء بغير حق سفكت، فقد نبذ الكتاب والإسلام، فلم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، واعلموا عباد الله أن مما أوجب الله سبحانه على أهل طاعته المجاهدة لأهل عداوته ومعصيته باليد واللسان، فباللسان الدعاء إلى الله بالموعظة الحسنة والنصيحة والتذكرة والحضّ على طاعة الله تعالى، والتوبة عن الذنوب، والإنابة والإقلاع والنزوع عما يكره الله، والتواصي بالحق والصدق والصبر والرحمة والرفق، والتناهي عن معاصي الله كلها، والتعليم والتقويم لمن استجاب لله ولرسوله حتى تنفذ بصائرهم، وتكمل نحلتهم، وتجتمع كلمتهم وتنتظم ألفتهم، فإذا اجتمع منهم من يكون للفساد دافعًا، وللظالمين مقاومًا وعلى البغي والعدوان قاهرًا، أظهروا دعوتهم، وندبوا العباد إلى طاعة ربهم، ودافعوا أهل الجور عن ارتكاب ما حرم الله عليهم، وحالوا بين أهل المعاصي وبين العمل بها، فإن في معصية الله تلفًا لمن ارتكبها، وهلاكا لمن عمل بها، ولا يثنيكم من علو الحق وإظهاره قلة أنصاره، فإن فيما بدئ به من وَحدَة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء الداعين إلى الله قبله، وتكثيره إياهم بعد القلة، وإعزازهم بعد الذلة، دليل بين وبرهان واضح، قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123]، وقال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] فنصر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وكَثَّر جنده وأظهر حزبه، وأنجز وعده، جزاء من الله سبحانه، وثوابا لفعله وصبره وإيثاره طاعة ربه، ورأفته بعباده ورحمته، وحسن قيامه بالعدل والقسط في بريّته، ومجاهدة أعدائه وزهده فيما زهّده فيه، ورغبته فيما ندبه إليه، ومواساته أصحابه، وسعة أخلاقه، كما أدبه الله وأمره، وأمر العباد باتباعه وسلوك سبيله والاقتداء بهديه وإقتفاء أثره، فإذا فعلوا ذلك أنجز لهم ما وعدهم كما قال عز وجل: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النحل: 90] وكما مدحهم وأثنى عليهم إذ يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، وقال عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وفرض الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأضافه إلى الإيمان والإقرار بمعرفته، وأمر بالجهاد عليه والدعاء إليه، قال عز وجل: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} [التوبة: 29] وفرض قتال المعاندين عن الحق والباغين عليه ممن آمن به وصدّق بكتابه حتى يعود إليه ويفيء، كما فرض قتال من كفر به وصدَّ عنه، حتى يؤمن بالله ويعترف بدينه وشرائعه، فقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] فهذا عهد الله إليكم وميثاقه عليكم بالتعاون على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، فرضًا من الله واجبًا وحكمًا لازمًا، فأين عن الله تذهبون؟ وأنّى تؤفكون؟ وقد جابت الجبابرة في الآفاق شرقًا وغربًا، وأظهروا الفساد وامتلأت الأرض ظلمًا وجورًا، فليس للناس ملجأ، ولا لهم عند أعدائهم حسن رجاء، فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر اليد الحاصدة للجور والظلم، وأنصار الكتاب والسنة، القائمين بحق المظلومين من ذرية النبيئين وآل النبيئين، فكونوا رحمكم الله عند الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين، ونصر مع النبيئين، واعلموا معاشر البربر أنكم آويتم. وأنا المظلوم الملهوف، الطريد الشريد، الخائف الموتور، الذي كثر واتروه، وقلَّ ناصره، وقُتِل إخوته وأبوه وجده وأهلوه، فأجيبوا داعي الله فقد دعاكم إلى الله، قال الله تعالى: {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 32] أعاذنا الله وإياكم من الضلال، وهدانا وإياكم إلى سبيل الرشاد.
وأنا إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليُّ بن أبي طالب عليه السلام جدَّاي، وحمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة عمَّاي، وخديجة الصديقة وفاطمة ابنة أسد الشَّفيقة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جدَّتاي، وفاطمة ابنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليهما سيدة نساء العالمين وفاطمة ابنة الحسين سيدة بنات ذراري النبيئين أمَّاي، والحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبواي، ومحمد وإبراهيم ابنا عبدالله المهدي والزاكي إخواني، فهذه دعوتي العادلة غير الجائرة، فمن أجابني فله ما لي وعليه ما عليَّ، ومن أبى فحظه أخطأ، وسيرى ذلك عالم الغيب والشهادة أني لم أسفك له دمًا، ولا استحللت له محرما ولا مالا، واستشهدك يا أكبر الشاهدين شهادة، واستشهد جبريل وميكائيل أني أول من أجاب وأناب، فلبيك اللهم لبيك مزجي السحاب وهازم الأحزاب، مصير الجبال سرابًا بعد أن كانت صمًّا صلابًا، أسألك النصر لولد نبيك إنك على ذلك قادر.
فهذه دعوته عليه السلام وقد أجابه خلق كثير عندها، وكانت له مواقف كثيرة ومحاربات جمَّة ظهر فيها على الجنود العباسية وكذلك الخوراج، وروى محمد ابن جرير أن هارون لما بلغه من عامله بأفريقية ظهور إدريس عليه السلام وقوة جانبه قلق حتى هابته حاشيته، واجتنبوا كلامه خوفًا من سطوته، فجاء يحيى بن خالد فأخبروه فجلس من تلقاء رأسه فقال: يا أمير المؤمنين مالي أراك كئيبًا؟ فإن كان ذلك لحدث أو فتق فلم يزل ذلك يقع على الملوك ثم تؤول الأمور إلى المحبوب، وإن كان لأمر تفديك فيه نفوسنا وأموالنا فهي لك الفداء، وإن كان لأمر لا تكفي فيه نفوسنا وأموالنا فنسأل الله كفايته، فقال: إن عاملي بأفريقية ألطف إلي في كتابه - وقصَّ قصة إدريس عليه السلام وقد علمت ما بيننا وبين الطالبية، والله ما هو إلا ظهورهم وكان الفناء، فقال: ليطب عيش أمير المؤمنين فإني أكفيه أمر إدريس ولا يعرف هلاكه إلا مني فطابت نفس هارون، واستعمل سمًّا وأمر به قيل: مع سليمان بن جرير، وقيل: مع رجل أمره أن يتزيَّا بزي اليهود إذا صار في المغرب، وقيل: مع المزين، وعلى اختلاف الروايات قد صح سمُّه عليه السلام.
وقال بعض الشعراء من الموالين لبني العباس:
أتظن يا إدريس أنك مفلتٌ ... كيد الخليفة أو يقيك فرارُ
فلْيُدركنّك أو تحل ببلدة ... لا يهتدي فيها إليك نهارُ
إن السيوف إذا انتضاها شخصه ... طالت وتقصر دونها الأعمارُ
مَلكٌ كأن الموت يتبع أمره ... حتى يقال تطيعه الأقدارُ
وَوَلدَ إدريس عليه السلام إدريس بن إدريس، وكان من سادات العترة عليهم السلام، وولده إدريس المثلث عليه السلام، وله عقبٌ بالمغرب.